Untitled 1Untitled 1


العودة   المنتدى العراقي > المنتدى الوثائقي > ملفات و وثائق
التسجيل البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

 
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 11-21-2008, 11:14 PM   #21 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 450
IraqiForum خطبة الجمعة الحادية والعشرون 12جمادي الاولى 1419

الجمعة الحادية والعشرون 12 جمادي الاولى1419

الخطبة الاولى



لاجل حب القرآن، وطاعة القرآن، الصلاة على محمد وال محمد : (اللهم صل على محمد وال محمد).

لاجل حب الزهراء، وطاعة الزهراء، الصلاة على محمد وال محمد : (اللهم صل على محمد وال محمد).

لاجل حب الحوزة الشريفة، وطاعة الحوزة الشريفة، الصلاة على محمد وال محمد : (اللهم صل على محمد وال محمد).

لاجل حب المرجعية الصالحة، وطاعة المرجعية الصالحة، الصلاة على محمد وال محمد : (اللهم صل على محمد وال محمد).

لاجل حب العدل الاسلامي الكامل، وطاعة العدل الاسلامي الكامل، الصلاة على محمد وال محمد : (اللهم صل على محمد وال محمد).

اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، توكلت على الله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين.

بسم الله الرحمن الرحيم

يا من اذا سأله عبد اعطاه. واذا امل ما عنده بلغه مناه. واذا اقبل عليه قربه وادناه. واذا جاهره بالعصيان ستر على ذنبه وغطاه.واذا توكل عليه احسبه وكفاه. الهي من ذا الذي نزل بك ملتمسا قراك فما قريته. ومن ذا الذي اناخ ببابك مرتجيا نداك فما اوليته. ايحسن ان ارجع عن بابك بالخيبة مصروفا، ولست اعرف سواك مولا بالاحسان موصوفا. كيف ارجو غيرك، والخير كله بيدك. وكيف اؤمل سواك، والخلق والامر لك. ااقطع رجائي منك، وقد اوليتني ما لم اسأله من فضلك. ام تفقرني الى مثلي وانا اعتصم بحبلك. يا من سعد برحمته القاصدون، ولم يشق بنقمته المستغفرون. كيف انساك ولم تزل ذاكري ؟ وكيف الهو عنك وانت مراقبي ؟ الهي بذيل كرمك اعلقت يدي، ولنيل عطاياك بسطت املي. فاخلصني بخالصة توحيدك، واجعلني من صفوة عبيدك. يا من كل هارب اليه يلتجي، وكل طالب اياه يرتجي. يا خير مرجو، ويا اكرم مدعو، ويا من لا يرد سائله، ولا يخيب آمله. يا من بابه مفتوح لداعيه، وحجابه مرفوع لراجيه. اسألك بكرمك ان تمن عليّ من عطائك بما تقر به عيني، ومن رجائك بما تطمئن به نفسي، ومن اليقين بما تهون به عليّ مصيبات الدنيا، وتجلوا به عن بصيرتي غشوات العمى، برحمتك يا ارحم الراحمين.

اللهم صل على محمد المصطفى، وعلي المرتضى، وفاطمة الزهراء، والحسن المجتبى، والحسين الشهيد بكربلاء. وصل وسلم على علي السجاد، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعلي الرضا، ومحمد التقي، وعلي النقي، والحسن العسكري، والحجة القائم الهادي المهدي. انصرهم بنصرك، وصل عليهم في ارضك وسمائك، واجعلنا معهم في الدنيا والاخرة.

اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

نكون بعد يومين تقريبا أو تحقيقا، في الذكرى السنوية لوفاة الزهراء (سلام الله عليها). فيحسن ان نتحدث عنها بهذا اللسان القاصر المقصر، والقلب الجاهل العاطل . فأن المعصومين (عليهم السلام) اعلى، واشرف، واهم، واخفى من ان يطلع على حقيقتهم احد.

ومن هنا ورد عن رسول الله (صلى الله عليه واله) : (ياعلي ما عرف الله إلا انا وانت وما عرفني إلا الله وانت وما عرفك إلا الله وانا). وهذا معنى التعذر الحقيقي لمن كان دونهم ان يعرف حقيقتهم، أو ان ينال المهم من صفاتهم. فمن تخيل ذلك وتوهمه فهو الجاهل العاطل. ولعل كثيرا من المؤلفين في تأريخ المعصومين (عليهم السلام) من مختلف المذاهب يحسبون انهم على شيء، وليسوا على شيء. وانما هم يتكلمون بمقدار امكانهم، وبالمقدار الواصل اليهم من الاحاديث والاخبار، وبمقدار فهمهم لهذه الاحاديث والاخبار. والا فأننا كما لا نفهم المعصومين انفسهم حق فهمهم، كذلك لانفهم كلامهم حق فهمه. نعم، لنا منه المقدار المعتبر من الظهور العرفي فقهيا. الذي ارادوه لنا لتمشية هذه الحياة، ولازجاء هذه الحاجات، ولتطبيق العدل الممكن بمقدار مستوانا وقابلياتنا، وليس اكثر من ذلك.

والا فالزهراء (سلام الله عليها) لا يقاس بها احد. فهي ام احد عشر اماما من الائمة المعصومين (عليهم افضل الصلاة والسلام)، كلهم يتشرفون بها، ويتبركون بها، ويحمدون الله سبحانه وتعالى على نعمته في انها امهم وجدتهم. كما انها من الناحية النظرية نافذة الامر فيهم، ويجب عليهم اطاعتها، كما يجب عليهم اطاعة علي امير المؤمنين، والرسول (صلى الله عليه واله). فعلي وفاطمة كل منهما امام الائمة، وولي الاولياء، واساس شجرة المعصومين (عليهم السلام). يكفي ان نلتفت إلى انهما والدا الحسن والحسين (عليهما السلام) ونافذا الامر فيهما، ولهما عليهما حق الوالدين، وكذلك هما ـ اي علي وفاطمة (سلام الله عليهما) ـ اشرف من الحسن والحسين (عليهما السلام)، ويجب على الحسن والحسين طاعتهما من باب الولاية العامة عليهما، مضافا إلى الابوة والامومة. فأذا علمنا ان الحسن والحسين خير من الائمة التسعة الذين بعدهم واعظم منهم عند الله سبحانه وتعالى، فكيف يكون حال الائمة التسعة المعصومين بالنسبة الى علي وفاطمة (سلام الله عليهما).

ومن ادلة ذلك ـ اي افضلية الحسن والحسين من سائر الائمة(عليهم السلام) ـ انهما من اصحاب الكساء دون من بعدهم طبعا. فاذا وجب على الحسن والحسين اطاعة علي وفاطمة (عليهما السلام)، وجب على الباقين اطاعتهم ايضا بطريق اولى بطبيعة الحال. بل ان اطاعة علي وفاطمة اطاعة لرسول الله (صلى الله عليه واله)، بل هي اطاعته عينا.

أما علي (عليه السلام)، فلأنه نفس رسول الله (صلى الله عليه واله)، بدليل قوله تعالى : ((وانفسنا وانفسكم)). وهو صلى الله عليه واله لم يخرج من الرجال في يوم المباهلة مع نصارى نجران، إلا عليا (عليه السلام)، باجماع اهل التاريخ والحديث من كل مذاهب الاسلام. فاذا كان علي (عليه السلام) نفس رسول الله (صلى الله عليه واله)، فإذن امره امره، وفعله فعله. ولذا ورد عنه ـ اي عن النبي (صلى الله عليه واله) ـ: (ياعلي انك ترى ما ارى وتسمع ما اسمع). يعني ما يخص الوحي، أو ما في عالم الجبروت، وعالم اللاهوت، وعالم الملكوت، والعالم الاعلى عموما. وهذا الحديث او هذه العبارة مثبتة في نهج البلاغة في بعض خطب امير المؤمنين (سلام الله عليه).

واما الزهراء (عليها السلام)، فقد وردت في فضائلها احاديث كثيرة، من كل اهل الحديث في المذاهب كلها، وفي اعلى واهم كتب الحديث عندنا، واعلى واهم كتب الحديث عندهم. ومن اهمها قول النبي (صلى الله عليه واله): (فاطمة بضعة مني وهي قلبي وروحي التي بين جنبي فمن آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله). فهل يتكلم النبي (صلى الله عليه واله) مجازا كما نحاول ويحاول الناس المتشرعة ان يفهموه، انه قلبي مجازا وروحي مجازا ؟ لا حاجة إلى المجاز. ان المجاز على خلاف الاصل، وخلاف الظاهر.

وان النبي (صلى الله عليه واله) مبرئ عن العاطفة والعصبية الاسرية والابوية اكيدا. وانما لا بد من فهم هذه الاحاديث فهما حقيقيا مطابقا للواقع. إذن فهي قلب رسول الله (صلى الله عليه واله)، والقلب ليس هُو العضو الذي يوزع الدم، وربما قلت في بعض الخطب السابقة ذلك. ولذا قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: ((فانه لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)). إذن فهي قلب رسول الله (صلى الله عليه واله) بهذا المعنى. وماذا عن قلب رسول الله (صلى الله عليه واله) ؟ وماذا به ؟ وماذا يتصف من صفات ؟ حتى تكون هذه الصفات شاملة حتى للزهراء التي هي قلبه في الحقيقة. قال تعالى: ((قل من كان عدوا لجبريل فانه نزل على قلبك باذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين)). وقال جل جلاله: ((وأنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين))، هذه اوصاف قلب رسول الله (صلى الله عليه واله) بنص القران الكريم.

والزهراء (عليها السلام) هي ايضا روح رسول الله (صلى الله عليه واله) التي بين جنبيه، كما ينص الخبر الذي سمعناه. ولكن ماهي روح رسول الله (صلى الله عليه واله) ؟ وما هي اوصافها ؟ هذا ايضا مما يستحيل لنا التوصل إلى حقيقته، لكننا حين نقول، كما هُو المسلم لدى المسلمين والمتشرعة ان النبي (صلى الله عليه واله)، خير الخلق على الاطلاق، وهو فعلا خير الخلق على الاطلاق. فليس ذلك جسده ووجهه وعيناه أو أي شيء، بالرغم من اهميتهما وطهارتهما. وانما تلك روحه العليا، التي هي اعلى المخلوقات، واول المخلوقات، واهمها، واقواها، واعلمها، واقربها إلى الله سبحانه وتعالى وهي خير الخلق اجمعين، بما فيها الانبياء والمعصومين والملائكة، وكل شيء اخر. ولذا كان رسول الله (صلى الله عليه واله) سيد الانبياء والمرسلين، وقد بعث الانبياء والمرسلون بالايمان بنبوته، وبميثاق ولايته. وينص على ذلك القران الكريم بوضوح النص، على وجود الاسلام قبل الإسلام، اي قبل نزول الاسلام على رسول الله (صلى الله عليه واله)، وموجود في فهم الانبياء السابقين. قال تعالى: ((ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما)). وقال على لسان ابراهيم واسماعيل عند بناء البيت الحرام : ((ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امة مسلمة لك)). وقال تعالى : ((ام كنتم شهداء إذ حظر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد الهك واله ابائك ابراهيم واسماعيل واسحاق الها واحدا ونحن له مسلمون)). وقال تعالى : ((واذ اوحيت إلى الحواريين ان آمنوا بي وبرسولي قالوا امنا واشهد باننا مسلمون))، إلى غير ذلك من الايات الكريمات.

واذا كانت الزهراء عليها السلام، هي قلب رسول الله (صلى الله عليه واله)، وهي روحه التي بين جنبيه. إذن يصدق بكل وضوح ان من احبها فقد احب رسول الله (صلى الله عليه واله)، ومن ابغضها فقد ابغضه، ومن اطاعها فقد اطاعه، ومن عصاها فقد عصاه، ومن اكرمها فقد اكرمه، ومن آذاها فقد آذاه، ومن والاها فقد والاه، ومن عاداها فقد عاداه.

ومن الطبيعي بل من ضروريات الدين ان من ابغض رسول الله (صلى الله عليه واله) فقد ابغض الله. ومن عصا رسول الله (صلى الله عليه واله) فقد عصا الله. ومن آذى رسول الله (صلى الله عليه واله) فقد اذى الله. ومن اغضب رسول الله (صلى الله عليه واله) فقد اغضب الله. ومن كان مصداقا لاي شيء من ذلك : (اذا اغضب الله او عصى الله أو آذى الله)، وتطبيقا له، فهو خارج عن الإسلام، وفي اسفل درك من الجحيم. والعكس ايضا صحيح، فان من احب رسول الله فقد احب الله. كما قال تعالى : ((يا ايها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف ياتي الله بقوم يحبهم ويحبونه اذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤته من يشاء والله واسع عليم)). وكذلك فان من اطاع رسول الله (صلى الله عليه واله)، فقد اطاع الله. ومن ارضى رسول الله (صلى الله عليه واله)، فقد ارضى الله. ومن تقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه واله) فقد تقرب إلى الله. كما قال تعالى : ((محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من اثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع اخرج شطأه فازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيض به الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم (ليس كلهم وانما فقط الذين امنوا وعملوا الصالحات) مغفرة واجرا عظيما)). بالرغم من انهم ركع سجد، لكن يبدوا انهم لم يؤمنوا، ولم يعملوا الصالحات، وتوجد نماذج من هذا القبيل في كل جيل حبيبي .. وقال تعالى : ((انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة واصيلا ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن اوفى بما عاهد عليه الله فسوف ياتيه اجرا عظيما)).

بسم الله الرحمن الرحيم والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الامين * لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم * ثم رددناه اسفل سافلين * الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم اجر غير ممنون * فما يكذبك بعد بالدين * اليس الله باحكم الحاكمين * صدق الله العلي العظيم





الجمعة الحادية والعشرون 12 جمادي الاولى1419

الخطبة الثانية



اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين.

بسم الله الرحمن الرحيم

الهي، من ذا الذي ذاق حلاوة محبتك، فرام منك بدلا. ومن ذا الذي انس بقربك، فابتغى عنك حولا. الهي فاجعلنا ممن اصطفيته لقربك وولايتك، واخلصته لودك ومحبتك، وشوقته الى لقائك، ورضيته بقضائك، ومنحته بالنظر الى وجهك، وحبوته برضاك، واعذته من هجرك وقلاك، وبؤاته مقعد الصدق في جوارك، وخصصته بمعرفتك، واهلته لعبادتك، وهيمت قلبه لارادتك، واجتبيته لمشاهدتك، واخليت وجهه لك، وفرغت فؤاده لحبك، ورغبته فيما عندك، والهمته ذكرك، واوزعته شكرك، وشغلته بطاعتك، وصيرته من صالحي بريتك، واخترته لمناجاتك، وقطعت عنه كل شيء يقطعه عنك. اللهم اجعلنا ممن دأبهم الارتياح اليك والحني،ن ودهرهم الزفرة والاني،ن جباههم ساجدة لعظمتك، وعيونهم ساهرة في خدمتك، ودموعهم سائلة من خشيتك، وقلوبهم متعلقة بمحبتك، وافئدتهم منخلعة من مهابتك، يا من انوار قدسه لابصار محبيه رائقة، وسبحات وجهه لقلوب عارفيه شائقة، يا منى قلوب المشتاقين، ويا غاية آمال المحبين، اسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يوصلني الى قربك، وان تجعلك احب الي مما سواك، وان تجعل حبي اياك قائدا الى رضوانك، وشوقي اليك ذائدا عن عصيانك، وامنن بالنظر اليك علي، وانظر بعين الود والعطف الي، ولا تصرف عني وجهك، واجعلني من اهل الاسعاد والحظوة عندك، يا مجيب، يا ارحم الراحمين، وصلى الله على خير خلقه، وسيد انبيائه ورسله، محمد المصطفى، وعلى جميع اله الطيبين الطاهرين المعصومين المكرمين المقدسين المقربين، ورحمة الله وبركاته.

اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

الان نوجه كلامنا إلى العشائر عامة، والى رؤساء العشائر ومشايخها خاصة، من حيث ان الكل يعلم، ان النظام الذي يمشون عليه في عشائرهم، ويطبقونه هناك بينهم، اغلبه بل كله نظام باطل، وغير شرعي، وغير مرضي لله عزوجل. ونحن لا نريد من اي احد مؤمن وشيعي ان يرتكب شيئا خطا، أو عصيانا بل نريد من المجتمع كله عامة، ومن العشائر خاصة، ان يكونوا صالحين ومتورعين وسائرين باتجاه رضا الله سبحانه، وشفاعة المعصومين (عليهم السلام)، وهذا لا يكون مع تطبيق قوانين وانظمة غير مشروعة في الدين وغير مرضية لرب العالمين.

والذي افهمه ان الذي دعاهم إلى هذا النظام الذي يسمى بـ(السنينة العشائرية)، هُو انهم لم يجدوا حلا كافيا لمشاكلهم ومظالمهم، التي تحصل باستمرار بين افراد العشيرة، أو بين افراد عشيرتي،ن من قتل و سرقة وزنا ولواط والعياذ بالله، واشباه ذلك، وذلك:

اولا: انهم غير متفقهين، ولا فاهمين لاحكام الله سبحانه.

ثانيا: لبعدهم عن الحوزة، وتناسيهم لها. بل ربما ان جملة منهم يسيء الظن بالحوزة، لما يرى من بعض افرادها من اعمال شائنة (واصابع يدك غير متساوية طبعا) فيحصل للعشائر اليأس من ان الحوزة تجيبهم، اوتحل مشاكلهم أو تنظر في امورهم ومصالحهم.

ثالثا: ان اجيال المرجعية كانت تتناساهم، وتتغافل عن وجودهم ولا تهتم بامورهم. يكفينا ان المشهور، هو الحكم القائل انه لايجب على الفقيه ان يذهب إلى المكلف ويبلغه حكمه، بل يجب على المكلف نفسه ان ياتي إلى الفقيه ويسأل. نعم، إذا توجه السؤال إلى الفقيه وجب الجواب. واما انه يجب على الفقيه ان يقصد باب المكلف بدون سؤال، وان يعطيه حكمه، فلا. وهذا حكم مشهوري موجود. اذن فكان هناك نحو من المقاطعة، والانفصال النفسي والاجتماعي بين الحوزة والمرجعية من ناحية، والعشائر من ناحية اخرى.

وذلك من قبل الطرفين، وليس احدهما يرغب بالاتصال بالاخر اطلاقا، أو غالبا. وهذا ثابت باستمرار لولا وجود الشباب الواعي المتفقه من رجال الدين الذين يتصدون بالذهاب إلى مناطقهم لهدايتهم ورعايتهم (جزاهم الله خير جزاء المحسنين). إلا ان هذا مما لم يكن يحدث في كثير من الاجيال السابقة كما هُو معلوم. على ان الذي كان يذهب منهم متصف باحدى صفتين ناقصتين، فلا يصلح ان يكون سببا جيدا لحل المشاكل العشائرية المستعصية. فهو اما قليل التفقه، واما هو مجرد خطيب حسيني، او روزخون يقرأ للمناسبات الدينية، واما ان يكون هُو ممن يحمل هم دنياه اكثر من هم دينه، فهو يتبع الحصول على الشهرة والمال، قبل ان يهتم بالتفقه والهداية.

واما من كان متفقها ومخلصا، فقليل جدا في كثير من العصور السالفة، وهذا هُو الذي اوجب سوء الظن من قبل العشائر بالحوزة العلمية الشريفة. وكذلك سوء الظن بمن ترسله الحوزة الشريفة اليهم. وفي الحقيقة انها لا ترسل احدا، وانما يذهب بعض رجال الدين لقضاء مصالحهم الخاصة، ليس اكثر من ذلك، فيسيؤن اكثر مما يحسنون مع شديد الاسف.

واما الان، ومن الان فصاعدا، فينبغي ان نضع لكلا الامرين الناقصين حدا كاملا، ومانعا شاملا، سواء قصدنا نقص الحوزة، أو نقص العشائر، ونريد منهما معا ان يكون الجميع على مستوى الورع، والتقوى، والتفقه، والوعي الديني، والهمة في اطاعة الله سبحانه، وتجنب معاصيه. والحوزة الان مستعدة للعطاء الديني الحقيقي المخلص لكل من يطلبه كائنا من كان، وخاصة العشائر ورؤسائها وافخاذها، فانها الشريحة الاهم والاكبر في المجتمع، ولا ينبغي ان يبقى الحال فيها على ما هُو عليه من التخلف في الفهم الديني، والبعد عن اطاعة الله سبحانه. ولا يحتمل ان يكون قانون العشائر ممن يرضاه أي مجتهد، أو أي حوزوي، أو أي متفقه، فهذا غير ممكن لانه حرام. وانما كانت بعض اجيال المرجعية ساكتة عنهم، وخاصة وهم يعلمون (اي المراجع) كيف ان العشائر تتعصب لنظامها وقانونها بشدة. والفرد المتعصب لايمكن الكلام معه، لان من شرائط الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر احتمال الطاعة. والعشائر بهذا المعنى المتعصب لا يحتمل طاعتهم للحوزة والشريعة، كما كان الحال إلى عهد قريب.

ولكن الحال اختلف الان جدا، وقد تفضل الله علينا بوعي ديني، واجتماعي جيد، وقد عرف الناس عموما مداخل الشيطان من مداخل الرحمن. فنحن من هنا ننصح العشائر ورؤساء العشائر خاصة ان يتجنبوا غضب الله سبحانه وتعالى ونار جهنم. ويكونوا على مستوى المسؤولية الدينية الالهية. ويقبلوا إلى خط الشريعة المقدسة فأن ذلك اصلح لهم في الدنيا والاخرة وخاصة وان قانونهم يترتب عليه ظلم وضمانات وحقوق للاخرين التي تهدر شرعا بدون سبب مشروع، وكذلك زيجات، اي زواجات باطلة كثيرة اعوذ بالله منها. فهم يحاولون ردع الفاسد بالافسد، ونحن نريد لهم ردع الفاسد بالحق وردع الظلم بالعدل. فهل انتم منتهون ؟!

والفرصة الان مفتوحة ومؤاتية جدا للتوبة والاخلاص، وفي حدود فهمي فان هناك طريقتان لتطبيق الشريعة في المشاكل العشائرية:

الطريقة الاولى: انهم كما اجتمعوا وقرروا ووقعوا على قانونهم العشائري، فيمكنهم الان، بل يجب عليهم شرعا ان يجتمعوا ويتداولوا امرهم ويقرروا قانونا جديدا فيما بينهم، موافقا للشريعة، وليس فيه انحراف، وعصيان والعياذ بالله، ويشدوا على ذلك راية العباس (عليه افضل الصلاة والسلام). وهل يرضى العباس (عليه السلام) ان يشدوا رايته على ما هُو باطل، وهي السنينة العشائرية الموجودة ؟ لا طبعا، لا يرضى (سلام الله عليه) وهو قتل واستشهد في سبيل الحق والعدل، وفي سبيل الهدف الاسلامي الالهي الصحيح. إذن، ينبغي ان تشد راية العباس عليه السلام، على ما هُو نظام اسلامي وعادل وصحيح،وليس غيره.

الطريقة الثانية: ان يرجعوا إلى الحوزة ويراجعوها في مشاكلهم، واحدة واحدة عن طريق الاستفتاءات، أو الاشخاص المتفقهين الثقات، أو عن طريق القضاء الشرعي الحوزوي ونحو ذلك. والحوزة والمرجعية في خدمتهم، وواجبها ذلك فانها انما وجدت لامثال ذلك،وليس لها أي طعم، أو أي نتيجة لو لم تفعل ذلك، ولو لم تقل ذلك.

اللهم اني قد بلغت. اللهم اني قد بلغت. اللهم اني قد بلغت (وهنا صاح المصلون بالصلاة على محمد وال محمد).

وينبغي ان يكون واضحا، واجماعيا لما سمعناه الان من انه إذا توجه السؤال، وجب على المجتهد الجواب، فتعالوا واسألوا عن مشاكلكم، وعن شرعياتكم، لكي يجب علينا يعني _على الحوزة كلها والمجتهدين كلهم_ الجواب. واذا قصرنا فعلينا لعنة الله (وهنا ايضا صاح المصلون بالصلاة على محمد وال محمد). ولن تجدوا من يقصر معكم، أو ينظر إلى غير مصالحكم، ونحن نعلم بضرورة الدين انه (ما من واقعة إلا ولها حكم)، فكل مشكلة خاصة، أو عامة عشائرية، أو مدنية تجد لها حلا وجوابا في كتاب الله، وسنة رسوله، وكلام المعصومين (سلام الله عليهم اجمعين)، وبالاخص في الحوزة والمجتهدين والمرجعية. وكل ما في الامر ان الحكمة تقول (القدم الاول من العبد والثاني من الرب)، يعني يجب على العبد التقدم إلى طاعة الله، لكي يوفقه الله سبحانه في الدنيا والاخرة .

فالان القدم الاول من العشائر، ومن رؤساء العشائر، في ان يشحذوا الهمة للتوبة، ولطاعة الله سبحانه وابتغاء مرضاته، لكي يكونوا صالحين في الدنيا والاخرة، جزاهم الله خير جزاء المحسنين.

بسم الله الرحمن الرحيم القارعة * ما القارعة * وما ادراك ما القارعة * يوم يكون الناس كالفراش المبثوث * وتكون الجبال كالعهن المنفوش * فاما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * واما من خفت موازينه * فامه هاوية * وما ادراك ماهيه * نار حامية * صدق الله العلي العظيم
__________________
احمد1976 غير متواجد حالياً  
قديم 11-21-2008, 11:20 PM   #22 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 450
IraqiForum خطبة الجمعة الثانية والعشرون 19 جمادي الاولى 1419

الجمعة الثانية والعشرون 19 جمادي الاولى 1419

الخطبة الاولى



اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم، توكلت على الله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين.

بسم الله الرحمن الرحيم

الهي اتراك بعد الايمان بك عذبني، ام بعدحبي اياك تبعدني، ام مع رجائي لرحمتك وصفحك تحرمني، ام مع استجارتي بعفوك تسلمني. حاشا لوجهك الكريم ان تخيبني، ليت شعري أللشقاء ولدتني امي، ام للعناء ربتني، فليتها لم تلدني، ولم تربني، وليتني علمت امن اهل السعادة جعلتني، وبقربك وجوارك خصصتني، فتقر بذلك عيني وتطمئن له نفسي. الهي هل تسود وجوها خرت ساجدة لعظمتك؟ اوتخرس السنة نطقت بالثناء على مجدك وجلالتك؟ او تطبع على قلوب انطوت على محبتك؟ او تصم اسماعا تلذذت بسماع ذكرك في ارادتك ؟ او تغل اكفا رفعتها الامال اليك رجاء رأفتك ؟ او تعاقب ابدانا عملت بطاعتك حتى نحلت في مجاهدتك ؟ او تعذب ارجلا سعت في عبادتك ؟ الهي لا تغلق على موحديك ابواب رحمتك ولا تحجب مشتاقيك عن النظر الى جميل رؤيتك. الهي نفس اعززتها بتوحيدك كيف تذلها بمهانة هجرانك وضمير انعقد على مودتك كيف تحرقه بحرارة نيرانك. الهي اجرني من اليم غضبك وعظيم سخطك يا حنان يا منان يا رحيم يا رحمن يا جبار يا قهار يا غفار يا ستار نجني برحمتك من عذاب النار وفضيحة العار اذا امتاز الاخيار من الاشرار وحالت الاحوال وهالت الاهوال. قرب المحسنون وبعد المسيئون ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون.

اللهم صل على محمد المصطفى، وعلي المرتضى، وفاطمة الزهراء، والحسن المجتب،ى والحسين الشهيد بكربلاء، وصل على التسعة المعصومين من اولاد الحسين السجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري والحجة المهدي ائمتي وسادتي وقادتي بهم اتولى ومن اعدائهم اتبرا الى يوم القيامة.

اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

قبل يومين، سبقت ذكرى وفاة الزهراء (سلام الله عليها)، فمن المناسب ان يكون في اكثر من جمعة التعرض للصديقة العظيمة (سلام الله عليها). فنستمر الان في ذكر بعض ما يمكن التوصل إليه بعقلنا القاصر وفكرنا الفاتر من مزايا الزهراء ( سلام الله عليها). إلى حد ما انا جمعت لكم عدد من الروايات التي تنطق بمزاياها(سلام الله):

عن اسماء بنت عميس، قالت: قال لي رسول الله (صلى الله عليه واله)، وقد كنت شهدت فاطمة (عليها السلام) وقد ولدت بعض اولادها فلم ار لها دما فقال: (ان فاطمة خلقت حورية في صورة انسية).

وروي عن ابي عبد الله الصادق (سلام الله عليه)، انه قال: (لفاطمة تسعة اسماء عند الله عز وجل، فاطمة والصديقة والمباركة والطاهرة والزكية والرضية والمرضية والمحدثة والزهراء. قال، وسميت فاطمة لانها فطمت من الشر ولولا علي (عليه السلام) لما كان لها كفء بالارض).

وعن ابي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: لما ولدت فاطمة (عليها السلام) اوحى الله تبارك وتعالى إلى مَلك فانطق به لسان محمد (صلى الله عليه واله) فسماها فاطمة ثم قال اني فطمتك بالعلم وفطمتك من الطمث. ثم قال ابو جعفر: والله لقد فطمها الله تبارك وتعالى بالعلم وعن الطمث في الميثاق.

اقول: يعني في العالم المذكور في الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ((واذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم قالوا بلى شهدنا)). ومن الملاحظ ان اسماء اصحاب الكساء (سلام الله عليهم) لم تكن موجودة قبلهم، وبتعبير اخر قبل الاسلام بما فيها (محمد واحمد وعلي وحيدر وفاطمة والزهراء والحسن والحسين) فما كان واحد مسمى بهذه الاسماء طبعا. ومن العجيب انها كانت مذكورة في الكتب السماوية السابقة الا انه (سبحان الله كانما كرامة اهل البيت (سلام الله عليهم) )لم يسم بها احد، لان الغالب من ذكرها انها باللغات السريانية والعبرية وليست باللغة العربية مثل (ايليا) يعني علي و(شُبر او شَبَر) يعني الحسن و(شُبير او شَبير) يعني الحسين.

وفي رواية اخرى عن ابي هريرة قال: انما سميت فاطمة لان الله عز وجل فطم من احبها من النار. (هنا صاح المصلون اللهم صل على محمد وال محمد). ترون طبعا ان هذه اسناد من ابناء الجماعة مع ذلك رووا في فضل اهل البيت اخبارا كثيرة.

وعن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه واله): يا فاطمة اتدرين لم سميت فاطمة قال علي: يا رسول الله لم سميت. قال: لانها فطمت هي وشيعتها من النار. (وهنا صاح المصلون اللهم صل على محمد وال محمد).

وعن ابي جعفر (عليه السلام)، قال: لفاطمة (عليها السلام) وقفة على باب جهنم فان كان يوم القيامة كُتب بين عيني كل رجل مؤمن أو كافر. فيؤمر بمحب قد كثرت ذنوبه إلى النار، فتقرأ فاطمة بين عينيه محبها (لانه مكتوب عليه)، فتقول:

الهي وسيدي سميتني فاطمة وفطمت بي من تولاني وتولى ذريتي من النار ووعدك الحق وانت لاتخلف الميعاد. فيقول الله عز وجل صدقت يا فاطمة اني سميتك فاطمة وفطمت بك من احبك وتولاك واحب ذريتك ومن تولاهم من النار ووعدي الحق وانا لا اخلف الميعاد. وانما امرت بعبدي هذا إلى النار لتشفعي فيه فاشفعك فيتبين لملائكتي وانبيائي ورسلي واهل الموقف موقعك مني ومكانك عندي، فمن قرأت بين عينيه مؤمنا أو محبا فخذي بيده وأدخليه الجنة. (وهنا ايضا صاح المصلون اللهم صل على محمد وال محمد).

وعن علي (عليه السلام): ان النبي (صلى الله عليه واله)، سُئل ما البتول ؟ (وهي من اسماء الزهراء ) فانا سمعناك يا رسول الله تقول ان مريم بتول وفاطمة بتول فقال اي رسول الله (صلى الله عليه واله): البتول هي التي لم تر حمرة قط.

والبتول من الصفات التي تسند للانثى بدون علامة التأنيث، فلا تقول بتولة طبعا، لوضوح اختصاصه بالمرأة وعدم الاشتباه بالشمول الى الرجل كالحائض والطامث والحامل والمقرب.

وروي في تسميتها الزهراء (عليها السلام)، عن ابي جعفر (عليه السلام): انه سُئل لم سميت الزهراء ؟ قال: لان الله تعالى خلقها من نور عظمته فلما اشرقت اضاءت السماوات والارض بنورها وغشيت ابصار الملائكة وخرت الملائكة لله ساجدين وقالوا الهنا وسيدنا ما هذا النور؟ فأوحى الله اليهم هذا نور من نوري اسكنته في سمائي وخلقته من عظمتي اخرجه من صلب نبي من انبيائي افضله على جميع الانبياء وأُخرج من ذلك النور ائمة يقومون بامري ويهدون إلى حقي واجعلهم خلفائى في ارضي بعد انقضاء وحيي (أي بعد وفاة النبي (صلى الله عليه واله)).

وروي مرفوعا إلى علي (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه واله) لفاطمة (عليها السلام): يا بُنيّ ان الله اشرف على الدنيا فاختارني على رجال العالمين، ثم اطلع ثانية فاختار زوجك على رجال العالمين، ثم اطلع ثالثة فاختارك على نساء العالمين، ثم اطلع رابعة فاختار ابنيك على شباب العالمين. (وهنا صاح المصلون اللهم صل على محمد وال محمد).

اقول: وهو يقول في هذه الرواية: (اشرف على الدنيا فاختارني على رجال العالمين) ولم يقل على رجال الدنيا وانما على رجال العالمين وكذلك على نساء العالمين وكذلك على شباب العالمين، ولم يقل على رجال الدنيا أو نساء الدنيا أو شباب الدنيا. وهذا معناه ان المسألة اعم من ذلك واشمل بكثير، كما هُو واضح مع شيء من التفكير. فيدل الحديث على ان النبي (صلى الله عليه واله) خير الخلق على الاطلاق. وعلي (عليه السلام) خير الخلق بعد الرسول. وفاطمة خير الخلق بعدهما بما فيها ولديها الحسن والحسين. والحسن والحسين خير الخلق بعدهم بما فيهم الائمة التسعة من اولاد الحسين (عليهم السلام اجمعين).

وعن ابن عباس قال: سألت النبي (صلى الله عليه واله) عن الكلمات التي تلقى ادم من ربه فتاب عليه، قال: سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت عليّ فتاب عليه. وفي بعض الروايات: ان ادم (عليه السلام) اهبط من الجنة، فظل يبكي اربعين سنة حتى صار من دمعه نهران. وحين رحمه الله تعالى وغفر له نزل عليه جبرائيل (عليه السلام) وعلمه بالاسماء التي يحلف بها لكي يغفر الله عز وجل له وهي اسماء اهل الكساء وقد ذكره في ذلك الحين بانه رآهم انوارا حول العرش عندما نفخت فيه الروح في اول امره.

وروي عن جعفر بن محمد عليهما السلام، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه واله): ان الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها. وبهذا الاسناد قال: فقال له: يا بن رسول الله انك قلت: ان الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها. قال (يعني الامام الصادق عليه السلام): فماذا تنكرون من هذا ؟ فوالله ان الله ليغضب لغضب عبده المؤمن ويرضى لرضاه.

وروي عن عائشة ذكرت فاطمة عليها السلام، فقالت: ما رأيت احدا اصدق منها إلا اباها. وعن أم سلمة أم المؤمنين (رضي الله عنها)، قالت: كانت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) اشبه وجها برسول الله (صلى الله عليه واله).

وروي عن الاصبغ بن نباتة، قال: سمعت امير المؤمنين (عليه السلام) يقول: والله لأتكلمن بكلام لا يتكلم به غيري إلا كذاب. ورثت نبي الرحمة، وزوجتي خير نساء إلامة، وانا خير الوصيين. ومن الواضح انه كلام لايستطيع ان يقوله غيره إلا كذاب ومقصوده من الميراث في (ورثت نبي الرحمة) هُو ليس وارثا ماليا بالمعنى الحقيقي وانما مقصوده من الميراث، ميراث العلم. ومن المعلوم ان ميراث علم رسول الله (صلى الله عليه واله) لا يمكن لاحد ان يحمله أو يطيق مسؤوليته إلا شخص مثله ويكون كنفسه وهو امير المؤمنين (عليه السلام) . والزهراء خير نساء الامة يعني خير حتى من زوجات النبي وبناته الاخريات. وهو خير الوصيين يعني من جميع الاوصياء قبل الاسلام وبعد الاسلام يعني المعصومين من ذريته.

وينسب إليها رثاء ابيها بعد وفاته قائلة:

ماذا على من شم تربة احمد إلا يشم مدى الزمان غواليـا

صبـت علي مصائب لو انها صبت على الايام صرن لياليـا

قد كنت ذات حمىً بظل محمد لا اتقي دهري وكان حمىً ليـا

فالان اخضع للئيـم واتـقي غيري وادفـع ظالمي بردائيـا

فاذا بكت قمريـة في ليلهـا شجنا على غصن بكيت صباحيا

فلاجعلن الحزن بعدك مؤنسي ولاجعلـن الدمع فيك وشاحيـا

واما المصائب فقد وردت في كلامها بصيغة الجمع

صبـت علي مصائب لو انها صبت على الايام صرن ليليـا

فاذا كانت تقصد وفاة ابيها فهي مصيبة واحدة وليست متعددة فما هي تلك المصائب ؟ الانسان يفكر ويعرف. ولو ارادت وفاة النبي فقط لكانت مصيبة واحدة. ولكنها اشارة إلى الانحراف والخلاف الذي حصل بعده (صلى الله عليه واله) كما تقول حسب المنسوب إليها في ابيات اخرى:

قد كان بعـدك انباء وهنبثة لو كنت شاهدهـا لم تكثر الخطب

انا فقدناك فقد الأرض وابلها واختل قولك لما غبـت وانقـلبوا

ابدت رجال لنا فحوى صدورهم لما قضيت وحالت دونك الترب

وروى جابر بن عبد الله الانصاري، قال: دخلت فاطمة (عليها السلام) على رسول الله (صلى الله عليه واله) وهو في سكرات الموت، فانكبت عليه تبكي ففتح عينه وافاق ثم قال (صلى الله عليه واله): يا بنية انت المظلومة بعدي وانت المستضعفة بعدي، فمن آذاك فقد آذاني ومن غاضك فقد غاضني ومن سرك فقد سرني ومن برّك فقد برّني ومن جفاك فقد جفاني ومن وصلك فقد وصلني ومن قطعك فقد قطعني ومن انصفك فقد انصفني ومن ظلمك فقد ظلمني، لانك مني وانا منك وانت بضعة مني وروحي التي بين جنبي. ثم قال (صلى الله عليه واله): إلى الله اشكو ظالميك من امتي.

وعن المسند عن عائشة، قالت: اقبلت فاطمة (عليها السلام) تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله (صلى الله عليه واله) فقال رسول الله (صلى الله عليه واله): مرحبا يا بنتي. ثم اجلسها عن يمينه أو عن شماله. ثم انه اسر اليها حديثا فبكت. فقالت (أي عائشة): استخصك رسول الله (صلى الله عليه واله) بحديثه ثم تبكين. ثم انه اسر إليها حديثا فضحكت فقالت: ما رايتك اليوم فرحا اقرب من حزن. فسألتها عما قال فقالت: ما كنت لافشي سر رسول الله (صلى الله عليه واله)، حتى قبض رسول الله (صلى الله عليه واله). فسألتها فقالت: اسر الي فقال ان جبرائيل كان يعارضني بالقرآن في كل عام مرة، وانه عارضني به العام (يعني هذا العام) مرتين، ولا اراه إلا وقد دنى اجلي وانك اول اهل بيتي لحاقا بي ونعم السلف انا لك. فبكيت لذلك فقال: إلا ترضين ان تكوني سيدة نساء هذه الامة أو نساء المؤمنين. قالت فضحكت لذلك.

ومنه عن عائشة، قالت: لما مرض رسول الله (صلى الله عليه واله) دعا ابنته فاطمة فسارها فبكت، ثم سارها فضحكت. فسألتها عن ذلك فقالت: اما حيث بكيت فانه اخبرني انه ميت فبكيت، ثم اخبرني اني اول اهل بيته لحوقا به فضحكت.

بسم الله الرحمن الرحيم والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا * فاثرن به نقعا * فوسطن به جمعا * ان الانسان ربه لكنود * وانه على ذلك من الشاهدين * وانه لحب الخير لشديد * افلا يعلم اذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور * ان ربهم بهم يومئذ لخبير * صدق الله العلي العظيم



الجمعة الثانية والعشرون 19 جمادي الاولى 1419

الخطبة الثانية

اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم، توكلت على الله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد واله الطيبين الطاهرين.

بسم الله الرحمن الرحيم

الهي ان كان قل زادي في المسير اليك، فلقد حسن ظني بالتوكل عليك. وان كان جرمي قد اخافني من عقوبتك، فان رجائي قد اشعرني بالامن من نقمتك. وان كان ذنبي قد عرضني لعقابك، فقد آذنني حسن ثقتي بثوابك. وان انامتني الغفلة عن الاستعداد للقائك، فقد نبهتني المعرفة بكرمك والائك. وان اوحش ما بيني وبينك فرط العصيان والطغيان، فقد آنسني بشرى الغفران والرضوان. اسألك بسبحات وجهك، وبانوار قدسك، وابتهل اليك بعواطف رحمتك، ولطائف برك ان تحقق ظني بما اوءمله من جزيل اكرامك، وجميل انعامك بالقربى منك والزلفى لديك والتمتع بالنظر اليك، وها انا معترض لنفحات روحك وعطفك ومنتجع & ليس جودك ولطفك فارمن سخطك الى رضاك هارب منك اليك راج احسن ما لديك معول على مواهبك مفقر الى رعايتك. الهي ما بدأت به من فضلك فتممه وما وعدت لي من كرمك فلا تسلبه وما سترته علي بحلمك فلا تهتكه وما علمته من قبيح فعلي فاغفره. الهي استشفعت بك اليك واستجرت بك منك. اتيتك طامعا في احسانك راغبا في امتنانك مستسقيا وابل طولك مستمطرا غمام فضلك طالبا مرضاتك قاصدا جنابك واردا شريعة رفدك ملتمسا سني الخيرات من عندك وافدا الى حضرة جمالك مريدا وجهك طارقا بابك مستكينا لعظمتك وجلالك فافعل بي ما انت اهله من المغفرة والرحمة ولا تفعل بي ما انا اهله من العذاب والنقمة برحمتك يا ارحم الراحمين وصلى الله على خير خلقه اجمعين محمد واله الطيبين الطاهرين.

اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

والان بمناسبة الحديث عن الزهراء (سلام الله عليها)، نتحدث عن المرأة والنظرة الشرعية تجاه هذا القسم المهم في المجتمع، الذي يمثل حوالي نصف المجتمع (فنصف المجتمع نساء طبعا ونصفه الاخر رجال بالتقريب لا بالتحقيق). والذي يجب إلا يهمله الفرد والمجتمع والشريعة او يسقطه عن نظر الاعتبار كما في بعض النظرات المتخلفة التي كانما المرأة ملحقة بالحيوانات فيها (فيقول: اجل عن طاريها أو تكرم عن طاريها) . وانما القرآن ليس هكذا بطبيعة الحال فقد احترم الرجال والنساء معا (الصائمين والصائمات والقائمين والقائمات والقانتين والقانتات).فأنه ليس ظالما كجملة من الناس والعياذ بالله، بل هُو العدل الحقيقي.

