Untitled 1Untitled 1


العودة   المنتدى العراقي > المنتدى الثقافي > مكتبة الدكتور علي الوردي
التسجيل البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

مكتبة الدكتور علي الوردي واحة مخصصة لنشر الكتب و الأبحاث

رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 08-28-2007, 05:08 PM   #11 (permalink)
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,241
افتراضي رد: تاريخ العراق

(10)العراق: القرار البريطاني والتطلعات المحلية


د. غسان سلامة(*)

يكوّن العراق المعاصر وريثاً طبيعياً لسلسلة من الأنظمة السياسية التي انبثقت من بلاد الرافدين، بحيث يمكن لأي عراقي معاصر أن يري في تاريخه مراحل مهمة كان العراق فيها كياناً سياسياً متميزاً إلى جانب المراحل الأخرى حيث تم دمج هذا الكيان في أطر أوسع أولى مراحل التمييز (ومن أهمها) تمتد من حوالي سنة 3500 إلى حوالي سنة 2500 قبل الميلاد، هي مرحلة الحضارة السومرية التي انتقلت من جنوب البلاد لتضم مناطق شمالية في العراق وسوريا المعاصرين. وكانت المرحلة السومرية على الأرجح تمثل حضارة سياسية متكاملة قام التنظيم فيها على أساس تحالف هش بين مدن - دول. تلت ذلك مملكة متقدمة التوحد والاندماج تحت سيطرة الأكاديين لفترة قصيرة. تلت ذلك مرحلة تفتت شبه متواصلة قطعتها مراحل كان العراق فيها شبه موحد لا سيما أيام حمورابي (1792 - 1750 قبل المسيح). وتتابعت موجات من الغزو العسكري ومن الهجرات الديمغرافية الواسعة، إلى أن نشأت دولة الآشوريين (عاصمتها نينوى - الموصل)، لفترة وسقطت تحت ضربات شعوب مهاجرة من بلاد فارس. وأعيدت إلى بابل زعامتها لفترة، إلى أن عاد العراق عرضة لفتوحات الفرس فالمقدونيين والبيزنطيين وغيرهم. ثم جاء الفتح الإسلامي، وأبرز مراحله معركة القادسية 637م التي طردت الفرس من بلاد ما بين النهرين. غير أن معركة صفين التي تلتها أعطت العراق شخصية سياسية متمايزة طائفياً، من خلال تمركز الخوارج والشيعة فيه من خلال التمرد المستمر، ذي الطبيعة الاجتماعية أحياناَ، للموالي. غير أن العراق عاد فأصبح مركز السلطنة بعد 749م وإعلان أبي العباس نفسه خليفة، وانتقال عاصمة الإسلامية إلى بغداد بعد ذلك بسنوات(1).
غير أنه مع سقوط الدولة العباسية، ولا سيما بعد احتلال المغول لبغداد عام 1258م، دخل العراق دائرة النفوذ الفارسية مجداداً لقرنين. وكانت شخصيته غير متمايزة إلى حد كبير ان بسبب اتساع رقعة قبلها السلطنة السلجوقية شرقاً في إيران وغرباً في سوريا، أو لنشوء كيانات شبه مستقلة لا سيما في الحلة وفي الموصل. وفي عام 1534م دخل العثمانيون بغداد وادمجوا العراق في سلطنتهم لفترة تقارب أربعة قرون، انتهت بالاحتلال الإنكليزي خلال الحرب العالمية الأولى، وبإنشاء دولة العراق الحديثة.

دعاة هذه الدولة قد يجدون لها جذوراً عميقة في سومر والأكاديين والبابليين والعراق المتمرد على معاوية والخلافة العباسية، هذا من دون ذكر دولة اللخميين عشية الفتح الإسلامي، أو الدولة الشيعية في الكوفة، أو دولة الزنكيين في الموصل، ناهيك عن شبه استقلال المماليك الجيورجيين المتأخر في القرن الثامن عشر، وان في إطار الدولة العثمانية. بالمقابل، قد لا يرى آخرون في هذه «السوابق» مادة تذكر، فيشيرون إلى أن العصور التي كان فيها العراق جزءاً من إمبراطورية واسعة كانت أطول بكثير من مراحل تمايزه ككيان سياسي. وحتى في حالات التمايز، يبقى مفهوم «العراق» غير مستقر. فالخوارزمي (ومعاصروه) كان يعني بـ «العراق» المنطقة الجنوبية ذات الأكثرية الشيعية الساحقة التي يحدها شمالاً خط ينطلق من الرمادي إلى تكريت شرقاً. وأيام البويهيين الشيعة، كان العراق أكبر من ذلك بقليل وكانت عاصمته بغداد. وقد يكون أقرب السوابق للعراق الحديث هو عراق المماليك الجيورجيين (1749م - 1831م) الذين حكموا البلد تحت وصاية بني عثمان الاسمية(2).