والمشاكل التي تخص النساء عديدة، منها ما تكون في صالحها من حيث ظلم الرجل لها، سواء كان زوجا أو غير زوج، وظلم المجتمع لها وظلم القانون لها. ومنها ما تكون ناشئة منها كعدم التفقه، بل وعدم التدين وحب الدنيا والمنافسة فيها وكعدم الحجاب والاختلاط بين الرجال على الدوام وفي كل المناسبات، وكعدم حسن التصرف من المرأة تجاه زوجها وتجاه اولادها وذريتها. وكذلك سوء تربيتها لهم مع انها العنصر الاهم في تربية الاطفال بطبيعة الحال. فالرجل ماذا يفعل؟ يذهب إلى دكانه أو عمله أو وظيفته أو تجارته أو أي شيء كان،فتبقى المرأة في البيت مع اولادها الصغار، فمن يكون المربي الحقيقي؟ انما هي المرأة، فاذا كانت المرأة غير فاهمة اصلا، لا دين ولا دنيا، اذن تخرج ذريتها كلها لا دين ولادنياً. هل هذا جيد ؟ ومن الذي يرضاه الله او رسوله او المؤمنون ؟!

فهذا وغير هذا كله لا بد من التعرض له وحله حلاً شرعياً اسلامياً، يرضي الله ورسوله والمعصومين (سلام الله عليهم اجمعين). إلا ان الخطبة لا يحتمل انها تسع لكل ذلك طبعا، فسوف اختار هنا مشكلة الحجاب فقط التي هي اعظم واهم واشمل مشكلة من مشاكل المجتمع ومشاكل العصر.

ومن الواضح جدا ان عدم الحجاب والحث (كما يفعل الناس) على الاختلاط بين الجنسين، انما وردنا عن طريق الاستعمار الغاشم الظالم الذي لم يكتف بنهب خيراتنا وافقار شعوبنا والهيمنة علينا، بل كان من اهم اهدافه استلاب ديننا ونسياننا لآخرتنا وعصياننا لتعاليم شريعتنا التي هي العدل الحقيقي الكامل، لكي يكون مجتمعنا كمجتمعهم متسيبا اخلاقيا ومنحلا ظميرا وساقطا دينا. يستهدف (الاستعمار) من كل ذلك ابعاد تفكيرنا الديني لما يعلمون في الدين من فعالية ضدهم ونسخ لوجودهم واستنكار لمظالمهم كما قال سبحانه وتعالى: ((ما جعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)). فاذا اطعناهم في ذلك وعصينا الله سبحانه وتعالى جل جلاله فقد حفرنا قبورنا بايدينا، واعنا على انفسنا، واصبحنا عبيدا لاعدائنا ومن يريد الاضرار بنا، ونسينا اهدافنا العادلة الحقيقية وديننا العادل الحنيف.

فمثلا بكل تاكيد ان كل الاديان السماوية (الاسلام بكل مذاهبه، والمسيحية بكل مذاهبها واليهودية وغيرها)، كلها تحرم السفور وتردع عنه، وكلها تحرم الزنى واللواط وشرب الخمر. وليس هناك أي دين يحلله او يجيزه. وهذا ينبغي ان يكون واضحا جدا. وعلامة ذلك عند المسيحيين وكذلك اليهود اننا نجد ان النساء المتدينات في دينهن والراهبات منهن يلبسن الحجاب، فذلك دليل على انهن يجدن مسئوليتهن تجاه الله ان يلبسن الحجاب. فلماذا نساء سائر المجتمع سافرات، حتى المسيحيات واليهوديات. هذا امر بالمعروف ونهي عن المنكر للمسيحيات واليهوديات فضلا عن المسلمات. والحكم منجز حتى في ذمتهن. أو بتعبير آخر منجز في ذمة كل البشر من اوله إلى آخره وفي كل الاجيال.

وما ذلك (اي لماذا يتحجبن) إلا لكونهن ممتثلات للحكم الشرعي في دينهن، بينما تكون الملايين من المسلمات والمسيحيات وغيرهن عاصيات جهرا، وعازمات على الاستمرار بالعصيان، اي في ترك الحجاب طبعا. فنساءهم كلهن سافرات وكلهم يشربون الخمر ويمارسون الزنا ويأكلون لحم الخنزير. فنسألهم هل كان موسى الكليم (سلام الله عليه) يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير ؟ أو كان عيسى المسيح (سلام الله عليه) كذلك ؟وانتم تقدسونهم أم لا؟ هم عبرة لكم طبعا، فلماذا لا تكونوا مثلهم ؟ سبحان الله !

اذا كنت لا تدري فتلك مصيبة واذا كنت تدري فالمصيبة اعظم (ملايين المرات حبيبي لا مرة واحدة)

أو كان الحواريون كذلك يشربون الخمر أو يأكلون لحم الخنزير؟ أو نساء الحواريين غير محجبات ؟ أو مريم العذراء غير محجبة ؟ ماذا تقولون بالله عليكم ؟! عجبا للفكر الممسوخ والنذالة المتناهية !

فاذا كان السفور عندكم حراما، وانتم عصاة فيه وملعونون عليه، وكل هذه المحرمات كذلك فكيف تريدونه لنا وتحثوننا عليه ؟ وما هذه الهدية الفاسدة المجرمة التي ادخلتموها في بلادنا وربيتم عليها اجيالنا وشبابنا ؟

واذا كانوا هم عاصين لتعاليم اديانهم وشرائع انبيائهم، فلنكن نحن المطيعون لتعاليم ديننا الحنيف، وشريعتنا المقدسة العادلة الكاملة. فان في ذلك الشرف كل الشرف، والهدف كل الهدف، وبذلك الوصول إلى الكمال والجلال ورضاء الله جل وعز واولياءه (سلام الله عليهم اجمعين).

لاحظوا احبائي .. من هُو المتجاهر بالفسق ؟ المتجاهر بالفسق هُو ذلك الفرد الذي لا يكون عنده مانع عن أن يعمل المحرم الذي يلتزم به في المجتمع وامام الناس، كما لو كان يشرب الخمر بصراحة او يذهب والعياذ بالله إلى المبغى بوضوح أو يعين الظلم والظالمين أو اللصوص مثلا بوضوح وبصراحة فهذا هُو المتجاهر بالفسق. ونتيجته انه بريء من الله ورسوله، وكذلك فان الله ورسوله بريئان منه، وانه متجه إلى الشيطان، ومعرض عن الرحمن، وانه يقينا من اهل النار.

فمن تطبيقات ذلك (انا لماذا تكلمت عن المتجاهر بالفسق)، من تطبيقات ذلك السافرة، فانها لا مانع لها من التجول في كل المجتمعات وعلى كل الاصعدة بزيها المكشوف المثير (كول لا !)، فتكون متجاهرة بالفسق وظاهرة بالمعصية. وكل السافرات متجاهرات بالفسق بطبيعة الحال لا استثني منهن ولا واحدة طبعا.

ومن الواضح لدى المتشرعة ان المتجاهر بالفسق لا ذمة له في الاسلام فتجوز غيبته، ويجب ردعه وتجب مقاطعته، ويقشعر البدن بمجرد تذكره او رؤيته. ومع ذلك تكون المرأة (عمليا الان في مجتمعنا) سافرة متجاهرة بالفسق في سفورها ونحن مع ذلك نحبها ونصلها ونتعامل معها وننفعها ونعتبرها زميلة لنا في دراسة أو تجارة أو أي مصلحة.

بل العتب في ذلك على النساء (اعني المحجبات منهن) اكثر من الرجال، لارتفاع المانع من الاختلاط والتعامل بين النساء انفسهن بطبيعة الحال. فقد تكون المرأة محجبة نسبيا، ولكن لا مانع لديها من مزاملة السافرة والعمل معها والصداقة معها، فهي لاتأمرها بالمعروف ولا تنهاها عن المنكر ولا تشير إليها بشيء يشينها او يؤذيها، فضلا عن ان تقاطعها أو تبتعد عنها. وليس هكذا المتوقع منها من قبل الله واولياءه وشريعته طبعا. فان فعلت المحجبة ذلك إذن فقد احبت الحرام فيكون عقابها في الآخرة نفس عقاب السافرة لان المرء يحشر مع من احب. وقد احبت السافرة إذن تحشر مع السافرة.

الخطوة الآخرى ان المسألة ليست فقط بالتجاهر بالفسق، ولو اقتصر الامر بهذا المقدار لهان الامر نسبيا. بل ينبغي النظر إلى السفور بصفته شبكة صيد ينصبها الشيطان لاغواء الملايين من الرجال والنساء وسلب دينهم وتوجيههم نحو طريق الرذيلة والفساد.

اما الرجال فباعتبار الاغواء الجنسي الحاد، وخاصة في مجتمع الشبان والشابات في المعاهد والكليات والاسواق وغيرها. حيث يكونون غير متتزوجين غالبا، ويكون كل واحد منهم كالكبريت (من حيث اللذة الجنسية) يشتعل لاول احتكاك، واذا اشتعل ذهب دينه وذهبت دنياه.

واما النساء فلوجود حب الدنيا عندهن بشكل مكثف وواضح، أو ما يسمى(بالغيرة) وعندها كذا وكذا من الثياب أو من الاثاث أو من اساليب التجميل، إذن فيجب ان اكون انا مثلها وتضغط في ذلك ضغطا متزايدا على نفسها وزوجها وابيها وامها واخيها واختها. وما اسهل ان تجد اختها سافرة او صديقتها أو زميلتها كي تكون هي سافرة، وهذا هُو معنى (الغيرة) مع وجود الفراغ الديني والعقائدي والجهل المطبق من كل هذه النواحي وعدم ادراك عظمة الله وطاعة الله واهمية الآخرة.

اذن فالسافرة كما اوجبت السوء لنفسها واصبحت من المتجاهرات بالفسق، كانت سببا للسوء والتأثير السيء تجاه الآخرين من رجال ونساء واوجبت انحرافهم دينيا وسقوطهم اخلاقيا واجتماعيا، ويكون وزر كل ذلك عليها وفي ذمتها في الدنيا والآخرة، من قبيل الخبر الذي ورد بحسب المضمون ان من سن سنة حسنة كان له ثوابه وثواب من يعمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة (وهؤلاء يسنون سنن سيئة طبعا)فعليه وزرها ووزر من يعمل بها إلى يوم القيامة).

واود الان ان اشير إلى بعض الظواهر المحددة، والشائعة في نفس هذا الموضوع، وذلك ما يتخذه الكثير من الناس من اساليب الخلاعة، والازعاج والعصيان الديني في الاعراس من سفور النساء حتى المحجبات منهن وخاصة العروس المتجملة اللابسة ابهى ثيابها، والسير في الشوارع مع الاغاني والتصفيق وقطع الطريق على السابلة (ومن قطع طريق المسلمين فليس بمسلم وعليه لعنة الله). مضافا إلى احياء الحفلات الغنائية ودعوة الفسقة والسافرات إليها وتوزيع الخمر وغير ذلك، وكل ذلك محرم بضرورة الدين وهو اشد حرمة واسفا إذا صدر من الاسر التي تدعي التدين أو في اماكن ومدن متدينة ومقدسة كالنجف وكربلاء والكاظمية وغيرها.

فمن هنا نحن نعلن عن وجوب قطع كل ذلك بتاتا وتماما. وكل من يفكر في ذلك فهو ملعون. وكل من يجيب دعوتهم ويشاركهم في عملهم فهو ملعون. بل كل من يتعاون معهم في أي شيء حتى من داخل اسرتهم فهو ملعون (وهنا صاح المصلون اللهم صل على محمد وال محمد). ولا تنفك عنه اللعنة حتى يتوب، ولن يتوب حتى يتضح منه امام الله سبحانه مقاطعة الحرام وفاعلي الحرام كائنا من كانوا، لا تأخذه في الله لومة لائم.

ومن ذلك ما هُو موجود في كثير من الاسر من السفور في داخل العائلة الواحدة مع انها قد تكون محرمة عليه ولا يجوز له ان يراها ولا يجوز لها الانكشاف امامه، مع انهم متفقون على هذا المسلك. فاذا اصبح فرد منهم أو عدة افراد متدينيين وشاعرين بمسؤولية طاعة الله سبحانه، فسوف يقعون في حرج كبير في داخل اسرهم وبلاء عظيم من حيث لا يستطيعون مقاطعة العائلة والخروج عنها. واوضح اشكال ذلك زوجة الاخ، حيث يعيش الاخوة مع زوجاتهم السافرات في اسرة واحدة وسفرة واحدة. وكذلك اخت الزوجة فان الاعتقاد العامي بانها حلال مع انها حرام، لا تختلف في ذلك عن أي اجنبية اخرى.

هذا فضلا عن بنات العم أو بنات الخال أو بنات العمة او بنات الخالة، والعكس ايضا صحيح يعني بالنسبة الى النساء اولاد العم والعمة واولاد الخال والخالة، فان ذلك كله حرام بضرورة الدين ولا يوجد من يفتي بجوازه من المجتهدين.

فمن هنا لا نقول اننا نهيب ونرجو لان الدين لا يتوصل إليه بالتوسل والتوصل او بالرجاء والاستحياء، بل ادخل في عينهم رضى أم لم يرضى لا يهم (وهنا صاح المصلون اللهم صل على محمد وال محمد).

أو كما يقول بعضهم: طبق ثم ناقش. لا، وانما يقول الدين طبق ولا تناقش. لان كلمة الدين واحدة لا تكون اثنين وكلمة الحوزة واحدة لا تكون اثنين، ولا مجال لتحليل ما حرمه الله.

فاذا اراد الفرد لنفسه الخير والكمال في الدنيا والآخرة فليتبع دين الله. واذا اراد الفساد والافساد والغواية والانحراف وشر الدنيا والاخرة فليتبع الشيطان. فيكون من حيث يعلم أو لا يعلم عدوا للايمان وللمؤمنين ناصرا للاستعمار والمستعمرين محبا للكفار والمنحرفين. فيكون ممن اضله الله على علم وختم على سمعه وبصره وجعل على قلبه غشاوة اعاذنا الله جميعا من كل سوء وعصيان انه على كل شيء قدير.

بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله احد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفؤا احد * صدق الله العلي العظيم

واسألكم الدعاء جميعا.
__________________
احمد1976 غير متواجد حالياً  
قديم 11-21-2008, 11:26 PM   #23 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 450
IraqiForum خطبة الجمعة الثالثة والعشرون 26 جمادي الاولى 1419

--------------------------------------------------------------------------------

الجمعة الثالثة و العشرين 26 جمادي الاولى 1419

الخطبة الاولى

اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم، توكلت على الله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين.

بسم الله الرحمن الرحيم

لا اله الا الله عدد رضاه. لا اله الا الله عدد خلقه. لا اله الا الله عدد كلماته. لا اله الا الله زنة عرشه. لا اله الا الله مليء سمواته وارضه. لا اله الا الله الحميد المجيد الغفورالرحيم المؤمن المهيمن العزيز الجبارالمتكبر. لا اله الا الله القابض الباسط العلي الوفي الواحد الاحد الفرد الصمد القاهر لعباده الرؤوف الرحيم. لا اله الا الله الاول الاخر الظاهر الباطن المغيث القريب المجيب. لا اله الا الله الغفور الشكور اللطيف الخبير. لا اله الا الله الصادق الاول العالم الاعلى. لا اله الا الله الطالب الغالب النور الجليل. لا اله الا الله الجميل الرزاق البديع المبتدع. لا اله الا الله الصمد الديان العلي الاعلى. لا اله الا الله الخالق الكافي الباقي المعافي. لا اله الا الله المعز المذل الفاصل الجواد الكريم. لا اله الا الله الدافع النافع الرافع الواضع. لا اله الا الله الحنان المنان الباعث الوارث. لا اله الا الله القائم الدائم الرفيع الواسع. لا اله الا الله الغياث المستغيث المفضل الحي الذي لا يموت. لا اله الا الله الخالق الباريء المصور له الاسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والارض وهو العزيز الحكيم هو الله الجبار في ديمومته فلا شيء يعادله ولا يصفه ولايوازيه وليس يشبهه شيء وليس كمثله شيء وهو السميع البصير اللطيف الخبير. هو الله اسرع الحاسبين واجود المفضلين المجيب دعوة المضطرين والطالبين الى وجهه الكريم. اسألك بمنتهى كلماتك التامة وبعزتك وقدرتك وسلطانك وجبروتك ان تصلي على محمد واله وان تفعل ما انت اهله ولا تفعل بي ما انا اهله انك ارحم الراحمين وعلى كل شيء قدير.

اللهم صل على المصطفى محمد والمرتضى علي والزهراء فاطمة والمجتبى الحسن والشهيد الحسين والسجاد علي ومحمد الباقر وجعفر الصادق وموسى الكاظم وعلي الرضا ومحمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري والحجة القائم المهدي بقيتك في ارضك وحجتك على عبادك صلاة قائمة دائمة.

اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

استمر الان في ذكر بعض الامور عن الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها). المهم انه مادامت ذكريات وفاتها موجودة، فيحسن التعرض إلى مثل ذلك خلال الجمعات المعاصرة التى الان موجودة. ولعل احسن ما استطيع ان اذكره بهذا الصدد وفي هذه العجالة فكرتان تخصاها (سلام الله عليها) يحسن الالتفات اليهما.

الفكرة الاولى: ما قلته في بعض كتبي كاضواء على ثورة الحسين (عليه السلام) وغيره. وحاصلها انه مقتضى القاعدة ان كل فرد صاحب حق إذا حرم من حقه واخذه منه الظالمون فانه له الحق ان يطالب بحقه وان يذكّر المجتمع به وان يبرز حججه وبيناته على ثبوته ما اوتي إلى ذلك من سبيل. وهذا لا ينبغي ان يكون محل شك اطلاقا.

والمهم ان الاصل في كل ذي حق ان يدافع هُو عن نفسه، ويطالب بحقه لا ان يدافع عنه غيره. لكن حينما تقتضي المصلحة العامة غير ذلك فلا باس ان يدافع الكثيرون عن الحق المغصوب والظلم المتراكم. ومن ذلك بكل تاكيد ما إذا لم يستطع صاحب الحق ان يدافع عن حقه لبعض الموانع، إذن يجب ان يدافع عنه الاخرون ويذكِّروا المجتمع بمظلمته ويبرهنوا على صحة حقه. وهذا ما يحصل في الجانب الديني الاسلامي كثيرا.

فمثلا ان صاحب الزمان، صاحب الامر المهدي (سلام الله عليه)، لا يستطيع الان ان يدافع عن نفسه، أو ان يطالب بحقه بالرغم من انه مظلوم اكثر من كل البشر، وحقه اعظم من كل الناس، إلا ان مطالبته بحقه ينافي غيبته ويجب عليه ان يحافظ على غيبته، لا ان يعرّف الناس بنفسه إلى زمان موعد ظهوره. فتكون مطالبته بحقه في عصر غيبته متعذرة عليه، وغير ممكنة له ومن ثم وجب على الواعين لقضيته (امثال هذه الوجوه الطيبة) والمدركين لظلامته والمخلصين لدعوته، ان يدافعوا عنه ويرفعوا رايته وينشروا كلمته ويبذلوا امكانهم في ذلك لان كلمته كلمة الله ورايته راية الله وحكمه حكم الله. ومن هنا نكون في هذا الجيل نحن المدافعون عنه ونحن المطيعون له ونحن القائمون بامره (سلام الله عليه) حتى يقضي الله بما هُو قاض.

وكذلك قد يحصل وجود المانع عن ان يدافع الامام عن نفسه لبعد المكان، كالامام الصادق (عليه الصلاة والسلام) فانه ساكن في المدينة المنورة وانصاره في خراسان كما في الرواية المعروفة، فيكون بعيدا عن الساحة وعن المجتمع هناك ولم تكن في حينه اجهزة اعلامية وصوتية ولاسلكية. ومن هنا يتعين على الواعين والمخلصين الدفاع عنه وبيان حقه ورفع مظلمته في أي مكان بعيد أو مدينة اخرى أو زمان اخر لا يوجد فيه الامام (عليه الصلاة والسلام).

ومن ذلك انه قد يحصل في الاسلام ان الرجال لا يستطيعون ان يدافعوا عن انفسهم فيدافع عنهم النساء، وقد حصل ذلك في الاسلام مرتين. اوضحها ما حصل بعد مقتل الحسين (سلام الله عليه)، حيث يكون الحسين واصحابه (سلام الله عليهم اجمعين) مستشهدين قد فارقوا الدنيا ولا مجال لهم بطبيعة الحال للدفاع عن انفسهم والاخذ بحقهم وبيان ظلاماتهم والاقتصاص من اعدائهم. ومن هنا كان من اهم من تصدى لهذا الاعلام الضروري واقامة الحجة الرئيسية (بعد الشهادة) على الصديق والعدو وعلى المؤالف والمخالف هي زينب العقيلة بنت امير المؤمنين (عليهما افضل الصلاة والسلام). ولولا موقف زينب (سلام الله عليها) وكلامها واعلامها وخطاباتها لانطمست ثورة الحسين (عليه السلام) واندرجت في طي النسيان وكأنها لم تكن. فكان لابد في الحكمة الالهية ان تنظم تلك الثورة الكبرى والتضحيات الجليلة إلى هذا الجانب الاعلامي المركز لكي يثمر ثمرته وينفع الاجيال باثره كما قد حصل.

وما اشجعها (سلام الله عليها) والطف بيانها حينما تقول لاكبر مسؤول في الدولة يومئذ: (ولئن جرّت علي الدواهي مخاطبتك، اني لاستصغر قدرك واستعظم تقريعك واستكثر توبيخك. لكن العيون عبرى والصدور حرى. ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء) لان رسول الله (صلى الله عليه واله) قال لصحب يزيد وابي يزيد وجد يزيد بعد فتح مكة: اذهبوا فانتم الطلقاء. أي طلقاء من رضا الله سبحانه وتعالى وليس من غضبه.

(الا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء). إلى ان تقول: (فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا يُرحض عنك عارها (أي لا يغسل عنك عارها) وهل رايك إلا فند وايامك إلا عدد وجمعك إلا بدد يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين.

وتقول: (فوالله ما فريت إلا جلدك ولا حززت إلا لحمك ولتردن على رسول الله (صلى الله عليه واله) بما تحملت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم وياخذ بحقهم ((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون))، وحسبك بالله حاكما وبمحمد (صلى الله عليه واله) خصيما وبجبرائيل ظهيرا وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين. بئس للظالمين بدلا وايكم شر مكانا واضعف جندا).

ولقد علمنا في الجمع السابقة ان الذي سول ليزيد ومكن له رقاب المسلمين ونصبه حاكما هُو الاستعمار الذي كان متمثلا يومئذ بالدولة القيصرية البيزنطية الرومانية.

فالمهم اننا هل نستطيع ان نتصور في هذا العصر، وفي كثير من العصور ان يتكلم فرد _مهما كان مهمّا_ امام اعلى مسؤول في الدولة من ملك أو امبراطور أو دكتاتور أو رئيس جمهورية أو أي حاكم مثل هذا الكلام ويعطيه حقه بيده وامام عينيه وفي منزله وامام حاشيته وشرطته ومؤيديه ؟! لان زينب اين كانت ؟ في براني يزيد بن معاوية. هذا متعذر بكل تاكيد حتى في البلدان التي تدعي الحرية والديمقراطية كفرنسا وايطاليا وبريطانيا وغيرها. فان الحرية الشخصية مكفولة هناك شكليا أو نسبيا واما المناقشة في نظامهم والاعتراض على مسلماتهم واسس سياساتهم واسرار دولهم فهو ممنوع، قليلا كان أو كثيرا وليس فيها اية حرية كائنا من كان. وان رغمت انافهم نقول ذلك (وهنا صاح المصلون بالصلاة على محمد وال محمد مرات متعددة).

ومن ذلك (اعني حين يضطر النساء للدفاع عن مواقف الرجال) موقف الزهراء (سلام الله عليها) (وقدمنا موقف زينب لانه اوضح واشرح) حين اضطر امير المؤمنين (عليه افضل الصلاة والسلام) إلى البقاء في بيته حوالي عشرين عاما. وانما كانت الفرصة الرئيسية والكلمة الشجاعة موجودة للزهراء (سلام الله عليها) والتي كانت شكليا تتخذ صورة المصلحة الشخصية، اعني المطالبة بفدك وموارد فدك وارباح فدك. ولكنها في الحقيقة ذات مصلحة عامة واقعية، وهي المطالبة بامامة زوجها امير المؤمنين (سلام الله عليه) وخلافته وتسنمه منصب الرئاسة الفعلية والقيادة في المجتمع.

وقد ابليت الزهراء في ذلك بلاء حسنا وجاهدت جهادا حقيقيا. وايضا كان خطابها مع اعظم مسؤول في الدولة يومئذ كما عرفنا ذلك في زينب (عليها السلام). فلم تكن تحفل بالشدائد ولا تجبن عند المكاره. وانما تقول له بصراحة: (فدونكها مخطومة مرحولة (يعني ناقة في ابهى حلتها، اي حجتنا في ابهى صحتها) تلقاك يوم حشرك. فنعم الحكم الله والزعيم محمد والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون).

ومن جملة خطبها الواضحة الصريحة بالمطالبة بحق زوجها امير المؤمنين (سلام الله عليه) بالخلافـة والامامة ورعاية المجتمع حق رعايته، قولها: (ويحهم انى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الوحي ومهبط الروح الامين الطبن (او الطبين) بامور الدنيا والدين (والطبين هو الخبير ومن هو الخبير ؟ امير المؤمنين سلام الله عليه) الا ذلك هُو الخسران المبين. وما نقموا من ابي الحسن ؟ نقموا والله نكير سيفه وشدة وطئته ونكال وقعته وتنمره في ذات الله. وبالله لو تكافئوا على زمام نبذة رسول الله (صلى الله عليه واله) لساربهم سيرا سجحا لا يكلم خشاشه ولا يتعتع راكبه ولاوردهم منهلا رويا فضفاضا تطفح ضفتاه ولا يترنق جانباه ولأصدرهم بطانا قد تحرى بهم الري غير متحل منهم بطائل بعلمه الباهر وردعه ثورة الساغب (الذي هو الجائع) ولفتحت عليهم بركات من السماء وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون).

ثم تقول: ( إلى أي لجأ (اي الى اي ملجأ) لجأوا واستندوا وباي عروة تمسكوا ولبئس المولى ولبئس العشير. استبدلوا والله الذنابى بالقوادم والعجز بالكاهل فرغما لمعاطس قوم يحسبون انهم يحسنون صنعا. الا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون).

وهي تقول هذا الكلام البليغ، والبيان الفصيح بقلب شجاع، وارادة قوية وكلام لا يفهمه الا اهلوه، وهي من العمر حوالي تسعة عشر سنة، أو قل انها شابة صغيرة، ولكنها المعجزة الكبيرة. فهل في العالم اليوم او في اي يوم واحدة تستطيع التكلم مثلها ؟ او رجل عمره تسعة عشر سنة يستطيع ان يتكلم ؟ لا يوجد حبيبي. وهل في اجيال الاسلام وغير الاسلام مثل ذلك ؟ لا يوجد اطلاقا. حتى بنات الملوك والمثقفات والواصلات إلى درجات عليا في الدنيا أو في الآخرة أو في الدين. وانما ذلك كان امرا فريدا حسب مستواها العالي بصفتها بنت الرسول وزوج الوصي وام الحسنين (سلام الله عليهم اجمعين). لاحظوا ..سبحان الله حتى زينب العقيلة (سلام الله عليها) على عظم جهادها لم تكن مثل الزهراء سلام الله عليها. فان الزهراء ابلغ نطقا اكيدا وكانت اصغر عمرا اكيدا من زينب ربما ان الفرق عشرين سنة او اكثر زينب كانت اكبر في زمانها من الزهراء في زمانها، فعشرين سنة ليست قليلة فلا بد انها مجربة وواعية واجتماعية بحيث انه نستطيع القول انه من الممكن لها التكلم اما امرأة عمرها تسعة عشر سنة فهذا هو المعجز الباهر الذي لا معجز مثله.

بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله احد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفؤا احد * صدق الله العلي العظيم


الجمعة الثالثة والعشرون 19 جمادي الاول 1419

الخطبة الثانية

اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم، توكلت على الله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله بما حمد الله به نفسه، و لا اله الا الله بما هلل الله به نفسه، وسبحان الله بما سبح الله به نفسه، والله اكبر بما كبر الله به نفسه. والحمد لله بما حمد الله به عرشه وكرسيه ومن تحته، و لا اله الا الله بما هلل الله به عرشه وكرسيه ومن تحته، وسبحان الله بما سبح الله به عرشه وكرسيه ومن تحته. والحمد لله بما حمد الله به خلقه، و لا اله الا الله بما هلل الله به خلقه، وسبحان الله بماسبح الله به خلقه، والله اكبر بما كبر الله به خلقه. الحمد لله بما حمد الله به ملائكته، وسبحان الله بما سبح الله به ملائكته، والله اكبر بما كبر الله به ملائكته. والحمد لله بما حمد الله به سماواته وارضه، و لا اله الا الله بما هلل الله به سماواته وارضه، وسبحان الله بما سبح الله به سماواته وارضه، والله كلما كبر الله به سماواته وارضه. والحمد لله بما حمد الله به رعده وبرقه ومطره ولا اله الا الله بما هلل الله به رعده وبرقه ومطره، وسبحان الله بما سبح الله به رعده وبرقه ومطره، والله اكبر بما كبر الله به رعده وبرقه ومطره. والحمد لله بماحمد الله به كرسيه وكل شيء احاط به علمه، و لا اله الا الله بما هلل الله به كرسيه وكل شيء احاط به علمه، وسبحان الله بما سبح الله به كرسيه وكل شيء احاط به علمه، والله اكبر بما كبر الله به كرسيه وكل شيء احاط به علمه.

اللهم صل على محمد واله بافضل صلواتك واعظم تحياتك واكبر كراماتك كما صليت وترحمت وتحننت على ابراهيم وال ابراهيم انك حميد مجيد.

اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

نتعرض الان إلى الفكرة الثانية المرتبطة بالزهراء (سلام الله عليها)، وهي انها طالبت بعد وفاة ابيها بفدك، وهي ارض كانت تحت سيطرة اليهود في الجاهلية واول الاسلام. وبعد وقعة خيبر التي اخضع فيها نبي الاسلام اليهود فيها واذلهم، صالحهم على ان تكون ارض فدك ملكا للنبي (صلى الله عليه واله) وهم عمال وفلاحون فيها ويدفعون الوارد إليه (صلى الله عليه واله) بالنسبة التي يتم الاتفاق بينهما عليها. وبقي الامر على ذلك إلى وفاة النبي (صلى الله عليه واله).

وبعد وفاته وضعت الدولة _باللغة الحديثة_ يدها على هذه الأرض وذهبت مصادرة اليهم وحرم منها ورثة النبي (صلى الله عليه واله). فجاءت الزهراء (سلام الله عليها) وطالبت بارجاعها إليها. والسر في ذلك ليس هُو الطمع في الدنيا وانما كان وارد هذه الأرض كبيرا نسبيا فمن المطلوب ان يكون هذا الوارد بيد الزهراء (سلام الله عليها)، وزوجها يصرفانه في مصلحة المجتمع والمسلمين وبالتالي يقوى بها حالهم الاقتصادي والاجتماعي ويستطاع به الدفاع عن حقهم المهتضم والمغصوب. ومن المؤسف ان يذهب هذا الوارد الكبير إلى الدولة التي تعتبرها الزهراء (سلام الله عليها) ظالمة وغاصبة وغير مشروعة.

وحسب فهمي فان هذا بعينه هُو السبب في مصادرة الدولة لهذه الأرض، لكي يكون واردها لها (أي للدولة) وتتقوى بها اقتصاديا واجتماعيا، ويحرم عنها الزهراء وامير المؤمنين (سلام الله عليهما)، وتسلب عنهما القوة الاقتصادية والاجتماعية كما يتصور الحاكمون يومئذ.

وفي (اعلام النساء) لعمر رضا كحالة الجزء الرابع صفحة 124 في ترجمته للزهراء (سلام الله عليها) قال: (وقال علي بن مهنا العلوي: ما قصد ابو بكر وعمر بمنع فاطمة عنها (أي فدك)، إلا ان يتقوى علي بحاصلها وغلتها على المنازعة في الخلافة).

ومن هنا يتضح انها انما طالبت بفدك لاجل نصرة زوجها أو قل لاجل نصرة الحق المتجلي بزوجها والمصلحة العامة المتعلقة به. فمطالبتها بفدك لها كلا المعنيين الصحيحين، مطالبتها بخلافة زوجها اولا، ومطالبتها بقوة زوجها اقتصاديا ثانيا. وليس فيه أي احتمال كونه من طلب الدنيا وكيف يكون ذلك وزهدها وزهد زوجها امير المؤمنين (عليهما افضل الصلاة والسلام) اشهر من ان يذكر. وهما اللذان نزل في حقهما قوله تعالى: ((ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا)). وقوله تعالى: ((انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)).

والفكرة الان هي ان ارض فدك هل هي ميراث للزهراء (سلام الله عليها) من ابيها ؟ او انها نحلة وهدية اهداها إليها في حياته ؟ وهي اي الزهراء (سلام الله عليها) قد ذكرت كلا الامرين في خطبها وكلماتها.

اما المطالبة في الارث فاكثر من مرة، منها قولها: (وانتم الان تزعمون ان لا ارث لنا افحكم الجاهلية تبغون ومن احسن من الله حكما لقوم يوقنون. ويا معشر المهاجرين ءأبتز ارث ابي في الكتاب ان ترث اباك ولا ارث ابي لقد جئت شيئا فريا).

واما المطالبة بالهبة فعن شرح ابن ابي الحديد ان فاطمة لما كلمت ابا بكر بكى، ثم قال: يا ابنت رسول الله والله ما ورّث ابوك درهما ولا دينارا وانه قال ان الانبياء لا يورَثون. فقالت (سلام الله عليها): ان فدك وهبها لي (رسول الله صلى الله عليه واله) . قال فمن يشهد بذلك ؟ (تحتاج الى شهادة فهي مدعية كانها غير معصومة ولا حول ولا قوة الا بالله !) فجاء علي بن ابي طالب (سلام الله عليه) فشهد وجاءت أم ايمن فشهدت. ورد شهادتهما على أية حال إلى آخر القضية.

ومن الواضح ان الذي يكون في صالح دعوى الزهراء (سلام الله عليها) هُو الهبة لان الارض كلها ستكون لها دون الارث لانها ستكون مقسمة بين الورثة وهم البنات والزوجات جميعا وليس للنبي من التركة بحيث تقع ارض فدك برمتها وجميعها في حصة الزهراء فقط.

إلا ان هذا يمكن الجواب عليه بوضوح وذلك بعد الالتفات إلى امرين:

الامر الاول: ان الزوجة أو الزوجات لا يرثن من الأرض وهذا عندنا موجود لا عينا ولا قيمة ولا اقل ان الشيء الاجماعي انهن لا يرثن عينا لان قيمة مختلف فيه. فإذن ارض فدك لاتصل إلى الزوجات ولا شبر منها.

الامر الثاني: انه ليس للنبي (صلى الله عليه واله) من بنات إلا الزهراء (سلام الله عليها)، اما الاخريات فلم يثبت انهن بناته. بل هن بنات السيدة خديجة (رضوان الله عليها) من زوج آخر كانت عنده قبل زواجها من النبي (صلى الله عليه واله). اذن فستكون كل الأرض للزهراء (سلام الله عليها). ومن الملاحظ ان الرجل لم ينكر ملكية رسول الله (صلى الله عليه واله) للارض، وانما انكر انتقال المال بالميراث منه بصفته من الانبياء لان الانبياء لا يورِثون. ولذا احتجت عليه بقوله تعالى: ((وورث سليمان داود)) مع انهما معا من الانبياء. إذن فالانبياء يورِثون وقانون الارث شامل للجميع.

والمهم الان، هُو التساؤل عن صحة الارث أو الهبة وكلاهما قالته الزهراء (عليها السلام) وكلاهما ينتج ملكيتها للارض كلها. وجواب ذلك يكون على عدة وجوه:

الوجه الاول: ان المراد من الارث الهبة. قالت ارث وقصدت الهبة، لانها هبة من الوالد إلى ذريته والذرية ترث الوالد عادة وشرعا ،فكان كل مال انتقل من الوالد إلى ذريته هو من قبيل الهبة حقيقة أو مجازا. إذن تقصد او من الممكن تقصد من الارث الهبة.

الوجه الثاني: انها تنزل في الدعوى على ما نعبر في العلوم العقلية، كانها (سلام الله عليها) تريد ان تقول انه (صلى الله عليه واله) قد وهب لي الأرض. ولكن لو تنزلنا عن ذلك وانكرنا الهبة كانت الأرض ارثا لي، لانه إذا لم تكن الهبة حاصلة فقد بقيت الأرض على ملك الوالد وعلى ملك النبي (صلى الله عليه واله) إلى حين وفاته فتذهب ارثا إلى الذرية وهي الوارثة الوحيدة للارض كما سمعنا.

الوجه الثالث: ان مرادها (سلام الله عليها) جعل الحجة بين احد شقين او احتمالين نعلم اجمالا بحصول احدهما لا محالة وهو اما الارث واما الهبة، وكلاهما سبب لملكيتها الارض، فتكون الأرض لكل من السببين ملكا لها والمفروض ان احد السببين قد حصل فعلا ويقينا .

الوجه الرابع: انه من الملحوظ انها (سلام الله عليها) حينما اكدت على شمول قانون الارث لها من تركة ابيها لم تذكر ارض فدك بل ذكرت القاعدة العامة دون التطبيق، أو الكبرى دون الصغرى. يعني انها لم تقل: اذن فارض فدك تكون لي بالميراث، لا يستفاد ذلك من خطبها. وانما ذكرت ارض فدك عند ذكر الهبة فقط، وقالت: (قد وهبها لي رسول الله (صلى الله عليه واله)). وهذا معناه ان ذكر الميراث وان كان صحيحا إلا انه لمجرد الاحتجاج على الخصم، ويستفاد منه من ناحيتين:

الناحية الاولى: انه لو انكر الهبة إذن يتعين الميراث في ارض فدك.

الناحية الثانية: (وهذا قلما يلاحظ) ان قانون الارث كما يشمل الأرض يشمل غيرها وكما يشمل البنت يشمل الزوجات. وهذا ينتج عدة نتائج:

منها: ان الزهراء (سلام الله عليها) لم تعطى عمليا من ارث ابيها أي شيء. فانه (صلى الله عليه واله) كان يسكن دارا فيها بعض الاثاث البسيط وقد حرمت الزهراء منها كما حرمت من فدك بعنوان ان الانبياء لا يورثون !

ومنها: ان زوجات النبي (صلى الله عليه واله) اعطين ارثهن كاملا بل زائدا. لان حصة الزهراء وهي الاكبر طبعا بصفتها بنته اعطيت للزوجات، فتصرفن في كل ميراث النبي (صلى الله عليه واله) حتى في ما يرتبط بالدار والاثاث ومن هنا قال الشاعر:

لك التسع من الثُمن وفي الكل تصرفــت

الثُمن ما هو ؟ حق الزوجة واحدة أو متعددة. والتسع هُو ان النبي (صلى الله عليه واله) توفى على تسع زوجات حرائر بالعقد الدائم. اذن فالثمن يقسم تسعة اقسام بين تسع زوجات، كل واحدة لها التسع من الثمن او تسع الثمن ومع ذلك (وفي الكل تصرفت).

فاذا كان الانبياء لا يورثون إذن فهم لا يورثون الزوجات كما لا يورثون البنات. إلا ان المنع عمليا ودنيويا يختص بالبنات لاعتبارات ومصالح دنيوية ظالمة بطبيعة الحال !

بسم الله الرحمن الرحيم انا اعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر * ان شانئك هو الابتر * صدق الله العلي العظيم
__________________
احمد1976 غير متواجد حالياً  
قديم 11-21-2008, 11:33 PM   #24 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 450
IraqiForum خطبة الجمعة الرابعة والعشرون 3 جمادي الثاني 1419

الجمعة الرابعة والعشرون 3 جمادي الثاني 1419

الخطبة الاولى

بسم الله الرحمن الرحيم

توجد كلمة قبل الخطبتين مختصرة اقولها لكم انه نحن طبعا في جمادي الثانية وفي العشرين من جمادي الثانية ولادة الزهراء (سلام الله عليها)، فالرجاء منكم الا تقصروا في هذه المناسبة في زيارة امير المؤمنين (سلام الله عليه). مضافا الى ان ولادة الزهراء سوف تقع في يوم الاثنين على ما هو المظنون. ثم في الجمعة التي تليها في الحقيقة الذكرى السنوية الاولى لتأسيس صلاة الجمعة في العراق، فالرجاء الا تقصروا في الحضور الى مسجد الكوفة لاحياء هذه الذكرى طبعا اذا بقيت الحياة واما اذا لم تبق الحياة وهذا امر متوقع في اي نفس وفي اي يوم فاسألكم الفاتحة والدعاء وشيء آخر رئيسي وهو ان تحافظوا على دينكم ومذهبكم ولا تدعوا هذا الزرع الذي حصدتموه بفضل الله سبحانه وتعالى ان يضيع وان يجف. لا، حافظوا عليه. طبعا انشاء الله ان الشجاعة موجودة والوعي موجود والدين بذمتكم والمذهب بذمتكم لا ينبغي التفريط به لا بقليل ولا بكثير. انا لست مهما بوجهي ولابيدي ولا بعيني وانما الشيء المهم هو دين الله ومذهب امير المؤمنين (سلام الله عليه).

اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين.

بسم الله الرحمن الرحيم

سبحان الله العظيم وبحمده، سبحان الله من اله ما املكه، وسبحانه من ملك ما اقدره، وسبحانه من قدير ما اعظمه، وسبحانه من عظيم ما اجله، وسبحانه من جليل ما امجده، وسبحانه من ماجد ما ارأفه، وسبحان الله من رؤوف ما اعزه، وسبحانه من عزيز ما اكبره، وسبحانه من كبير ما اقدمه، وسبحانه من قديم ما اعلاه، وسبحانه من عال ما اسناه، وسبحانه من سني ما ابهاه، وسبحانه من بهي ما انوره، وسبحانه من منير ما اظهره، وسبحانه من ظاهر ما اخفاه، وسبحانه من خفي ما اعلمه، وسبحانه من عليم ما اخبره، وسبحانه من خبير ما اكرمه، وسبحانه من كريم ما الطفه، وسبحانه من لطيف ما ابصره، وسبحانه من بصير ما اسمعه، وسبحانه من سميع ما احفظه، وسبحانه من حفيظ ما املاه، وسبحانه من ملي ما اوفاه، وسبحانه من وفي ما اغناه، وسبحانه من غني ما اعطاه، وسبحانه من معط ما اوسعه، وسبحانه من واسع ما اجوده، وسبحانه من جواد ما افضله، وسبحانه من مفضل ما انعمه.

اللهم صل على محمد وال محمد بافضل صلواتك واكبر تسليماتك واعظم تحياتك كافضل واكرم واحسن ما صليت على ابراهيم وال ابراهيم انك حميد مجيد فعال لما تريد وانت على كل شيء شهيد.

اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

هذا اليوم هو من ذكريات وفاة سيدتنا الزهراء (سلام الله عليها) كالذي سبق في المناسبات السابقة فيحسن ان يبقى الحديث عنها مستمرا.

قال الشاعر:

ولأي الامور تدفـن ليـلا بضعة المصطفى ويعفى ثراها

فقد أثار الشاعر جزاه الله خيرا سؤالين عن مشكلتين تاريخيتين تتصلان بالزهراء (سلام الله عليها)، إحداهما وهي الدفن ليلا حصلت بقناعة الزهراء (سلام الله عليها) ووصيتها. والاخرى وهي اخفاء قبرها حصلت بقناعة زوجها امير المؤمنين (سلام الله عليه) وقد نستطيع الوصول بالأسئلة الى ثلاثة او اكثر لان طرح هذا البيت الشعري على شكل سؤال:

ولأي الامور تدفن ليلا بضعة المصطفى ويعفى ثراها؟

فان فيه سؤالين لكن نحن نزيد عليه سؤالا آخر.

الاول: ان الزهراء (سلام الله عليها) قد غسلت بعد وفاتها سرا في داخل بيتها (كول لا !) ولم يعلم احد بذلك من خارج الاسرة ولم يشارك فيه أحد الا زوجها أمير المؤمنين (عليه السلام) واسماء بت عميس على ما ببالي التي كانت تناوله الماء.

الثاني: ان الزهراء (سلام الله عليها) اوصت زوجها ان تدفن ليلا حين تهدأ العيون وينام الناس ولا يكون لها تشييع عام. وقد طبق امير المؤمنين (سلام الله عليه) هذه الوصية ودفنت سرا ليلا باجماع كلام المؤرخين من كل المذاهب الاسلامية، ولا يحتمل فيها غير ذلك. ولم يحضر تشييعها ودفنها الا حوالي سبعة نفر فقط، زوجها وولداها (سلام الله عليهم) وبعض الخاصة من خاصتهم كسلمان الفارسي وابي ذر وعمار (رضوان الله عليهم).

الثالث: ان الزهراء (سلام الله عليها) عفي قبرها ولم يظهر الى حد الان وهذا ايضا اكيد بتسالم المؤرخين. ورفض امير المؤمنين بكل شدة وقوة ارادة، ان يدل المجتمع على قبرها الذي دفنت فيه ليلا. ولا زلنا نشعر بانه لا توجد حجة شرعية كادلة على كونها مدفونة في اي مكان محدد. إلا انها في منطقة كبيرة هي المدينة المنورة دون اي مكان محدد منها. ولعل الارجح في ذلك احد احتمالات ثلاثة.

اولا: انها دفنت في بيتها ( اي البيت الذي كانت تسكن فيه مع امير المؤمنين (سلام الله عليه)).

ثانيا: انها دفنت في البقيع. انا كتبت لك بضعة كلمات كشرح عن البقيع يحسن الالتفات اليه جدا: ويسمى بقيع الغرقد، وقد كان مدفنا لاهل المدينة (كوادي السلام في النجف) وكان خارج البيوت يومئذ فكانوا يخرجون موتاهم خارج المدينة ويدفنوهم في المقبرة، اي البقيع. وفيه مقابر كثير من الصحابة والتابعين والهاشميين بما فيهم بعض المعصومين (عليهم السلام)، وهم الامام الحسن المجتبى (عليه السلام) والامام السجاد علي ابن الحسين (عليه السلام) والامام الباقر (عليه السلام) والامام الصادق (عليه السلام). وكان على هذه القبور (اي قبور المعصومين الاربعة) بناء كبير ولا زالت صورته الفوتوغرافية موجودة. وكانت تسمى عند اهل المنطقة بقبة اهل البيت وقد هدمها الوهابيون السعوديون. واصبح في نظرنا يوم معين من السنة يسمى يوم هدم القبور اي هدم قبور البقيع، مصيبته تعدل مصيبة ذكرى وفاة احد المعصومين (عليهم السلام). واصبح الناس يعملون بهذه المناسبة تعازي وذكريات ونحو ذلك وايضا قال الشاعر بهذه المناسبة:

الا ان حادثة البقـــيع يشيب لهولها فـود الرضيع

وسوف تكون فاتحة الرزايا اذا لم نصحوا من هذا الهجوع

كما قد كان في مقبرة البقيع بناية تسمى قبة المبكى، وهى ان الزهراء (سلام الله عليها) بعد ابيها حينما في الحقيقة طردت من داخل المدينة انه اسكتوها فان بكاءها يؤذي الجيران. فاخرجها زوجها الى البقيع، فاصبحت تبكي هناك. فخلال الاجيال بني في نفس المنطقة بناء متكون من سور وقبة تسمى قبة المبكى لذكرى فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، وكان هذا في ضمن ما هدم عند هدم البقيع.

ويوجد شرح ذلك وغير ذلك مفصلا في كتاب يسمى بمرآة الحرمين لاحد الضباط المصريين الذين كانوا يذهبون من مصر في حملات الحج كل سنة قبل سبعين عاما او اكثر وفيه صورة لمقبرة بقيع الغرقد قبل الانهدام. وتظهر فيه بنايات عديدة منها بناية المبكى، ومنها قبة اهل البيت (سلام الله عليهم) واشياء اخرى. وهو ايضا يعدد محتويات البقيع واحدة واحدة. المهم انه مصدر جيد وهو منهم وليس من عندنا حبيبي .

ومحل الشاهد ان احدى الروايات هي انها (سلام الله عليها) دفنت في البقيع ولكن لم يعرف موضع قبرها الى الان هل انها حقيقة في البقيع؟ او في اي مكان في البقيع مدفونة ؟ لا يُعلم. ولم يبن عليها احد قبة لانها مجهولة من حين دفنها.

ثالثا: انها دفنت قرب ابيها يعني قرب مدفن الرسول (صلى الله عليه واله). وبعضهم وربما الارتكاز المتشرعي كما نقول، يفهم ذلك مما ورد عن النبي (صلى الله عليه واله) يقول: بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة. والظاهر ان هذا الخبر مما يرويه الفريقان حسب اطلاعي. فنقول هنا ان هذه الروضة من الجنة هي قبر الزهراء (سلام الله عليها)، وتوجد هناك روايات اخرى اضعف من هذه الثلاثة.

وعلى اي حال فحسب فهمي ان هذه الثلاثة ايضا غير مذكورة بحجة شرعية، وانما هي محتملات راجحة على اية حال. يكفينا من ذلك ان امير المؤمنين (عليه السلام) تعمد التعتيم الاعلامي (باللغة الحديثة) على قبرها من نفس الليلة التي دفنت فيها ولا زال هذا التعتيم موجودا. فكيف نستطيع ان نستدل على قبرها بحجة شرعية مع وجود هذا التعتيم الذي دعمه امير المؤمنين بنفسه (سلام الله عليه).

والملاحظ ان سائر الائمة بعد امير المؤمنين (عليه السلام) التزموا على نفس المسلك، ولم يصرحوا بموضع قبر الزهراء (عليها السلام)، بخلاف الامور الاخرى فانها صدرت عنهم كثيرا كموضع قبر امير المؤمنين (عليه السلام) وحوادث الطف وغير ذلك. حيث كانوا يذهبون لزيارة قبر جدهم امير المؤمنين (عليه السلام) ولكنهم لم يحاولوا زيارة قبر جدتهم الزهراء (سلام الله عليها) لكي لا يكون ذلك إيذانا برفع الغفلة والتعتيم عن محل قبرها فاذا اظهروه يكون ذلك خيانة للفكرة التي بدأها جدهم امير المؤمنين في قاعدة التعتيم على قبر الزهراء (سلام الله عليها) وحاشاهم من الخيانة. إذن، فهم لم يتلفظوا قولا ولم يعملوا عملا يدل على محل وجود قبر الزهراء (سلام الله عليها). والطريق المنحصر للاجيال المتاخرة للتعين الحقيقي لقبر الزهراء (سلام الله عليها) هو انتظار الامام المهدي (سلام الله عليه) للقيام بسؤاله وتعيينه، واما الان فهو منسد تماما.

الخطوة الاخرى مهمة أيضاً: وهي لئن كان الامر في تكفينها السري ودفنها السري ليلا امر خاص بالجيل المعاصر لها (سلام الله عليها) (لانه انما هم مثلا يوجد توقع ان يحظروا تكفينها ويحظروا دفنها ونحن طبعا غير موجودين). فخفاء قبرها ليس امرا خاصا بذلك الجيل بل عام لسائر اجيال الاسلام وهي علامة غير محمودة طبعا، واعتبرها سوء توفيق لكل الاجيال الاسلامية ابتداء من الجيل المعاصر لوفاتها والى الان والى حين يتضح الامر بظهور الحق الاصيل (سلام الله عليه). فليس فينا اي شخص يستحق ان ينال هذه النعمة الخاصة والرحمة الحقيقية مهما كان ادعاء هذا الشخص عاليا في دين او دنيا .

نعود الان الى التساؤل عن السبب في هذا التعتيم المكثف والطويل الامد كما سمعنا من الشاعر حين يقول:

ولاي الامور تدفن ليلا بضعى المصطفى ويعفى ثراها

ولعل هذا ايضا في واقعه يعتبر ايضا من الاسرار الالهية التي لا يعلمها الا المعصومون (عليهم السلام) واوليائهم، الا ان المشهور لدى المتشرعة الى الان ان الزهراء (سلام الله عليها) كانت تريد منع اعدائها التي غضبت عليهم عن حضور تشييعها وزيارة قبرها بعد دفنها. فكانت افضل طريقة لذلك هو هذا التعتيم المطلق الذي حصل بمنع المجتمع كله عن ذلك لكي يمتنع الاعداء عن ذلك أيضاً لانه لا سبيل لمنعهم بالخصوص الا بمنع المجتمع كله. وهذا الوجه جيد جدا لولا اشكال واحد لعلنا التفتنا اليه وهو انها لو كانت (سلام الله عليها) تقصد نفس اعدائها الموجودين في ذلك الجيل اذن فقد زالوا عن الوجود بعد مائة سنة مثلا او اكثر او اقل. فلماذا لم يكشف المعصومون من ذريتها عن موضع قبرها بعد ذلك ؟ إذن فالامر اعمق من ذلك من جهتين:

الاولى: عدم اختصاص هذا الغضب الفاطمي بالجيل المعاصر لها بل هو شامل لكل الاجيال مادام هناك اتباع ومناصرين ومحبين لهم .

الثانية: عدم اختصاص هذا الغضب الفاطمي بطبقة معينة نعتبرها متطرفة بالضلال، بل تشمل كل المجتمع بدليل على انه لا يوجد اي احد منهم او منا يعرف ذلك على طول الاجيال ولو كنا مستحقين لذلك لعرفناه اكيدا، لان رحمة الله قريبة من المحسنين. وحيث اننا لا نعرفه أذن فلسنا مستحقين لهذه الرحمة الخاصية جيلا بعد جيل.

واوضح شيء يشبه هذا المعنى هو غيبة الامام (عليه السلام) فانها تمثل غضب الله سبحانه على اعداء الله سبحانه وتعالى، فغيب عنهم وليه مع العلم الاكيد والذي صرح به العلماء السابقون انه لا يمكن ان يكون غائبا عن المستحقين لرؤيته وانه (سلام الله عليه) انما تحجبه الذنوب والعيوب والمظالم الموجودة لدى الافراد والجماعات. فاي فرد تصورناه انه ليس له ذنوب وعيوب وهو مبرأ امـام الله سبحـانه وتعالى منها فانه سيرى المهدي ويتعرف عليـه.

وبتعبير اخر ان المتشرعة يشعرون انه انما غاب (سلام الله عليه) من اجل خوف القتل، فان كان ذلك صحيحا تماما فلماذا لا يظهر احيانا لمن لا يخاف منه الاعتداء وهم كثيرون والحمد لله من الشيعة والموالين.

وجواب ذلك نفس الجواب وهو انهم غير مستحقين لرؤية الامام ولا مبرؤون من الذنوب والعيوب الى الدرجة التي يبلغون بها درجة الاستحقاق. اذن فلنعرف ميزاننا وموقعنا امام الله سبحانه وتعالى سواء في الحوزة او في خارجها وسواء في العراق او في خارجه وسواء بين الموالين او خارجهم. لان كل اجيالنا تخفى عليها كثير من الامور الالهية المهمة والتي اوضحها التعرف على قبر الزهراء والتعرف على شخص الامام الحجة. مع العلم انه لا يحتمل ان يحجب ذلك عن المستحقين له، وليس ذلك من العدل الالهي.

ومثال ذلك من وجهة نظر بعض العارفين ان البلاء الذي نزل على ال يعقوب او اسرته انما كان لبعض التقصيرات حسب رواية موجودة (نترك صحة سندها الان) وهو انهم كانوا ياكلون شاة مشوية في بعض الامسيات فجاءهم فقير يطلب العطاء فلم يعطوه. وفي الحكمة: اذا صدق السائل هلك المسؤول. وقد كان هذا السائل في علم الله مستحقا حقيقة فمنعوه فكان ذلك إيذانا ببدء البلاء.

والمهم ليس هو سماع تفاصيل القصة وهي معروفة ومروية في الكتاب الكريم والسنة الشريفة. وانما محل الشاهد فيها ان يعقوب (عليه السلام) بكى حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم بنص القران الكريم، ولكنه قد رجع بصره عندما القي قميص يوسف على وجهه. ولم يكن بكاؤه بكاء العاطفة على ابنه بل اسفا لحصول ذلك التقصير وبيانا للتوبة منه وكان يقول ايضا بنص القران ((واعلم من الله ما لا تعلمون)) وفسره بعض اهل المعرفة اني اعلم بانه عند زوال الغضب يزول البلاء. وكان يعقوب (سلام الله عليه) ينتظر زوال الغضب وتوبة الله عليهم. فحينما القي عليه قميص يوسف كان هذا إيذانا بزوال الغضب وانه يمكن التعرف على يوسف وحصول الرضا، ولذا كف عن البكاء ورجع بصره. ولم يكن الغضب غضبا الهيا مطلقا لانهم (سلام الله عليهم) معصومون وانما كان تنبيها وامتحانا على تقصير بسيط ولم يكن هو طبعا من المحرمات لكي يكون منافيا للعصمة.

ومحل الشاهد انه اذا زال الغضب زال البلاء واما ما دام البلاء موجودا فنعرف من ذلك ان الغضب لا زال موجودا وليس لنا استحقاق زواله. والبلاء في الدنيا كثير الا انه في محل حديثنا هو خفاء قبر الزهراء (سلام الله عليها) وخفاء شخص المهدي (عليه السلام). وهذا معناه اننا لا زلنا على مستوى القصور والتقصير والذلة امام الله سبحانه وتعالى حتى سيد محمد الصدر انا لا اقصد غيري وانما الجميع هكذا جيلا بعد جيل حتى الحوزة العلمية حتى اكابر الحوزة العلمية فليدل واحد منهم على قبر الزهراء يقينا او يعرفك بشخص المهدي يقينا، اقل من ذلك واحقر حتى سيد محمد الصدر.

وهذا معناه اننا لا زلنا على مستوى القصور والتقصير والذلة امام الله سبحانه وعدم استحقاق الرحمات الخاصة لا استثني من ذلك احدا من البشر كائنا من كان. وهذا ما يستدعي فينا مزيد الحذر واليقضة ومراقبة الله في الصغيرة والكبيرة وفي كل نفس كما تقول الحكمة (خف الله كانك تراه فان لم تكن تراه فهو يراك) فلعلنا بالتدريج نصل الى المستوى الالهي المطلوب.

بسم الله الرحمن الرحيم اذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا *

صدق الله العلي العظيم
الجمعة الرابعة والعشرون 3 جمادي الثاني 1419

الخطبة الثانية

اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، توكلت على الله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين.

بسم الله الرحمن الرحيم

والهكم اله واحد لا اله الا هو الرحمن الرحيم. الله لا اله الا هو الحي القيوم لا تاخذه سنة ولا نوم. الله لا اله الا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء. لا اله الا هو العزيز الحكيم. شهد الله انه لا اله الا هو والملائكة واولو العلم قائما بالقسط. لا اله الا هو العزيز الحكيم. ان الدين عند الله الإسلام، ان هذا لهو القصص الحق وما من اله الا الله وان الله لهو العزيز الحكيم. الله لا اله الا هو ليجمعنكم الى يوم القيامة لا ريب فيه ومن اصدق من الله حديثا. لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة وما من اله الا اله واحد وان لم ينتهوا مما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب اليم. ذلكم الله ربكم لا اله الا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل. اتبع ما اوحي اليك من ربك لا اله الا هو واعرض عن المشركين.

اللهم صل على محمد وال محمد. اللهم صل على المصطفى محمد، والمرتضى علي والزهراء فاطمة والمجتبى الحسن والشهيد الحسين والسجاد علي والباقر محمد والصادق جعفر والكاظم موسى والرضا علي والجواد محمد والهادي علي والعسكري الحسن والحجة الهادي المهدي ائمتي وسادتي وقادتي بهم اتولى ومن اعدائهم اتبرأ في الدنيا والاخرة.

اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

ولأي الامور تدفن ليلا ولاي الامور يعفى ثراها

نعود الى التساؤل عن ذلك. وحسب فهمي، ان افضل اطروحة في الجواب في سبب كتمان مدفن الزهراء (سلام الله عليها) هو ان نعرف شيئا من شأن الزهراء (سلام الله عليها)، لكي نستنتج النتيجة بسهولة ولو كاطروحة على اية حال وليس كامر بتي لان كل واحد وقناعته لكنها اطروحة انا اعرضها امامكم وعلى مسامعكم. وذلك ان من يبذل لها اية خدمة حقيقية، او نفع حقيقي مخلص لا يمكن ان يدخل النار، فتكون هي شفيعته وتفطمه من النار (سلام الله عليها) لانها بضعة المصطفى الاكرم وقلبه الذي بين جنبيه. وهذا له مثالان:

المثال الاول: ان شخصا من الصحابة صادف ان سقطت قطرة من دم رسول الله (صلى الله عليه واله) في بعض الغزوات على يده فلطعها وبلعها ثم سأل رسول الله (صلى الله عليه واله) في ذلك فقال له ما مضمونه: بئس ما فعلت هذا حرام، ولكن قد حرم الله جسدك على النار. فلا يمكن ان تدخل تلك القطرة التي هي جزء من النبي (صلى الله عليه واله) الى النار بكل صورة.

المثال الثاني: ما كان يقوله ابى (قدس سره) وكان يقول: انه معروف بين المتشرعة وذلك ان من قتله رسول الله (صلى الله عليه واله) بسيفه مباشرة يذهب الى الجنة كائنا من كان لبركة سيف رسول الله (صلى الله عليه واله) وهذه الخصوصية غير موجودة لغيره شخصيا حتى امير المؤمنين (سلام الله عليه). ومن هنا لم يقتل رسول الله (صلى الله عليه واله) بشخصه احدا اطلاقا وانما كان المحارب الرئيسي والاهم بين يدي الرسول هو علي (عليه الصلاة والسلام). ومن قتل بسيف علي يذهب الى جهنم بكفره وسوء عمله. ومن هنا كان يقتل رسول الله (صلى الله عليه واله) الكفار بسيف علي ويد علي لا بسيفه الشخصـي وعملـه الشخصـي، مع انه لا يحتمل ان يكون اقل شجاعة من علي.

علي شجاع البشرية وشجاع الخلق ولكن لا يحتمل ان يكون النبي اقل شجاعة من علي من حيث ما نعرف ان مقتضى القاعدة ان الافضل متصف بصفات الأدنى مع زيادة ولا شك ان النبي (صلى الله عليه واله) افضل من امير المؤمنين (عليه السلام)، اذن فهو متصف بصفات امير المؤمنين مع زيادة وهي النبوة والرسالة. اذن فهو شجاع مثل امير المؤمنين (سلام الله عليه). هذا الذي قال لاعدائه ما مضمونه: (لو وضعوا الشمس في يمني والقمر في شمالي لأتنازل عن هذا الامر ما تنازلت عنه).

اذن فهذا النحو من البركات الخاصة موجود احيانا. ومعنى البركات الخاصة هنا: ان من يقتله النبي يذهب الى الجنة فانه ينال بركة خاصة. ومن يذوق دم النبي (صلى الله عليه واله) يذهب الى الجنة. اذن فهذا النحو من البركات الخاصة موجود احيانا وان كانت غير معروفة ولا صريحة بين الناس وخاصة بالنسبة الى النبي. ومن الممكن ثبوت نحو ذلك من الصفات للزهراء (سلام الله عليها) وخاصة بعد ان نلتفت الى انها قلب النبي (صلى الله عليه واله) وروح النبي التي بين جنبيه، حقيقة لا مجازا كما قلنا في بعض الخطب السابقة. ومعنى ذلك ان امثال هذه البركات تكون منجية من النار على كل حال. فمن ينالها لا يدخل جهنم حتى لو كان الفرد فاسقا او كافرا.

ويبدو بوضوح ان اهل البيت (سلام الله عليهم) كانوا يلاحظون ذلك ويحولون دون حصول ذلك بالنسبة الى طبقة من المنافقين والمعاندين واضرابهم، ومن الذين يستحقون الذهاب الى النار على كل حال. فلا يمكنوهم من زيارة قبر الزهراء لانه مجهول فيذهبون الى النار.

كما يبدو بوضوح _لو صح التعبير_ ان الله كان يلاحظ ذلك ايضا فيسلب التوفيق في قضاءه وقدره عن كل من يستحق دخول النار من امثال هذه الاسباب المتبركة الشريفة. ومن هنا لم نجد ولم يرد في التاريخ ان شخصا منافقا أو كافرا وفق الى اي نفع حقيقي مخلص لهم (سلام الله عليهم) وكيف يكون نفعا مخلصا مع وجود النفاق والكفر في قلبه ؟ بل من الممكن القول انه لم يقم بذلك احد من هذه الطبقات على الاطلاق، اعني بعمل يستحق به الجنة على كل حال.

ولا يبعد القول ان من الواجب على اهل البيت (عليهم السلام) من الله سبحانه وتعالى ان يحولوا دون حصول ذلك لاي احد لا يستحقه. فكان من جملة تطبيقاته نفع الزهراء (سلام الله عليها) بتغسيل او تكفين او تشييع او دفن. ومن هنا منع ذلك منعا باتا لكي لا يستحق الجنة من هذه الناحية من لا يستحقها من الجهات الاخرى بل عليه ان ياخذ حسابه كاملا يوم القيامة.

ومن المعلوم ان المنع بمعنى النهي عن الحضور، اي انه لا تأتون سوف لن يكون مفيدا، ولا مؤثرا لانهم سوف يعصون هذا النهي فهم فسقة غير مطيعين على كل حال ويحضرون على كل حال، بعنوان كونهم يريدون القيام بهذا الامر الجليل دينيا واجتماعيا والمربوط ببنت رسول الله (صلى الله عليه واله). ومن هنا لن يمكن منعهم اذا كانوا يعرفون موعد التشييع او اذا حصل التشييع في النهار.

فكان لابد ان تكون كلتا هاتين النقطتين نافذتين ومؤثرتين:

اولا: جهل المجتمع بموعد تشييع الزهراء (عليها السلام)، لانهم لو عرفوا موعده ولو ليلا لجاءوا اليه على كل حال.

وثانيا: ان يكون التشييع ليلا، لانهم لو فعلوا ذلك بالنهار ولو بدون موعد سابق، اذن لحضر الكثيرون. فكان لابد للتشييع والدفن ان يكون ليلا وان يكون على حين غفلة من الناس، لكي يحرم المنافقون واضرابهم من ثوابه العظيم واستحقاق الجنة على اساسه.

وهذا ما حصل فعلا وقد فعله امير المؤمنين (سلام الله عليه)، فقد خطط امير المؤمنين (عليه السلام) في تفكيره ذلك. وذلك انه اجتمع الناس على الباب بعد ان علموا بوفاة الزهراء (سلام الله عليها)، فامر علي (عليه السلام) أبا ذر رضوان الله عليه ان يخرج الى القوم ويقول لهم انه قد اجل اخراجها الليلة فاذهبوا الى بيوتكم احسن لكم. وهذا واضح في عدم اعطائهم موعدا محددا للتشييع، كما انه غير واضح في انها هل تشيع غدا او في هذه الليلة او في الليلة التي بعدها او تؤجل ثلاثة ايام، لا احد يعلم. وان فهم الحاضرون هذا المعنى غفلة منهم عن احتمال تشييعها في عمق الليل البهيم.

فهذا هو الحال بالنسبة الى حضور تغسيلها وتشييعها ودفنها (سلام الله عليها)، وهو امر خاص بالجيل المعاصر لذلك العصر بكل تاكيد. واما زيارة قبرها الشريف التي هي مربوطة بالاجيال جميعها بما فيها جيلنا الحاضر فمن الواضح انها تنطبق عليها الاطروحة نفسها. وهي ان زيارة قبرها سبب لدخول الجنة على كل حال.

ويمكن ان يكون ذلك خصوصية لها او خصوصية بها دون ابيها وزوجها بالرغم من انهم كانوا من نور واحد الا ان العطاء الالهي الظاهر والباطن قد يختلف في الاشخاص بكل تاكيد وكل واحد من المعصومين له مزية. فالزهراء (سلام الله عليها) لها عدة مزايا منها هذا المعنى. وقد عرفنا ان الله يحول دون ذلك كما ان اهل البيت (سلام الله عليهم) يحولون دونه حسب استطاعتهم. بل هم مكلفون بالتسبيب الى منع ذلك ممن لا يستحق.

ومن الواضح ان الاجيال كلها لا تستحق هذه النعمة الخاصة، وانما ينبغي لكل منا ولكل من المؤمنين والمنافقين ان ياخذوا حسابهم وجزائهم الكامل لا ان تتعين لهم الجنة بدون حساب. ومن هنا اخفى امير المؤمنين (عليه افضل الصلاة والسلام) قبرها الشريف حسب هذه الاطروحة. ودافع امير المؤمنين عن ذلك دفاع المستميت حسب ما تروي الروايات وبقي الخفاء مستمرا الى الان وسيستمر الى ان يقضي الله ما هو قاض.

وهناك اطروحة اخرى محتملة لخفاء قبرها، وهو اقتران خفاء قبرها بانسحاب الحكم الالهي الحق عن المجتمع، او قل بانسحاب حكم المعصومين (عليهم السلام) عن المجتمع، وتمكنهم من التصرف فيه. فكان اخفاء قبر المعصومة الزهراء (سلام الله عليها) عقوبة للمجتمع في منعه لحكم المعصومين (سلام الله عليهم)، او الاعانة على منعه الذي معناه منعه لخلافة امير المؤمنين (عليه السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه واله)). ويبقى وسوف يبقى هذا الخفاء مستمرا مادام حكم الله في الارض منسحبا ومتقلصا بما فيها هذا الجيل واي جيل. وانما يتحقق الحكم الالهي الكامل بظهور المهدي (عجل الله فرجه)، وسيطرته على الكرة الارضية فيملأها قسطا وعدلا بعد ان ملئت ظلما وجورا.

لا يبقى الا اشكال واحد مع جوابه وهو ان امير المؤمنين (عليه السلام) قد وصلت اليه الخلافة والسلطنة الدنيوية بعد الخلفاء الثلاثة الذين حكموا قبله. فكان حكمه (عليه السلام) حكم المعصومين لانه منهم وسيدهم (سلام الله عليه)، حينئذ نقول اذا كان خفاء قبر الزهراء (سلام الله عليها) منوطا بانسحاب حكم المعصومين اذن فقد حصل حكمهم متمثلا بحكم امير المؤمنين وهو بعد وفاة الزهراء بسنوات. فكان عليه حين جاء الى دست الحكم ان يظهر قبرها بعد الخفاء. ويجاب على ذلك باكثر من جواب واحد:

الجواب الاول: ان المقصود من الحكم الالهي استتباب السيطرة العادلة الكاملة على المجتمع بحيث يصدق انه يملؤها قسطا وعدلا. ومن الواضح ان هذا لم يتيسر لأمير المؤمنين (سلام الله عليه) خلال خلافته. وانما ابتلي بالمعارضين والحروب طيلة مدة حكمه في حروب الجمل وصفين والنهروان. فلم يكن المجتمع مستتبا على العدل لا في داخل المدينة المنورة ولا في خارجها، ولا في داخل الكوفة ولا في خارجها، لكي يكون السبب، او الشرط لاظهار قبر الزهراء حاصلا ومتوفرا ومتحققا.

الجواب الثاني: إنه اي امير المؤمنين (سلام الله عليه) يعلم ان حكمه وخلافته مؤقتة ومحدودة ببعض السنين وسيزول سريعا نسبيا، وسيعود الحكم الى الظالمين والغاصبين. وعلمه بذلك ليس بالبعيد بعد ان نعرف انه اخبر (وفي نهج البلاغة موجود) بحصول ملك بني امية واخبر بحصول ملك بني العباس واخبر بحصول ملك الحجاج الثقفي وما يفعل من المقتلة في المؤمنين وغير ذلك. فلماذا نستبعد انه لا يعلم ان ملكه وسيطرته الفعلية محدودة ببعض السنين ؟ يعلم طبعا (سلام الله عليه). وعلى اي حال سيبقى الحكم العادل الالهي منسحبا عن المجتمع فترة طويلة جدا من الزمن لا يعلمها الا الباري سبحانه وتعالى. فاذا اظهر امير المؤمنين (عليه السلام) قبرها الشريف خلال خلافته وسيطرته فسوف لن يكون اخفائه بعد ذلك ممكنا. فانه ينكشف للناس ولا يستطيع اخفائه وسوف يحصل المجتمع على ما لا يستحقه من الرحمة الخاصة.

نعم حين يستتب العدل الالهي الكامل على وجه الارض بشكل يكون مضمون الاستمرار ما دامت البشرية بارادة الله تعالى وحسن تسديده وتوفيقه، وذلك عند ظهور المهدي (عليه افضل الصلاة والسلام). ومعنى ذلك انه من الراجح ان الامام المهدي (سلام الله عليه) سيقوم باظهار قبرها الشريف ويدل المجتمع عليه، على ان ذلك لم يرد في الادلة على اي حال.

وهنا ينبغي ان تكون لنا وقفة مختصرة وبسيطة في المقارنة بين هاتين الاطروحتين اللتين طرحناهما الان لسبب خفاء قبر الزهراء (سلام الله عليها) وذلك بالنظر الى نتائجهما. فان نتيجة هذه الاطروحة الاخيرة ان الامام المهدي (سلام الله عليه) سوف يدل المجتمع على قبرها بعد زوال المانع عن ذلك واستتباب السيطرة الحقيقية لله ولاولياء الله على كل البشرية. واما اذا اخذنا بالاطروحة الاولى فقد يكون الامر متعذرا حتى في ذلك الحين، لان اجيال المجتمع كلها بما فيها الاجيال المعاصرة لحكم الامام المهدي (سلام الله عليه) ودولته ينبغي ان تكون اعتيادية من ناحية الحساب والعقاب لا ان تكون افرادها مستحقة لدخول الجنة بغير حساب لأجل زيارتهم قبر الزهراء (سلام الله عليها). ومن ثم ينبغي ان يبقى قبرها مخفيا حتى بعد الظهور.

نعم لو تحققت الاطروحة التي ذكرناها في موسوعة الامام المهدي (عليها السلام) من وجود المجتمع المعصوم بعد ردح طويل بعد الظهور. امكن القول ان ذلك الزمان هو الزمان المناسب لكشف موضع قبرها (سلام الله عليها) لان اغلب افراد المجتمع في ذلك الحين يكونون معصومين بالعصمة الثانوية طبعا وليس الاولية، ومستحقين لدخول الجنة على اي حال وبدون حساب. واما من يستحق منهم الحساب والعقاب والعتاب، وهم قلة في ذلك الحين، فمن الممكن القول انهم لا يوفقون طول عمرهم لزيارة قبرها الشريف لكي لا تكون لهم تلك المزية المهمة.

تبقى الاشارة الى نقطة بسيطة جدا وهي ان هذه الاطروحة (اي ان زيارة قبرها موجبة للحصول على الجنة بدون حساب) للزيارة عن قرب بان تجلس الى جنب قبرها وتزور، لا للزيارة عن بعد. لان اي واحد وفي اي جيل من الاجيال يستطيع ان يزور عن بعد بصورة اعتيادية، ولكن الزيارة عن بعد لا تتضمن هذه النتيجة وهو دخول الجنة بغير حساب.

بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله احد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفؤا احد * صدق الله العلي العظيم
__________________
احمد1976 غير متواجد حالياً  
قديم 11-21-2008, 11:39 PM   #25 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 450
IraqiForum خطبة الجمعة الخامسة والعشرون 10 جمادي الثاني 1419

الجمعة الخامسة والعشرون 10جمادي الثاني1419

الخطبة الاولى


اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم، توكلت على الله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي لا اله الا هو الملك الحق المبين المدبر بلا وزير، ولا خلق من عباده يستشير الاول الاول غير مصروف، والباقي بعد فناء الخلق العظيم الربوبية نور السموات والارض وفاطرهما ومبتدعهما بغير عمد خلقهما وفتقهما فتقا فقامت السماوات بامره، واستقرت الارضون باوتادها فوق الماء ثم على ربنا في السماوات العلى الرحمن على العرش استوى له ما في السماوات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى، فانا اشهد بانك انت الله لا رافع لما وضعت، ولا واضع لما رفعت، ولا معز لمن اذللت، ولا مذل لمن اعززت، ولا مانع لما اعطيت، ولا معطي لما منعت، وانت الله لا اله الا انت كنت اذ لم تكن سماء مبنية، ولا ارض مدحية، ولا شمس مضيئة، ولا ليل مظلم، ولا نهار مضيء، ولا بحر لجي، ولا جبل راس، ولا نجم سار، ولا قمر منير، ولا ريح ولا سحاب يسكب، ولا برق يلمع، ولا رعد يسبح، ولا روح تتنفس، ولا طائر يطير، ولا نار توقد، ولا ماء يضطرب كنت قبل كل شيء، وكونت كل شيء، وقدرت على كل شيء، وابتدعت كل شيء، واغنيت، وافقرت، وامت، واحييت، واضحكت، وابكيت، وعلى العرش استويت، فتباركت يا الله، وتعاليت انت الله الذي لا اله الا انت الخلاق المعين العليم امرك غالب وعلمك نافذ وكيدك غريب ووعدك صادق وقولك حق وحكمك عدل وكلامك هدى ووحيك نور ورحمتك واسعة وعفوك عظيم وفضلك كثير وعطاءك جزيل وحبلك متين وامكانك عتيد وجارك عزيز ووبأسك شديد ومكرك مكيد. فصل اللهم على محمد وال محمد خير خلقك الداعي الى حقك وعلى اله الطيبين الطاهرين الاخيار الاكرمين وعجل فرجهم واجعل فرجنا بفرجهم انك على كل شيء قدير وبالاجابة جدير.

اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

لا زلنا بين مناسبتين من المناسبات المنسوبة للزهراء (سلام الله عليها). كانت قبل ذلك وفاتها ويأتي بعد ايام ذكرى ولادتها (سلام الله عليها، فيحسن ان نستمر بالحديث عن بعض الشؤون التي ترتبط بها فلنفتح الحديث الان عما هو مبتلى به اجتماعيا وهو حرية المرأة. فهل للمراة حق الحرية كما تريد بعض المذاهب والمسالك الدنيوية التي تدعي الحرية والديمقراطية ومساواة الرجل مع المراة ؟ هل هذا صحيح، ام ليس لها الحرية في ذلك؟

وفكرة الحرية اساسا جعلها الدعاة لها مجملة، وغامضة لكي يرغب بها الناس، ويكون من المستطاع الدخول الى عقولهم وقلوبهم عن طريقها. ولكننا اذا اردنا الدقة في الفهم امكن تفسير الحرية بعدة تفسيرات، نذكر منها اربعة تفسيرات، اثنان منها تدعيها الدول الراسمالية التي تدعي الديمقراطية. واثنان منها تدعيها الدول الراديكالية او الثورية التي تدعي الخروج عن ربقة الاستعمار.

اما المعنيين الاولين فكما يلي:

المعنى الاول: الحرية من الافكار المسبقة المفروضة على الفرد والمجتمع من الخارج كاحكام العقل واحكام الدين. فلا حاجة حسب مدعاهم الى ان تحكمهم اية فكرة او نظام خارج قناعاتهم ومصالحهم الدنيوية من اي دين من الاديان ومن اي عقل من العقول. وهذا هو الذي اسّف بهم نحو الرذيلة والظلم والتسافل الاخلاقي والاجتماعي. فمثلا قلنا في بعض الخطب السابقة انه من الاكيد ان الزنا واللواط والسفور وشرب الخمر محرم في اديانهم كما هو محرم عندنا، وهي من الوصايا العشر التي يسير عليها اليهود والنصارى معا. مع انهم عاصون لكل تلك الاحكام ومهملون لكل تلك الوصايا.

المعنى الثاني: الحرية بمعنى تساوي فرص العمل الاقتصادي للمجتمع. وهذا موجود عندهم من الناحية النظرية فقط، والا فمن الواضح ان الاقوى والاذكى هو الذي يمكنه ان يستغل هذه الفرصة وهذه الحرية، ويدع ملايين الناس يدورون على لقمة عيشهم ومكان مسكنهم. اذن، تكون من الناحية العملية لا حرية موجودة الا للقلة المتننفذة والمسيطرة على المجتمع، ويكون الباقون كلهم مظلومون من هذه الناحية ولا يوجد تكافئ فرص حقيقي للجميع اطلاقا.

وهذا هو الحاصل في دولهم فعلا، وفي نظام شعوبهم حقيقة، ولذا نرى الاحتجاجات والمظاهرات واساليب الارهاب متفشية فيهم جدا. وذلك حينما يدافع المظلومون عن حقوقهم.

واما المعنيين الاخرين للحرية والتي تتبناه كشعار الدول الراديكالية الثورية، ولعل اكثر الدول فيما يسمى بالعالم الثالث هي كذلك اي تتبنى مثل هذا الشعار. وهذان المعنيان كما يلي:

المعنى الاول: الحرية من الاستعمار، حيث تكون الدولة الحديثة قد سيطرت على ارضها وشعبها واخرجت الحكم الاستعماري والقوة الاستعمارية من بلادها. وهذا الى هنا جيد جدا وقد احسنت به صنعا، كما قال تعالى: ((ما جعل للكاغرين على المؤمنين سبيلا)). الا انه من الناحية الواقعية والتطبيقية لم يكن الامر كذلك بكل تاكيد، فان عامة الدول الراديكالية تخضع بكل وضوح للسيطرة الاستعمارية وليس فيها حرية من الاستعمار حقيقة. فلو حملنا كلامها او شعارها على الصحة قلنا: انها حرية من الاستعمار بشكله القديم، ورضا وقناعة بالاستعمار بشكله الجديد. او نقول انه حرية من الاستعمار بشكله الصريح وقبول بالاستعمار بشكله المبطن والمكتوم. او نقول انه حرية من الاستعمار بمعنى الحكم المباشر من قبل المندوب السامي كما كانوا يعبرون. بحيث تعتبر اراضي الدولة الاخرى من جملة اراضي الدوله المستعمرة، كما كان مطبقا في اغلب دول افريقيا، وهو مطبق الان في كندا واستراليا وغيرهما.

فالمهم ان عددا كبيرا من الدول تحررت من الاستعمار المباشر، الا انها لم تتحرر من الاستعمار غير المباشر وهو اطاعة الدول الاستعمارية، وتطبيق مناهجها ومخططاتها واهدافها. اذن، فالحرية من الاستعمار عمليا غير موجودة في الدول الراديكالية.

المعنى الثاني: الحرية الداخلية، وهي حرية ابداء الراي وحرية الصحافة وانهم يدعون ان لكل شخص ان يتكلم بما يريد بدون حسيب او رقيب. وهذا هو الذي جعلته الدول الراسمالية من مفاخرها وادعت الدول الراديكالية السير على نفس الطريق ايضا.

الا انه من الواضح ان هذا غير مكفول حقيقة في الدول الراسمالية نفسها فضلا عن الدول الراديكالية وذلك لانه يواجه عدة نقاط ضعف:

النقطة الاولى: ما قلناه فيما سبق ان هذه الفكرة وان كانت موجودة شكليا، الا انها غير موجودة حقيقة لانها لاتشمل النظام الاساسي للدولة، او اسرارها او مسلماتها وكل من يخرج على ذلك يعاقب بالعقاب الاليم. وبالتالي لا حرية له.

النقطة الثانية: ان وسائل الاعلام كلها في الدول الراسمالية وغيرها عمليا هي بيد الدولة، ولا يمكن اخراجها من قبضتها وليس لكل احد ان يتكلم من خلالها ما يشاء حقيقة، الا اذا كان موافقا مع الخط العام للدولة لا محالة. اذن، فالحرية من هذه الجهة مفقودة.

النقطة الثالثة: اننا لو فرضنا انه وجدت فرصة محدودة لبعض الافراد والجماعات ان يبرزوا رايهم ويقولون كلمتهم، كما قد يحصل احيانا، اوضمن الصحف وضمن الاحتجاجات والمظاهرات، فانما هو مجرد راي لايسمع ولا ينفذ، بل يلقى الاذن الصماء لا محالة. كانهم يقولون ان لك ان تقول ما تشاء، الا لنا ان نترك قولك ايضا ونهمله ونحتقره فان الحرية موجودة للطرفين. ومن ثم لا يكون الاحتجاج والمناقشة مؤثرة قليلا ولا كثيرا.

اذن، فهذه الحريات غير مكفولة لا للرجل ولا للمراة، لا في الدول الراسمالية، ولا في الدول الراديكالية. او قل لا في الدول الغنية، ولا في الدول الفقيرة. واذا كانت هي غير مكفولة للرجل فهي بالنسبة الى المراة اسوء واردئ، لانها كانت ولا زالت الجانب الاضعف بطبيعة الحال في العالم كله.

فان اولئك الذين ينادون بالمساواة بين الجنسين في دولهم لم يكفلوا ذلك عمليا للمرأة فضلا عن غيرهم من الدول ولا زالت نسبة النساء عندهم كمذيعات مثلا او صحفيات او مدراء عامين او وزراء او رؤساء وزراء او ملكات او رئيسات جمهورية، لا زالت هي النسبة الاقل جدا في كل العالم ولم تحصل المساواة بكل تاكيد بين الرجل والمرأة، ولن تحصل انشاء الله تعالى ما دام العالم مليئا بالظلم والفساد ولم يمتليء قسطا وعدلا. بل الامر عندهم يمكن ان يتعدى ذلك اي عدم المساواة بين الرجل والمرأة حتى الى الاعمال البسيطة نسبيا كالموظفات والعاملات في الشركات والرياضيات والمعلمات وغير ذلك فانه لا زالت نسبتهن اقل وان كان المستوى الاول اوضح من هذه الجهة.

الان نأتي الى الرأي الديني اسلامي في ذلك. فاول خطوة اننا نقدم بعض الاطروحات، بعد الالتفات الى نقطة ضرورية وهي ان الدين لم يكفل حرية المرأة من جميع الجهات بطبيعة الحال بل ولا حرية الرجل من جميع الجهات بل اعتبره عصيانا وتسيبا ولا انسانية انه الانسان يكتسب حريته امام الله سبحانه وتعالى، ويؤدي ذلك الى فشل الفرد والمجتمع بل من المستطاع القول ان العقوبات الدنيوية الشديدة التي جاءت على بعض المجتمعات قبل الإسلام، كالطوفان والخسف والقذف وغيرها انما حصلت لان افراد المجتمع اتخذوا الحرية في اعمالهم حسب مشتهياتهم ورغباتهم ولم يطيعوا دينهم وعقلهم ومن ثم قيل الحرية هي التقيد بالنظام، وليس بكل نظام بل بالنظام التكاملي الحقيقي والانساني. ومن ثم يكون سلبا للحرية الشخصية بالمعنى المتسيب بطبيعة الحال. وانما الحرية الحقيقية هي الحرية من النفس الامار بالسوء ومن الشهوات والمظالم والتمحض بطاعة الله سبحانه، بخلاف المسالك الدنيوية في فهم الحرية من حيث انها اتباع للمصلحة الخاصة والرغبات وبالتالي اطاعة النفس الامارة بالسوء فيكون ذلك مصداقا وتطبيقا لقوله تعالى ((جعل الهه هواه واضله الله على علم)).

وانما الحرية الحقيقية هي الحرية من المئاثم والمظالم. وفي الرواية ان الامام الكاظم موسى بن جعفر (عليه السلام) كان يمر في بعض الطرقات اذ خرجت جارية من احد المنازل وكان منزلا فخما بهيا لتلقي القمامة في الطريق وكأنما في هذه القمامة ما يدل على انها مخلفات خمر ومجون والعياذ بالله، فسألها الامام (عليه السلام): من صاحب هذا البيت ؟ قالت: مولاي بشر (وهو الذي سمي ببشر الحافي بعد ذلك). قال لها: مولاك حـر ام عبد. قالت: حر. قال: نعم لو كان عبدا لما عصى مولاه. فدخلت الدار فقال لها بشر مولاها: اين كنت ؟ فذكرت له كلام الامام (عليه السلام) بدون ان تعرفه طبعا. فقال لها: صدق (سلام الله عليه) ثم خرج الى الطريق يركض ليلحق بالامام ثم انه تصدق بكل ماله واصبح من الزاهدين ولقب بشر الحافي لانه كان يسير بدون نعلين.

اذن فالمطلوب الحقيقي، هو ان يكون الانسان حرا من النفس الامارة بالسوء وعبدا لله عز وجل، لا العكس وهو ان يكون حرا من اطاعة الله تعالى والعياذ بالله وعبد لنفسهه وشهواته وهواه.

اذن فلا توجد في الدين لا على المستوى الشرعي ولاعلى المستوى الاخلاقي ولا على المستوى العقلي حرية دنيوية بهذا المعنى بل هي الفساد بعينه ولم تعطى لا للرجل ولا للمرأة وحديثنا اصلا عن المرأة، اذن فلم تعط المرأة الحرية الكاملة وانما اعطيت بعض الحرية فكما لم يعط الرجل الحرية الكاملة وانما اعطي بعضها فبالنسبة الى المرأة يمكن ان نطرح الاطروحات التالية:

الاطروحة الاولى : ان الاسلام كفل حرية المرأة اخرويا، ولم يكفلها من الناحية الدنيوية.

الاطروحة الثانية : ان الاسلام كفل حرية المرأة نسبيا الا انه لم يؤمن بتساوي الرجل والمرأة في ذلك، بل قال من اول الامر وبصراحة ((الرجال قوامون على النساء بما فضل الله)).

الاطروحة الثالثة : ان الاسلام كفل الحرية الاقتصادية للمرأة اي عمل المرأة بمقدار حرية الرجل الا انه من الناحية الاخلاقية ليست كذلك من حيث ان القيود الموضوعة على المرأة اكثر مما هي على الرجل من هذه الناحية.

ولا بد من النظر الان بالمقدار الذي يناسب الحال في هذه الاطروحات من حيث اسبابها اعني ادلتها الاسلامية ومن حيث نتائجها ومعلولاتها.

اما الاطروحة الاولى فقد كفل الاسلام اخرويا كما قال تعالى في هذه الاية اللطيفة وكل ايات القران لطيفة: ((ان المسلمين والمسلمات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات اعد الله لهم مغفرة واجرا عظيما)).

ثم يتعرض القرآن الكريم بعد ذلك مباشرة في الاية التي تليها بان الحرية المسحوبة عن الرجل ايضا هي مسحوبة عن المرأة وهي الحرية في العصيان والتمرد على الحق والعدل فانه ليس في مصلحتهما ذلك بكل تاكيد ولا يجوز لاي منهما ذلك بكل تاكيد، قال الله تعالى: ((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله امرا ان يكون لهم الخيرة (اي الاختيار والحرية) من امرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)). فالرجل والمرأة كما هما متساوون بالمغفرة والرضوان كذلك هما متساوون في تحمل مسؤولية العصيان. وقل هما سواء في الثواب والعقاب معا. وقال تعالى: ((ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة انك لا تخلف الميعاد * فاستجاب لهم ربهم اني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر او انثى بعضكم من بعض * فالذين (يعني الذكر والانثى) هاجروا واخرجوا من ديارهم واوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الانهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب)). وقال تعالى: ((ومن يعمل من الصالحات من ذكر او انثى وهو مؤمن فاولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا)). وقال: (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم)). وقال: ((يا ايها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خير منهم ولا نساء من نساء عسى ان يكن خيرا منهن ولا تلمزوا انفسكم ولا تنبازوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فاولئك هم الظالمون)).

ومن الممكن القول ان سياق هذه الايات الكريمات هو اخروي اكثر منه دنيويا وخاصة حينما يقول ((القانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والصائمين والصائمات)) او يقول ((اني لا اضيع عمل عامل من ذكر وانثى)). اذن فالذكر والانثى متساوون من الناحية الاخروية جزما اي من ناحية قبول العمل وامكان التكامل والحصول على الثواب ونحو ذلك. واما من الناحية الدنيوية فهما غير متساويين من حيث ان المرأة ممنوعة عن كثير من الامور الميسورة للرجال شرعا كالتقليد والقضاء وامامة الجماعة للرجال ونصف الحصة في الارث ((للذكر مثل حظ الانثيين)) وذلك ثابت في الاولاد والبنات والاخوة والاخوات والجدة والجدات والزوج والزوجة وكذلك الشهادة بالهلال وكذلك في اصل الشهادة يكون الاثنين من النساء كواحد من الرجال.

هذا من حيث الاسباب ونتعرض الى النتائج في الخطبة التالية انشاء الله.

بسم الله الرحمن الرحيم اذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا *

صدق الله العلي العظيم
الجمعة الخامسة والعشرون 10 جمادي الثاني1419

الخطبة الثانية



اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم، توكلت على الله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين.

بسم الله الرحمن الرحيم

الهي لو دعوت غيرك لاخلف رجائي، وانت ثقتي ورجائي ومولاي وخالقي وبارئي ومصوري. ناصيتي بيدك تحكم في كيف تشاء لا املك لنفسي ما ارجو ولا استطيع دفع ما احذر اصبحت مرتهنا بعملي، واصبح الامر بيد غيري. اللهم اني اصبحت اشهدك وكفى بك شهيدا واشهد ملائكتك وحملة عرشك وانبيائك ورسلك على ان اتولى من توليته واتبرء ممن تبرأت منه واومن بما انزلت على انبيائك ورسلك فافتح مسامع قلبي لذكرك حتى اتبع كتابك واصدق رسلك واومن بوعدك واوفي بعهدك فان امر القلب بيدك. اللهم اني اعوذ بك من القنوط من رحمتك، واليأس من رأفتك فاعذني من الشك والشرك والريب والنفاق والرياء والسمعة، واجعلني في جوارك الذي لا يرام، واحفظني من الشك الذي صاحبه تيهان. اللهم وكلما قصر عنه استغفاري من سوء لا يعلمه غيرك فعافني منه واغفره لي فانك كاشف الغم ومفرج الهم يا رحمن الدنيا والاخرة ورحيمهما فامنن علي بالرحمة التي رحمت بها ملائكتك ورسلك واوليائك من المؤمنين والمؤمنات. اللهم رب هذا اليوم وما انزلت فيه من بلاء او مصيبة او غم او هم فاصرفه عني وعن اهل بيتي وولدي واخواني ومعارفي ومن كان مني بسبيل من المؤمنين والمؤمنات. اللهم اني اصبحت على كلمة الاخلاص وفطرة الاسلام وملة ابراهيم ودين محمد صلواتك عليه واله. اللهم احفظني واحيني على ذلك وتوفني عليه وابعثني يوم تبعث الخلائق فيه واحعل اول يومي هذا صلاحا واوسطه فلاحا وآخره نجاحا برحمتك يا ارحم الراحمين.

اللهم صل على محمد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء والحسن المجتبى والحسين الشهيد بكربلاء وصل على الائمة التسعة بعد الحسين السجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري والحجة المهدي صاحب الزمان ائمتي وسادتي وقادتي بهم اتولى ومن اعدائهم اتبرأ في الدنيا والاخرة.

اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

نعود الان الى الفروق الشرعية بين الرجل والمرأة وكون المرأة اكثر قيودا من الرجل فلماذا حصلت هذه الظاهرة بعد الالتفات الى ان الدين قد اعطى فرصة العمل للمرأة اعني العمل الاقتصادي والكسب او نقول العمل خارج المنزل كما اعطى هذه الفرصة للرجل، طبعا مع الالتزام بسائر الواجبات والكف عن سائر المحرمات والتي من اوضحها وجوب الحجاب وكذلك التقيد في الكلام طبقا لقوله تعالى ((ولا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض)). ومعنى العمل يشمل ضمن هذه القيود كثير من النشاطات والحقول بما فيها التعليم والطب والتجارة والصحافة والمزارعة والحدادة والبناء وغير ذلك.

ولا يخطر في بالكم ان لبس العباءة مناف مع العمل فانه ان كان منافيا مع بعض الاعمال كالزراعة والبناء فانه ليس منافيا مع كثير من الاعمال الاخرى كالتعليم والطب والتجارة وغيرها فانها تستطيع ان تقوم باعمالها ضمن حجابها وعبائتها، مضافا الى اننا نعرف وتعرفون ان المطلوب شرعا هو الحجاب وهو ستر ما يجب ستره من جسم المرأة واما اسلوب الحجاب ونوعيته اونوعية الساتر فلم يقل به الشارع الاسلامي المقدس بشيء.

اذن فيمكن ان يكون باي طريقة متيسرة وهذا هو الذي يسمى بالحجاب الشرعي اذا كان مضبوطا من ناحية وغير مثير غالبي ونوعي للغريزة كما لو كان جميلا جدا او ملونا او مشغولا باشكال التطريز، فهذا لا يجوز. فتلبس المرأة بما يسمى جبة بسيطة وربطة بسيطة ولكنها مضبوطة وتعمل.

ولكننا مع ذلك لا ننصح النساء اللابسات للعباءة ان يبدلن الى ذلك الزي لان العباءة على اي حال هي الاحوط استحبابا والانسب بالاتجاه الاخلاقي الا ان هذا لا ينبغي ان يؤدي الى القول بان الدين منع عن العمل المنافي للبس العباءة.

نعم من كان من الفقهاء من يوجب ولو بالاحتياط الوجوبي ستر الوجه للمرأة كأية الله الخوئي (قدس سره) وغيره لا تكون النتيجة عنده نفس النتيجة لوضوح ان ستر الوجه منافي مع العمل الا نادرا. ومعه يكون الدين كانه قد منع المرأة عن العمل غير ان هذا الاشكال يرتفع فيما اذا قلنا كما هو الصحيح بجواز كشف الوجه والكفين لها ويكون العمل ميسورا لها بهذه الطريقة.

ولكنا هنا ايضا نقول اننا لاننصح للملتزمات بستر الوجه بـ(البوشية)[1] ونحوها ان يكشفن وجوههن لانه اولا: لان الستر اي ستر الوجه احوط استحبابا وثانيا: لان الكشف فيه مظنة الفتنة والاثارة الجنسية وخاصة اذا كانت المرأة حسناء نسبيا. واما اذا حصل الاطمئنان بوجود الاثارة حرم كشف الوجه عليها لا محالة.

اذن فينبغي ان ينحصر عمل المرأة مع حاجتها او اقتضاء المصلحة العامة لذلك او امر الولي العام العادل به ونحو ذلك وكل هذه الموارد كثيرة وحترمة شرعا واجتماعيا، واما بدون ذلك فالافضل للمرأة ان تتكفل بيتها واسرتها كما في الحكمة (جهاد المرأة حسن التبعل)).

واما ما يفعله النساء في هذا العصر سواء المحجبات نسبيا منهن او غير المحجبات من الاختلاط والتبرج والخلاعة والغناء والرقص والتبسط في الكلام مع الرجال الاجانب وكذلك الرضا والتجاوب مع الفرق الغنائية الواردة الينا من خارج الحدود فكله فساد وافساد وجناية على الفرد وعلى المجتمع ولا يؤدي الا الى غضب الله المنتج لبلاء الدنيا وبلاء الاخرة وانا لله وانا اليه راجعون.

نعود الان الى شرح السبب الممكن ادراكه وبيانه في فوارق الاحكام بين الرجال والنساء. ايضا بعد الالتفات الى ان مقتضى الادب الحقيقي اما الله سبحانه ترك السؤال عن اسباب الاحكام ووجوه الحكمة فيها وان مثل هذه الاسئلة تمثل جرأة على الله تعالى وسوء ادب امام عظمته واما الفرد المؤمن من رجل او امرأة اذا احرز بالحجة الشرعية حكمه الشرعي فعليه الطاعة والامتثال ليعود على نفسه وغيره بالخير والسعادة في الدنيا والاخرة وكما تقول الحكمة (ان الفرد يجب ان يكون تجاه طاعة الله تعالى، كالميت بين يدي الغسال) يقلبه كيف يشاء، ويكون الفرد على مستوى التسليم بالاحكام والقبول لها والرضا بها لا على مستوى التمرد عليها والمناقشة لها.

ومن هنا قلنا انه في منطق الدين طبق ولا تناقش، فان هذا النقاش انما يكون تجاه المخلوق ممكنا لا تجاه الخالق. وانما جاءت بامثال هذه النقاشات الاتجاهات الاستعمارية الظالمة الغاشمة التي تستهدف اضلال المسلمين وتشكيكهم في دينهم.

لاحظوا .. ان السياسة الغربية مهما اتجهت الى الدنيا، وهذا اكيد وصريح الا انها تشعر في داخل نفسها بشيء من العاطفة الدينية التي تفهمها وهي الديانة المسيحية ويدلنا على ذلك امران على الاقل:

الامر الاول: الحروب الصليبية، فانها كانت قائمة على اساس ديني بعنوان ان بيت المقدس قد اعتدى عليه المسلمون، واحتلوه فيجب في نظرهم تخليصه من يد المسلمين، واعادته الى السيطرة المسيحية اذن فالحروب الصليبية مبنية على اساس ديني سواء من قبل الجيش الصليبي المسيحي المهاجم وكذلك من قبل الجيش الاسلامي المدافع.

الامر الثاني: انهم اتفقوا في القرن الميلادي الثامن عشر وما بعده ان يسموا احزابهم باسماء ذات صفة دينية بالرغم من انها من الدين براء ولكنهم حرصوا على اي حال ولو على مجرد الاسم فكانت الاسماء هكذا الحزب الديمقراطي المسيحي الالماني، الحزب الديمقراطي المسيحي الفرنسي، الحزب الديمقراطي المسيحي الايطالي وهكذا. فانهم كان يمكنهم حذف لفظ المسيحي لكنهم تركوه، لماذا ؟ لانهم في باطن نفوسهم يشعرون بشيء من الاهمية لدينهم. ولا زالت هذه الاحزاب على ذلك وهي يمينية باصطلاحهم. ومعنى صفة الديمقراطية في قولهم الديمقراطي هو الاهتمام بالدنيا، ومعنى صفة المسيحية حينما يقولون المسيحية الاهتمام بالدين ولو اسميا.

وحسب فهمي، ان الاهتمام بالديمقراطية يختص بسياساتهم الداخلية لشعوبهم، والاهتمام بالمسيحية يختص بمخاصمة ومواجهة الشعوب المستعمرة غير المسيحية من شعوب مسلمة او بوذية او غير ذلك لردها عن دينها واخراجها عن مسؤوليتها وخاصة الاسلام وخاصة المذهب الجعفري الشيعي الاثنى عشري وولاية امير المؤمنين (عليه افصل الصلاة والسلام). وكانت من جملة ذلك ان بثوا التساؤل واشاعوه عن الحكم والاسباب للاحكام الشرعية وهم يعرفون ان اغلب الناس والعوام لا يستطيعون الجواب عليها فيكفي ان تبقى الشبهة في النفس للطعن بحكمة الله وقدرته ومن ثم تسبب الشبهات ارتداد الفرد والمجتمع عن دينه فنكون اسوأ حالا من شعوبهم بكل تاكيد. فانهم قد يتمسكون بدينهم ولو من الناحية الشكلية واما نحن فتكون النتيجة اننا براء من الدين واقعيا وشكليا حقيقة والعياذ بالله.

ويدعم هذه الفكرة، ما سمعته من الثقات انهم سموا الحرب الامريكية الاخيرة في العراق بحرب مريم العذراء، وهو اسم ديني مسيحي في نظرهم وان كانت مريم العذراء منه براء، ولكنهم لم يعلنوا ذلك وسموا تلك الحرب من الناحية السياسية الظاهرية بعاصفة الصحراء.

وانا اعتقد انه لم يكن المستهدف منها الجانب السياسي بمقدار ما كان الهدف منها ضرب الدين والمتدينين الموجودين في العراق، وقتل الكثير منهم، وتعجيزهم عن هداية الاخرين، والهائهم بمشاكلهم الشخصية من اسرة وطعام وشراب في ظل ما يعلمونهم ويعملونه ويستهدفونه من غلاء الاسواق وقطع الكهرباء وضرب المعامل وتهديم البيوت وغير ذلك كمضاعفات للحرب.

اذن فينبغي ان نكون على مستوى المسؤولية الحقيقية من عصيان هؤلاء الكفار وافشال اهدافهم الدنيئة والتمسك بديننا واهدافنا ومجتمعنا فانهم بالرغم من عظمتهم الظاهرية لا يستطيعون ان يقدموا للمجتمع والبشرية اي نفع او اي عدالة حتى لو ارادوا ذلك فانهم لا يملكون لا في دينهم ولا في دنياهم اي اهداف حقيقية واي اعمال عادلة سوى طمعهم بالسيطرة على الشعوب وسلب خيراتها وتجويعها وتمرير السياسات الظالمة عليها.

فالمهم، انهم لا يمكنهم ان يقدموا اي هدف حقيقي، او اي عمل عادل وانما الهدف الحقيقي عندنا في الاسلام وفي ولاية امير المؤمنين (عليه افضل الصلاة والسلام). يكفي ان نلتفت الى ان المسيحية اصلا او الدين المسيحي اصلا ليس فيه تعاليم شرعية، وليس فيه فقه اطلاقا لان المسيح نفسه (عليه افضل الصلاة والسلام) كان في عصره في تقية مكثفة من الدولة البيزنطية التي كانت ملحدة في حينه، وناصرة لليهود في حينه، فلم يستطيع ان يؤدي للناس والمجتمع اية تعاليم وتشريعات، والانجيل بشكله الموجود خال من ذلك تماما اي من التعاليم والتشريعات التي نسميها باللغة الاسلامية الفقه والتشريع، لاتوجد اطلاقا. وانما اقتصر على بعض البيانات الالهية المربوطة بعظمة الله ووصف ما يسمى بعالم الملكوت اوعالم الجبروت وذكر بعض النصائح الاخلاقية المبسطة لا اكثر.

في حين ان دين الاسلام جاء بما اصطلح عليه بعض المفكرين، بالاطروحة العادلة الكاملة فهو يكفل بتعاليمه كل مكان، وكل زمان وكل طبقة وكل مجتمع وكل ثقافة حتى كان ذلك من معجزات النبي (صلى الله عليه واله)، كما قلنا في بعض الخطب السابقة وحتى ان اهمية التعاليم الشرعية الفقهية وفروع الدين لا تقل اهمية عن اصول الدين بالرغم من اهمية اصول الدين وقدسيتها. فعلى المسلمين جميعا وعلى المؤمنين خصوصا من رجال ونساء ملاحظة دينهم الكافل لخيرهم وسعادتهم وكمالهم في الدنيا والاخرة والحذر من دسائس الاخرين ومخططاتهم ما اوتي الفرد الى ذلك سبيلا.

وعلى اي حال فهل من الانصاف ان يلتفتوا هم _اي الغربيون_ الى دينهم ولو قليلا ولا نلتفت الى ديننا ولو قليلا ! تلك اذن قسمة ضيزى كما تقول الاية الكريمة. وهم يشعرون بشيء من الاهمية لدينهم ولا نشعر بشيء باية اهمية لديننا ! هم اعطوا الرجال الحرية في التصرف ولا نعطي الرجال في ديننا الحرية في التصرف ! هم يقدسون رجال دينهم ويخضعون لهم ويطيعونهم في امور دينهم ونحن نحتقر رجال ديننا ونعصيهم ونبعدهم عن امورنا الشخصية والاجتماعية ! هل هذا خير ؟! مع ان اكثر رجال دينهم عصاة لدينهم يشربون الخمر وياكلون لحم الخنزير ويسرقون ويمكرون مع ان الصفة العامة للحوزة الاسلامية الشيعية طبعا ولرجال الدين عندنا هو الاخلاص وقول الحق والتفاني في سبيل الغير ونفع الاخرين دينيا ودنيويا فاي قياس بين رجال دينهم ورجال ديننا. فهم اجتمعوا على باطلهم وتفرقنا عن حقنا.

وخطابي هذا ليس لهذه الوجوه الطيبة اذ لولا شعوركم بالمسؤولية لما حضرتم الى صلاة الجمعة جزاكم الله خيرا وانما الخطاب الى عامة الناس وكل المجتمع وخاصة اولئك الذين يعتبرون الكلام اي كلام الشريعة وكلام الله ورسوله كانه ليس معهم وانهم غير مشمولين اصلا بتعاليم الدين والعياذ بالله فاذا قلت له شيئا قال لك: (تصير برأسي متشرع) ! كانه يسخر منك. وهؤلاء خسروا انفسهم في الدنيا والاخرة ذلك هو الخسران المبين. يكفي ان نلتفت انني دعوت عدة فئات للتوبة من هنا وهم السالكون والعشائر والسدنة. اما السالكون فقد تاب كثير منهم جزاهم الله خيرا اي التائبين جزاهم الله خيرا واما الذي لم يتب لا جزاه الله خيرا واذاقه حر الجحيم. واما العشائر والسدنة فلم نجد منهم اي اثر الى هذه اللحظة. وما ذلك الا لانهم يفضلون دنياهم على دينهم وهذا ليس سوء للحوزة اطلاقا وانما هو سوء لهم وضرر لانفسهم ومسؤولية لهم امام الله تعالى في الدنيا والاخرة وانما نصحناهم بما فيه خيرهم ورضاء ربهم عنهم كما يقول الشاعر:

على المرء ان يسعى بمقدار جهده وليس عليه ان يكون موفقا

وعلى اية حال لا زالت الفرصة موجود لهم الى الان بان يتوبوا الى الله سبحانه وتعالى وليس الى السيد محمد الصدر طبعا. وستبقى مفتوحة لهم باستمرار ما دام المرء في هذه الحياة وما دام النفس يصعد وينزل.

ولا زال الحديث عن المرأة موجودا ونعود اليه في الجمعة الاتية انشاء الله تعالى اذا بقيت الحياة.

بسم الله الرحمن الرحيم انا انزلناه في ليلة القدر * وما ادراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من الف شهر * نتزل الملائكة والروح فيها باذن ربهم من كل امر * سلام هي حتى مطلع الفجر * صدق الله العلي العظيم



--------------------------------------------------------------------------------

[1] غطاء يستخدم لتغطية الوجه في بعض البلدان الاسلامية.
__________________
احمد1976 غير متواجد حالياً  
قديم 11-21-2008, 11:43 PM   #26 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 450
IraqiForum خطبة الجمعة السادسة والعشرون 17 جمادي الثاني 1419

الجمعة السادسة والعشرون 17 جمادي الثاني1419

الخطبة الاولى

اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم

لاطاعة الدين الاسلامي واحترامه الصلاة على محمد وال محمد: (اللهم صل على محمد وال محمد).

لاطاعة واحترام ولاية امير المؤمنين (عليه افضل الصلاة والسلام)، الصلاة على محمد وال محمد: (اللهم صل على محمد وال محمد).

لاطاعة واحترام الحوزة الشريفة الصلاة على محمد وال محمد: (اللهم صل على محمد وال محمد).

لدحر واستنكار مكر الماكرين وعناد المعاندين، الصلاة على محمد وال محمد: (اللهم صل على محمد وال محمد).

لدحر واستنكار الاستعمار الظالم، الصلاة على محمد وال محمد: (اللهم صل على محمد وال محمد).

لدحر واستنكار اسرائيل الظالمة المجرمة، الصلاة على محمد وال محمد: (اللهم صل على محمد وال محمد).

بقي شيء قبل الخطبة اود ان ابينه لكم بسيط وليس بسياسي لان الجمعة الاتية انشاء الله هو الذكرى الاولى لاقامة صلاة الجمعة في وسط العراق وجنوبه فيحسن على من يستطيع منكم من اهل الفن والاختصاص ان يجعل لنا ويفكر لنا بوجود مجسمة رمزية تمثل صلاة الجمعة:

اولا: ان تكون فيها جهة دينية، وليس فيها عصيان للتعاليم الدينية من قبيل مجسمة ذوات الارواح.

ثانيا: ان يكون تجسيما بالذوق الحديث وليس بالذوق القديم.

ثالثا: انا نعطي جائزة الى ثلاثة من الفائزين الاول في مثل هذه المسابقة.

ونقبل الاعمال من الان الى نهاية شهر رجب، انشاء الله تعالى شأنه العزيز.



اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم، توكلت على الله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين.

الهي لا تؤدبني في عقوبتك، ولا تمكر بي في حيلتك. من اين لي الخير ولا يوجد الا من عندك، ومن اين لي النجاة ولا تستطاع الا بك. لا الذي احسن استغنى عنك، ولا الذي اساء خرج من قدرتك. يا رب بك عرفتك، وانت دليلي ولولا انت ما دريت ما انت. الحمد لله الذي ادعوه فيجيبني، وان كنت بطيئا حين يدعوني. والحمد لله الذي اسأله فيعطيني، وان كنت بخيلا حين يستقرضني. والحمد لله الذي وكلني اليه فاكرمني، ولم يكلني الى الناس فيهينوني. والحمد لله الذي تحبب الي، وهو غني عني. اللهم لا اجد شافع اليك الا معرفتي بانك افضل من قصد اليه المضطرون، اسالك مقرا بان لك الطول والقوة والحول والقدرة، ان تحط عني وزري الذي قد خسأ ظهري، وتعصمني من الهوى المسلط على عقلي، وتجعلني من الذين انتجبتهم لطاعتك. اللهم اني ادين على طاعتك، وولاية محمد نبيك، وولاية امير المؤمنين حبيب نبيك، وولاية الحسن والحسين سبطي نبيك، وسيدي شباب اهل جنتك، وادينك يا رب بولاية علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، وسيدي ومولاي صاحب الزمان. ادينك يا رب بطاعتهم وولايتهم وبالتسليم بما فضلتهم راضيا غير متكبر على معنى ما انزلت في كتابك.

اللهم صل على محمد وال محمد وادفع عن وليك وخليفتك ولسانك والقائم بقسطك والمعظم لحرمتك والمعبر عنك والناطق بحكمك وعينك الناظرة واذنك السامعة واهد المجتهد في طاعتك واجعله في وديعتك التي لا تضيع وايده بجندك الغالب واعنه واعن عنه واجعلني ووالدي وما ولدت وولدني من الذين ينصرونه وينتصرون به في الدنيا والاخرة واشعب به صدعنا وارتق به فتقنا. اللهم امت به الجور ودمدم بمن نصب له واقصم به رؤوس الذلالة حتى لا تدع منهم على الارض ديارا.

اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

نعود الان الى الحديث عن المرأة، لاننا بدأناه قبل جمعة او اكثر ولم ينتهي المطلب لحد الان. وكان السؤال الرئيسي الذي قلناه عن الفوارق الواضحة في احكام الرجل والمراة بحيث يبدوا ان احكام المراة اشد صعوبة من احكام الرجل، ويمكن الجواب على ذلك بعدة مستويات:

المستوى الاول: ان للرجل احكاما خاصة به اما تشريعا واما اجتماعيا واما اقتصاديا صعبة ايضا، قد وضها الله سبحانه وتعالى ورفعها عن المراة وهي غير مسؤولة عنها وانما المسؤول عنها هو الرجل وهي عديدة يمكن ان نمثل لها بعدة امثلة:

المثال الاول: الجهاد، فانه خاص بالرجل ولا يشمل المراة بضرورة الدين، والمفروض في الجهاد انه موجب للقتل او احتمال القتل وبهذا تحرز النساء سلامتهن من الموت وبقاءهن على قيد الحياة كما قال الشاعر:

كتب القتل والقتال علينا وعلى المحصنات جر الذيول

المثال الثاني: العمل او الكسب، فانه خاص بالرجال اجتماعيا، وعرفا وان لم يكن كذلك نظريا وتشريعيا. والعمل فيه مصاعب شتى، ومن جميع الجهات المحتملة الممكنة، حتى تعريض الحياة للخطر وقد سمعت من بعض اهل العمل يقول: (الحياة فداء للعمل)، اي العمل لله سبحانه وتعالى وهو باب ينفتح منه كثير من الابواب. واما التعرض الكثير للانواء الجوية كالحر والبرد والرياح وغير ذلك فهو الغالب للناس في حين ان المراة تكون في راحة من ذلك كله ياتيها رزقها رغدا ومجانا صباحا ومساءا.

المثال الثالث: الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فانه خاص عمليا واجتماعيا بالرجال، وان لم يكن تشريعيا كذلك طبعا. ومن المعلوم ان هذه الوظيفة الشرعية المقدسة ليست سهلة دائما، بل فيها مصاعب واحراجات قد لا تكون متوقعة، بل قد تؤدي احيانا بالفرد الى الموت. والمرأة في راحة من كل ذلك، فانها ان امرت بالمعروف اونهت عن المنكر‏ في نطاق ضيق وسالم النتائج اطمانانا، فانها انما تفعل ذلك في نطاق سالم النتاءج بحسب الاطمئنان النفسي.

المثال الرابع: عدم جواز ضربها او قتلها عند الصراع والعناد، لااقل اجتماعيا ان لم يكن نظريا. فيقال عرفا عنها انها امرأة لايجوز فيها ذلك وهذا واضح عرفا. وهذا المعنى العرفي عام للنساء والرجال معا يعني كلا الجنسين لا يجوز ان يضرب المرأة او يقتلها لا الرجل يقتل المرأة ولاالمرأة تقتل المرأة، وهل رأيت طول الزمان امرأتان تتضاربان او امرأة تقتل امرأة او سمعنا بذلك ؟ لا يوجد. اذن فالنساء من هذه الناحية في حماية بقدر الله وقضائه وارادته.

المثال الخامس: التدخل في الامور الاجتماعية، فانه غالبا وعرفا للرجال وليس للنساء ولا يخفى ما فيه من احراجات وازعاجات حتى تؤدي الى السجن او التعويق او القتل او الغرق او الحرق .. في حين تضمن المرأة سلامتها من هذ الجهات والشارع المقدس حين اعفاها عن الرئاسة والولاية انما ضمن سلامتها من هذه الجهة وضمن الراحة لها في الحقيقة.

المثال السادس: عدم جواز التجمل الزائد للرجل، فالرجل يخرج متجملا بكثافة وكثرة لا يجوز اصلا لانه حرام. وذلك على مستويين اما ان يكون تجمله مثيرا للفتنة النوعية والغريزة الجنسية فيكون حراما واما ان يكون متشبها بلباسه بالنساء فيكون حراما ايضا. فالمهم ان التجمل الزائد من الرجل حرام وكذلك هو ممنوع اجتماعيا وعرفا في حين هو جائز للمرأة بل احيانا يكون مطلوبا ومستحبا لها وبالتالي فهي ريحانة لا قهرمانة واما الرجل فلا يصدق عليه ذلك بطبيعة الحال.

المثال السابع: ان نسبة الجمال وهو قلما يلتفت اليه وهو ان نسبة الجمال في الخلقة الالهية في النساء اعلى جدا منه في الرجال ونسبة القبح بالخلقة ايضا في الرجال اعلى جدا منه في النساء. يكفي ان نلتفت وهذا انا ملتفت اليه منذ زمان الى ان نسبة الصلع في الرجال كثيرة في حين لا توجد امرأة صلعا تقريبا او تحقيقا ولا واحدة فلم نسمع عن واحدة اصلا وهذا من الكرامات العالية والنعم الضافية على نوع المرأة حقيقة.

المثال الثامن: ان التربية الغالبة للاطفال انما هي بيد النساء وخارج عن طوق الرجال عمليا واجتماعيا وليس تشريعيا ولا نظريا وهذا وان كان صعبا نسبيا الا ان معناه ان الله تعالى حباها تكوينا بتحمل مسؤولية التربية الاساسية للانسان ومن ثم للبشرية وكانت هي الجانب الاهم فيها ومن المعلوم ان التربية الاساسية انما يكون في الصغر وما يتعلمه الفرد في صغره لا يستطيع ان يتخلى عنه في كبره ولذا نلاحظ انه لو كان الاب والام مختلفين في اللغة او في اللهجة او في اسلوب الكلام كان الاتجاه الغالب في الذرية او قل في الولد او قل في البنت كان الاتجاه الغالب فيهم هو اسلوب الام لكثرة المخالطة والمعاشرة بينهما بنسبة اعلى جدا من الرجل الاب.

المثال التاسع: ان الله تعالى ابتلى الرجل بمسؤولية الاجتهاد والفتوى بل قد يكون ذلك واجبا اما بالوجوب الكفائي او بالوجوب العيني احيانا. في حين يكون ذلك ساقطا عن ذمة المرأة اي ليس واجبا وان كان مستحبا ولكنه لا يحتمل فيه الوجوب اصلا. فاذا علمنا ان مسؤولية الفتوى عظيمة عند الله وانها مظنة الحرام والعقاب في الجحيم لانها اذا كانت بغير حق ماذا تكون نتيجتها غير الجحيم، عرفنا عندئذ ما حباه الله للمرأة من فراغ الذمة وعدم المسؤولية من هذه الناحية فلا مورد لها اي للفتوى بالنسبة الى النساء كي تبتلي بالعقوبة التي يمكن ان يبتلي بها الرجال. ويمكن ان نفهم اهمية الفتوى عدة مضامين:

منها: الحكم بان من افتى بغير علم اكبه الله على منخريه في النار.

ومنها: ما هو مروي عن العلامة الحلي يوسف بن المطهر (قدس الله روحه الزكية) انه قال لولده: لولا كتاب الالفين وزيارة الحسين لقصمت الفتوى ظهر ابيك نصفين. فهو يشعر باهمية الفتوى عند الله سبحانه وتعالى، وخطورتها عند الله سبحانه وتعالى وحتى خطورتها الدنيوية ايضا موجودة وكلنا نعلم ذلك.

ومنها: ماورد بمضمون ان الحاكمين او القضاة اربعة واحد منهم في الجنة قاض قضى بالباطل وهو يعلم انه باطل وقاض قضى بالباطل وهو لا يعلم انه باطل وقاض قضى بالحق وهو لا يعلم انه حق فهؤلاء كلهم في النار وقاض قضى بالحق وهو يعلم انه حق فهو في الجنة.

ولا فرق من هذه الناحية بين القضاء والفتوى وكما ان الله سبحانه اسقط الفتوى عن ذمة المرأة اسقط القضاء عن ذمتها ايضا فهذه نعمة وان حسبها اهل الشبهات وجملة من النساء نقمة عليهن بل هي نعمة عليهن في الحقيقة.

المثال العاشر: كشف الرجل رأسه في الحج فان ذلك واجب وجزء من الاحرام كما ثبت في الشريعة في حين ان هذا غير موجود للمرأة فلها ان تلف رأسها اعتياديا ويلحق بذلك عدم جواز التظليل للرجل ومعنى ذلك ان الرجل يجب ان يبقى رأسه تحت الانواء الجوية من حر او برد او رياح او شمس في حين ان المرأة سالمة من كل ذلك وهذا وان كان في سبيل الله والاطاعة لامر الله. والتضحية في سبيل الله امر جيد وقليل امام الله سبحانه وتعالى ولكن كما قال الامام في بعض الادعية (ولكن عافيتك اوسع لي) فالمرأة من هذه الناحية في عافية.

فهذه عشرة موارد يكون موقف الرجل فيها اشد واصعب اما عرفا واما شرعا والمرأة فيها جميعا مرتاحة وفارغة الذمة وكل هذه الموارد قاعدة عامة تنطبق على كل الرجال وهذا يعني ان لها مئات الملايين من التطبيقات في اجيال البشرية. ومن الممكن القول وهذا بمنزلة النتيجة انه اذا قيست مصاعب المرأة التي تشتكي منها هي بمصاعب الرجل فان مصاعب الرجل عموما اقوى وارجح من مصاعب المرأة وهذا من النعم الالهية بطبيعة الحال على المرأة. فهذا هو الكلام في المستوى الاول.

المستوى الثاني : ان ننظر الى الثواب الجزيل الذي وضعه الشارع المقدس الله سبحانه وتعالى المولى الحقيقي وضعه للمرأة اذا قامت بمسؤوليتها الشرعية واطاعت ربها حق الطاعة قال الله تعالى: ((اني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر او انثى)) وقال تعالى: ((ان اكرمكم عند الله اتقاكم)) فلو كانت المرأة افضل في التقوى من اي واحد من الرجال كانت خير منه ولا نزاحم في ذلك ولا بأس به. وقال تعالى: ((لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)) فلو كانت المرأة اعلى درجة في العلم اي في العلم الحق في الحقيقة من اي واحد من الرجال كانت خيرا منهم. كما قال الشاعر:

ولو ان النساء كمن عنينا لفضلت النساء على الرجال

وقد ورد بمضمون: ان جهاد المرأة حسن التبعل وحسن تربيتها لاولادها وهو التعويض الذي عوضها الله سبحانه وتعالى به عن تحمل مسؤولية الجهاد للرجال. ومعنى ذلك وهو ايضا قلما يلتفت اليه ان لهن في العناية بالزوج والاولاد ثواب الجهاد فعلا وان التي تموت في هذا الصدد تموت شهيدة كالذي يموت في الجهاد فعلا ومن المعروف ان المرأة لو ماتت في الولادة وانتم تعرفوه وموجود في الارتكاز المتشرعي ومروي ان المرأة لو ماتت في الولادة فانها ممن تجب لها الجنة وقد كان الطب خلال مئات السنين السابقة ضعيفا ومن هنا كان موت الوالدات ظاهرة متكررة كثيرا، فاذا ماتت المرأة عند الولادة وهي بعقيدة سليمة دخلت الجنة لا محالة.

وقال تعالى: ((ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصاد قات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات اعد الله لهم مغفرة واجرا عظيما)). وهذا واضح في تساوي الرجل والمراة من حيث الاهمية الدينية والثواب الاخروي كما قلنا في الجمعة السابقة. ولكن نريد ان نضيف الان بعض الاوصاف التي تكون بها المراة مصداقا وتطبيقا لهذه الصفات المذكورة في الاية:

اولا: المسلمات. فانما تكون المراة مسلمة بحسن العقيدة اولا، والمهم هو الثاني ان الاسلام ياتي بمعنين، بمعنى العقيدة التي جاء بها نبي الاسلام (صلى الله عليه واله)، والمعنى الثاني التسليم الحقيقي لله سبحانه وتعالى في قضاءه وقدره وعدم الاعتراض عليه بقليل او كثير فكذلك قد ينطبق على المرأة كما قد ينطبق على الرجل وهذا اصعب الفردين في الحقيقة.

واجعل لكم قرينة من الاية تدل على ذلك وهو السؤال ما الفرق بين المسلمين والمسلمات من ناحية والمؤمنين والمؤمنات من ناحية ؟ فاذا فسرناها بالعقيدة اذن يكون تكرار بمضمون الاية ! لا انا اقول ان المؤمنين والمؤمنات اي المؤمنين والمؤمنات بالعقيدة، والمسلمين والمسلمات هو التسليم لقضاء الله وقدره والصبر على حسن بلائه.

ثانيا: القانتات. والقنوت وان كان هو رفع اليد بالدعاء الا انه في الحقيقة اللغوية هو الخضوع والذلة امام الله سبحانه وتعالى والمفروض في الفرد المؤمن ان يستشعر الذلة امام الله سبحانه وتعالى باستمرار ما اؤتي الى ذلك سبيلا.

ثالثا: الصادقات. والصدق هو القول المطابق للواقع ومنه الفعل المطابق للواقع والوعد المطابق للواقع والعقيدة المطابقة للواقع فيقال هو صادق في قوله وهو صادق في فعله وهو صادق في وعده وهو صادق في عقيدته، وهذه صفات لا يفرق فيها بين الجنسين بطبيعة الحال. واذا كان المرء او المرأة كذلك كانوا في افضل الدرجات عند الله سبحانه وتعالى.

رابعا: الصابرات. والصبر هو حسن التحمل لبلاء الدنيا باحتساب الى الله سبحانه وتعالى ورضا بقضاءه والا فمع الاعتراض على قضاء الله وقدره لا يكون الصبر اطلاقا موجود ولا يحصل الثواب عليه بل يحصل العقاب هم بلاء الدنيا وهم بلاء الاخرة في الحقيقة. والمهم ان الشارع المقدس ياخذ المؤمنين بنظر الاعتبار من حيث تعرضهم لانواع البلاء الدنيوي ويأمرهم بالصبر ويعطيهم الثواب عليه. ويأخذ المؤمنات بنظر الاعتبار من حيث تعرضهن لانواع البلاء من الزوج والاولاد واهل الزوج والجيران مثلا فيأمرهن بالصبر ويعطيهن الثواب الجزيل عليه.

لاحظوا … واحد او واحدة تأتي وتقول انا صابرة ومحتسبة وهي تكذب لماذا ؟ لانها لا تملك لسانها. فانها تتكلم لماذا هذا الشيء هكذا ؟ ولماذا هكذا ؟ … مع ذلك تزعم انها صابرة ومحتسبة او الرجل كذلك يتكلم ضد القضاء والقدر الالهي ويزعم انه صابر ومحتسب ! خاب فالك وخسئت نفسك الامارة بالسوء. فالصبر لا يجوز ان يكون مع الكلام البذيء على المخلوق او على الخالق ثم يزعم الفرد انه صابر كلا بل هو فاجر وليس بصابر.

حتى لو تحمل الذلة من المخلوقين بالمقدار الممكن فانه سيكون عظيما عند الله وثوابه جليلا عند الله والذلة في الدنيا انما هي عزة الاخرة والعزة في الدنيا انما هي ذلة الاخرة. واما بالنسبة الى الله &

بسم الله الرحمن الرحيم والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا * فاثرن به نقعا * فوسطن به جمعا * ان الانسان ربه لكنود * وانه على ذلك لشهيد * وانه لحب الخير لشديد * افلا يعلم اذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور * ان ربهم بهم يومئذ لخبير * صدق الله العلي العظيم
لجمعة السادسة والعشرون17 جمادي الثاني1419

الخطبة الثانية



اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.

اللهم لك الحمد حمدا دائما مع دوامك خالدا مع خلودك. ولك الحمد حمدا لا امد له دون مشيتك ولك الحمد زنة عرشك ورضا نفسك ولك الحمد حمدا لا اجر لقائله دون رضاك. ولا حول ولا قوة الا بالله قوة كل ضعيف ولا حول ولا قوة الا بالله عز كل ذليل ولا حول ولا قوة الا بالله غنى كل فقير. ولا حول ولا قوة الا بالله عون كل مظلوم. ولا حول ولا قوة الا بالله ملجأ كل مهموم. ولا حول ولا قوة الا بالله كهف كل مغموم. ولا حول ولا قوة الا بالله فكاك كل اسير. ولا حول ولا قوة الا بالله مؤنس كل وحيد. ولا حول ولا قوة الا بالله دافع كل بلية. ولا حول ولا قوة الا بالله عالم كل خفية. ولا حول ولا قوة الا بالله كاشف كل كربة. لولا حول ولا قوة الا بالله صاحب كل سريرة. ولا حول ولا قوة الا بالله موضع كل رزية. ولا حول ولا قوة الا بالله الفعال لما يريد. ولا حول ولا قوة الا بالله رازق العباد. لا حول ولا قوة الا بالله عدد ما خلق. ولا حول ولا قوة الا بالله غاية كل طالب. ولا حول ولا قوة الا بالله سرمدا ابدا لا ينقطع ابدا. ولا حول ولا قوة الا بالله عدد الشفع والوتر.

اللهم اني اسألك بحرمة هذا الدعاء وبحرمة هذا اليوم المبارك ان تصلي على محمد وال محمد وان تغفر لي ما قدمت وما اخرت وما اسررت وما اعلنت وما ابديت وما اخفيت وما انت اعلم به مني وان تقدر لي خيرا من تقديري لنفسي وتكفيني ما يهمني وتغنيني بكرم وجهك عن جميع خلقك عن جميع خلقك وترزقني حسن التوفيق وتصدق علي بالرضا والعفو عما مضى والتوفيق لما تحب وترضى وتيسر لي من امري ما اخاف عسره وتفرج عني الهم والغم والكرب وما ضاق به صدري وعيل به صبري فانك تعلم ولا اعلم وتقدر ولا اقدر وانت على كل شيء قدير برحمتك يا ارحم الراحمين.

اللهم صل على محمد وال محمد اوليائك على خلقك وحججك على عبادك صلاة كثيرة دائمة.

اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

نكمل الان ما بدأنا به في الخطبة الاولى.

خامسا: من الصفات المأخوذة في الاية الشريفة الخاشعين والخاشعات. وهو الشعور بالذلة والضآلة امام العظيم المطلق جل جلاله وقد يخطر في الذهن اننا فسرنا القانتين والقانتات بنفس التفسير تقريبا فما هو الفرق بينهما فكلاهما يعني الذلة امام الله سبحانه وتعالى اذن كانه لا فرق بينهما ؟ جواب ذلك ان المعنى في الشعور بالذلة امام الله تعالى مشترك بين اللفظين القانت والخاشع ولكن يتميز احدهما عن الاخر ببعض الصفات والخصوصيات منها ان يكون القنوت هو الدعاء بذلة امام الله تعالى يعني الشعور بالعجز عن نفع النفس وعن قضاء حوائج المرء ومن هنا يدعو الله تعالى لينفعه ويقضي حاجته وييسر اموره.

واما في الخشوع فليس للدعاء وانما هو لمجرد العاطفو ويرجع ذلك في الحقيقة الى ان القنوت انما يكون هو الذلة لتصور قدرة الله تعالى عليه وضعف الانسان تجاه خالقه. واما الخشوع فتصور عظمة الله تعالى وذلة الانسان تجاه عظمته تبارك وتعالى والله تعالى عظيم ولا نهائي من سائر الجهات والانسان حقير وذليل تجاهه من سائر الجهات.

سادسا: المتصدقين والمتصدقات ولعلك تقول اني حين اعطي فقير او المتطلب شيء من المال فقد تصدقت عليه وهذا صحيح الا ان هذا الاسلوب ليس هو الفرد المنحصر والطريقة الوحيدة للصدقة اذ من الواضح ان الطلب لا دخل له في الصدقة بل هي مطلق قضاء حاجة المحتاج سواءا طلب منك شيئا او لم يطلب بل هي عند عدم الطلب اولى بالصحة واكثر ثوابا بالمبادرة اليه لقضاء حاجته قبل ان يطلب قضاء حاجته. كما انها غير منحصر بالمال القليل فلو قضيت حاجته بمال كثير فهو صدقة ايضا. كما انها غير منحصر بالجانب الاقتصادي فلو قضيت للمؤمن اي نحو من انحاء الحاجة والضرورة فقد تصدقت عليه.

الا ان الفرد الاكمل والافضل من كل ذلك هو الصدقة بالنفس على الله سبحانه وتعالى وذلك ببذل النفس في سبيله بكل صورة يعني اطاعته والتذلل امامه في كل حكم مهما قل وكثر حتى لو لزم في ذلك القتل والتنكيل. الم تسمع قوله تعالى ((ويقبل الصدقات)) فماذا يعني ((يقبل الصدقات)) ؟ يعني ان الله تعالى يقبل الصدقات هو بنفسه يقبل الصدقات وليس ان الفقير يقبلها. وفي الرواية ان الصدقة تقع في يد الله سبحانه قبل ان تقع في يد الفقير، وليس انه سبحانه محتاج اليها لكنه قابل لها وشاكر عليها جل جلاله.

والخطوة الاخرى اذا كانت الصدقة بالنفس لم يكن غيره هو الذي يتقبل العمل نعم يمكن ان تفدي نفسك في سبيل غير الله سبحانه وتعالى. ولكن الاسلام يقول ان النفس ثمينة جدا بحيث لا يجوز بذلها في سبيل المخلوق بل يجب بذلها فقط في سبيل الخالق جل جلاله. وقال تعالى ((لا ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم)). فالجهة المادية وهو الاكل والاستهلاك تكون للجهة المادية وهو الفقير مثلا او صاحب الحاجة او اي شيء اي للبطون الجائعة لا انها تصل الى الله لانه غني عن العالمين والجهة المعنوية وهي التقوى هي التي تصل اليه سبحانه وتعالى ويتقبلها من عبده كما قال ((ولكن يناله التقوى منكم)). وايضا هو لا يستفيد منها، هل هو يستفيد من تقواي او تقواك ؟ ايضا هذا لا يفيده وانما المستفيد هو العبد نفسه وكل ذلك جعله الله من اجل فائدة البشرية وتكامل البشرية.

سابعا: الصائمين والصائمات. والصوم معروف وهو الامساك عن المفطرات مع النية يعني قربة الى الله تعالى. الا ان المفطرات تختلف باختلاف مستويات الفهم ويكون معنى الصوم مناسيا لها. فمرة تعتبر المفطرات هي المفطرات الفقهية الاعتيادية، ويكون الصوم عنها هو الصوم الواجب او المستحب. واخرى نفهم من المفطرات امورا اخرى كالشهوات وحب الدنيا وغير ذلك مما ينبغي الامساك عنه والصوم عنه كما قال تعالى: ((واما من خاف مقام امر ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى)). وفي الحديث القدسي (الصوم لي وانا أُجزى به) لانك لاتصوم عن شهواتك في سبيل اي شيء الا لله سبحانه وتعالى. وكذلك فان الصوم هو العبادة الوحيدة التي ليس لها مظهر خارجي وبذلك تكون بعيدة عن الرياء ما لم يصرح به صاحبه انه انا صائم انا صائم. وحين يكون بعيدا عن الرياء يتمحض لله سبحانه وتعالى فيكون هو الذي يُجزي به.

ومن هنا ورد ما مضمونه: انه اذا سئلت انك صائم او انك صليت صلاة الليل؟ فلا تقل لا، لانك تكون كاذبا وانما تقول الله تعالى رزقني ذلك. يعني ان الفرد لاجل دفع احتمال الرياء يميل ان يقول لا فيكذب، فيقع فيما هو اشد حرمة وهو الكذب. ولذا يعلمه المعصومون ما هو الجواب الصحيح وهو ان يقول الله رزقني ذلك ووفقني له.

ثامنا: والحافظين فروجهم والحافظات. يعني عن الزنا والشبهة مع حسن الالتفات والتدقيق في مثل هذه الامور جيدا وعدم اهمالها او التسامح بها كما يفعل جماعة من غير المتفقهين او غير المتورعين فان الاحتياط في الدماء والفروج واجب باجماع الفقهاء جيلا بعد جيل. ويمكن ان يشمل هذا التوجيه القرآني الكريم امرين آخرين:

الامر الاول: صيانة سائر الجسد من الحرام الجنسي حتى العين والاذن وكله من الزنا ولذا سمي بزنا النظر فانه حرام سواء كان من قبل الفاعل وكذلك المنفعل اذا كان ملتفتا ومتعمدا، يعني الناظر والمنظور اليه. فكما ان الطرفين هو زاني بالزنا الحقيقي والفعلي احيانا فكذلك الطرفان زانيان بزنى النظر او بزنى البسمع او بزنى اللمس وغيرها. ومن هنا كانت السافرة والمكشفة زانية بهذا المعنى الا انه زنا ليس عليه حد بل حده التوبة والاستغفار.

الامر الثاني: الصداقة مع من لا يستحق او بدون مبرر شرعي مرضي لله سبحانه او التعلم عند من لا يستحق وهكذا … فان الزنا الاعتيادي انما يكون بدون مبرر شرعي اذن فكل علاقة بين اثنين بدون مبرر شرعي بل لمجرد الشهوة النفسية وحب الدنيا والمصلحة الشخصية فهو من الزنا بالمعنى المعنوي. وانما تحفظ فرجك كما امرك الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم في ما اذا لاحظت علاقاتك واصدقائك من جميع الجهات وحصرت ذلك كله برضا الله سبحانه وتعالى خدمة له وتضحية في سبيله.

تاسعا: الذاكرين والذاكرات. قال الشاعر: والذكر للانسان عمر ثاني. يعني اذا تعذر الاتصال بالشخص بالمباشرة كان الذكر نوعا من الاتصال. والله تعالى يتعذر اصالنا به بالمباشرة فيكون ذكرنا له نوعا من الاتصال به. والذكر قد يكون من الواجبات وقد يكون من المستحبات كما قد يكون قليلا مقتصرا على الصلاة فقط وقد يكون كثيرا كما قال تعالى: ((اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة واصيلا)) اي صباحا ومساءا. كما ان الذكر ينبغي ان يكون مع الاخلاص والحب ومعه يكون طريقا واضحا وضروريا لزوال المستويات المتدنية لدى الانسان كالمحرمات والاسفاف والتسامح في الدين وترك الورع ونحو ذلك. بل يكون الذاكر لله سبحانه ملاحظا لنفسه معتنيا باقواله وافعاله فان صدرت منه طاعة حمد الله عليها وان صدرت منه سيئة بادر الى الاستغفار عنها. ومن الطبيعي ان امثال هؤلاء سواء من الرجال او من النساء يكونون مشمولين لوعد الله سبحانه بالاجر والثواب وهو قوله تعالى ((اعد الله لهم مغفرة واجرا عظيما)) وهو في نهاية هذه الاية هكذا يقول. ويستاهلون الله يجزيهم بالخير.

اذن فالاجر والثواب على كل مصاعب الدنيا مع حسن الصبر والاخلاص وعلى طاعة الله سبحانه ايضا مع الصبر والاحتساب موجود لكل البشر اي لمن كان كذلك منهم ويهتم بذلك منهم وكل من يكون كذلك في المستقبل فان الله خير لا يريد لنا الا الخير و لا يعطينا الا الخير وهذا امر مشترك بين الرجل والمرأة. بل ان تصورنا ان المرأة اصعب في امورها الدينية وقد ادت ذلك باخلاص كان ثوابها اكثر من ثواب الرجل لا محالة الا من ندر ولذا سمعنا قول الشاعر: لفضلت النساء على الرجال.

ولكن من تكون وكيف تكون هذه المرأة التي تجرد كل ذاتها وتصرفاتها وكلامها وسكوتها وعلاقاتها وتجندها في سبيل الله تعالى وترضى بكل ما يقضي ويقدر ؟ والمفروض بجميع النساء ان يكن كذلك.

المستوى الثالث : عن اختلاف احكام الرجل عن احكام المرأة. اننا نعلم ان الله تعالى عادل مطلق وحكيم مطلق يضع كل شيء في موضعه المناسب له ماديا او معنويا او عقليا او نفسيا او اي شيء آخر ومن حيث المهم لنا الان انه يعطي لكل فرد ولكل مجموعة من الاحكام والاوضاع والحالات افضل ما يتصور له وانسب ما يكون به. كذلك خص الرجال ببعض الاحكام التي تناسبهم وتكون اوفق بحالهم وخص النساء ببعض الاحكام التي تناسبهن وتكون اوفق بحالهن كل ما في الامر اننا لا نعرف ما هو المناسب للرجل وما هو الموافق مع المرأة، لماذا ؟ لاننا جاهلون بالحقائق وبعيدون عن الواقعيات والنفس الامارة بالسوء هنا موجودة. والله تعالى يجعل المناسب حسب علمه وحكمته لا حسب علمنا وشهواتنا والنفس الامارة بالسوء التي بين جنبينا بطبيعة الحال.

ومن الواضح ان الحكم الالهي من الدقة والعمق بحيث لا تصله عقولنا ولا تحيط به افهامنا كما قال تعالى ((ولا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء)) فما شاء من العلم اعطانا جل جلاله وما شاء من العلم منعنا جل جلاله. ومن الواضح ايضا ان الفروق في الاحكام بين الرجل والمرأة لا منشأ لها ولا سبب لها الا الاختلاف الحقيقي والتكويني بين الرجل والمرأة فباعتبار اشتراكهما في الانسانية جعل الله لهم احكام مشتركة وباعتبار اختلافهما في الحال والتفاصيل والخلقة جعل الله لكل منهما احكام تخصه. والذي ينفعنا الان هو التعرض الى بعض جهات الاختلاف الحقيقية بينهما لكي نعرض بعض وجوه الحكمة في الاختلاف من الاحكام:

اولا: انه من الواضح ان المرأة لها فترات حمل وولادة وحيض واستحاضة ونفاس ورضاع وهي امور مهما قلنا فيها فهي اقرب الى معنى المرض منه الى معنى الصحة كما انها اقرب الى معنى الوسخ والقذارة منه الى النظافة والنزاهة وهذه الامور مركوزة في خلقة جسد المرأة لا يمكن لها التخلص منها بحال. ومن هنا كانت لها الاحكام الخاصة بها ومن الواضح انه كلما كان الوسخ اكثر كان تنظيفه اصعب سواء من الناحية المادية او من الناحية المعنوية.

ثانيا: ان عاطفة المرأة اقوى من عاطفة الرجل. وهذا يؤدي الى عدة نتائج:

الاولى: ان نسبة عاطفتها او قوة عاطفتها إلى عقلها تكون اكثر من نسبة عاطفة الرجل الى عقله.

الثانية: ان هذه العاطفة تكون مؤيدة للنفس الامارة بالسوء لدى المرأة ما لم تكن ورعة حقيقة. وخاصة وقد اعطاها الله تعالى نسبة من الجمال والرقة ما لم يعط الرجل وهذا طريق كما يمكن صرفه في الحق كذلك يمكن صرفه في الباطل والعياذ بالله. كما حصل في اغلب النساء مع شديد الاسف.

الثالثة: ان هذه العاطفة تكون مؤيدة لحب الدنيا بما فيها من راحة ورفاه ومال وبنين وكذلك للغيرة من غيرها من النساء ومن الاسر وهذا بطبعه كما يمكن صرفه بالحق كذلك يمكن صرفه بالباطل بل سيكون سببا للباطل لا محالة الا من عصم الله.

الرابعة: انها سوف تفضل مصلحة نفسها على مصلحة غيرها ويكون من الصعب عليها التضحية في سبيل الاخرين مع ان التضحية ستكون مع قوة القلب وقلة العاطفة كما في الرجل اسهل منها في المرأة.

الخامسة: انها سوف تفضل مصالحها الخاصة على المصالح العامة ولا تدرك او لا تحاول ان تدرك ان هناك مصالح عامة يجب التضحية لها والتطبيق لاحكامها بل كانها تعيش لوحدها هي الامرة الناهية.

السادسة: ان قوة العاطفة سوف تصرف نفسها ووقتها الى تطبيقات هذه العاطفة وهي امور دنيوية في الغالب بل هي امور دنيوية دائما وتختلف باختلاف طبع المرأة وتطلعات المرأة. والمهم ان ذلك سوف يسيطر عليها ويمنعها من التفكير الجاد في مستقبلها ومجتمعها وآخرتها وبالتالي يصعب عليها اكثر من الرجل التدقيق العقلي في العلوم واستيعاب المصطلحات المعمقة بل ستأخذ الحياة بشكل ساذج وبسيط نسبيا.

ثالثا: من الفروق بين الرجل والمرأة انه يمكن ان يقال ان الكيان المعنوي للمرأة او الروحي او الباطني اضعف من كيان الرجل وهذا هو السبب الرئيسي حسب فهمي للحكم شرعا بان ((الرجال قوامون على النساء)) وان العمل خارج البيت للرجال لان امثال هذه الاعمال وهي كثيرة ومعقدة وخطرة احيانا تحتاج الى عمق عقلي وقوة قلب وسيطرة على الارادة اكثر مما تتحمله المرأة. وهذا معناه ان المرأة وان كان يجوز لها العمل خارج المنزل باي حقل من الحقول المناسبة للشريعة والمجتمع الا انها لا يمكن ان تصل في نجاحها وضبطها الى مستوى الرجل الا من عصم الله.

ومن اعظم ذلك امام الله سبحانه مسؤوليات القضاء والفتوى او التقليد ومسؤوليات الرئاسة والولاية فانها كلها مسؤوليات ضخمة لا تطيقها المرأة او قل انه لا يناسب مع الكيان المعنوي والباطني للمرأة وان الله تعالى رحم المرأة بابعادها عن هذا وغيره مما لا يناسبها وافرغ ذمتها منها. ومن هنا قيل خاب قوم حكمتهم امرأة وقال امير المؤمنين (عليه السلام): (يا اشباه الرجال ولا رجال) اي ولستم برجال (وعقول ربات الحجال) اي النساء. لان الحرب تحتاج الى عقل وصبر وتحمل لم ترزق المرأة مثله وانما هو خاص بالرجل ومن هنا سقطت مسؤولية الجهاد عن المرأة.

والظاهر ان جملة من الاحكام انما وضعت لمنع الاختلاط المتزايد بين الجنسين وفرض الحد والحشمة والجدية في العلاقة بينهما ولا اقل ان العلاقة ان وجدت فليست بامضاء ورضاء الله سبحانه وتعالى بما في ذلك منع المرأة من امامة الجماعة للرجال وكذلك الشهادة بالهلال في اول كل شهر فان امثال هذه الامور فيها اهتمام وازدحام وازعاجات كفى الله تعالى المرأة عن تحمل مسؤولياتها ومضاعفاتها.

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * اياك نعبد واياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين انعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضالين * صدق الله العلي العظيم
__________________
احمد1976 غير متواجد حالياً  
قديم 11-21-2008, 11:48 PM   #27 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 450
IraqiForum خطبة الجمعة التاسعة والعشرون 9 رجب 1419

الجمعة التاسعة والعشرون 9 رجب 1419

الخطبة الاولى



اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم، توكلت على الله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

يا من لا يخفى عليه انباء المتظلمين. ويا من لا يحتاج في قصصهم الى شهادة الشاهدين. ويا من قربت نصرته من المظلومين. ويا من بعد عونه عن الظالمين. قد علمت يا الهي ما نالني من فلان بن فلان (نتنياهو) مما حضرت، وانتهكه مني مما حجزت عليّ بطرا في نعمتك عنده، واغترار بنكيرك عليه. اللهم فصل على محمد واله، وخذ ظالمي وعدوي عن ظلمي بقوتك، وافلل حده عني بقدرتك، واجعل له شغلا فيما يليه، وعجزا عما يناويه. اللهم صل على محمد واله، ولا تسوغ له ظلمي، واحسن عليه عوني، واعصمني من مثل افعاله، ولا تجعلني في مثل حاله. اللهم صل على محمد واله، واعدني عليه عدوا خاضره تكون من غيضي به شفاءا، ومن حنقي عليه وفاءا. اللهم صل على محمد واله، وعوضني من ظلمه لي عفوك، وابدله بسوء صنيعه بي رحمتك، فكل مكروه جلل دون سخطك، وكل مرزئة سواء مع موجدتك. اللهم فكما كرهت لي ان أُظلم، فقني من ان اظلم. اللهم لا اشكو الى احد سواك، ولا استعين بحاكم غيرك حاشاك. فصل على محمد واله، وصل دعائي بالاجابة، واقرن شكايتي بالتغيير. اللهم لا تفتني بالقنوط من انصافك، ولا تفتنه بالامن من انكارك فيصير على ظلمي ويحاصرني بحقي، وعرفه كما قليل ما وعدت الظالمين، وعرفني ما وعدت في اجابة المضطرين. اللهم صل على محمد واله، ووفقني لقبول ماقضيت لي وعلي، ورضني بما اخذت لي ومني، واهدني للتي هي اقوم واستعملني بما هو اسلم. اللهم وان كانت الخيرة لي عندك في تأخير الاخذ لي وترك الانتقام ممن ظلمني الى يوم الفصل، ومجمع الخصم فصل على محمد واله، وايدني منه بنية صادقة، وصبر دائم واعذني من سوء الرغبة، وهلع اهل الحرص، وصور في قلبي مثال ما ادخرت لي من ثوابك، واعددت لخصمك من جزائك وعقابك، واجعل ذلك سببا لقناعتي بما قضيت، وثقتي بما تخيرت. آمين رب العالمين. (كلكم قولوا آمين رب العالمين) انك ذو الفضل العظيم وانت على كل شيء قدير.

اللهم صل على المصطفى محمد، والمرتضى علي والزهراء فاطمة والمجتبى الحسن والشهيد الحسين والسجاد علي والباقر محمد والصادق جعفر والكاظم موسى والرضا علي والجواد محمد والهادي علي والعسكري الحسن والمهدي المنتظر (عجل الله فرجه) ائمتي وسادتي وقادتي بهم اتولى، ومن اعدائهم اتبرأ في الدنيا والاخرة.

اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

نستمر في ذكر بعض الاهداف التي بدأنا بذكرها في الجمعة السابقة مما سعى اليه الامام الهادي (سلام الله عليه)، وهو موقفه من غيبة حفيده محمد بن الحسن بن علي الحجة المهدي المنتظر (عجل الله فرجه). وذلك ان ان هذه الغيبة باتت قريبة نسبيا (في زمانه طبعا) ولابد من تحضير الذهنية العامة لدى قواعده الشعبية ومواليه لذلك (اي لفكرة الغيبة). لاجل تقبل فكرة الغيبة عموما، لانها اذا جاءت بشكل فجائي فانه يسبب انكار المجتمع لها، واستبعاده اياها، ومن ثم قد يوجب ارتداد الكثير من الناس عن المذهب الحق. واما مع التمهيد والتبليغ والتعويد للناس، فان امثال هذه النتائج الوخيمة ستكون غير متحققة، وكان موقفه من ذلك بالمقدار الذي نستطيع ادراكه يتلخص بامرين:

الامر الاول: التبشير بوجوده ووروده وظهوره، غير ان هذا التبشير والتبليغ كان خاصا بموالي الامام المعتقدين به، ومقتصرا على اصحابه، ولم يكن يعم الاخرين، لانهم لم يكونوا يؤمنون بتسلسل خط الائمة الاثنى عشر (عليهم السلام). اذن فيكون تبليغهم بذلك تبليغا بلا موضوع.

ويلاحظ في تبليغ الامام الهادي (عليه السلام) ضمناً، التخطيط لحماية الحجة المهدي (سلام الله عليه) عند غيبته. فنرى ان كلام الامام حوله محاط بهالة من القدسية والغموض، ومشفوع في التاكيد المتزايد على انه لا يحل لاحد ذكر اسمه. وذلك توصلا الى عدم تسربه الى الجهاز الحاكم. كما ورد في الرواية: (اذا وقع الاسم وقع الطلب).

وقد وردت عن الامام الهادي (عليه السلام) بهذا الصدد عدة احاديث، نقتصر على بعضها، فمن ذلك قوله في كلام له: (ومن بعدي ابني الحسن فكيف للناس بالخلف من بعده). قال الراوي: فقلت: وكيف ذلك يا مولاي ؟ قال: (لانه لايرى شخصه ولا يحل ذكر اسمه حتى يخرج فيملء الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا). ومن غامض قوله (عليه السلام) في ذلك: (اذا رفع علمكم من بين اظهركم فتوقعوا الفرج من تحت اقدامكم) والمفهوم من رفع العلم حصول الغيبة ومن توقع الفرج حصول الظهور بطبيعة الحال. وكذلك قوله (عليه السلام): (فانى لكم بالخلف بعد الخلف) والخلف للامام الهادي هو الامام الذي بعده وهو الامام العسكري (عليه السلام) والخلف بعد الخلف هو الامام الذي بعد العسكري وهو الحجة المهدي (سلام الله عليه).

الامر الثاني: هو اتخاذ الامام الهادي (عليه السلام) مسلك التخفي والابتعاد عن المجتمع، تمهيدا للغيبة التي تحصل لحفيده المهدي (سلام الله عليه)، لما قلناه من ان حصولها المفاجئ مما يسبب ارباكا وتشكيكا في العقيدة. فلابد من التدرج النسبي في التخفي، بحيث يراه الناس ويعهده المجتمع (التخفي طبعا) ويرى في الامكان الاستفادة من الامام المعصوم بدون حصول رؤيته مباشرة. وهذا هو التخطيط الذي بدأه الامام الهادي (عليه السلام)، واتمه وركز عليه الامام العسكري (عليه السلام). ثم تم وجوده حقيقة وعلى الوجه الكامل بيد الامام المهدي (سلام الله عليه). ومن هنا نرى ان هذا التخطيط قد مرّ باربعة مراحل:

المرحلة الاولى: تلك التي بداها الامام الهادي (عليه السلام)، حيث انه بدا بالتخفي الجزئي او القليل والابتعاد عن المجتمع تدريجا.

المرحلة الثانية: ما حصل من الامام العسكري (عليه السلام) بعد ابيه من التخفي والابتعاد، ولكن بشكل اكثر من ابيه. حتى انه كان لايدخل عليه الا بعض خاصة اصحابه. ولا يتصل بشيعته مباشرة وانما يتصل بهم عن طريق المراسلة. وهذا ما تدل عليه روايات عديدة.

المرحلة الثالثة: الغيبة الصغرى التي بداها الامام المهدي (عليه السلام) بعد ابيه مباشرة وهي تتمثل بزيادة في التخفي في الامامين السابقين. فكان بحيث لايراه احد الا حسب المصلحة الاكيدة والضرورية. والغالب انها لمجرد اثبات وجوده (سلام الله عليه) ضد المشككين طبعا. وتتميز هذه المرحلة بنصب السفراء او الوكلاء الاربعة، عثمان بن سعيد عليه الرحمة، ومحمد بن عثمان عليه الرحمة، والحسين بن روح عليـه الرحمـة، وعـلي بن محمد السمري رحمة الله عليه. وهذا معناه انه لا يراه بالتزام وفي كل وقت او في اي وقت الا واحد هو السفير الموجود منهم في زمانه.

المرحلة الرابعة: الغيبة الكبرى (وهي الفترة التي نعيشها في هذه الايام وفي هذا الدهر كله الى ان يأمر الله سبحانه وتعالى بالظهور اللهم عجل فرجه سهل ومخرجه واجعلنا من اصحابه وانصاره انك على كل شيء قدير واهدنا بهداه وارزقنا رضاه) التي ارادها الله تعالى وتسبب لها المهدي نفسه بقطع سلسلة السفراء بالحديث الوارد عنه الى السفير الرابع ( رحمة الله عليه) ونصه: (بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري عظم الله اجر اخوانك فيك فانك ميت ما بينك وبين ستة ايام. فاجمع امرك ولا توصي الى احد فيقوم مقامك بعد وفاتك. فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور الا باذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الامد وقسوة القلوب وامتلاء الارض جورا. وسياتي لشيعتي من يدعي المشاهدة. الا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم).

وبهذا نجد ان هذه المراحل متدرجة في التخفي والابتعاد عن المجتمع. وان الغيبة الكبرى التي نعيشها الان قد خطط لها المعصومون (عليهم السلام) بثلاثة مراحل مقدمة لها، حتى ان الغيبة الصغرى تعتبر من هذه الناحية مقدمة للغيبة الكبرى، لاجل استساغة الناس لها، وحسن تلقيهم اياها، وعدم حصول المضاعفات بمفاجئتهم بها. فنرى الامام المهدي (عليه السلام) قد ركز واكد في هذا البيان على عدة امور :

الامر الاول : اخباره بموت الشيخ السمري السفير الرابع (رحمة الله عليه) في غضون ستة ايام، وهو من الاخبار بالغيب الذي نقول بامكان حصوله للامام (عليه السلام) بتعليم من الله ورسوله. ولم يشك احد يومئذ في صدق هذا الخبر. وقد غدى عليه اصحابه بعد ستة ايام فوجوده محتضرا يجود بنفسه. وهذا موجود في النقل التاريخي والروايات.

الامر الثاني : نهي الامام المهدي (سلام الله عليه) اياه (اي للسمري) عن ان يوصي الى احد ليقوم مقامه، او يطلع بمهام السفارة بعد وفاته. وبذلك يكون هو (اي السمري) آخر السفراء، ولا سفير بعده، ويكون خط السفارة قد انقطع، ويكون عهد الغيبة الصغرى قد انتهى.

الامر الثالث : انه لا ظهور الا بأذن الله تعالى ذكره. وهذا معناه الاغماض في تاريخ الظهور، وايكال علمه الى الله وحده، وارتباطه باذنه جل جلاله ((ولا يظهر على غيبه احدا)). ولهذا الاغماض عدة فوائد، اهمها اثنان:

الفائدة الاولى : بقاء قواعده الشعبية ومواليه منتظرة له في كل حين، متوقعة ظهوره في اي يوم. وهذا الشعور اذا وجد لدى الفرد، فانه يحمله على السلوك الصالح، وتقويم النفس، ودراسة واقعه المعاش، ومعرفة تفاصيل دينه جهد الامكان، ليحظى في لحظة الظهور بالزلفى لدى المهدي (عليه السلام)، والقرب منه. ولا يكون من المغضوب عليهم لديه والمبعدين عن شرف ساحته. بل ان الفرد ليشعر وهو في حالة انتظار امامه في اي يوم، ان انحرافه وفسقه قد يؤدي به الى الهلاك والابتعاد كليا عن العدل الاسلامي العظيم، الذي يسود العالم يومئذ تحت قيادة الامام المهدي (سلام الله عليه). فان الامام المهدي (عليه السلام)، بعد ظهوره سيكون حديا في تطبيق العدل الاسلامي، وسيذيق كل منحرف عقائديا او سلوكيا اشد الوبال. فانه لا مكان للانحراف في مجتمع العدل المطلق، كما ورد في بعض الروايات : (انه يضع السيف يقتل هرجا لا يرحم احدا). وفي رواية اخرى : (انه يقتل حتى يقال انه ليس من اولاد فاطمة لو كان من اولاد فاطمة لرحم).

الفائدة الثانية : للاغماض قي موعد ظهوره، حماية المهدي (عليه السلام) من اعدائه بعد ظهوره او عند ظهوره. فان الاغماض في التاريخ يوفر محض المفاجئة والمباغتة للعدو على حين غرة. وهذا من اقوى عناصر النصر واسبابه، وان لم يكن هو اهمها واقواها على الاطلاق، حيث توجد هناك عناصر اقوى منه. على حين لو كان الموعد معينا، لكان بالامكان تماما للاعداء ان يجمعوا امرهم ويهيئوا اسلحتهم قبيل الموعد المحدد. حتى ما اذا آن موعد الظهور قاتلوه واستأصلوه قبل ان يفهم به الناس، ويجتمع حوله الاعوان والاخوان. وبذلك تفشل حركته فشلا ذرعا. وحاشا لله من ذلك بطبيعة الحال.

لا يفرق في ذلك في اعداء المهدي (عليه السلام) بين من يعتقد بظهوره وبين من لا يعتقد. فان الموعد لو كان محددا طيلة هذا الزمان، لكان امرا مشهورا، ولأوجد في اذهان الاعداء احتمالا على الاقل بظهوره، وهو مساوق مع احتمال استئصال الاعداء واجتثاثهم. وهذا الاحتمال بنفسه يكفي للتألب عليه واعلان التعبئة العامة وحالة الطواريء باللغة الحديث ضد الامام المهدي (عليه السلام).

والان، ـ والظاهر انكم تعلمون بذلك ولكن هذا محل بيانه ـ يوجد من الاخبار ما يكفي من ان امريكا قد اسست منذ عدة سنوات، ربما عشرة سنين، ما يسمى بقوات التدخل السريع تحسبا لظهور المهدي (عليه السلام) وليس لشيء آخر. كما انها افتعلت حرب الخليج لاجل ان تملء بالبوارج الحربية، تحسبا لظهور المهدي (عليه السلام). كما ان من الاكيد ان له في البنتاغون ملفا كاملا وضخما عن اخباره التي تستطيع امريكا جمعها، حتى قالوا انه يفتقر فقط الى الصورة الشخصية له، وطبعا هي مفقودة. ولا شك ايضا انها تأخذه بنظر الاعتبار في كومبيوتراتها السياسية كاحد اهم المحتملات التغير الاجتماعي الممكن حصوله في الشرق المسلم طبعا، مع التعتيم التام على كل هذه الامور.

وعلى اي حال فيكون من الحكمة الالهية اخفاء موعد ظهور المهدي، وبقاء الموعد غامضا مجهولا منوطا بأذن الله سبحانه وتعالى.

الامر الرابع : الاشارة في التوقيع الشريف (الذي صدر إلى السمري)، الى ان امد الغيبة التامة الكبرى سوف يكون طويلا ومديدا. وانما ينص المهدي على ذلك حسب فهمنا، ليجعل الفرد المؤمن مسبوقا ذهنيا بطول الغيبة، ومتوقعا لتماديها في الزمان، فلا يأخذه اليأس ولا يتلبسه الشك، مهما طالت او تمادت وان اصبحت الاف السنين او الملايين. فانه ما دام المؤمن عارفا بانها ستطول، وانها منوطة باذن الله عز وجل عند تحقق المصلحة للظهور وتهيأ البشرية لتلقي الدعوة الاسلامية الكبرى. فان الفرد يعرف عند تأخر الظهور ان المصلحة بعد لم تتحقق، وان الاذن الالهي لم يصدر. وهذا السبق الذهني (يعني احتمال طول المدة)، لا ينافي باي حال، حال الانتظار وتوقع الظهور في كل يوم وكل شهر وكل عام. فان طول الامد الموعود به في كلام المهدي (عليه السلام)، لفظ عام ينطبق على السنين القليلة والسنين الطويلة والكثيرة على حد سواء. بل لو كان الامام المهدي (عليه السلام) قد ظهر بعد الغيبة الصغرى بقليل، لكان قد ظهر بعد طول الامد. لان السبعين عاما (التي هي طول الغيبة الصغرى تقريبا) مع الشعور بالظلم وحالة الانتظار، تكون امدا طويلا بحسب الجو النفسي للفرد والمجتمع لا محالة. هذا فضلا عما اذا تاخر الامام المهدي (عليه السلام) في ظهوره عشرات السنين او مئات السنين او الالاف، فان طول الامد يكون قد تحقق باوضح صوره واصعب انحائه. ومعه يكون الفرد متوقعا لانتهاء هذا الامد الطويل في كل ساعة وفي كل يوم ولصدور الاذن الالهي بالظهور.

الامر الخامس : مما يشير اليه الامام (عليه السلام) بالتوقيع الشريف الاشارة الى قسوة القلوب. والمراد به ضعف الدافع الايماني، وقلة الشعور بالمسؤولية، والمشارفة على الانحراف، او الوقوع في الانحراف فعلا، بل سقوط افراد او اغلب افراد المجتمع فيه، ولربما اكثر المجتمعات. وذلك لان الفرد يواجه امتحانا الهيا صعبا خلال الغيبة الكبرى من جهات ثلاثة يكون واجبا عليه امام الله ان يخرج منه ناجحا ظافرا في رضا الله سبحانه وتعالى. والخروج منه ليس باكل التمن والقيمة، فالخروج منه بنجاح يحتاج الى عمق في الايمان والاخلاص والارادة لا يتوفر الا في القليل من الناس.

الجهة الاولى : موقف الفرد تجاه شهوات نفسه ونوازعه الغريزية، التي تتطلب الاشباع باي شكل من الاشكال، وكما قالوا ان الغرائز لا عقل لها. فعلى الفرد ان يلاحظ ذلك فيكفكف من غلواء شهواته ويزعها بعقله وايمانه عن الحرام الى الحلال.

الجهة الثانية :موقف الفرد تجاه الضغط الخارجي الذي يعيشه، وما يتطلبه من تضحيات في سبيل دينه وايمانه ضد الفقر والمرض والسلاح والحرج الاجتماعي ونحو ذلك، من المصاعب التي تصادف الفرد في طريقه الايماني الطويل. فان كان الفرد شاعرا بالمسؤولية، قوي الارادة استطاع تذليل هذه الصعوبة ةالتضحية في سبيل الايمان.

الجهة الثالثة : موقف الفرد المؤمن تجاه الاعتقاد بامامه الغائب وقائده المحتجب (سلام الله عليه)، فانه بعد ان عرفه بالدليل القطعي لاينبغي ان تثبطه الشكوك، ولا ان تزعزعه الاوهام، ولا ان يؤثر في زحزحة اعتقاده طول الامد. وفي الحديث (ان الله علم ان اوليائه لا يشكون). ولو علم انهم يشكون لما غيب عنهم وليه طرفة عين. وعلى اية حال فاذا كان الفرد ناجحا من سائر الجهات في الدين واليقين، كان من الاقلين عددا المرتفعين شأنا الواعين لدينهم وسوف لن يبتلي بقسوة القلب التي اشارلها المهدي (عليه السلام) في بيانه وكلامه، تلك القسوة التي يبتلي بها الاكثرون الذين لا يكونون على المستوى المطلوب من الاخلاص والايمان.

الامر السادس : مما هو مبين في التوقيع الشريف: الاشارة في التوقيع الشريف الى امتلاء الارض جورا، وفيه تطبيق واضح للكلام النبوي الشريف حسب الرواية الستفيضة، بل المتواترة المنقولة عن النبي (صلى الله عليه واله) ما مضمونه: ان الامام يظهر فيملء الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. وهو الحديث المستفيض الذي رواه عدد من علماء الاسلام والمحدثين العظام من مختلف المذاهب وليس في مذهبنا فقط.

الامر السابع : اثبات حدوث السيفاني والصيحة، وهو امر يحصل التنبوء به قبيل ظهور الامام (عليه السلام) بصفتهما احدى العلامات القريبة وان كانت كثير من هذه الامور قابلة لتعلق البداء بها في الحقيقة الذي نؤمن بامكانه لله عز وجل، مثلا يظهر الامام والسفياني لا يظهر او يظهر الامام ولا توجد صيحة او لا يوجد خسف فهذا ممكن. والسفياني موصوف في الاخبار تفصيلا وليس هنا محل ذكره كما ان الصيحة مذكورة في الاخبار، ما هي الصيحة ؟ هي النداء من قبل جبرائيل الامين (سلام الله عليه) باسمه واسم ابيه وانه قد حصل ظهوره ووجب اتباعه ليأخذ له المؤمنون اهبتهم ويتوجهوا الى نصرته. وفي بعض الروايات انه نداء يسمعه كل اهل لغة بلغتهم وفي بعضها ما مضمونه انه من الوضوح والارتفاع بحيث يفزع الناس ويخرج العذراء من خدرها حيث يكون الظهور لدى وقوعه صريحا واضحا علنيا تدعمه المعجزة وتؤيده الارادة الالهية لا يستطيع المؤمنون التخلف عنه ولا يطيق الاعداء دحره وافشاله.

بسم الله الرحمن الرحيم * سبح اسم ربك الاعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * والذي اخرج المرعى * فجعله غثاءا احوى * سنقرئك فلا تنسى * الا ما شاء الله انه يعلم الجهر وما يخفى * ونيسرك لليسرى * فذكر ان نفعت الذكرى * سيذكر من يخشى * ويتجنبها الاشقى * الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا يحيى * قد افلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى * بل تؤثرون الحياة الدنيا * والاخرة خير وابقى * ان هذا لفي الصحف الاولى * صحف ابراهيم وموسى * صدق الله العلي العظيم
الجمعة التاسعة والعشرون 9 رجب 1419

الخطبة الثانية

اعوذ بالله من الشيطان الرجيم توكلت على الله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الهي لا تشمت بي عدوي، ولا تفجع بي حميمي وصديقي. الهي هب لي لحظة من لحظاتك تكشف عني ما ابتليتني به، وتعيدني الى احسن عاداتك عندي. واستجب دعائي ودعاء من اخلص لك دعاءه، فقد ضعفت قوتي وقلة حيلتي واشتدت حالي وآيست مما عند خلقك فلم يبقى الا رجاؤك. الهي ان قدرتك على كشف ما انا فيه كقدرتك على ما ابتليتني به، وان ذكر عوائدك يؤنسني، والرجاء في انعامك وفضلك يقويني، لاني لم اخلُ من نعمتك منذ خلقتني، وانت الهي، ومفزعي وملجأي، والحافظ لي والذاب عني، المتحنن عليّ الرحيم بي، المتكفل برزقي في قضائك، كان ما حل بي، وبعلمك ما صرت اليه، فاجعل يا وليي وسيدي مما قضيت وقدرت عليّ وحتمت عافيتي، وما فيه صلاحي وخلاصي مما انا فيه، فاني لا ارجوا لدفع ذلك غيرك، ولا اعتمد فيه الا عليك، فكن يا ذا الجلال والاكرام عند احسن ظني بك، وارحم ضعفي وقلة حيلتي، واكشف كربتي، واستجب دعوتي، واقلني عثرتي، وامنن علي بذلك، وعلى كل داع لك امرتني يا سيدي بالدعاء، وتكفلت بالاجابة ووعدك الحق الذي لا خلف فيه، ولا تبديل فصل على محمد نبيك، وعبدك وعلى الطاهرين من اهل بيته، واغثني فانك غياث من لا غياث له، وحرز من لا حرز له، وانا المضطر الذي اوجبت اجابته، وكشف ما به من سوء فاجبني، واكشف عني، وفرج همي، واعد حالي الى احسن ما كانت عليه، ولا تجازني بالاستحقاق، ولكن برحمتك التي وسعت كل شيء يا ذا الجلال والاكرام صل على محمد واله، واسمع واجب يا عزيز جل جلالك، وعم افضالك، ودام مجدك ولا اله غيرك. لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين، فاستجبنا له ونجيناه من الغم، وكذلك ننجي المؤمنين.

اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

لاحظوا بدقة انكم تسمعون مني في كل جمعة تقريبا، وفي هذه الجمعة ايضا، وفي كل جمعة مكررا شيء لا تفهموه، او المظنون ان اكثركم لم يفهموه، وهي قوله تعالى ((اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وانتم مسلمون)) وهي اية كريمة واقعة في سياق قرآني للنصائح والمواعظ، وكل القرآن نصائح ومواعظ ونصائح القرآن دائما مؤثرة وصحيحة، فنسمع الان بعضا من هذا السياق. اقرأ لكم جملة من الايات، مع محاولة فهمها والالتفات والانتباه الى مضامينها بطبيعة الحال.

قال تعالى: ((قل يا اهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وانتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون يا ايها الذين آمنوا ان تطيعوا فريقا من الذين اوتوا الكتاب يردوكم بعد ايمانكم كافرين وكيف تكفرون وانتم تتلى عليكم ايات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي الى صراط مستقيم يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم اعداء فالف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته اخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فانقذكم منها كذلك يبين الله لكم اياته لعلكم تهتدون ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واؤلئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات واؤلئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فاما الذين اسودت وجوههم اكفرتم بعد ايمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون واما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون تلك ايات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين)).

ويمكن شرح الفقرة التي نتحدث عنها وهي قوله تعالى ((اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون)) في عدة خطوات:

الخطوة الاولى : انها وقعت في خطاب الذين امنوا، لانه تعالى قال ((يا ايها الذين امنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون)) لوضوح ان من لم يكن من الذين امنوا، لا يناسب ان تطلب منه التقوى. وانما يطلب منه ان يكون اولا من الذين امنوا، فاذا كان منهم، كانت التقوى منه مطلوبة لان الايمان درجات ولا يمكن ان يطلب من الفرد درجتين او اكثر فورا، وانما تطلب بالتدريج طبعا، تطلب الاسبق ثم التي بعدها ثم التي بعدها وهكذا. وفي الحديث ما مضمونه القريب: (ان الاسلام عشر درجات اقصاها الايمان. والايمان عشر درجات اعلاها التقوى. والتقوى عشر درجات اعلاها اليقين. والناس تمسكوا من الاسلام باقل درجاته) وهي هذه الفضيحة.

ومن هذا الحديث، يتضح ان درجات التقوى بعد درجات الايمان مباشرة، ودرجات الايمان بعد درجات الاسلام مباشرة. ومن هنا صح ان يكلف بالتقوى او يخاطب بها المؤمنون خاصة دون من كان اقل منهم.

الخطوة الثانية: ان التقوى اصلها اللغوي من اتقاء الشر، وفي حدود فهمي ان الشر الذي يتقيه الإنسان، ان كان شرا دنيويا فهو التقية، قال الله تعالى: (الا ان تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه). وان كان شرا اخرويا فهو التقوى. اي اتقاء غضب الله وعقابه بالاقتصار على الطاعة وترك المعاصي والصبر على البلاء والرضا بالقضاء.

الخطوة الثالثة: انني وجدت حسب اطلاعي القاصر، ان اعظم من وعد بالاجر والثواب والمقامات العالية في القران الكريم هو عنوانين او مجموعتين: المتقون والصابرون، ونتحدث الان عن المتقين وليس عن الصابرين.

قال تعالى: ((وتزودو فان خير الزاد التقوى)). وقال: ((والعاقبة للمتقين). وقال: ((والعاقبة للتقوى)). وقال: ((والله ولي المتقين)). وقال: ((وازلفت الجنة للمتقين)). وقال: ((ان للمتقين مفازا )). وقال: ((واتقوا الله واعلموا ان الله مع المتقين)). وقال: ((وان للمتقين لحسن مآب)).

حتى انه من الممكن القول ان النجاة الحقيقية والعاقبة الحقيقية، انما هي للمتقي. ومالم يصل الفرد الى درجات التقوى تبقى نفسه غير صافية واخرته غير صافية، ومن ثم لا يكون ((في مقعد صدق عند مليك مقتدر)).

الخطوة الرابعة : اننا اذا فسرنا التقوى على انها اتقاء المحرمات، واتقاء العذاب الاخروي الناتج منها، اذن لا يبقى بينها وبين الورع اي فرق. لان الورع هو اتقاء المحرمات، والتقوى هي ايضا اتقاء المحرمات. وفي الحديث: (لا دين لمن لا ورع له). وفي الحقيقة لا دين لمن لا ورع له لان الذي تراه يستهين بالمعاصي ويرتكبها فهو انما يستهين بامر الله سبحانه وتعالى كما انه يستهين بحقوق الاخرين طبعا ومن يكون كذلك فهو لا دين له حتى لو شهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وان عليا ولي الله، والذي لا يرضى (يلبس الباب)[1]، لانه لو كان له دين ولو كان يشعر باهمية دينه لحجزه عن معاصي الله سبحانه ولحصل لديه الورع عن المحرمات. فمن لا ورع له لا دين له حقيقة نقسم على هذا المصحف الشريف.

المهم ان الورع هو ترك المحرمات، والتحاشي عنها والحذر منها، فاذا فسرنا التقوى بذلك ايضا لم يبق فرق بين الورع والتقوى. وانا اشعر ان المتشرعة ليس لديهم اطروحة واضحة للفرق بين الورع والتقوى، بالرغم من انهم يشعرون بارتكازهم بوجود فرق بينهما وان التقوى هي بلا شك اعلى درجة من الورع. ولكن بأي شيء تختلف وبأي شيء تتصف فهذا مجهول عندهم.

الخطوة الخامسة : ان احسن ما يمكن بيانه كفرق بين التقوى والورع ان الورع هو ترك المحرمات، واما التقوى فهي ترك الشبهات او قل ترك موارد الشبهات. فاذا كان الفرد شاعرا بالمسؤولية تجاه الله تعالى بحيث يكون مجتنبا لموارد الشبهات، وكل ما يحتمل ان يكون فيه حرمة، او جرأة على الله سبحانه فانه يتركه من اجل رضاء الله سبحانه وتعالى والقرب له ونيل الزلفى لديه، فهو متقي. كما ورد في الدين ما مضمونه: (الامور ثلاثة امر بين رشده فيتبع وامر بين غيه فيجتنب وشبهات بين ذلك فمن اقتحم في الشبهات كاد ان يقع في المحرمات) (كول لا !). واما اذا لم يقتحم في الشبهات ووقف عندها واحتاط لنفسه فيها فهو المطلوب وعندئذ سيكون من المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

وهذا معناه ان المؤمن يمنع نفسه على مستويين :

اولا: المحرمات الواضحة الفردية والاجتماعية، وكذلك الباطنية والظاهرية، كسوء النية والوسواس والاعتداء، واي شيء آخر من المحرمات. وهذا معنى قوله (امر بين غيه فيجتنب).

ثانيا: ان الفرد يترك كل ما هو محتمل ان يكون كذلك من الافعال والاقوال، ولا يحاول المشي في هذا الطريق المشبوه مهما امكنه، وانما يقتصر فقط على الطريق الواضح لرضاء الله سبحانه وتعالى ونيل ثوابه. وهو معنى قوله (امر بين رشده فيتبع) اي الطريق الواضح الذي يوصل الى رضاء الله سبحانه.

وهذا هو ايضا فرقه عن الورع، فان الورع هو ترك ما احرز الفرد كونه حراما وما علم الفرد كون حراما دون ان يترك الشبهات، فيكون ورعا ولو بعنوان ان الشبهات مما لم تثبت حرمتها، وكل ما لم يثبت حرمته فهو جائز باصالة البراءة عن الحرمة ونحو ذلك وهذا صحيح فقهيا. الا انه هذا النحو من السلوك والافعال، لا يصل به الى درجة التقوى ما لم يقف عند الشبهة، ويتجنب كل ما يحتمل ان يكون سببا لغضب الله سبحانه وتعالى.

ولكن من الواضح في هذه الدرجة من التفكير، ان احتمال السوء ينبغي ان يكون واضحا او معتدا به لكي يتجنبه، بالرغم من جريان اصالة البراءة في نفيه. واما اذا كان احتمال السوء ضعيفا مرجوحا جاز له عمله مع وجود اصالة البراءة في نفيه.

الخطوة السادسة : اننا الان وان عرفنا معنى الورع، ومعنى التقوى، الا اننا لم نصل الى معنى العبارة لانه تعالى يقول ((اتقوا الله حق تقاته)) وقد عرفنا اصل التقوى، ولم نعرف معنى كونها حق التقوى. مع الالتفات الى ان قوله ((اتقوا الله حق تقاته)) امر والامر ظاهر في الوجوب، والمخاطب به هو الذين آمنوا، وانشاء الله كلنا من الذين آمنوا فماذا ستكون النتيجة ؟ يكون من الواجب على الذين آمنوا ان يتقوا الله حق تقاته. فان قلت ان نيل درجة الورع وان كانت واجبة فقهيا لانها تعني الورع عن المحرمات الا ان نيل درجة التقوى مستحبة فضلا عن حق التقوى او التقوى الحقة التي تأمر بها الاية ولا يحتمل فيها الوجوب. قلنا نعم. هكذا الامر في الفقه لان الفقهاء يأخذون بنظر الاعتبار فقط ان لا يكون المسلم ممن يستحق العقاب فان لم يستحقه كان من الناجحين وهذا اكيد وما عليهم من درجات الكمال الاخرى. في حين ان القرآن الكريم يتكفل ذلك لا محالة وكل توجيهاته نصائح لاجل نيل الكمال البشري الحقيقي النوراني. اذن فمن المستطاع القول بحمل هذه الاية على الوجوب اخلاقيا او قل هي اشتراط لزومي بنحو الحكم الوضعي او الاثر الوضعي للتكامل اي لا يكون التكامل الا هكذا. بمعنى ان لم يصل الى التقوى لم يستطع التكامل الى حق التقوى طبعا لانها درجة بعدها واكبر منها بطبيعة الحال.

الخطوة السابعة : انه يمكن تفسير حق التقوى بتفسيرين:

التفسير الاول : الدقة في تطبيق التقوى وعدم محاولة التغافل والاهمال في اي شيء اذا كان من الشبهات، بحيث يحاول الفرد ان لا يكون فيه نسيان او اشتباه او تسامح مهما كان. يحاول على اية حال بمقدار ما هو متيسر. وعندئذ ستكون تقواه حقا وليست شكلية فقط، او معمقة وليست ضحلة.

التفسير الثاني : ان التقوى ما دامت هي اجتناب الشبهات كما فسرناها وحللناها. وقلنا قبل قليل ان الفرد المؤمن انما يجب ان يجتنب الشبهات الواضحة الراجحة دون غيرها وهذا كاف على مستوى التقوى. الا ان الفرد اذا اراد ان يصل الى مرتبة حق التقوى، فعليه ان يجتنب كل الشبهات، وان ضعف احتمالها ما لم يحصل الاطمئنان بالصحة ورضا الله سبحانه وتعالى فيكون له ان يفعل والا لم يجز له العمل والاقتحام. وهذا معناه الدقة والتوسع في الملاحظة والاجتناب ومحاولة اكتساب رضاء الله سبحانه ومن هنا قال اهل المعرفة بانعدام المباح للمؤمن الحق، وكذلك ما سبق ان سمعناه من (ان الدنيا حرام على اهل الاخرة) يعني الدنيا بكل تفاصيلها وكذلك قولهم (الدنيا والاخرة حرام على اهل الله سبحانه وتعالى).

الخطوةالثامنة : انه تعالى قال: ((اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون)). فما معنى مسلمون هنا ؟ مع الالتفات الى ان المخاطب هو الذين آمنوا، والذين آمنوا هم مؤمنين ومسلمين فيخاطبون بالاسلام لماذا ؟ فلو كان المراد به اصل الاسلام اي الدخول في الدين الاسلامي لم يصح لان ذلك مطلوب من الكفار لا من المؤمنين. ونحن نعرف ان كل مؤمن مسلم، فاذا كان مؤمنا ومسلما فهو حاصل على الاسلام فلا معنى لطلبه منه.

وكذلك مع الالتفات الى ان هذا المعنى من الاسلام في الاية قد جاء بعد طلب التقوى الحقة، قال ((واتقوا الله حق تقاته)) ثم قال ((ولا تموتن الا وانتم مسلمون)). اذن فهو يمثل مرحلة اعلى من ذلك كله وهو امر طويل المدى لا يأتي في ساعة او ساعتين او يوم او يومين وانما يأتي في طول السنين وبالتدريج البطيء ولذا قال تعالى ((ولا تموتن الا وانتم مسلمون)). واحسن تفسير ممكن لذلك هو التضحية في سبيل هذه النتائج واسلام النفس اي تسليم النفس والعقل والجسم لها بحيث لا يعيش في غيرها ولا يفكر في سواها. وهذه تضحية كبيرة في سبيل الله. كما قال في الحكمة: (ما ترك الحق لي من صديق). بل الامر اكثر من ذلك لان الفرد يشعر بوضوح ان عدوه موجود عنده وباستمرار متمثلا في نفسه الامارة بالسوء، اذن ما ترك الحق لي من صديق حتى نفسي.(كول لا !). كما قال في الحكمة: (اجعل نفسك عدوا تحاربه). وسلم بهذه التضحية الكبرى في سبيل الله تسليما كاملا ولاحظ ذلك طول عمرك ملاحظة مستمرة جزاك الله خير جزاء المحسنين.

بسم الله الرحمن الرحيم والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الامين * لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم * ثم رددناه اسفل سافلين * الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم اجر غير ممنون * فما يكذبك بعد بالدين * اليس الله باحكم الحاكمين * صدق الله العلي العظيم



--------------------------------------------------------------------------------

[1] مصطلح عامي معناه يخرج خارجا.
__________________
احمد1976 غير متواجد حالياً  
قديم 11-21-2008, 11:54 PM   #28 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 450
IraqiForum خطبة الجمعة الثلاثون 16 رجب 1419

--------------------------------------------------------------------------------

الجمعة الثلاثون 16 رجب 1419

الخطبة الاولى

**الى طاعة الحوزة العلمية وانتصار الحوزة العلمية الشريفة الصلاة على محمد وال محمد. (اللهم صل على محمد وال محمد).

الى طاعة القضاء الشرعي الحوزوي وانتصار القضاء الشرعي الحوزوي الصلاة على محمد وال محمد. (اللهم صل على محمد وال محمد).

الى شجب واستنكار محاولات منع القضاء الحوزوي الصلاة على محمد وال محمد. (اللهم صل على محمد وال محمد).

اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم توكلت على الله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم يا ذا المنن السابغة والالاء الوازعة والرحمة الواسعة والقدرة الجامعة والنعم الجسيمة والمواهب العظيمة والايادي الجميلة والعطايا الجزيلة. يا من لا ينعت بتمثيل ولا يمثل بنظير ولا يغلب بظهير . يا من خلق فرزق والهم فانطق وابتدع فشرق وعلى فارتفع وقدر فاحسن وصور فاتقن واحتج فابلغ وانعم فاسبغ واعطى فاجزل ومنح فافضل. يامن سما في العز ففات نواظر الابصار ودنى في اللطف فجاز هواجس الافكار. يا من توحد في الملك فلا ند له في ملكوت سلطانه وتفرد بالالاء والكبرياء فلا ضد له في جبروت شانه. يا من حارت في كبرياء غيبته دقائق لطائف الاوهام وانحسرت دون ادراك عظمته خفائف ابصار الانام. يا من عنت الوجوه لهيبته وخضعت الرقاب لعظمته ووجلت القلوب من خيفته. اسألك بهذه المدحة التي لا تنبغي الا لك وبما وأيت به على نفسك لداعيك من المؤمنين وبما ضمنت الاجابة فيه على نفسك للداعين. يا اسمع السامعين يا ابصر الناظرين واسرع الحاسبين ياذا القوة المتين صل على محمد خاتم النبيين وعلى اهل بيته الطيبين الطاهرين واقسمي لي في شهرنا هذا خير ما قسمت واحتم لي في قضائك خير ما حتمت واختم لي بالسعادة فيمن ختمت واحيني ما احييتني موفورا وامتني مسرورا ومغفورا وتولى انت نجاتي من مسائلة البرزخ وادرء عني منكرا ونكيرا وارِ عيني مبشرا وبشيرا واجعل لي الى رضوانك وجنانك مصيرا وعيشا قريرا وملكا كبيرا فصل على محمد واله كثيرا. (اللهم صل على محمد وال محمد).

اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

قبل يومين تقريبا مرت الذكرى السنوية لولادة الامام امير المؤمنين (عليه افضل الصلاة والسلام) فلابد من التعرض الى بعض مناقبه وفضائله (عليه السلام) لنستلهم منها الهداية والعبرة والموعظة. وكيف نستطيع ان نتعرف عليه او نصل الى حقيقته، وانما هذا في عداد المستحـيل وخـاصة بعـد ان نسمـع الحـديث الـمروي عـن النـبي (صلى الله عليه واله): (ما عرف الله الا انا وانت، وما عرفني الا الله وانت، وما عرفك الا الله وانا). وكذلك الحديث الاخر: (يا علي انا ونت ابوا هذه الامة). وكذلك حينما نسمع قوله تعالى: ((فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الظالمين)). ولم يكن مصداق لهذه الاية من الرجال الا علي (عليه السلام)، ولا من النساء الا فاطمة (عليها السلام)، ولا من الابناء الا الحسن والحسين (عليهما السلام) باجماع علماء المسلمين واهل الحديث.

ولذا روي عن الجاثليق الذي هو الزعيم الديني للطرف المسيحي للمباهلة ما مضمونه: انه (يعني النبي (صلى الله عليه واله)) لو جاء مع جماعة كثيرة او كبيرة فباهلوه، واذا جاء مع اشخاص قليلين فلا تباهلوه فتهلكوا. وعنـد مجيئهم قـال: اني ارى وجوها لو باهلتـكم لاضطرم عليكم الوادي نارا.

اذن فلابد من الاقتصار على الجوانب الممكنة من وجوه التعرف عليه (سلام الله عليه) وهي ايضا فوق حد الاحصاء، حتى قال بعضهم بما مظمونه: ماذا اقول في رجل كتم اعدائه فضائله حقدا، وكتم محبوه فضائله خوفا، وظهر من بين هذا وهذا ما يملأ الخافقين. فاذا كانت فضائله تملأ الخافقين فما هو عمل او قول رجل ضعيف جاهل مسكين مستكين مثلي وامثالي.

وايضا نعود الى ذكر بعض ما هو ممكن من ذلك على اي حال واود الان ان اذكر لكم بعض الجوانب الذي تفرد بها امير المؤمنين بحيث لا يحتمل ان يضاهيه احد فيها اطلاقا من البشر اجمعين مهما كان دينه او مذهبه ومهما كانت مدعياته لنفسه من العلم والكمال، فانه لا يستطيع ان يصل الى درجة امير المؤمنين (عليه السلام)،حتى المعصومين من اولاده فكيف بغيرهم.

وقد ورد عن الامام السجاد (عليه السلام) الذي كان هو الاشهر من المعصومين (عليهم السلام) بكثرة العبادة، حتى سمي زين العابدين وسيد الساجدين والسجاد انه قال: (ومن يطيق عبادة علي بن ابي طالب).

اقول : وهذا هو بعض ما هو مفهوم من قول امير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه: (ينحدر عني السيل ولا يرقى اليّ الطير). فانه يمثل نفسه بالجبل العالي الاشم، والقمة الشامخة جدا. ينحدر منها السيل وهو سيل العلوم والعطاء والمراحم على البشرية بمقدار استحقاق كل فرد منها فانهم (سلام الله عليهم) ابواب الله وخزان علمه واسباب رحمته. واولى من يكون كذلك منه هو جدهم واميرهم وامامهم علي بن ابي طالب (عليه الصلاة والسلام) .

( ولا يرقى اليّ الطير ) يعني (بحسب فهمي ولكل واحد فهمه): المتكاملين الصاعدين في درجات الكمال، يمثلهم بالطير الذي يستمر في صعوده. والمتكاملون من البشرية على اشكال مختلفة واتجاهات متباينة. فان كل ملكات اللانسان قابلة للتكامل على مختلف المستويات وباسباب مختلف العلوم، جسديا وعقليا ونفسيا وروحيا وغير ذلك. واعلاها واهمها هو الكمال النوراني في عالم الروح.

فهو (يعني امير المؤمنين) يمثل الصاعدين في هذا المجال بالطير. وانه لا يحتمل ان يرقوا اليه او يصلوا الى مرتبته. وانما غاية ما لديهم بكل تواضع ورغما على انافهم اي هؤلاء الذين يدعون الكمال الان انهم لا يتكاملون الا بحبه وولايته. ولا ياتيهم عطاء حقيقي الا بتسبيبه وشفاعته.

والمميزات التي انفرد بها امير المؤمنين (عليه السلام) كثيرة جدا دنيويا واخرويا. بل من الممكن القول انه انفرد بكل مميزاته وعالي بكل اوصافه. وان كانت هذه الاوصاف موجودة عند البشر الا انه بالنسبة الى مرتبته لا يماثله فيها احد. وخاصة اذا قصدنا مرتبة الكمال الحاصل عليها في اي حقل من حقول المعرفة بازاء الاشخاص الاخرين غير شخص رسول الله (صلى الله عليه واله). فان تلك المزية من الكمال هي ارقى من الجميع وقد انفرد بها اميرالمؤمنين (عليه السلام).

الان نعطي نقاط حول ذلك :

النقطة الاولى : اتفق كل اهل الفكر والعلم من البشرية اجمعين بمختلف اديانهم ومذاهبهم وطبقاتهم واختصاصاتهم على علو مرتبته وارتفاع منزلته بشكل لم يحصل مثل هذا الاتفاق على اي شخص غيره. يكفينا من ذلك اشهر المسيحين الذين كتبوا في فضله جورج جرداق وبولس سلامة وكتبهم موجودة على اية حال وربما راها اكثركم. واما الذين تركوا المسيحية الى الاسلام فهم كثيرون بطبيعة الحال وكان الفضل الاكبر لهم في ذلك هو حسن ظنهم بامير المؤمنين (عليه افضل الصلاة والسلام).

الخطوة الاخرى انه هل كل البشرية هكذا ؟ لا مع شديد الاسف. لا يستثنى من ذلك الا صنفين من الناس حدى بهم سوء توفيقهم وانفسهم الامارة بالسوء الى خلاف ذلك وهم:

اولا: بنو امية حين حكموا طبعا ما عدا عمر بن عبد العزيز منهم. فانهم لعنوا ابا تراب على المنابر في صلوات جمعاتهم طيلة مدة حكمهم وهذا هو احد تفاسير قوله تعالى ((ليلة القدر خير من الف شهر)) يعني الف شهر حصلت فيها هذه الجريمة الشنعاء وهو مدة ملك بني امية تقريبا وليس تحقيقا. ومن الملاحظ انهم لم يذكروه بمنقصة بصراحة وليس لهم ان يقولوا ذلك وانما لعنوه فقط حقدا عليه واخذا بمصالحهم الدنيوية الضائعة عنهم مع ولايته واخذا باحقاد بدر وحنين، كما قال يزيد الاموي:

ليت اشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الاسل

لاهلوا واستهلوا فرحا ثم قالوا يا يزيد لا تشل

لعبت هاشم بالملك فلا خبرجاء ولا وحي نزل

قد قتلنا القرم من اسيادهم وعدلناه ببدر فاعتدل

لست من خندف ان لم انتقم من بني احمد ما كان فعل

واشياخه حين يقول (ليت اشياخي) هم المشركون الذين قتلهم امير المؤمنين (عليه السلام) في وقعة بدر الكبرى واحد وامثالها. فهو يقول مثل هذا الكلام الفاسد في حين ان جبرائيل (سلام الله عليه) يقول: (لا فتى الا علي لا سيف الا ذو الفقار). كما قال الشاعر:

جبريل نادى معلنا والنقع ليس بمنجلي

والمسلمون قد احدقوا حول النبي المرسل

لاسيف الا ذو الفقار ولا فتى الا علي

وكذلك كيقول النبي (صلى الله عليه واله) ما مضمونه: (ضربة علي في الخندق تعدل عمل الثقلين) يعني طاعات الانس والجن جميعا. (اللهم صل على محمد وال محمد). وحسب فهمي ان كل ضرباته هكذا وليس هذه الرواية فقط، فهذه الرواية ليس فيها مفهوم نافي ان الضربات الاخرى ليست هكذا.

ثانيا: اليهود. فانهم حيث خاصموا نبي الاسلام وعادوه واصبحوا الاعداء التقليدين للمسلمين لم يكن في الامكان ان نتوقع منهم اي كلام جيد او منصف في اي رجل من رجال الاسلام ايا كان. ولكن الملاحظ (وهي تشبه الملاحظة التي قلناها هناك) بالرغم من كل ذلك هو انهم لم يطعنوا برجال الاسلام الا من حيث اصل دينهم، لا من حيث علومهم وسلوكهم وافعالهم واقوالهم ونحو ذلك. وليسوا هم (اعني اليهود) مخولين بذلك بطبيعة الحال بعد ان كان رجال الاسلام مشهورين ومشهود لهم بالصدق والصحة والعظمة. اذن فمن ينتقدهم انما يؤدي اللى فشل نفسه وسقوط كلامه وعدم بلوغ مرامه.

والسبب الرئيسي للخلاف بين واليهود والمسلمين ونحن ينبغي ان نكون على بينة من ذلك تجاه اسرائيل وغير اسرائيل هو ان اليهود كانوا يبشرون بسيطرة دينهم على البشرية وكانوا ولا زالوا يعملون لذلك حيث يزعمون ان دينهم هو الذي يملء الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا بالتعبير الاسلامي. وان القائد العالمي المهدي منهم وان عاصمة هداية العالم هي اورشليم التي هي القدس. هكذا هم يقولون ولا زالوا ويعملون لذلك. وكثيرة من فقرات التوراة الرائجة الحالية تدل على ذلك. ومن هنا اخذهم الحماس في هذا المجال.

وحين جاء رسول الله (صلى الله عليه واله) وقال بالمضمون ولو بلسان حاله : (ان القسط والعدل العالمي المتوقع انما هو اسلامي وليس يهوديا وان المستقبل للحق المتمثل بالاسلام لا باليهودية ولا بغيرها). أبوا عليه ذلك وعاندوه واصبحوا ولا زالوا اعدائه التقليدين لانهم يطمعون بان يكون مستقبل الهداية العالمي لهم. ومن الممكن مناقشتهم في ذلك بنقطتين على الاقل:

النقطة الاولى : ان دعوتهم اليهودية في نظرهم وليس في نظرنا ليست عالمية بل هي عنصرية وطبقية تتحدد بالولادة. فعندهم اليهودي من الدرجة الاولى واليهودي من الدرجة الثانية (سبحان الله .. هل يوجد مسلم من الدرجة الاولى ومسلم من الدرجة الثانية ؟!). واليهودي من الدرجة الاولى وهم بنو اسرائيل اي بني يعقوب (عليه الصلاة والسلام) وهم شعب الله المختار. واليهودي من الدرجة الثانية هم سائر اليهود من الاصناف الاخرى من البشر. معنى ذلك ان كل من دخل الى اليهودية سيكون يهوديا من الدرجة الثانية ومحتقر من حيث يريد او لا يريد ولن يمكنه ان يكون عزيزا في مجتمعهم. والظاهر ان كتابهم الرئيسي الذي يكتمونه (التلمود) واضح وطافح في ذلك. ولذا يخفون نسخته عن الناس لان اعلانه يوجب فشل سياساتهم ومدعياتهم.

في حين ان الاسلام بريء من كل ذلك ويعتبر اولاد آدم كاسنان المشط كما في الرواية. وقال تعالى: ((وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم)). وهذا النحو من الاتجاه هو الذي يستطيع ان يكرم البشرية وان يعدل فيها وان يرحمها وليس الاتجاه العنصري والطبقي.

النقطة الثانية : اننا نعرف وكثير من المفكرين يعرفون ان البشرية مجموعا او عموما هي في تكامل، وهم يمثلونها بالطفل والشاب حين ينمو ويترعرع ويتكامل ويتعلم. يمثلونها بشخص انسان يولد وهو اولا طفل ثم يصبح شابا ثم يصبح كهلا ثم يصبح شيخ ثم يموت والبشرية لها موعد موت طبعا.

ما هو السبب الرئيسي للتكامل ؟ ربما كنا نعرفه ولكن كلنا غافلين عنه. والسبب الرئيسي للتكامل البشري هو بعثة الانبياء. وكلما تربت البشرية على يد نبي، استحقت التربية على يد النبي الذي بعده وهكذا …

حتى اذا وصلت البشرية الى كامل استحقاقها لفهم المطالب الدقيقة والحقيقية في اصول الدين وفروعه وفي صفات الله واسمائه، بُعث نبينا نبي الاسلام (صلى الله عليه واله) وقدم اعمق فهم على الاطلاق لكل من اصول الدين وفروعه وقدم التجريد الكامل والحقيقي لاسماء الله وصفاته وذاته جل جلاله. وقد العدل الكامل القابل لحل كل المشاكل والمواكب للبشرية من صدر الاسلام الى يوم القيامة (كول لا !). اليس نسمع (حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرام محمد حرام الى يوم القيامة).

وهذا ينتج بوضوح ان البشرية التي تتكامل ولا زالت تتكامل على يد تعاليم الاسلام لا يمكن ان يحكمها او يكفي لانتشار العدل فيها دين سابق بسيط نسبيا يمثل مرحلة وحقبة معينة من تاريخ البشرية وليس هو الكل في الكل ولا يمثل الحقيقة حقيقةً.

يكفي ان نلتفت الى ان من حقنا ان نقول في الاسلام (ما من واقعة الا ولها حكم). في حين لا يستطيع اي دين آخر ان يقول ذلك (كول لا !) وليقل اليهود لا ! فأين هي الـ(ما من واقعة ولها حكم) في دين اليهودية او دين المسيحية او دين البوذية او اي دين آخر لا استثني منها شيئا. وهذه هي معجزة الاسلام الرئيسية.

ومعنى ذلك ان جملة من مشاكل البشرية الحثيثة ليس لها اي حكم في الاديان السابقة، وانما كان الدين السابق على الاسلام يعالج المشاكل الوقتية في زمانه فقط، مما يؤدي ان يملئها الحاكم برأيه الخاص وبالاهواء والمصالح غير المستندة الى قانون السماء كما يعبرون.

اذن فاليهودية بل اي دين آخر سابق على الاسلام فضلا عن الفكر البشري المنقطع عن السماء وعن تعاليم الله لن يستطيع ان يتكفل عدل البشرية العام في مستقبل الزمان، وانما الذي يملؤها قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا هو الاسلام المحمدي الحق وحده.

مضافا الى نقطة آخرى مهمة جدا وهي تحريف الاديان المتأخرة للدين السابق سواء في اليهودية او في المسيحية حتى صدر كتاب بعنوان المسيح ليس مسيحيا وانا رأيته ومترجم الى اللغة العربية، اي ليس على الاوضاع والمفاهيم التي يعيشها المسيحيون في القرون المتاخرة جيلا بعد جيل وحاشاه ان يكون كذلك بطبيعة الحال. فهؤلاء متسيبون فهل كان هو متسيبا في يوم ما ! بل هي ظلة وظنة في عقولهم.

وكذلك الحال في اليهود فليسوا هم احسن حالا من هذه الناحية. حتى قال الله تعالى: ((اتخذوا احبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله)) وفسر في الروايات وهذا التفسير قريب الى فهمي جدا بانهم اطاعوهم في عصيان الله وليس ((اتخذوهم اربابا)) معناه عبدوهم، بل بمعنى اطاعوهم في عصيان الله فمثلا قالوا لهم اشربوا خمر فشربوا وقالوا لهم كلوا لحم الخنزير فاكلوا وقالوا لهم خذوا الربا اضعافا مضاعفة فاخذوه وهكذا وهكذا … لماذا ؟ لان النفس الامارة بالسوء هكذا تقول باختصار شديد.

ونحن نعلم باجماع المسلمين ان التوراة المتعارفة ليست هي التوراة الحقيقية وانما هي نسخة محرفة وضعها والفها اشخاص عديدون اسماءهم موجودة في التوراة مثل عزرا واشعيا وارميا ودانيال وآخرين وليس فيها من وحي الله شيء اطلاقا. وكيف يمكن ان نجد حوادث موت موسى (سلام الله عليه) وما بعد موته في التوراة المنزلة على موسى نفسه ؟! ان هذا لا يكون. اذن فاليهودية المعاصرة الان ليست هي دين موسى (عليه السلام) ولا التوراة هو كتابه ولا الوصايا العشر هي تعاليمه. اذن فليعطونا تعاليم موسى الحقيقية ومفاهيمه الحقيقية لكي نتبعها. ولو عرفناها حقيقة لرجعنا الى الاسلام، لاننا نعلم ان الانبياء جميعا دعاة للولاء الى الاسلام. كما قال الله تعالى : ((ووصى بها ابراهيم بنيه ويعقوب يا بني ان الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن الا وانتم مسلمون ام كنتم شهداء اذا حضر يعقوب الموت اذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قال نعبد الهك واله ابائك ابراهيم واسماعيل واسحاق الها واحدا ونحن له مسلمون)). واما بالنسية للمسيحية فقوله تعالى : ((فلما احس عيسى منهم الكفرقال من انصاري الى الله قال الحواريون نحن انصار الى الله آمنا بالله واشهد بانا مسلمون)). &

انبيائهم وقادتهم الاوائل لكي يرشدوا ويتكاملوا ويحصلوا على الحق الصحيح والصريح دون العكس بطبيعة الحال.

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * اياك نعبد واياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين انعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضالين * صدق الله العلي العظيم
الجمعة الثلاثون 16 رجب 1419

الخطبة الثانية

اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم توكلت على الله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم اني اسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك المأمونون على سرك المستبشرون بامرك الواصفون لقدرتك المعلنون لعظمتك. اسألك بما نطق فيهم من مشيتك فجعلتهم معادن لكلماتك واركان لتوحيدك وآياتك ومقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عافك لا فرق بينك وبينها الا انهم عبادك وخلقك فتقها ورتقها بيدك بدئها منك وعودها اليه اعباد واشهاد ومناة واذواد وحفظة ورضوان فبهم ملئت سمائك وارضك حتى ظهر ان لا اله الا انت فبذلك اسألك وبمواقع العز من رحمتك وبمقاماتك وعلاماتك ان تصلي على محمد واله وان تزيدني ايمانا وتثبيتا يا باطنا في ظهوره وظاهرا في بطونه ومكنونه يا مفرقا بين النور والديجور يا موصوفا بغير كنه ومعروفا بغير شبه حاد كل محدود وشاهد كل مشهود وموجد كل موجود ومحصي كل معدود وفاقد كل مفقود ليس دونك من معبود اهل الكبرياء والجود يا من لا يكيف بشيء ولا يأين بأين يا محتجبا عن كل عين يا ديموم يا قيوم وعالم كل معلوم صل على محمد واله وعلى عبادك المنتجبين وبشرك المحتجبين وملائكتك المقربين والبهم الصافين الحافين وبارك لنا في شهرنا هذا المرجب المكرم وما بعد همن الاشهر الحرم واسبغ علينا فيه النعم واجزل لنا فيه القسم وابرء لنا فيه القسم باسمك الاعظم الاعظم الاجل الاكرم الذي وضعته على النهار فاضاء وعلى الليل فاظلم واغفر لنا ما تعلم منا وما لا نعلم واعصمنا من الذنوب خير العصم واكفنا ثواب في قدرك وامنن علينا بحسن نظرك ولاتكلنا الى غيرك ولا تمنعنا من خيرك وبارك لنا فيما كتبته لنا من اعمارنا واصلح لنا خبيئة اسرارنا واعطنا منك الامان واستعملنا بحسن الايمان وبلغنا شهر الصيام وما بعده من الايام والاعوام يا ذا الجلال والاكرام.

اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

نستمر الان في ذكر الخصائص والصفات الخاصة بامير المؤمنين (عليه افضل الصلاة والسلام) وكثير منها اجمع عليها علماء الاسلام بمختلف مذاهبهم. وبطبيعة الحال لا نستطيع استيعابها، وانما نتعرف على ما يسع الوقت منها:

اولا: انه (عليه افضل الصلاة والسلام) رباه رسول الله (صلى الله عليه واله) في صغره حين مر ابو طالب (عليه الرضوان) بضائقة اقتصادية. فاقترحوا عليه ان يقسم اولاده بين اقاربه، فكان علي (عليه السلام) من حصة محمد (صلى الله عليه واله) وبقي بين يديه في خدمته وتحت تربيته طول حياته.

ولا يعدله في ذلك الا الزهراء (سلام الله عليها) فانها ايضا تربية رسول الله (صلى الله عليه واله) مع فارق في الجنس بطبيعة الحال وفارق في الزمن. فان المظنون ان رسول الله (صلى الله عليه واله) كفل عليا (عليه السلام) قبل ولادة الزهراء (عليها السلام) بمدة فتكون المدة التي قضياها معا اطول من المدة التي قضتها الزهراء (سلام الله عليها) مع ابيها. وطول المدة يؤثر بعمق التربية بطبيعة الحال وفي مستوى العلم بطبيعة الحال.

ثانيا: انه يلقب بامير المؤمنين (عليه السلام) وهو لقب خاص به ولا يحق لاي شخص اخر التلقب به. وورد النهي عن النبي (صلى الله عليه واله) في ذلك. والظاهر ان اول من خرج عن هذا التعليم الاسلامي المحمدي هو معاوية بن ابي سفيان (عليه اللعنة). ودوافعه في ذلك واطماعه الدنيوية معروفة. واستمر الحال عليه في كل ازمنة الخلفاء الذين جاءوا بعده.

ولكننا نسأل سؤالا بسيطا لاخواننا في المذاهب الاخرى، هل ان الخلفاء الامويين او العباسيين افضل ام المشايخ في الخلافة الاولى افضل ؟! طبعا سيجيبون ان المشايخ هم الافضل (كول لا !). فلماذا سمي المفضول بامير المؤمنين ولم يسم الافضل بذلك ؟ وبالتاكيد لم يكن المشايخ يسمون بذلك وانما كانوا ينادون يا خليفة رسول الله، كما هو مسجل في كتبهم.

ومن هنا اعطيت في كتابي تأريخ ما بعد الظهور هذه الفكرة في صفحة106. قال الشيخ علي القاري في المشرب الوردي في مذهب المهدي: (ومما يدل على افضليته ( اي المهدي (عليه السلام) ) ان النبي سماه خليفة الله، وابو بكر لايقال له الا خليفة رسول الله).

وقال البرزنجي في كتابه الاشاعة في اشراط الساعة: (وتقدم عن الشيخ (ابن عربي) في الفتوحات (يعني الفتوحات المكية) انه (يعني المهدي (عليه السلام)) في حكمه مقتفٍ اثر النبي (صلى الله عليه واله) لا يخطئ ابدا، ولا شك ان هذا لم يكن في الشيخين. وان الامور التسعة التي مرت (يعني من فضائل المهدي (عليه السلام)) لم تجتمع كلها في امام من ائمة الدين قبله). قال: (فمن هذه الجهة يجوز تفضيله عليهما وان كان لهما فضل الصحابة ومشاهدة الوحي والسابقة وغير ذلك والله اعلم).

ثالثا: من مختصات امير المؤمنين (عليه السلام) تزويجه بفاطمة الزهراء (سلام الله عليه) بنت رسول الله (صلى الله عليه واله). وهذا من الواضحات في التاريخ ويزداد وضوحا لو قلنا بانها البنت الوحيدة للنبي (صلى الله عليه واله) ولا اقل انها البنت الافضل والاهم للنبي (صلى الله عليه واله) ولا احد يستطيع ان ينكر ذلك.

رابعا: انه اول من آمن بالنبي (صلى الله عليه واله) نتيجة لتربيته اياه في بيته وفي عائلته وزقه العلم زقا. وكانا يصليان جماعة معام المؤمنين خديجة بنت خويلد بامامة النبي (صلى الله عليه واله) زمنا طويلا وردحا طويلا قبل ان يلتفت غيرهم الى الاسلام، اصلا قبل ان يعلن الاسلام. وفي ذلك روايات عديدة رواها مختلف المحدثين في مختلف المذاهب، منها ما عن عفيف الكلبي قال: كنت امرءا تاجرا فقدمت الحج فأتيت العباس بن عبد المطلب لابتاع منه بعض التجارة وكان امرءا تاجرا فوالله اني لعنده بمنى اذ خرج رجل من خباء قريب منه فنظر الى الشمس فلما رأها قد مالت (يعني الزوال طبعا) قام يصلي ثم خرجت امرأة من الخباء الذي خرج منه ذلك الرجل فقامت خلفه فصلت ثم خرج غلام حين رافق الحلم من ذلك الخباء فقام معه فصلى. قال: فقلت للعباس من هذا يا عباس ؟ قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن اخي. قال فقلت: من هذه المرأة ؟ قال: امرأته خديجة بنت خويلد. قال فقلت: من هذا الفتى ؟ قال: علي بن ابي طالب ابن عمه. قال فقلت له: ما هذا الذي يصنع ؟ قال: يصلي وهو يزعم انه نبي ولم يتبعه على امره الا امرأته وابن عمه هذا الفتى وهو يزعم انه ستفتح عليه كنوز كسرى وقيصر. وكان عفيف وهو ابن عم الاشعث بن قيس يقول بعد ذلك وقد اسلم وحسن اسلامه : لو كان رزقني الله الاسلام يومئذ فاكون ثانيا مع علي (عليه السلام). وقد رواه بطوله احمد بن حبل في مسنده.

رابعا: مؤاخاة النبي (صلى الله عليه واله) يوم آخى بين المؤمنين والانصار. فعن مسند احمد بن حنبل عن سعيد بن المسيب ان رسول الله (صلى الله عليه واله) آخى بين الصحابة فبقي رسول الله وابو بكر وعمر وعلي. فآخى بين ابي بكر وعمر وقال لعلي انت اخي. صلوا على محمد وال محمد. (اللهم صل على محمد وال محمد).

وبالاسناد عن عمر بن عبد الله عن ابيه عن جده ان النبي (صلى الله عليه واله) آخى بين الناس وترك عليا حتى بقي آخرهم لا يرى له اخا فقال : يا رسول الله آخيت بين الناس وتركتني. قال (صلى الله عليه واله) : ولمن تراني تركتك ؟ انما تركتك لنفسي انت اخي وانا اخوك.

صلوا على محمد وال محمد. (اللهم صل على محمد وال محمد).

فان ذاكرك احد فقل انا عبد الله واخو رسول الله لا يدعيها بعدك الا كذاب.

صلوا على محمد وال محمد. (اللهم صل على محمد وال محمد).

خامسا: ان النبي (صلى الله عليه واله) امر بسد الابواب حول المسجد الحرام الا بابه. يعني باب امير المؤمنين (عليه السلام) وهو منزل الاسرة الشريفة (سلام الله عليها) علي وفاطمة والحسن والحسين.

فعن مسند ابن حنبل عن زيد ابن ارقم قال : كان لنفر من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه واله) ابواب شارعة في المسجد. فقال يوما : سدوا هذه الابواب الا باب علي. قال: فتكلم في ذلك الناس. قال: فقام رسول الله (صلى الله عليه واله) فحمد الله واثنى عليه ثم قال: اما بعد فاني امرت بسد هذه الابواب غير باب علي فقال فيه قائلكم ما سددت شيئا ولا فتحته ولكني امرت بشيء فاتبعته.

وبالاسناد عن ابن عمر قال: كنا نقول خير الناس ابو بكر ثم عمر وقد أوتي خصالا لئن يكون لي واحدة منها احب الي من حمر النعم: زوجه رسول الله (صلى الله عليه واله) بنته وولدت له وسد الابواب الا بابه في المسجد واعطاه الراية يوم خيبر. (اللهم صل على محمد وال محمد).

ومن مناقب الفقيه بن المغازلي عن عدي بن ثابت قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه واله) الى المسجد فقال: ان الله اوحى الى نبيه موسى (عليه السلام) ان ابن لي مسجدا طاهرا لا يسكنه الا موسى وهارون وابنا هارون (فموسى لم يكن عنده اولاد بل هارون كان عنده اولاد وهذا اكيد) واوحى الي ان ابن مسجدا طاهرا لا يسكنه الا انا وعلي وابنا علي. (اللهم صل على محمد وال محمد).

هذا ونحن لا نستطيع في خطبة او خطبتين استيعاب خصائص امير المؤمنين (عليه السلام) ولكن اود ان اشير الى خصيصة قلما يلتفت اليها احد وهو انه هو (سلام الله عليه) المؤسس لكثير من العلوم والفنون العقلية والانسانية وفعلا تفتخر كل مجموعة من الناس بنسبة مسلكهم الى امير المؤمنين وليس الى رسول الله (صلى الله عليه واله) كما هو الملحوظ منهم.

مع الالتفات بوضوح الى ان العلوم اليونانية والفارسية لم تكن قد ترجمت او جلبت الى البلاد الاسلامية في ذلك الحين (كول لا !) لا احد يستطيع ان يقول لا. ولم يكن لافلاطون ولا لارسطو اي ذكر في ذلك الحين. اذن فكل علم جاء به امير المؤمنين (عليه السلام) انما هو بتسديد من الله والهام حسب تلك الطاقة الضخمة العقلية والروحية التي يتصف بها (سلام الله عليه) والتي تفوق كل تصور، منها الفلسفة ويكفينا من ذلك خطبته المشهورة التي اخنارها الشريف الرضي (عليه الرحمة) لتكون اول خطب نهج البلاغة والتي يقول فيها: (اول الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به وكمال التصديق به توحيده وكمال توحيده الاخلاص له وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه بشهادة كل صفة انها غير الموصوف وشهادة كل موصوف انه غير الصفة ..) الى ان يقول: (ومن قال فيما فقد ضمنه ومن قال علاما فقد اخلى منه كائنا لا عن حدث موجود لا عن عدم مع كل شيء لا بمقارنة وغير كل شيء لا بمزايلة فاعل لا بمعنى الحركات والالة بصير اذ لا منظور اليه من خلقه متوحد اذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش بفقده انشاء الخلق انشاءا وابتدأه ابتداءا بلا روية اجالها ولا تجربة استفادها ولا حركة احدثها ولا همامة نفس اذ طلب فيها احال الاشياء باوقاتها ولائم بين مختلفاتها وغرز غرائزها والزمها اشباحها (يعني اجسامها) عالما بها قبل ابتدائها محيطا بحدودها وانتهائها عارفا بقرائنها واحنائها ..) الى آخر كلامه (سلام الله عليه). فليأتي الفلاسفة بشيء من هذا القبيل، بل هم متحيرون في تقسير كلامه (سلام الله عليه).

ومنها: العرفان وهو المعرفة بالله سبحانه بالمقدار الذي تطيقه النفس البشرية. وهو (سلام الله عليه) سيد العارفين وامير المؤمنين وامام المتقين. يكفينا في ذلك نفس الخطبة التي سمعناها. انه لو لم يعرف الله حق معرفته لما وصفه بهذه الصفات الجليلة. ونلاحظ عمليا ان كل الطرق الصوفية تنتهي بدعوى اصحابها انفسهم الى امير المؤمنين (عليه السلام).

ومنها: مسلك الزهد والاعراض عن الدنيا ونهج البلاغة طافح بالعديد من الخطب التي تذم الدنيا وتحذر الناس من شرها وحبها والقيد اليها. واما زهده فيكفيناقوله في بعض خطبه: (ولقد رقعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها). وما ورد من احدى بناته قدمت له خبزا وخلا وملحا، فامرها برفع احد الادامين (بدون تعيين ولم يقل لها ارفعي واحد منها بالتعيين) وقال لها: اترضين ان يطول مقامي بين يدي الله سبحانه. من الخل والملح يطول مقامه بين يدي الله فكيف اذا اكل تمن وقيمة ؟! او كيف اذا اكل حرام حبيبي ؟!

ومنها: التصدي للقضاء الشرعي. فانه اول شخص تصدى له في الاسلام ووفر وقتا كافيا له ولم يكن رسول الله (صلى الله عليه واله) كذلك، وانما كان يحل المشاكل بالتعاليم والكلمات، كما ان الجرائم والمشكلات لم تكن في عصره (صلى الله عليه واله) كثيرة بل كانت نادرة. وفي الحديث عن النبي (صلى الله عليه واله): اقضاكم علي. وعن عمر بن الخطاب: لا ابقاني الله لمعضلة ليس لها ابو الحسن. حتى قيل: معضلة ولا ابا حسن لها. (اللهم صل على محمد وال محمد).

ومنها: الرياضيات. وهو علم الحساب، وقد وردت في ذلك روايات عديدة منها استخراج القاسم المشترك الاصغر بين الارقام العشرة كلها. فحين سُئل عن ذلك وكان راكبا فرسا فوقف لحظة ثم قال: اضرب عدد ايام سنتك في ايام اسبوعك. ثم نخس فرسه وذهب.

اقول : يراد بايام السنة 360 وبايام السبعة 7 طبعا. فيصير 360 × 7 =2520 وهو رقم ينقسم على كل الارقام العشرة بدون باقي. (اللهم صل على محمد وال محمد).

وفي تلك المسائل ما روي ان يهوديا جاء الى امير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا علي اعلمني اي عدد يتصحح فيه الكسور التسعة جميعا من غير كسر وكذلك من كل من كسوره التسعة الا من خمسة فيكون له كل من الكسور التسعة مصححا من غير كسر الا الثمن لربعه والربع لثمنه والسبع لسبعه والتسع لتسعه والثمن لثمنه (هو فهم السؤال دوخة ! بعد تعال جاوب). فقال (عليه السلام): ان اعلمتك تسلم ؟ قال: نعم. قال: اضرب اسبوعك في شهرك ثم ما حصل في سنتك تظفر بمطلوبك. (اللهم صل على محمد وال محمد).

يعني 7 × 30 × 360 =75600 وهو المطلوب كما شرحنا ذلك في كتابنا ما وراء الفقه.

وكذلك صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال سمعت ابن ابي ليلى يحدث اصحابه قال: قضى امير المؤمنين (عليه السلام) بين رجلين احتطبا في سفر فلما ارادا الغداء اخرج احدهما من زاده خمسة ارغفة واخرج الثالث ثلاثة ارغفة فمر بهما عابر سبيل فدعواه الى طعامهما فاكل الرجل معهما حتى لم يبق شيء فلما فرغوا اعطاهما المعتر بهما ثمانية دراهم ثواب ما اكله من طعامهما فقال صاحب الثلاث ارغفة لصاحب الخمسة: اقسمها نصفين بيني وبينك. وقال صاحب الخمسة: لا. بل يأخذ كل منا من الدراهم على عدد ما اخرج من الزاد. لان عدد ارغفتهم مجموعها ثماينة والدراهم المعطاة ايضا ثمانية فياخذ صاحب الخمسة خمسة وصاحب الثلاثة ثلاثة. فاتيا امير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك. فلما سمع مقالتهما قال لهما: اصطلحا فان قضيتكما دنية. فقالا: اقض بيننا بالحق. قال: فاعطى صاحب الخمسة سبعة دراهم واعطى صاحب الثلاثة درهما واحدا، وقال: اليس اخرج احدكما من زاده خمسة ارغفة والاخر ثلاثا. قالا: نعم. قال: اليس اكل ضيفكما معكما مثل ما اكلتما. قالا: نعم. قال: اليس اكل كل واحد منكما ثلاثة ارغفة غير ثلث. قالا: نعم. قال: اليس اكلت انت يا صاحب الثلاثة ثلاثة ارغفة غير ثلث واكلت انت يا صاحب الخمسة ثلاثة ارغفة غير ثلث واكل الضيف ثلاثة ارغفة غير ثلث اليس بقي لك يا صاحب الثلاثة ثلث رغيف من زادك (وهو الذي اكله الضيف طبعا) وبقي لك يا صاحب الخمسة رغيفان وثلث ( وهو ايضا الذي اكله الضيف) واكلت ثلاثة غير ثلث واعطاكما لكل ثلث رغيف درهما. فاعطى (امير المؤمنين) صاحب الرغيفين وثلث سبعة دراهم (يعني بقدر ما اكل منه) واعطى صاحب الثلاث ارغفة درهما.

وفي رواية اخرى ان شخصا مات وخلف محموعة من الابل واوصى ان يدفع نصفها لشخص وثلثها لشخص وتسعها لشخص وحين عدوا الجمال عرفوا انها سبعة عشر جملا وهي لا تقبل الكسور المشار اليها. فرفعوا الامر الى امير المؤمنين فامر بضم جمله الى هذه الجمال فاصبح المجموع ثمانية عشر جملا ثم دفع نصفها (تسعة) لصاحب لصاحب النصف وثلثها (ستة) لصاحب الثلث وتسعها (اثنين) لصاحب التسع وبقي جمله له. (اللهم صل على محمد وال محمد). لان تسعة زائد ستة زائد اثنين يساوي سبعة عشر وبقي الجمل الثامن عشر واسترجعه لنفسه.

بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله احد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفؤا احد * صدق الله العلي العظيم
__________________
احمد1976 غير متواجد حالياً  
قديم 11-22-2008, 07:03 PM   #29 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 450
IraqiForum رد: خطب الجمعة! السيد الشهيد محمد صادق الصدر

الجمعة الحادية والثلاثون 23 رجب 1419

الخطبة الاولى

اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم توكلت على الله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين

اولا في ودي ان اعلن تمديد مدة المسابقة لاجل صنع النصب الذي يمثل صلاة الجمعة كما طلبنا قبل مدة. انا كنت وضعته الى آخر رجب والان يبقى منتظرا الى نصف شعبان انشاء الله تعالى.

بسم الله الرحمن الرحيم

لا اله الا الله قبل كل احد و لا اله الا الله بعد كل احد و لا اله الا الله مع كل احد و لا اله الا الله يبقى ربنا ويفنى كل احد و لا اله الا الله تهليلا يفضل تهليل المهللين فضلا كثيرا قبل كل احد و لا اله الا الله تهليلا يفضل تهليل المهللين فضلا كثيرا بعد كل احد و لا اله الا الله تهليلا يفضل تهليل المهللين فضلا كثيرا مع كل احد و لا اله الا الله تهليلا يفضل تهليل المهللين فضلا كثيرا لربنا الباقي ويفنى كل احد و لا اله الا الله تهليلا لا يحصى ولا يدرى ولا ينسى ولا يبلى ولا يفنى وليس له منتهى و لا اله الا الله تهليلا يدوم بدوامه ويبقى ببقائه في سني العالمين وشهور الدهور وايام الدنيا وساعات الليل والنهار و لا اله الا الله ابد الابدين و لا اله الا الله ابد الابد ومع الابد مما لا يحصيه العدد ولا يفنيه الامد ولا يقطعه الابد وتبارك الله احسن الخالقين.

بالنسبة الى الصلوات سأقرأ الزيارة الرجبية فأنهم (المعصومون) (سلام الله عليهم) يسمعون في كل مكان وزمان كما يقول في الزيارة اشهد انك ترى مقامي وتسمع كلامي وهذا غير منحصر في الحضرات المباركات طبعا. وطبعا نحن ايضا في نقطة مباركة جدا هي مسجد الكوفة وهذا اكيد وهو موقف امير المؤمنين (سلام الله عليه).

اللهم صل على محمد وال محمد الحمد لله الذي اشهدنا مشهد اوليائه في رجب واوجب علينا من حقهم ما قد وجب وصلى الله على محمد المنتجب وعلى اوصيائه الحجب. اللهم فكما اشهدتنا مشهدهم فانجز لنا موعدهم واوردنا موردهم غير محللين عن ورد في دار المقامة والخلد والسلام عليكم اني قد قصدتكم واعتمدتكم بمسألتي وحاجتي وهي فكاك رقبتي من النار والمقر معكم في دار القرار مع شيعتكم الابرار والسلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار انا سآلكم وآملكم فيما اليكم التفويض وعليكم التعويض فبكم يجبر المهيض ويشفى المريض وما تزداد الارحام وما تغيض اني بسركم مؤمن ولقولكم مسلم وعلى الله بكم مقسم في رجعي بحوائجي وقضائها وامضائها وانجاحها وابراحها وبشؤوني لديكم وصلاحها والسلام عليكم سلام مودع ولكم حوائجه مودع يسأل الله اليكم المرجع وسعيه اليكم غير منقطع وان يرجعني من حضرتكم خير مرجع الى جناب ممرع وخفض عيش موسع ودعة ومهل الى حين الاجل وخير مصير ومحل في النعيم الازل والعيش المقتبل ودوام الاكل وشرب الرحيق والسلسبيل وعلٍ ونهل لا سأم منه ولا ملل ورحمة الله وبركاته وتحياته عليكم حتى العوض الى حضرتكم والفوز في كرتكم والحشر في زمرتكم ورحمة الله وبركاته عليكم وصلواته وتحياته وهو حسبنا ونعم الوكيل.

اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

بعد يومين تقريبا تأتي الذكرى السنوية لوفاة الامام الكاظم (سلام الله عليه) فيحسن جدا التعرض الى بعض فضائله ومناقبه بمقدار ما هو متيسر وممكن بطيسعة الحال. وبالرغم من ان الاتجاه التحليلي لتاريخ الائمة هو الاوفق والاصلح مع الفهم الاجتماعي الحديث، الا انني اود اولا ان اروي روايتين جليلتين من فضائل الامام (عليه السلام) ومعجزاته فان فيهما عبر عظيمةفاذا وسع الوقت ذكرنا شيئا من التحليل بالمقدار الممكن.

قال في كشف الغمة الرحوم الاربلي الجزء الثالث صفحة 3: وقال خشنام بن حاتم الطائي قال: قال لي ابي حاتم قال: قال لي شقيق البلخي (رضي الله عنهم) خرجت حاجا في سنة تسع واربعين ومائة فنزلنا القادسية فبينما انا انظر الى الناس في زينتهم وكثرتهم فنظرت الى فتى حسن الوجه شديد السمرة ضعيف فوق ثيابه ثوب من صوف مشتمل بشملة في رجليه نعلان وقد جلس منفردا فقلت في نفسي هذا الفتى من الصوفية يريد ان يكون كلا على الناس في طريقهم والله لامضين اليه ولاؤبخنه فدنوت منه فلما رآني مقبلا قال: يا شقيق اجتنبوا كثير من الظن ان بعض الظن اثم. ثم تركني ومضى، فقلت في نفسي ان هذا الامر عظيم قد تكلم بما في نفسي ونطق باسمي وما هذا الا عبد صالح لالحقنه ولاسألنه ان يحللني فاسرعت في اثره فلم الحقه وغاب عن عيني. فلما نزلنا واقصة فاذا به يصلي واعضاءه تضطرب ودموعه تجري فقلت هذا صاحبي امضي اليه واستحله. فصبرت حتى جلي واقبلت نحوه فلما رآني مقبلا قال: يا شقيق اتلُ ((واني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى)). ثم تركني ومضى. فقلت ان هذا الفتى لمن الابدال لقد تكلم على سري مرتين. فلما نزلنا زبالة اذا بالفتى قائم على البئر وبيده ركوة (كأنما سطل مناسب مع حجم البئر) يريد ان ستقي ماءا فسقطت الركوة من يده في البئر وانا انظر اليه فرأيته وقد رمق السماء وسمعته يقول: انت ربي اذا ظمأت الى الماء وقوتي اذا اردت طعاما اللهم سيدي ما لي غيرها فلا تعدمنيها. قال شقيق فوالله لقد رأيت البئر وقد ارتفع ماءها فمد يده واخذ الركوة وملئها ماءا فتوضى وصلى اربعة ركعات ثم مال الى كثيب رمل فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحركه ويشرب، فاقبلت اليه وسلمت عليه فرد علي السلام فقلت اطعمني من فضل ما انعم الله عليك.فقال: يا شقيق لم تزل نعمة الله علينا ظاهرة وباطنة فاحسن ظنك بربك. ثم ناولني الركوة فشربت منها فاذا هو سويق وسكر فوالله ما شربت قط الذ منه ولا اطيب ريحا فشبعت ورويت وبقيت اياما لا اشتهي طعاما ولا شرابا. ثم اني لم اره حتى دخلنا مكة فرأيته ليلة الى جنب قربة الشراب في نفس الليلة قائما يصلي بخشوع وانين وبكاء فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل فلما رأى الفجر جلس في مصلاه يسبح ثم قام فصلى الغداة وطاف بالبيت اسبوعا (يعني سبعا) فتبعته واذا له حاشية وموالٍ وهو على خلاف ما رأيته بالطريق ودار به الناس من حوله يسلمون عليه فقلت لبعض من رأيته يقرب منه: من هذا الفتى ؟ فقال: هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهم السلام) فقلت قد عجبت ان تكون هذه العجائب الا من هذا السيد. ولقد نظم بعض المتقدمين واقعة شقيق في ابيات طويلة اقتصرت على نقل بعضها فقال:

سل شقيق البلخي عنه وما عاين منه وما الذي كان ابصر

قال لما حججت عاينت شخصا شاحب اللون ناحل الجسم اسمر

سائرا وحده وليس له زاد فما زلت دائما اتفكر

توهمت انه يسأل الناس ولم ادر ا

ثم عاينته ونحن نزول دون قيد على الكثيب الاحمر

يضع الرمل في الاناء ويشرب ثم ناديته وعقلي محير

اسقني شربة فناول منه فعاينته سويقا وسكر

فسألت الحجيج من يك هذا قيل هذا الامام موسى بن جعفر

(اللهم صل على محمد وال محمد).

ثم يقول المؤلف علي بن عيسى الاربلي (رحمه الله) قلت: القصة التي اوردها عن شقيق البلخي قد اوردها جماعة من ارباب التاليف والمحدثين. ذكرها الشيخ ابن الجوزي (رحمه الله) في كتابيه: اثارة العزم الساكن الى اشرف الاماكن ، وكتابه صفوة الصفوة. وذكرها الحافظ عبد العزيز الاخضر الجنابذي وحكى الي بعض الاصحاب ان القاضي ابن خلاد الرامهمرزي ذكرها في كتابه كرامات الاولياء.

الرواية الاخرى: ما روي عن محمد بن الفضل قال: اختلفت الرواية بين اصحابنا في مسح الرجلين في الوضوء هو من الاصابع الى الكعبين ام من الكعبين الى الاصابع. فكتب علي بن يقطين وهو يومئذٍ احد الموالين للائمة والعاملين في قصر هارون الرشيد العباسي، فكتب ابن يقطين الى ابي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام): جعلت فداك ان اصحابنا قد اختلفوا في مسح الرجلين فاذا رأيت ان تكتب بخطك بما يكون عملي عليه فعلت انشاء الله. فكتب اليه ابو الحسن (عليه السلام): فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء والذي آمرك به في ذلك ان تتمضمض ثلاثا وتستنشق ثلاثا وتغسل وجهك ثلاثا وتخلل شعر لحيتك وتغسل يديك الى المرفقين ثلاثا وتمسح رأسك كله وتمسح ظاهر اذنيك وباطنهما وتغسل رجليك الى الكعبين ثلاثا ولا تخالف في ذلك الى غيره. فلما وصل الكتاب الى علي بن يقطين تعجب مما رسم له فيه مما جميع العصابة على خلافه (يعني جميع الشيعة على خلافه). ثم قال: مولاي اعلم بما قال وانا ممتثل لامره. فكان يعمل في وضوءه على هذا الحد (يعني على هذا الشكل والاسلوب) ويخالف ما عليه جميع الشيعة امتثالا لامر ابي الحسن (عليه افضل الصلاة والسلام). وسعي بعلي بن يقطين الى الخليفة العباسي وقيل انه رافضي مخالف لك. فقال الرشيد لبعض خاصته: قد كثر عند القول في علي بن يقطين والقرص له بخلافنا وميله الى الروافض ولست ارى في خدمته لي تقصيرا وقد امتحنته مرارا فما ظهرت منه على ما يقرص منه واحببت ان استبرء امره من حيث لا يشعر فيحترز مني. فقيل له: ان الرافضة يا امير المؤمنين تخالف الجماعة في الوضوء فتخففه ولا ترى غسل الرجلين فامتحنه من حيث لا يعلم بالوقوف على وضوءه. فقال: اجل هذا الوجه يظهر به امره. ثم تركه مدة واناطه بشيء من الشغل في الدار حتى دخل وقت الصلاة وكان علي بن يقطين يخلو في حجرة في الدار لوضوءه وصلاته فلما دخل وقت الصلاة وقف الرشيد من وراء حائط الحجرة بحيث يرى علي بن يقطين ولا يراه هو، فدعى الماء للوضوء فتوضأ كما تقدم (يعني كما علمه الامام (عليه السلام)) والرشيد ينظر اليه فلما رآه قد فعل ذلك لم يملك نفسه حتى اشرف عليه بحيث يراه ثم ناداه: كذب يا علي بن يقطين من زعم انك من الرافضة. وصلحت حاله عنده. وورد عليه (اي بعد هذه الحادثة) كتاب ابي الحسن موسى (عليه السلام) ابتداءا (يعني من دون سؤال سابق): من الان يا علي بن يقطين توضأ كما امر الله تعالى اغسل وجهك مرة فريضة ومرة اسباغا واغسل يديك من المرفقين كذلك (اي مرتين وليس ثلاثة) وامسح بمقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوءكفقد زال ما كنا نخاف عليك والسلام. (اللهم صل على محمد وال محمد).

لاحظوا .. انه لو كان قد شكك علي بن يقطين بما صدر اليه من الامام (عليه السلام) في كيفية الوضوء التي تخالف اجماع الشيعة لوقع في المحذور بكل تاكيد، ولكن انظروا الى مدى يقينه بالامام (عليه السلام) والتزامه بامره واطاعته له كالميت بين يدي الغسال وهكذا ينبغي ان يكون الانسان امام المعصومين وليس في حياتهم فقط بل دائما سبحان الله .. !

وهؤلاء المشككون موجودون في كل عصر للتشكيك بالمراجع عموما وبالسيد محمد الصدر خصوصا، وعدم حملهم على الصحة وعدم اطاعتهم الا بعد الاقتناع ولن يحصل الاقتناع بما هم فيه مشككون. ومن هنا سوف تفشل كثير من المصالح العامة والحقيقية بارجاف المرجفين وتشكيك المشككين. ولو انهم التفوا حول حوزتهم ووثقوا بامر مراجعهم لاكلوا من فوقهم ومن تحت ارجلهم منهم امة مقتصدة وكثير منهم فاسقون.

ومن هذا يتضح ان كثيرا من القصص التاريخي التي هي ليست نصوصا فقهية بطبيعتها، بل كل القصص التاريخي وليس بعضه وغير القصص التاريخي ايضا يمكن ان يستفاد منها مفاهيم وعبرا واحكاما ومواعظ يستفاد منها في كل مجتمع وفي كل طبقة وفي كل عصر.

الا ان عددا منها خارج الخطوط الحمر كما يعبرون. ولو امكنني ان اشرحها لكم لشرحتها الا انني لا اتمكن غالبا في ذلك. وان لنا في ذلك اسوة بائمتنا وقادتنا المعصومين (سلام الله عليهم). ومن ذلك ما يروى عن الامام الجواد (عليه السلام) انه حين وصلت اليه الامامة بعد وفاة ابيه (سلام الله عليه) رقى المنبر وقال ما مضمونه: ( اني ساقول كلمة تدهش الاولين والاخرين)، ثم سكت هنيهة ثم ضرب بيده على فمه وقال كانه يخاطب نفسه: (اسكت كما سكت ابائك ) ونزل عن المنبر. وهو (سلام الله عليه) ليس ساكتا كالمراجع الصامتين، فانه رويت عنه روايات كثيرة من الحكم والاحكام والمواعظ. وانما هو صامت فيما تجب التقية فيه فقط وبالاسرار الالهية بطبيعة الحال التي يتحملها (عليه السلام). ويتصرف بمقدار ما هو ممكن او باقصى مقدار ممكن وكذلك ابائه (سلام الله عليه) حيث يقول (اسكت كما سكت اباؤك).

وفي رواية اخرى: ( لو اذن لنا بالكلام لزال الشك). يعني ان الكلام الحقيقي غير ماذون فيه، الامر الذي يسبب بقاء الشك في المجتمع. وهذا المعنى باب تفتح منه الف باب، وقابل للانطباق في كل مكان وزمان.

وعلى اي حال فان اشهر ما مر به الامام الكاظم (عليه السلام) هو السجون التي عاناها من قبل الظالمين في عصره. فقد استمر يتقلب في السجون مدة اربعة عشر سنة او اكثر، حتى مات في السجن ولم يشم نسيم الحرية طيلة حياته حيث قتلوه مظلوما مسموما، قتله سرجون عصره وفي كل عصر يوجد سرجون او سراجين على اية حال.

وانا قلت اكثر من مرة ان في كل شيء عبرة وموعظة. ونحن تكليفنا ان ننظر في العبر المستفادة من الاشياء ونمحصها، لا ان نغفل عنها ونهملها. كما قال الله تعال : ((وكاين من اية في السماوات والارض يمرون عليها وهم عنها معرضون)). فلنحاول الان بمقدار الامكان استخلاص العبر والخلاصات التي يمكننا التوصل اليها من حصول السجن الطويل للامام الكاظم (عليه السلام) مع الالتفات بوضوح ان كل موعظة منها هو باب واسع يمكن ان ينطبق في كل مكان وزمان. وان قول القران وفعل المعصومين هو هداية لنا وكانه خاص بمجتمعنا ومكاننا وزماننا وان كان هو في نفس الوقت شاملا لغيرنا. ونفس هذا الشعور سيكون صادقا في اي مجتمع وفي اي زمان. وهذا من معجزات الاسلام على الحقيقة.

وما يمكن بيانه من العبر كما يلي:

اولا: ان اعتداء الدولة الظالمة يومئذ على الامام (عليه السلام)، احتقار له وتحدي له بصفته هو القائد الاهم والزعيم الاعظم لعدد مهم من المسلمين وطائفة ضخمة منهم مشهود لهم بالصحة والرجاحة. اذن فاحتقاره احتقار لها او الاعتداء عليه اعتداء عليها والتحدي له تحدي لها وليس على فرد واحد وان بدا في الظاهر هكذا، الا انه تحد لمذهب كامل في الاسلام.

ثانيا: انه بصفته من اولياء الله واصفيائه والمبلغين لاحكامه والحاملين الى البشرية هدايته ونوره. الا نسمع في زيارته: (يا نور الله في ظلمات الارض) (كول لا !). اذن، سيكون الاعتداء عليه والاحتقار له وتحديه اعتداءا على الله واحتقارا له وتحديا له والعياذ بالله وليس فقط على الطائفة.

ثالثا: ان الدولة حين سجنته وقتلته فقد حرمت المجتمع من علمه ولطفه وقيادته وما كان يقوم به من جهود وجهاد في سبيل تقويمه (اي تقويم المجتمع) وتنويره وحفظ شؤون شيعته ومواليه، والدولة في ذلك الحين ملتفتة الى ذلك، عالمة وعامدة لذلك مع شديد الاسف.

رابعا: ان ائمتنا (عليهم السلام) كانوا يقومون في حدود امكانهم المتاحة بكثير من الاعمال والاتصالات التي كانت الدولة في ذلك الحين تتحذر منها، وتعتبرها تحديا لسلطانها. والروايات في ذلك طافحة ومتوفرة ومتيسرة. ومن هنا كان من المنطقي ان تجد الدولة من جهة نظرها لزوم التخلص من هذا القائد والقائه في غياهب السجون ولا تخرجه الى ان يموت، لكي لا تبتلي بعمله وجهده وجهاده مرارا وتكرارا.

خامسا: اننا نعلم ان بلاء الدنيا كلما ازداد ازداد ثواب الاخرة لا محالة. ونعلم ان اشد الناس بلاءا في الدنيا هم الانبياء ثم الامثل فالامثل، وانه كلما ازدادا الانسان شهرة ازداد بلاءا وامتحانا وهذا ايضا فيه حكمة موجودة. ومن هنا كان لا بد ان يمر المعصومون (سلام الله عليهم) بفترات من البلاء على اختلاف ذلك فيما بينهم. فبينما يموت الامام الحسين (عليه السلام) قتلا، يموت الامام الحسن (عليه السلام) بالسم، ويموت الامام الكاظ (عليه السلام) بالسجن وهكذا .. وليس ذلك الا لعلو مقامهم وازدياد درجاتهم كما ورد في الحسين (عليه السلام): (ان لك عند الله درجات لا تنالها الا بالشهادة).

سادسا: انهم (سلام الله عليهم) تلقوا كل ذلك (اي من البلاء الدنيوي) بالرضا والتسليم من الله سبحانه وتعالى، بل بالحب والقبول كما لو كان هدية لطيفة تهدى لهم. وفيها دلائل وروايات احبائي، اليس قال امير المؤمنين (سلام الله عليه) حين ضرب في المحراب : (فزت ورب الكعبة). وقال الحسين (عليه السلام) في عرصة كربلاء : (هون ما نزل بي انه بعين الله). وقال ابو ذر وهو في الربذة حين اشتد به البلاء يخاطب الله جل جلاله : (اخنق خنقتك فانك تعلم اني احب لقائك) يعني ضيق علي بما تشاء.وقال الامام الكاظم (عليه السلام) في سجنه وهو الذي نتحدث عنه الان : (اللهم انك تعلم اني كنت اسألك ان تفرغني لعبادتك اللهم وقد فعلت فلك الحمد).

سابعا: ان في ود المؤمن المتكامل ان يتوجه بقلبه الى الله تعالى وان يكثر ذكره وتتزايد عنده عبادته. وهذا ما لا تتوفر فرصته حين يكون الفرد في معمعة المجتمع وفي الاتصال الكثير بالناس وانما تحصل فرصة ذلك لدى الوحدة والابتعاد عن الناس. وكيف تحصل الوحدة وقد اوجب الله تعالى على المؤمن الامر بالمعروف وتبليغ الاحكام وهداية الناس، اذن فالوحدة في مثل ذلك والابتعاد بهذا المعنى حرام واقاط للطاعة الالهية في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهدايةالاخرين.واما اذا كان الانسان فسيكون فارغ الذمة من جانب الامر بالمعروف والتبليغ وسيكون مبتعدا عن المجتمع قهرا. اذن فالمؤمن يرى السجن من هذه الناحية نعمة ورحمة عليه لكي يتفرغ فيه لذكر الله وطاعته وعبادته كما سمعنا من الامام الكاظم (عليه افضل الصلاة والسلام) يقول : (اللهم انك تعلم اني كنت اسألك ان تفرغني لعبادتك اللهم وقد فعلت فلك الحمد).

ثامنا: ان الحجة قائمة بوضوح ضد ساجنيه (كول لا ! سبحان الله) وضد الدولة التي سجنته لانها سجنت عبدا صالحا ووليا من اولياء الله وهم يعلمون ذلك طبعا، يككفيهم منذلك ما يرونه دائما منه من كثرة العبادة والتهجد وقيام الليل وصيام النهار حتى ان عددا من ساجنيه كخالد بن يحيى البرمكي وغيره حاولوا التخلص والتملص من مسؤولية سجنه لما يرونه من فضله وعلو شأنه، وهذا هو السبب الرئيسي فيما ارى في نقله من سجن الى سجن، لان كل واحد كان يقول انا ما علي طلعوه من سجني واذهبوا به الى مكان آخر. لان السجان كان يرفض استمرار سجنه عنده الى ان وصل الى سجن السندي بن شاهك (عليه اللعنة) الذي لم يكن يشعر بهذه المسؤولية قبحه الله ولعنه.

تاسعا: كان الفراشون والمباشرون له في السجن يصبحون اتقياء واولياء في ليلة وضحاها بهداية الامام (عليه السلام) وعمله حتى انه روي انهم جعلوا له امرأة خليعة لكي تخدمه فاصبحت في يوم واحد زاهدة وعابدة (اللهم صل على محمد وال محمد).

عاشرا: انه (اي الامام الكاظم (سلام الله عليه) ) تحرر من السجن الى الحرية الحقيقية بموته مظلوما وليس الى الدنيا كما هو العادة فيمن يطلق سراحهم . فانه اذا اطلق سراحه في الدنيا يكون قد خرج من سجن الى سجن (كول لا ! سبحان الله). لان الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافراما اذا ذهب الى ربه ومقاماته العليا فقد نال الحرية الحقيقية من اضيق السجون. ومن هنا ورد ان هارون العباسي ولا اريد ان اسميه (الرشيد)، لانه ليس برشيد،ليس برشيد، ليس برشيد. (اللهم صل على محمد وال محمد). ان هارون العباسي ارسل اليه يطلب منه مجرد الاعتذار لكي يطلق سراحه، فاجاب ما مضمونه : (قل له ان اي يوم يمضي فانه يقلل من ايام بلائي كما انه سيقلل من ايام سعادتك وملكك) اي سعادته بالخلافة والدنيا المستوثقة له.

بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله احد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفؤا احد * صدق الله العلي العظيم



الجمعة الحادية والثلاثون 23 رجب 1419

الخطبة الثانية



اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم توكلت على الله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الله اكبر قبل كل احد و الله اكبر بعد كل احد و الله اكبر مع كل احد و الله اكبر يبقى ربنا ويفنى كل احد و الله اكبر تكبيرا يفضل تكبير المكبرين فضلا كثيرا قبل كل احد و الله اكبر تكبيرا يفضل تكبير المكبرين فضلا كثيرا بعد كل احد و الله اكبر تكبيرا يفضل تكبير المكبرين فضلا كثيرا مع كل احد و الله اكبر تكبيرا يفضل تكبير المكبرين فضلا كثيرا لربنا الباقي ويفنى كل احد والله اكبر تكبيرا لا يحصى ولا يدرى ولا ينسى ولا يبلى ولا يفنى وليس له منتهى والله اكبر تكبيرا يدوم بدوامه ويبقى ببقائه في سني العالمين وشهور الدهور وايام الدنيا وساعات الليل والنهار والله اكبر ابد الابدين ابد الابد ومع الابد مما لا يحصيه العدد ولا يفنيه الامد ولا يقطعه الابد وتبارك الله احسن الخالقين. اللهم يا اجود من اعطى ويا خير من سُئل ويا ارحم من استرحم اللهم صل على محمد واله في الاولين وصل على محمد في الاخرين وصل على محمد واله في الملاء الاعلى وصل على محمد واله في المرسلين اللهم اعط محمدا واله الوسيلة والفضيلة والشرف والرفعة والدرجة الكبيرة اللهم اني آمنت بمحمدا (صلى الله عليه واله) ولم اره فلا تحرمني في القيامة رؤيته وارزقني صحبته وتوفني على ملته واسقني من حوضه مشربا رويا سائغا هنيئا لا اظمأ بعدها ابدا انك على كل شيء قدير. اللهم اني آمنت بمحمد (صلى الله عليه واله) ولم اره فعرفني في الجنان وجهه. اللهم بلغ محمدا (صلى الله عليه واله) مني تحية كثيرة وسلاما.

اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

طبعا نحن نعلم ان الدين الاسلامي وارد الى كل احد (كول لا !‍) وشاغل ذمة كل مسلم بل حتى الكفار لانهم مكلفون باصول ديننا وفروع ديننا ايضا على ما هو الصحيح من انهم مكلفون بالواجبات والمحرمات يعني مكلفون بالدخول الى الاسلام هذا باعتبار اصول الدين وكذلك هم مكلفون بامتثال اوامره ونواهيه باعتبار فروع الدين. نعلم ايضا وبكل وضوح انه كما ان تكليف الاسلام عام او قل ان شريعة الله عامة لكل البشر كذلك مسؤولية طاعته لازمة في كل الاعناق وان الموت شامل لكل الناس وان كل الناس يمرون بعد الموت بالحساب والعقاب والثواب وان من ينكر الحياة بعد الموت ويوم القيامة فهو ليس بمسلم.

وبالرغم من ان هذا من الضروريات الواضحات والتي لا يجهلها احد فيما احسب ولم يغفل عنها احد اكيدا مع ذلك كنا نجد ولا زلنا نجد ان عددا من طوائف المجتمع وطبقاته يتصرفون فعلا في حياتهم الدنيا كأنهم لا يشعرون باية مسؤولية دينية ولا بأي ثواب وعقاب، وكأنهم في غنى عن ذلك كله او كأنهم في عما وصمم عنه يتعمدون التماهل والعصيان والتجاهل. وكلها طبقات واضحة لدينا نعرفها جميعا ومن اوضحها اولئك الملتزمون بالحرام وعليه حياتهم وارزاقهم والعياذ بالله كالمغنين والممثلين وبائعي الخمور والمرابين والسافرات وآخرون. كما قال الله تعالى : ((لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون الى عذاب عظيم)).

وجملة من هذه النماذج يعتبر شجرة من اشجار الزقوم التي تنبت في قعر الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين، لانهم لا يقتصرون بالظلم على انفسهم بل يقومون من حيث يعلمون او لا يعلمون بتوزيع البغواية والضلال على الاف الناس وملايين الناس فهو كالشجرة المثمرة للحنظل ينبت فيها نبات كثير وحنظل كثير. مع العلم ان المسؤولية الحقيقية امام الله تعالى قد تتمثل في كلمة واحدة يسمعها منك غيرك، كلمة واحدة غير جيدة تضل بها صاحبك فيقال لك كسرته وعليك جبره، لانك ما دام اضللته فعليك مسؤولية هدايته (كول لا !). هذا في الكلمة الواحدة فكيف بمسؤولية الاضلال الكامل للفرد. وكيف وبالاولى مسؤولية اضلال كامل لطبقة من الناس او مجتمع من الناس. ويكون كما ورد من سنسنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة. فما اعظم العذاب الذي ينتظره هناك انه فوق كل تصور.

ولعل جملة منهم ممن لا يستحق التوبة او لا تؤثر فيه الكلمة الطيبة ولا يفيد فيه التحذير هذا موجود فعلا. ومن هنا قد نقول كما ربما يقول بعض الحوزة (انه لا امر لمن لا يطاع) ونسكت كما سكتت الحوزة التقليدية عموما.الا ان الكلام والموعظةمع ذلك اكثر انقيادا لله واكثر افراغا للذمة وسيقول لهم الله سبحانه وتعالى يوم القيامة اني قيضت لكم وارسلت لكم من ينبهكم بصراحة ويدفعكم بقوة نحو الهداية فلم تنتبهوا ولم تندفعوا فاخسأوا فيها ولا تكلمون.

ايها القوم الغافلون السادرون في مختلف اشكال الغي والنفاق انكم تعلمون ان الله موجود وهو الرقيب والحسيب وان باب التوبة مفتوحة ما دامت الحياة وان الاسلام حق وان طاعته واجبة وان الموت لاحقكم على كل حال وان جهنم ورائكم على كل حال فارحموا اجسادكم من النار فانكم لا تتحملون عذاب جهنم وتستغيثون حيث لا مغيث وانتم الان في فرصة التوبة والنزوع عن الحوبة والخلاص من غضب الله والاسراع الى رحمة الله والله سبحانه لا يريد لنا جميعا الا الخير والصلاح تأسفوا على نفوسكم التالفة وآرائكم السقيمة وافعالكم المريضة.

وفي حدود فهمي فان كل فرد بحسب خلقته الانسانية الاصيلة لنفسه فهو طالب للكمال ومحب للحق وميال الى التوبة والى الصلاح كما قال الله تعالى : ((فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم)). فالتفتوا الى فطرتكم واهتدوا بهدى ربكم وارحموا نفوسكم وعقولكم من الضلال واجسادكم من حريق النار.

وهناك طبقات من المجتمع دون من سبق ان ذكرناهم يعني ان نفهم عنهم انهم ليسوا متمرسين في الحرام في كل حياتهم وغير متلبسين في العصيان في كل اعمالهم واقوالهم بل نستطيع القول ان الاغلب فيهم ذلك. وهؤلاء يكونون اولى بتقبل التوبة والهداية والانابة واطاعة شريعة الله ونحن نتمنى للجميع كل خير وصلاح بل يريد الله تعالى ذلك وهو اولى من الجميع من كل الخلق. كما قال تعالى : ((تريدون عرض الدنيا والله يريد الاخرة)) يعني يريد لكم الاخرة لا لنفسه فهو غني عن العالمين حبيبي ..

وطبقا لهذه الاية القرآنية قمت بتطبيق ذلك على عدد من فئات المجتمع وقد حصلت استجابة طيبة من كثير منهم وما ذلك الا لان الصفة الغالبة عليهم الخوف من الله والشعور بالمسؤولية فقد تاب الى الان اغلب السالكين فقد كتنوا من حيث يعلمون او لا يعلمون سالكون الى الشيطان فاصبحوا بالتوبة والانابة سالكون الى الله سبحانه ومطيعون له من حيث ما يريد منهم الاطاعة. وكذلك حين ناديت بلسان الشريعة وليس بلساني القاصر المقصر رؤوساء القبائل وقانون العشائر، اقبل عدد منهم الى طاعة الله جزاهم الله خيرا وشعروا بالمسؤولية الدينية الاسلامية جزاهم الله خير جزاء المحسنين والمتوقع من الاخرين منهم ان يستنوا بسنتهم وان يلتفتوا الى واقعهم وان يشعروا بمسؤوليتهم امام الله تعالى وامام دينهم وامام حوزتهم المقدسة. فالحوزة باتت قريبة من المجتمع تلقي الحوزة وتريد النتيجة (كول لا !).

واما الخدمة والسدنة فلم اعرف توبة اي واحد منهم ولم ار رجوع اي شخص فيهم مع شديد الاسف وانا اقول لهم انكم انما تتوبون الى الله لا الى الحوزة ولا الى السيد محمد الصدر وانما تطيبون بذلك اعمالكم واقوالكم واموالكم امام الله تعالى وهذا الخير كله لكم في الدنيا والاخرة فلماذا تأبون عنه وتنفون هداية الله سبحانه وتعالى وتفضلون سرقة اموال الامام (عليه السلام) ووقفياته والتغرير بالزائرين وغير ذلك تفضلونها على طاعة الله وطاعة المعصومين (عليهم السلام). وهل هذا الا طلب الدنيا والنفس الامارة بالسوء مع شديد الاسف.و على (يا الله) حال فلا زال المجال مفتوحا وليس للسيد محمد الصدر ان يغلق الفرصة مع ان الله تعالى فاتح لها فان فرصة التوبة موجودة ما دام الفرد في الحياة قبل ان تصل الروح الى البلعوم ويقول : ((رب ارجعون لعلي اعمل صالحا فيما تركت كلا انها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون)).

وعلى هذا السياق الذي كنت فيه ولا زلت ملتزما به اوجه كلامي الى فئة اخرى من المجتمع نتوقع منها الخير والرجوع الى الصلاح والفلاح وهو موظفوا الدولة والعاملون فيها في اي عمل كانوا او اختصاص او رتبة او اهمية من وزراء ومدراء وعسكريين ومدنيين ومعلمين واطباء ومن مختلف مذاهب المسلمين حتى كناس البلدية على ما يعبرون.

فانهم بطبيعة الحال كسائر افراد المجتمع يتوقع الدين منهم ويتوقع الله منهم الصلاح والفلاح. ويتوقع المجتمع منهم العدل والانصاف ويتوقع منهم المؤمنون النجاة من عذاب النار. كما قال الله تعالى في ايات كتابه المجيد: ((واتل ما اوحي اليك من ربك لامبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان امره فرطا وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انا اعتدنا للظالمين نارا احاط بهم سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا الذين امنوا وعملوا الصالحات انا لا نضيع اجر من احسن عملا اولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الانهار يحلون فيها من اساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق متكئين على الارائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا)).

وما اسهل وما احسن ان يلتفت الفرد من الضلال الى الايمان ومن الظلم الى العدل ومن الظلام الى النور. ولا ينبغي ان تلهيه المصالح الدنيوية والعلاقات الاجتماعية والامور السياسية عن مصالحه الحقيقية التي وجد لاجلها وولد لتحقيقها وهي الحصول على الثواب ورضا الله جل جلاله.

وقد كان الحال في العقود السابقة التي عشناها بما فيه العهد الملكي وغيره. يعيش الموظفون في بوتقة دنيوية خالصة، لا يفكرون فيها باخرة ولا بصلاة ولا بصيام ولا بخمس ولا بحج ولا باية طاعة. كأن حياتهم يجب ان تكون مقرونة بمثل ذلك وهم ملتفتون لامحالة الى الدين وواجباته لو تاملوا قليلا، الا ان الامر فيهم وكان المخاطب غيرهم. فيجب مثلا على رجال الدين ان يكونوا متدينين ولا يجب على رجال الدنيا ذلك ؟ وهم يعلمون كذب هذا الوهم الشيطاني. لان الله تعالى في القران الكريم يقول لرسوله : ((قل يا ايها الناس اني رسول الله اليكم جميعا)). وهم لامحالة وكل البشرية هم من الناس، اذن فهم مشمولون للرسالة المحمدية ولاصول دينها ولفروع دينها ومفاهيمها وليس انهم يجوز لهم ان يتركوا كتابهم وراء ظهورهم كانهم لايعلمون.

ولو كان الفرد منهم مخلصا للدنيا حقا لكان وجها، لانه عندئذ سيرحم الصغير ويوقر الكبير ويتعامل بالانسانية والتعطف، ولكنه كان لا يرى الا مصلحة ذاته ومقدار فعله وسعة بيته ومصلحة اسرته وبدون العناية بدين او دنيا خارج هذه الدائرة. ومن يصبح هكذا كائنا من كان حتى لو سيد محمد الصدر يصبح ادنى من الانعام واضل سبيلا كما انه اقسى من الوحوش واشد ظلما.

وعلى اي حال فباب التوبة مفتوح ويد الرحمة الالهية ممدودة لكي تتلقى اي واحد من البشر بالترحاب بما فيهم موظفوا الدولة من كبار وصغار. وهذا جيد لهم وليس لسواهم. وانا اجلهم في الوعي الذي هم فيه والرشد الذي يتصفون به ان يقفوا ضد مصالحهم الحقيقية وتعاليمهم الاخروية.

وانا اكرر كما قلت اكثر من مرة انكم ليس المطلوب منكم اتباع السيد محمد الصدر ولا الاقتراب منه ولا حسن الظن به وانما المطلوب في القرآن والاسلام هو اتباع تعاليم الله والتقرب اليه بالطاعات وحسن الظن به جل جلاله وهذا يكفي جدا وليذهب سيد محمد الصدر الى الجحيم.

كما انني في هذا المستوى من التفكير لا اطلب منكم تغير اديانكم او مذاهبكم وانما كونوا طيبين ومتورعين في الدين الذي تؤمنون به والمذهب الذي تؤمنون به فانه ليس هناك مذهب ولا دين يجيز شرب الخمر والسرقة والغش وتالظلم والاعتداء وتمرير المصالح الدنيوية وتفضيل الانانية. حاشا لله وحاشا لاديان الله كلها من هذه الامور. وانا قلت في خطبة سابقة ما مضمونه السؤال عما اذا كان عيسى (عليه السلام) شارب خمر او سارق او ظالم او اناني او كان موسى كذلك او كان ابراهيم كذلك او كان محمد (صلى الله عليه واله) كذلك ؟ حاشاهم جميعا طبعا. او كان سليمان الذي بنى هيكل سليمان المقدس في نظر اليهود كذلك؟ لا طبعا حاشاهم جميعا من كل ذلك. ام كانت هل كانت نساؤهم سافرات ومتعاملات مع الرجال بالسوء والفتنة ؟ يضعن المكياج في الشوارع والمشارع ويسرن في الاسواق ويطمعن في زخارف الدنيا ويشربن الخمر ويعشن على الربا ويكذبن ويأكلن لحم الاخرين بالغيبة والبهتان؟ حاشا لاولئك من ذلك.

والملحوظة الاخيرة انه لا ينبغي ان ييأس الفرد من نفسه ومن توبته باعتبار انه متمرس كثيرا في اصناف الحرام او عائش على المال الحرام فيكون يائسا من رحمة الله ، لا، لا يجوز. فكأنه يرى انه لا مجال لان تقبل توبته او يكون مشمولا لرحمة الله. كلا ثم كلا لمثل هذه الفكرة. لا تيأسوا من رحمة الله التي وسعت كل شيء فان الله واسع الرحمة سريع الرضا عطوف رؤوف باسط اليدين بالعطاء والسخاء فيجب ان لانقنط من رحمة الله او نييأس من عفوه وانما اللازم هو حسن الظن بالله والمبادرة الى طاعة الله ورضا الله وانما الذي ينبغي ان يفكر فيه الفرد انه لو بقي على حاله من العصيان ولو ليوم واحد او ساعة واحد فضلا عن الكثير فان الله تعالى شديد العقاب ومنتقم وانما يجني الفرد على نفسه ويكون من الهالكين والخاسرين ممن خسروا انفسهم فبادروا رحمكم الله الى طاعة الله الذي يذكر الذاكرين ويشكر الشاكرين ويزيد في ثواب المطيعين فان هذا هو الطريق الحق وما بعد الحق الا الضلال.

بسم الله الرحمن الرحيم انا اعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر * ان شانئك هو الابتر * صدق الله العلي العظيم
__________________
احمد1976 غير متواجد حالياً  
قديم 12-03-2008, 05:16 PM   #30 (permalink)
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 450
IraqiForum ان امريكا قد اسست منذ عدة سنوات، ما يسمى بقوات التدخل السريع تحسبا لظهور المهدي (عليه السلام)

الجمعة التاسعة والعشرون 9 رجب 1419

الخطبة الاولى



اعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم، توكلت على الله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

يا من لا يخفى عليه انباء المتظلمين. ويا من لا يحتاج في قصصهم الى شهادة الشاهدين. ويا من قربت نصرته من المظلومين. ويا من بعد عونه عن الظالمين. قد علمت يا الهي ما نالني من فلان بن فلان (نتنياهو) مما حضرت، وانتهكه مني مما حجزت عليّ بطرا في نعمتك عنده، واغترار بنكيرك عليه. اللهم فصل على محمد واله، وخذ ظالمي وعدوي عن ظلمي بقوتك، وافلل حده عني بقدرتك، واجعل له شغلا فيما يليه، وعجزا عما يناويه. اللهم صل على محمد واله، ولا تسوغ له ظلمي، واحسن عليه عوني، واعصمني من مثل افعاله، ولا تجعلني في مثل حاله. اللهم صل على محمد واله، واعدني عليه عدوا خاضره تكون من غيضي به شفاءا، ومن حنقي عليه وفاءا. اللهم صل على محمد واله، وعوضني من ظلمه لي عفوك، وابدله بسوء صنيعه بي رحمتك، فكل مكروه جلل دون سخطك، وكل مرزئة سواء مع موجدتك. اللهم فكما كرهت لي ان أُظلم، فقني من ان اظلم. اللهم لا اشكو الى احد سواك، ولا استعين بحاكم غيرك حاشاك. فصل على محمد واله، وصل دعائي بالاجابة، واقرن شكايتي بالتغيير. اللهم لا تفتني بالقنوط من انصافك، ولا تفتنه بالامن من انكارك فيصير على ظلمي ويحاصرني بحقي، وعرفه كما قليل ما وعدت الظالمين، وعرفني ما وعدت في اجابة المضطرين. اللهم صل على محمد واله، ووفقني لقبول ماقضيت لي وعلي، ورضني بما اخذت لي ومني، واهدني للتي هي اقوم واستعملني بما هو اسلم. اللهم وان كانت الخيرة لي عندك في تأخير الاخذ لي وترك الانتقام ممن ظلمني الى يوم الفصل، ومجمع الخصم فصل على محمد واله، وايدني منه بنية صادقة، وصبر دائم واعذني من سوء الرغبة، وهلع اهل الحرص، وصور في قلبي مثال ما ادخرت لي من ثوابك، واعددت لخصمك من جزائك وعقابك، واجعل ذلك سببا لقناعتي بما قضيت، وثقتي بما تخيرت. آمين رب العالمين. (كلكم قولوا آمين رب العالمين) انك ذو الفضل العظيم وانت على كل شيء قدير.

اللهم صل على المصطفى محمد، والمرتضى علي والزهراء فاطمة والمجتبى الحسن والشهيد الحسين والسجاد علي والباقر محمد والصادق جعفر والكاظم موسى والرضا علي والجواد محمد والهادي علي والعسكري الحسن والمهدي المنتظر (عجل الله فرجه) ائمتي وسادتي وقادتي بهم اتولى، ومن اعدائهم اتبرأ في الدنيا والاخرة.

اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

نستمر في ذكر بعض الاهداف التي بدأنا بذكرها في الجمعة السابقة مما سعى اليه الامام الهادي (سلام الله عليه)، وهو موقفه من غيبة حفيده محمد بن الحسن بن علي الحجة المهدي المنتظر (عجل الله فرجه). وذلك ان ان هذه الغيبة باتت قريبة نسبيا (في زمانه طبعا) ولابد من تحضير الذهنية العامة لدى قواعده الشعبية ومواليه لذلك (اي لفكرة الغيبة). لاجل تقبل فكرة الغيبة عموما، لانها اذا جاءت بشكل فجائي فانه يسبب انكار المجتمع لها، واستبعاده اياها، ومن ثم قد يوجب ارتداد الكثير من الناس عن المذهب الحق. واما مع التمهيد والتبليغ والتعويد للناس، فان امثال هذه النتائج الوخيمة ستكون غير متحققة، وكان موقفه من ذلك بالمقدار الذي نستطيع ادراكه يتلخص بامرين:

الامر الاول: التبشير بوجوده ووروده وظهوره، غير ان هذا التبشير والتبليغ كان خاصا بموالي الامام المعتقدين به، ومقتصرا على اصحابه، ولم يكن يعم الاخرين، لانهم لم يكونوا يؤمنون بتسلسل خط الائمة الاثنى عشر (عليهم السلام). اذن فيكون تبليغهم بذلك تبليغا بلا موضوع.

ويلاحظ في تبليغ الامام الهادي (عليه السلام) ضمناً، التخطيط لحماية الحجة المهدي (سلام الله عليه) عند غيبته. فنرى ان كلام الامام حوله محاط بهالة من القدسية والغموض، ومشفوع في التاكيد المتزايد على انه لا يحل لاحد ذكر اسمه. وذلك توصلا الى عدم تسربه الى الجهاز الحاكم. كما ورد في الرواية: (اذا وقع الاسم وقع الطلب).

وقد وردت عن الامام الهادي (عليه السلام) بهذا الصدد عدة احاديث، نقتصر على بعضها، فمن ذلك قوله في كلام له: (ومن بعدي ابني الحسن فكيف للناس بالخلف من بعده). قال الراوي: فقلت: وكيف ذلك يا مولاي ؟ قال: (لانه لايرى شخصه ولا يحل ذكر اسمه حتى يخرج فيملء الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا). ومن غامض قوله (عليه السلام) في ذلك: (اذا رفع علمكم من بين اظهركم فتوقعوا الفرج من تحت اقدامكم) والمفهوم من رفع العلم حصول الغيبة ومن توقع الفرج حصول الظهور بطبيعة الحال. وكذلك قوله (عليه السلام): (فانى لكم بالخلف بعد الخلف) والخلف للامام الهادي هو الامام الذي بعده وهو الامام العسكري (عليه السلام) والخلف بعد الخلف هو الامام الذي بعد العسكري وهو الحجة المهدي (سلام الله عليه).

الامر الثاني: هو اتخاذ الامام الهادي (عليه السلام) مسلك التخفي والابتعاد عن المجتمع، تمهيدا للغيبة التي تحصل لحفيده المهدي (سلام الله عليه)، لما قلناه من ان حصولها المفاجئ مما يسبب ارباكا وتشكيكا في العقيدة. فلابد من التدرج النسبي في التخفي، بحيث يراه الناس ويعهده المجتمع (التخفي طبعا) ويرى في الامكان الاستفادة من الامام المعصوم بدون حصول رؤيته مباشرة. وهذا هو التخطيط الذي بدأه الامام الهادي (عليه السلام)، واتمه وركز عليه الامام العسكري (عليه السلام). ثم تم وجوده حقيقة وعلى الوجه الكامل بيد الامام المهدي (سلام الله عليه). ومن هنا نرى ان هذا التخطيط قد مرّ باربعة مراحل:

المرحلة الاولى: تلك التي بداها الامام الهادي (عليه السلام)، حيث انه بدا بالتخفي الجزئي او القليل والابتعاد عن المجتمع تدريجا.

المرحلة الثانية: ما حصل من الامام العسكري (عليه السلام) بعد ابيه من التخفي والابتعاد، ولكن بشكل اكثر من ابيه. حتى انه كان لايدخل عليه الا بعض خاصة اصحابه. ولا يتصل بشيعته مباشرة وانما يتصل بهم عن طريق المراسلة. وهذا ما تدل عليه روايات عديدة.

المرحلة الثالثة: الغيبة الصغرى التي بداها الامام المهدي (عليه السلام) بعد ابيه مباشرة وهي تتمثل بزيادة في التخفي في الامامين السابقين. فكان بحيث لايراه احد الا حسب المصلحة الاكيدة والضرورية. والغالب انها لمجرد اثبات وجوده (سلام الله عليه) ضد المشككين طبعا. وتتميز هذه المرحلة بنصب السفراء او الوكلاء الاربعة، عثمان بن سعيد عليه الرحمة، ومحمد بن عثمان عليه الرحمة، والحسين بن روح عليـه الرحمـة، وعـلي بن محمد السمري رحمة الله عليه. وهذا معناه انه لا يراه بالتزام وفي كل وقت او في اي وقت الا واحد هو السفير الموجود منهم في زمانه.

المرحلة الرابعة: الغيبة الكبرى (وهي الفترة التي نعيشها في هذه الايام وفي هذا الدهر كله الى ان يأمر الله سبحانه وتعالى بالظهور اللهم عجل فرجه سهل ومخرجه واجعلنا من اصحابه وانصاره انك على كل شيء قدير واهدنا بهداه وارزقنا رضاه) التي ارادها الله تعالى وتسبب لها المهدي نفسه بقطع سلسلة السفراء بالحديث الوارد عنه الى السفير الرابع ( رحمة الله عليه) ونصه: (بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري عظم الله اجر اخوانك فيك فانك ميت ما بينك وبين ستة ايام. فاجمع امرك ولا توصي الى احد فيقوم مقامك بعد وفاتك. فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور الا باذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الامد وقسوة القلوب وامتلاء الارض جورا. وسياتي لشيعتي من يدعي المشاهدة. الا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم).

وبهذا نجد ان هذه المراحل متدرجة في التخفي والابتعاد عن المجتمع. وان الغيبة الكبرى التي نعيشها الان قد خطط لها المعصومون (عليهم السلام) بثلاثة مراحل مقدمة لها، حتى ان الغيبة الصغرى تعتبر من هذه الناحية مقدمة للغيبة الكبرى، لاجل استساغة الناس لها، وحسن تلقيهم اياها، وعدم حصول المضاعفات بمفاجئتهم بها. فنرى الامام المهدي (عليه السلام) قد ركز واكد في هذا البيان على عدة امور :

الامر الاول : اخباره بموت الشيخ السمري السفير الرابع (رحمة الله عليه) في غضون ستة ايام، وهو من الاخبار بالغيب الذي نقول بامكان حصوله للامام (عليه السلام) بتعليم من الله ورسوله. ولم يشك احد يومئذ في صدق هذا الخبر. وقد غدى عليه اصحابه بعد ستة ايام فوجوده محتضرا يجود بنفسه. وهذا موجود في النقل التاريخي والروايات.

الامر الثاني : نهي الامام المهدي (سلام الله عليه) اياه (اي للسمري) عن ان يوصي الى احد ليقوم مقامه، او يطلع بمهام السفارة بعد وفاته. وبذلك يكون هو (اي السمري) آخر السفراء، ولا سفير بعده، ويكون خط السفارة قد انقطع، ويكون عهد الغيبة الصغرى قد انتهى.

الامر الثالث : انه لا ظهور الا بأذن الله تعالى ذكره. وهذا معناه الاغماض في تاريخ الظهور، وايكال علمه الى الله وحده، وارتباطه باذنه جل جلاله ((ولا يظهر على غيبه احدا)). ولهذا الاغماض عدة فوائد، اهمها اثنان:

الفائدة الاولى : بقاء قواعده الشعبية ومواليه منتظرة له في كل حين، متوقعة ظهوره في اي يوم. وهذا الشعور اذا وجد لدى الفرد، فانه يحمله على السلوك الصالح، وتقويم النفس، ودراسة واقعه المعاش، ومعرفة تفاصيل دينه جهد الامكان، ليحظى في لحظة الظهور بالزلفى لدى المهدي (عليه السلام)، والقرب منه. ولا يكون من المغضوب عليهم لديه والمبعدين عن شرف ساحته. بل ان الفرد ليشعر وهو في حالة انتظار امامه في اي يوم، ان انحرافه وفسقه قد يؤدي به الى الهلاك والابتعاد كليا عن العدل الاسلامي العظيم، الذي يسود العالم يومئذ تحت قيادة الامام المهدي (سلام الله عليه). فان الامام المهدي (عليه السلام)، بعد ظهوره سيكون حديا في تطبيق العدل الاسلامي، وسيذيق كل منحرف عقائديا او سلوكيا اشد الوبال. فانه لا مكان للانحراف في مجتمع العدل المطلق، كما ورد في بعض الروايات : (انه يضع السيف يقتل هرجا لا يرحم احدا). وفي رواية اخرى : (انه يقتل حتى يقال انه ليس من اولاد فاطمة لو كان من اولاد فاطمة لرحم).

الفائدة الثانية : للاغماض قي موعد ظهوره، حماية المهدي (عليه السلام) من اعدائه بعد ظهوره او عند ظهوره. فان الاغماض في التاريخ يوفر محض المفاجئة والمباغتة للعدو على حين غرة. وهذا من اقوى عناصر النصر واسبابه، وان لم يكن هو اهمها واقواها على الاطلاق، حيث توجد هناك عناصر اقوى منه. على حين لو كان الموعد معينا، لكان بالامكان تماما للاعداء ان يجمعوا امرهم ويهيئوا اسلحتهم قبيل الموعد المحدد. حتى ما اذا آن موعد الظهور قاتلوه واستأصلوه قبل ان يفهم به الناس، ويجتمع حوله الاعوان والاخوان. وبذلك تفشل حركته فشلا ذرعا. وحاشا لله من ذلك بطبيعة الحال.

لا يفرق في ذلك في اعداء المهدي (عليه السلام) بين من يعتقد بظهوره وبين من لا يعتقد. فان الموعد لو كان محددا طيلة هذا الزمان، لكان امرا مشهورا، ولأوجد في اذهان الاعداء احتمالا على الاقل بظهوره، وهو مساوق مع احتمال استئصال الاعداء واجتثاثهم. وهذا الاحتمال بنفسه يكفي للتألب عليه واعلان التعبئة العامة وحالة الطواريء باللغة الحديث ضد الامام المهدي (عليه السلام).

والان، ـ والظاهر انكم تعلمون بذلك ولكن هذا محل بيانه ـ يوجد من الاخبار ما يكفي من ان امريكا قد اسست منذ عدة سنوات، ربما عشرة سنين، ما يسمى بقوات التدخل السريع تحسبا لظهور المهدي (عليه السلام) وليس لشيء آخر. كما انها افتعلت حرب الخليج لاجل ان تملء بالبوارج الحربية، تحسبا لظهور المهدي (عليه السلام). كما ان من الاكيد ان له في البنتاغون ملفا كاملا وضخما عن اخباره التي تستطيع امريكا جمعها، حتى قالوا انه يفتقر فقط الى الصورة الشخصية له، وطبعا هي مفقودة. ولا شك ايضا انها تأخذه بنظر الاعتبار في كومبيوتراتها السياسية كاحد اهم المحتملات التغير الاجتماعي الممكن حصوله في الشرق المسلم طبعا، مع التعتيم التام على كل هذه الامور.

وعلى اي حال فيكون من الحكمة الالهية اخفاء موعد ظهور المهدي، وبقاء الموعد غامضا مجهولا منوطا بأذن الله سبحانه وتعالى.

الامر الرابع : الاشارة في التوقيع الشريف (الذي صدر إلى السمري)، الى ان امد الغيبة التامة الكبرى سوف يكون طويلا ومديدا. وانما ينص المهدي على ذلك حسب فهمنا، ليجعل الفرد المؤمن مسبوقا ذهنيا بطول الغيبة، ومتوقعا لتماديها في الزمان، فلا يأخذه اليأس ولا يتلبسه الشك، مهما طالت او تمادت وان اصبحت الاف السنين او الملايين. فانه ما دام المؤمن عارفا بانها ستطول، وانها منوطة باذن الله عز وجل عند تحقق المصلحة للظهور وتهيأ البشرية لتلقي الدعوة الاسلامية الكبرى. فان الفرد يعرف عند تأخر الظهور ان المصلحة بعد لم تتحقق، وان الاذن الالهي لم يصدر. وهذا السبق الذهني (يعني احتمال طول المدة)، لا ينافي باي حال، حال الانتظار وتوقع الظهور في كل يوم وكل شهر وكل عام. فان طول الامد الموعود به في كلام المهدي (عليه السلام)، لفظ عام ينطبق على السنين القليلة والسنين الطويلة والكثيرة على حد سواء. بل لو كان الامام المهدي (عليه السلام) قد ظهر بعد الغيبة الصغرى بقليل، لكان قد ظهر بعد طول الامد. لان السبعين عاما (التي هي طول الغيبة الصغرى تقريبا) مع الشعور بالظلم وحالة الانتظار، تكون امدا طويلا بحسب الجو النفسي للفرد والمجتمع لا محالة. هذا فضلا عما اذا تاخر الامام المهدي (عليه السلام) في ظهوره عشرات السنين او مئات السنين او الالاف، فان طول الامد يكون قد تحقق باوضح صوره واصعب انحائه. ومعه يكون الفرد متوقعا لانتهاء هذا الامد الطويل في كل ساعة وفي كل يوم ولصدور الاذن الالهي بالظهور.

الامر الخامس : مما يشير اليه الامام (عليه السلام) بالتوقيع الشريف الاشارة الى قسوة القلوب. والمراد به ضعف الدافع الايماني، وقلة الشعور بالمسؤولية، والمشارفة على الانحراف، او الوقوع في الانحراف فعلا، بل سقوط افراد او اغلب افراد المجتمع فيه، ولربما اكثر المجتمعات. وذلك لان الفرد يواجه امتحانا الهيا صعبا خلال الغيبة الكبرى من جهات ثلاثة يكون واجبا عليه امام الله ان يخرج منه ناجحا ظافرا في رضا الله سبحانه وتعالى. والخروج منه ليس باكل التمن والقيمة، فالخروج منه بنجاح يحتاج الى عمق في الايمان والاخلاص والارادة لا يتوفر الا في القليل من الناس.

الجهة الاولى : موقف الفرد تجاه شهوات نفسه ونوازعه الغريزية، التي تتطلب الاشباع باي شكل من الاشكال، وكما قالوا ان الغرائز لا عقل لها. فعلى الفرد ان يلاحظ ذلك فيكفكف من غلواء شهواته ويزعها بعقله وايمانه عن الحرام الى الحلال.

الجهة الثانية :موقف الفرد تجاه الضغط الخارجي الذي يعيشه، وما يتطلبه من تضحيات في سبيل دينه وايمانه ضد الفقر والمرض والسلاح والحرج الاجتماعي ونحو ذلك، من المصاعب التي تصادف الفرد في طريقه الايماني الطويل. فان كان الفرد شاعرا بالمسؤولية، قوي الارادة استطاع تذليل هذه الصعوبة ةالتضحية في سبيل الايمان.

الجهة الثالثة : موقف الفرد المؤمن تجاه الاعتقاد بامامه الغائب وقائده المحتجب (سلام الله عليه)، فانه بعد ان عرفه بالدليل القطعي لاينبغي ان تثبطه الشكوك، ولا ان تزعزعه الاوهام، ولا ان يؤثر في زحزحة اعتقاده طول الامد. وفي الحديث (ان الله علم ان اوليائه لا يشكون). ولو علم انهم يشكون لما غيب عنهم وليه طرفة عين. وعلى اية حال فاذا كان الفرد ناجحا من سائر الجهات في الدين واليقين، كان من الاقلين عددا المرتفعين شأنا الواعين لدينهم وسوف لن يبتلي بقسوة القلب التي اشارلها المهدي (عليه السلام) في بيانه وكلامه، تلك القسوة التي يبتلي بها الاكثرون الذين لا يكونون على المستوى المطلوب من الاخلاص والايمان.

الامر السادس : مما هو مبين في التوقيع الشريف: الاشارة في التوقيع الشريف الى امتلاء الارض جورا، وفيه تطبيق واضح للكلام النبوي الشريف حسب الرواية الستفيضة، بل المتواترة المنقولة عن النبي (صلى الله عليه واله) ما مضمونه: ان الامام يظهر فيملء الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. وهو الحديث المستفيض الذي رواه عدد من علماء الاسلام والمحدثين العظام من مختلف المذاهب وليس في مذهبنا فقط.

الامر السابع : اثبات حدوث السيفاني والصيحة، وهو امر يحصل التنبوء به قبيل ظهور الامام (عليه السلام) بصفتهما احدى العلامات القريبة وان كانت كثير من هذه الامور قابلة لتعلق البداء بها في الحقيقة الذي نؤمن بامكانه لله عز وجل، مثلا يظهر الامام والسفياني لا يظهر او يظهر الامام ولا توجد صيحة او لا يوجد خسف فهذا ممكن. والسفياني موصوف في الاخبار تفصيلا وليس هنا محل ذكره كما ان الصيحة مذكورة في الاخبار، ما هي الصيحة ؟ هي النداء من قبل جبرائيل الامين (سلام الله عليه) باسمه واسم ابيه وانه قد حصل ظهوره ووجب اتباعه ليأخذ له المؤمنون اهبتهم ويتوجهوا الى نصرته. وفي بعض الروايات انه نداء يسمعه كل اهل لغة بلغتهم وفي بعضها ما مضمونه انه من الوضوح والارتفاع بحيث يفزع الناس ويخرج العذراء من خدرها حيث يكون الظهور لدى وقوعه صريحا واضحا علنيا تدعمه المعجزة وتؤيده الارادة الالهية لا يستطيع المؤمنون التخلف عنه ولا يطيق الاعداء دحره وافشاله.

بسم الله الرحمن الرحيم * سبح اسم ربك الاعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * والذي اخرج المرعى * فجعله غثاءا احوى * سنقرئك فلا تنسى * الا ما شاء الله انه يعلم الجهر وما يخفى * ونيسرك لليسرى * فذكر ان نفعت الذكرى * سيذكر من يخشى * ويتجنبها الاشقى * الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا يحيى * قد افلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى * بل تؤثرون الحياة الدنيا * والاخرة خير وابقى * ان هذا لفي الصحف الاولى * صحف ابراهيم وموسى * صدق الله العلي العظيم
الجمعة التاسعة والعشرون 9 رجب 1419

الخطبة الثانية

اعوذ بالله من الشيطان الرجيم توكلت على الله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الهي لا تشمت بي عدوي، ولا تفجع بي حميمي وصديقي. الهي هب لي لحظة من لحظاتك تكشف عني ما ابتليتني به، وتعيدني الى احسن عاداتك عندي. واستجب دعائي ودعاء من اخلص لك دعاءه، فقد ضعفت قوتي وقلة حيلتي واشتدت حالي وآيست مما عند خلقك فلم يبقى الا رجاؤك. الهي ان قدرتك على كشف ما انا فيه كقدرتك على ما ابتليتني به، وان ذكر عوائدك يؤنسني، والرجاء في انعامك وفضلك يقويني، لاني لم اخلُ من نعمتك منذ خلقتني، وانت الهي، ومفزعي وملجأي، والحافظ لي والذاب عني، المتحنن عليّ الرحيم بي، المتكفل برزقي في قضائك، كان ما حل بي، وبعلمك ما صرت اليه، فاجعل يا وليي وسيدي مما قضيت وقدرت عليّ وحتمت عافيتي، وما فيه صلاحي وخلاصي مما انا فيه، فاني لا ارجوا لدفع ذلك غيرك، ولا اعتمد فيه الا عليك، فكن يا ذا الجلال والاكرام عند احسن ظني بك، وارحم ضعفي وقلة حيلتي، واكشف كربتي، واستجب دعوتي، واقلني عثرتي، وامنن علي بذلك، وعلى كل داع لك امرتني يا سيدي بالدعاء، وتكفلت بالاجابة ووعدك الحق الذي لا خلف فيه، ولا تبديل فصل على محمد نبيك، وعبدك وعلى الطاهرين من اهل بيته، واغثني فانك غياث من لا غياث له، وحرز من لا حرز له، وانا المضطر الذي اوجبت اجابته، وكشف ما به من سوء فاجبني، واكشف عني، وفرج همي، واعد حالي الى احسن ما كانت عليه، ولا تجازني بالاستحقاق، ولكن برحمتك التي وسعت كل شيء يا ذا الجلال والاكرام صل على محمد واله، واسمع واجب يا عزيز جل جلالك، وعم افضالك، ودام مجدك ولا اله غيرك. لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين، فاستجبنا له ونجيناه من الغم، وكذلك ننجي المؤمنين.

اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وانتم مسلمون.

لاحظوا بدقة انكم تسمعون مني في كل جمعة تقريبا، وفي هذه الجمعة ايضا، وفي كل جمعة مكررا شيء لا تفهموه، او المظنون ان اكثركم لم يفهموه، وهي قوله تعالى ((اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وانتم مسلمون)) وهي اية كريمة واقعة في سياق قرآني للنصائح والمواعظ، وكل القرآن نصائح ومواعظ ونصائح القرآن دائما مؤثرة وصحيحة، فنسمع الان بعضا من هذا السياق. اقرأ لكم جملة من الايات، مع محاولة فهمها والالتفات والانتباه الى مضامينها بطبيعة الحال.

قال تعالى: ((قل يا اهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وانتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون يا ايها الذين آمنوا ان تطيعوا فريقا من الذين اوتوا الكتاب يردوكم بعد ايمانكم كافرين وكيف تكفرون وانتم تتلى عليكم ايات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي الى صراط مستقيم يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم اعداء فالف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته اخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فانقذكم منها كذلك يبين الله لكم اياته لعلكم تهتدون ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واؤلئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات واؤلئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فاما الذين اسودت وجوههم اكفرتم بعد ايمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون واما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون تلك ايات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين)).

ويمكن شرح الفقرة التي نتحدث عنها وهي قوله تعالى ((اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون)) في عدة خطوات:

الخطوة الاولى : انها وقعت في خطاب الذين امنوا، لانه تعالى قال ((يا ايها الذين امنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون)) لوضوح ان من لم يكن من الذين امنوا، لا يناسب ان تطلب منه التقوى. وانما يطلب منه ان يكون اولا من الذين امنوا، فاذا كان منهم، كانت التقوى منه مطلوبة لان الايمان درجات ولا يمكن ان يطلب من الفرد درجتين او اكثر فورا، وانما تطلب بالتدريج طبعا، تطلب الاسبق ثم التي بعدها ثم التي بعدها وهكذا. وفي الحديث ما مضمونه القريب: (ان الاسلام عشر درجات اقصاها الايمان. والايمان عشر درجات اعلاها التقوى. والتقوى عشر درجات اعلاها اليقين. والناس تمسكوا من الاسلام باقل درجاته) وهي هذه الفضيحة.

ومن هذا الحديث، يتضح ان درجات التقوى بعد درجات الايمان مباشرة، ودرجات الايمان بعد درجات الاسلام مباشرة. ومن هنا صح ان يكلف بالتقوى او يخاطب بها المؤمنون خاصة دون من كان اقل منهم.

الخطوة الثانية: ان التقوى اصلها اللغوي من اتقاء الشر، وفي حدود فهمي ان الشر الذي يتقيه الإنسان، ان كان شرا دنيويا فهو التقية، قال الله تعالى: (الا ان تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه). وان كان شرا اخرويا فهو التقوى. اي اتقاء غضب الله وعقابه بالاقتصار على الطاعة وترك المعاصي والصبر على البلاء والرضا بالقضاء.

الخطوة الثالثة: انني وجدت حسب اطلاعي القاصر، ان اعظم من وعد بالاجر والثواب والمقامات العالية في القران الكريم هو عنوانين او مجموعتين: المتقون والصابرون، ونتحدث الان عن المتقين وليس عن الصابرين.

قال تعالى: ((وتزودو فان خير الزاد التقوى)). وقال: ((والعاقبة للمتقين). وقال: ((والعاقبة للتقوى)). وقال: ((والله ولي المتقين)). وقال: ((وازلفت الجنة للمتقين)). وقال: ((ان للمتقين مفازا )). وقال: ((واتقوا الله واعلموا ان الله مع المتقين)). وقال: ((وان للمتقين لحسن مآب)).

حتى انه من الممكن القول ان النجاة الحقيقية والعاقبة الحقيقية، انما هي للمتقي. ومالم يصل الفرد الى درجات التقوى تبقى نفسه غير صافية واخرته غير صافية، ومن ثم لا يكون ((في مقعد صدق عند مليك مقتدر)).

الخطوة الرابعة : اننا اذا فسرنا التقوى على انها اتقاء المحرمات، واتقاء العذاب الاخروي الناتج منها، اذن لا يبقى بينها وبين الورع اي فرق. لان الورع هو اتقاء المحرمات، والتقوى هي ايضا اتقاء المحرمات. وفي الحديث: (لا دين لمن لا ورع له). وفي الحقيقة لا دين لمن لا ورع له لان الذي تراه يستهين بالمعاصي ويرتكبها فهو انما يستهين بامر الله سبحانه وتعالى كما انه يستهين بحقوق الاخرين طبعا ومن يكون كذلك فهو لا دين له حتى لو شهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وان عليا ولي الله، والذي لا يرضى (يلبس الباب)[1]، لانه لو كان له دين ولو كان يشعر باهمية دينه لحجزه عن معاصي الله سبحانه ولحصل لديه الورع عن المحرمات. فمن لا ورع له لا دين له حقيقة نقسم على هذا المصحف الشريف.

المهم ان الورع هو ترك المحرمات، والتحاشي عنها والحذر منها، فاذا فسرنا التقوى بذلك ايضا لم يبق فرق بين الورع والتقوى. وانا اشعر ان المتشرعة ليس لديهم اطروحة واضحة للفرق بين الورع والتقوى، بالرغم من انهم يشعرون بارتكازهم بوجود فرق بينهما وان التقوى هي بلا شك اعلى درجة من الورع. ولكن بأي شيء تختلف وبأي شيء تتصف فهذا مجهول عندهم.

الخطوة الخامسة : ان احسن ما يمكن بيانه كفرق بين التقوى والورع ان الورع هو ترك المحرمات، واما التقوى فهي ترك الشبهات او قل ترك موارد الشبهات. فاذا كان الفرد شاعرا بالمسؤولية تجاه الله تعالى بحيث يكون مجتنبا لموارد الشبهات، وكل ما يحتمل ان يكون فيه حرمة، او جرأة على الله سبحانه فانه يتركه من اجل رضاء الله سبحانه وتعالى والقرب له ونيل الزلفى لديه، فهو متقي. كما ورد في الدين ما مضمونه: (الامور ثلاثة امر بين رشده فيتبع وامر بين غيه فيجتنب وشبهات بين ذلك فمن اقتحم في الشبهات كاد ان يقع في المحرمات) (كول لا !). واما اذا لم يقتحم في الشبهات ووقف عندها واحتاط لنفسه فيها فهو المطلوب وعندئذ سيكون من المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

وهذا معناه ان المؤمن يمنع نفسه على مستويين :

اولا: المحرمات الواضحة الفردية والاجتماعية، وكذلك الباطنية والظاهرية، كسوء النية والوسواس والاعتداء، واي شيء آخر من المحرمات. وهذا معنى قوله (امر بين غيه فيجتنب).

ثانيا: ان الفرد يترك كل ما هو محتمل ان يكون كذلك من الافعال والاقوال، ولا يحاول المشي في هذا الطريق المشبوه مهما امكنه، وانما يقتصر فقط على الطريق الواضح لرضاء الله سبحانه وتعالى ونيل ثوابه. وهو معنى قوله (امر بين رشده فيتبع) اي الطريق الواضح الذي يوصل الى رضاء الله سبحانه.

وهذا هو ايضا فرقه عن الورع، فان الورع هو ترك ما احرز الفرد كونه حراما وما علم الفرد كون حراما دون ان يترك الشبهات، فيكون ورعا ولو بعنوان ان الشبهات مما لم تثبت حرمتها، وكل ما لم يثبت حرمته فهو جائز باصالة البراءة عن الحرمة ونحو ذلك وهذا صحيح فقهيا. الا انه هذا النحو من السلوك والافعال، لا يصل به الى درجة التقوى ما لم يقف عند الشبهة، ويتجنب كل ما يحتمل ان يكون سببا لغضب الله سبحانه وتعالى.

ولكن من الواضح في هذه الدرجة من التفكير، ان احتمال السوء ينبغي ان يكون واضحا او معتدا به لكي يتجنبه، بالرغم من جريان اصالة البراءة في نفيه. واما اذا كان احتمال السوء ضعيفا مرجوحا جاز له عمله مع وجود اصالة البراءة في نفيه.

الخطوة السادسة : اننا الان وان عرفنا معنى الورع، ومعنى التقوى، الا اننا لم نصل الى معنى العبارة لانه تعالى يقول ((اتقوا الله حق تقاته)) وقد عرفنا اصل التقوى، ولم نعرف معنى كونها حق التقوى. مع الالتفات الى ان قوله ((اتقوا الله حق تقاته)) امر والامر ظاهر في الوجوب، والمخاطب به هو الذين آمنوا، وانشاء الله كلنا من الذين آمنوا فماذا ستكون النتيجة ؟ يكون من الواجب على الذين آمنوا ان يتقوا الله حق تقاته. فان قلت ان نيل درجة الورع وان كانت واجبة فقهيا لانها تعني الورع عن المحرمات الا ان نيل درجة التقوى مستحبة فضلا عن حق التقوى او التقوى الحقة التي تأمر بها الاية ولا يحتمل فيها الوجوب. قلنا نعم. هكذا الامر في الفقه لان الفقهاء يأخذون بنظر الاعتبار فقط ان لا يكون المسلم ممن يستحق العقاب فان لم يستحقه كان من الناجحين وهذا اكيد وما عليهم من درجات الكمال الاخرى. في حين ان القرآن الكريم يتكفل ذلك لا محالة وكل توجيهاته نصائح لاجل نيل الكمال البشري الحقيقي النوراني. اذن فمن المستطاع القول بحمل هذه الاية على الوجوب اخلاقيا او قل هي اشتراط لزومي بنحو الحكم الوضعي او الاثر الوضعي للتكامل اي لا يكون التكامل الا هكذا. بمعنى ان لم يصل الى التقوى لم يستطع التكامل الى حق التقوى طبعا لانها درجة بعدها واكبر منها بطبيعة الحال.

الخطوة السابعة : انه يمكن تفسير حق التقوى بتفسيرين:

التفسير الاول : الدقة في تطبيق التقوى وعدم محاولة التغافل والاهمال في اي شيء اذا كان من الشبهات، بحيث يحاول الفرد ان لا يكون فيه نسيان او اشتباه او تسامح مهما كان. يحاول على اية حال بمقدار ما هو متيسر. وعندئذ ستكون تقواه حقا وليست شكلية فقط، او معمقة وليست ضحلة.

التفسير الثاني : ان التقوى ما دامت هي اجتناب الشبهات كما فسرناها وحللناها. وقلنا قبل قليل ان الفرد المؤمن انما يجب ان يجتنب الشبهات الواضحة الراجحة دون غيرها وهذا كاف على مستوى التقوى. الا ان الفرد اذا اراد ان يصل الى مرتبة حق التقوى، فعليه ان يجتنب كل الشبهات، وان ضعف احتمالها ما لم يحصل الاطمئنان بالصحة ورضا الله سبحانه وتعالى فيكون له ان يفعل والا لم يجز له العمل والاقتحام. وهذا معناه الدقة والتوسع في الملاحظة والاجتناب ومحاولة اكتساب رضاء الله سبحانه ومن هنا قال اهل المعرفة بانعدام المباح للمؤمن الحق، وكذلك ما سبق ان سمعناه من (ان الدنيا حرام على اهل الاخرة) يعني الدنيا بكل تفاصيلها وكذلك قولهم (الدنيا والاخرة حرام على اهل الله سبحانه وتعالى).

الخطوةالثامنة : انه تعالى قال: ((اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون)). فما معنى مسلمون هنا ؟ مع الالتفات الى ان المخاطب هو الذين آمنوا، والذين آمنوا هم مؤمنين ومسلمين فيخاطبون بالاسلام لماذا ؟ فلو كان المراد به اصل الاسلام اي الدخول في الدين الاسلامي لم يصح لان ذلك مطلوب من الكفار لا من المؤمنين. ونحن نعرف ان كل مؤمن مسلم، فاذا كان مؤمنا ومسلما فهو حاصل على الاسلام فلا معنى لطلبه منه.

وكذلك مع الالتفات الى ان هذا المعنى من الاسلام في الاية قد جاء بعد طلب التقوى الحقة، قال ((واتقوا الله حق تقاته)) ثم قال ((ولا تموتن الا وانتم مسلمون)). اذن فهو يمثل مرحلة اعلى من ذلك كله وهو امر طويل المدى لا يأتي في ساعة او ساعتين او يوم او يومين وانما يأتي في طول السنين وبالتدريج البطيء ولذا قال تعالى ((ولا تموتن الا وانتم مسلمون)). واحسن تفسير ممكن لذلك هو التضحية في سبيل هذه النتائج واسلام النفس اي تسليم النفس والعقل والجسم لها بحيث لا يعيش في غيرها ولا يفكر في سواها. وهذه تضحية كبيرة في سبيل الله. كما قال في الحكمة: (ما ترك الحق لي من صديق). بل الامر اكثر من ذلك لان الفرد يشعر بوضوح ان عدوه موجود عنده وباستمرار متمثلا في نفسه الامارة بالسوء، اذن ما ترك الحق لي من صديق حتى نفسي.(كول لا !). كما قال في الحكمة: (اجعل نفسك عدوا تحاربه). وسلم بهذه التضحية الكبرى في سبيل الله تسليما كاملا ولاحظ ذلك طول عمرك ملاحظة مستمرة جزاك الله خير جزاء المحسنين.

بسم الله الرحمن الرحيم والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الامين * لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم * ثم رددناه اسفل سافلين * الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم اجر غير ممنون * فما يكذبك بعد بالدين * اليس الله باحكم الحاكمين * صدق الله العلي العظيم



--------------------------------------------------------------------------------

[1] مصطلح عامي معناه يخرج خارجا.
__________________
__________________
احمد1976 غير متواجد حالياً  
 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
خطبة 19 لولي المقدس السيد محمد الصدر قدس سره احمد1976 ملفات و وثائق 0 11-05-2008 10:07 AM
تقرير مصور عن تظاهرة رفض الاحتلال للجمعة الاولى من رمضان الكريم freetravel منتدى الشؤون السياسية العراقية 0 09-06-2008 04:41 PM
البصرة تستضيف الدورة التدريبية الاولى بلعبة البيسبول safaa-tkd واحة شهداء التايكواندو الرياضية 1 02-24-2008 08:23 AM
المنتخب الاولمبي يغادر الجمعة متوجها إلى بكين safaa-tkd واحة شهداء التايكواندو الرياضية 0 10-14-2007 04:09 PM
خطباء الجمعة يطالبون بوقف التدخلات الخارجية في الشأن العراقي safaa-tkd منتدى الشؤون السياسية العراقية 0 09-29-2007 11:56 AM


الساعة الآن: 06:37 AM


iraqiforum.net © 2007 vbulletin