ما يهمنا من التاريخ هنا، هو انه يحتوى، في آن معاً، حججاً ومبررات للعراقيين المعاصرين، كما للذين يريدون تمزيقه دويلات أو ضمه لما هو أكبر منه. على أي حال، لم يكن في الثقافة السياسية قبل المعاصرة لا في منطقتنا ولا في خارجها، هذا التقديس شبه الديني للحدود. لكنه «للعراقيين» حجة في أن الإنكليز بعد سيطرتهم على البلاد لم يتأرجحوا طويلاً في عملية تحديد عدد وهوية الكيانات السياسية التي سوف ينشئونها. فلا ترى في العراق، بالحدة نفسها التي تلمسها في سوريا، تلك الذبذبة في الأوساط الاستعمارية حول مستقبل البلد وحدوده. ثم انك لا ترى في العراق ردود فعل على إنشاء الكيان عنيفة تدعو إلى تقسيمه أو إلى إدماجه في دولة أكبر. هناك شبه قناعة متبادلة بالكيان العراقي بين بريطانيا وأبناء البلاد، في وقت كان الإيرانيون في حال من الضعف والانقسام لا تسمح لهم بالتدخل في مسار تنفيذ الأهداف البريطانية، بينما استطاعت بريطانيا إبقاء الموصل ضمن الأراضي العراقية بوجه المطالبات التركية من جانب، والفرنسية - السورية من آخر لفصلها. وتشير هذه المطالبات ضمناً إلى تمايز الموصل النسبي عن باقي العراق. لكن مجمل العراقيين حوّلوا النقاش بصورة شبه فورية إلى مسألة استقلال البلاد عن بريطانيا، مبتعدين عن هواجس إعادة النظر في حدودها.
بقي أن تُبنى تلك الدولة، وبطريقة تسمح لبريطانيا بإدخالها في دائرة نفوذها السياسي والاقتصادي دون كلفة كبيرة. ويظهر من وثائق تلك المرحلة أن بريطانيا كانت ترى أن هناك ثلاثة شروط أساسية لتحقيق أهدافها:

1 - إنشاء دولة «عصرية» ذات حدود وسلطة مركزية لفرض الأمن وجباية الضرائب وحماية المصالح البريطانية من الداخل.
2 - سيطرة نخبة محلية حليفة / تابعة على جهاز الدولة الوليدة.
3 - قبول المنافسين الآخرين من الدول العظمى لهذا الأمر.


هذا الشرط الأخير حققته بريطانيا، عبر سلسلة من أعمال الأمر الواقع على الأرض ومن المفاوضات الدبلوماسية المكثفة كاحتلال بريطانيا للموصل، بعد أن كانت قد وقعت اتفاقية هدنة مع تركيا (والجيش التركي ما زال في المدينة)، واتفاقية سايكس - بيكو وقد صححها لمصلحة بريطانيا اتفاق كليمنصو - لويد جورج، ناهيك عن مؤتمر السلم في باريس وعصبة الأمم واجتماعات سان ريمو التي كرّست فعلاً الوجود البريطاني في العراق، بعد إنشاء الدولة اسماً.
وكان الواقع الذي نتج عن الحرب العالمية الأولى، دفع القيادات البريطانية للنظر في امكان أعادة صياغة الشرط الثالث لما فيه مصلحة إضافية لبريطانيا. كان الهدف البريطاني الأول على الأرجح، إدخال فرنسا في الشرق الأوسط لمواجهة أطماع روسية محتملة. لكن الاستيلاء على الموصل ومناطق أخرى، كان من الواجب اعتبارها ضمن النفوذ الفرنسي وفقاً لاتفاقيات سايكس - بيكو، أدى إلى نشوء «ذهنية توسعية في الأوساط البريطانية القائدة»، تدعو إلى التخلي عن هذه الاتفاقيات بهدف توسيع رقعة النفوذ البريطانية، بحيث لا يترك لفرنسا سوى حيّز ضيق يضم لبنان ومرفأ الاسكندرون، وبعض الحماية على الأرمن.

كان اللورد كرزون واضحاً فيما يخص الدول التي قد تنشأ. فهو قال عن العراق انه يجب حكمه من خلال «واجهة عربية من خلال محمدي محلي، تساعده إدارة عربية قدر الإمكان وبإرشاد بريطاني»(3). ولكن بريطانيا، التي كانت تشعر بقوة متجددة إزاء فرنسا، لم تكن ترتاح للولايات المتحدة، بحيث رأى رئيس الوزراء البريطاني أنه، لدفع واشنطن لقبول مبدأ الانتداب المستحدث، قد تكون أسهل الطرق توريط أمريكا في الشرق الأوسط كدولة منتدبة على أرمينيا مثلاًً، ذلك «ان شئنا استمرار الإمبراطورية كتجمع واسع من الأمم، فمن الضروري الاستعانة بالولايات المتحدة الأمريكية»(4). ومن هنا خطة بريطانية واضحة في الشرق تقضي بلجم التوسع الروسي، وتصغير رقعة النفوذ الفرنسي وتوريط الولايات المتحدة الأمريكية كقوة رديفة لبريطانيا.

لكن النجاح لم يكتب لهذه الخطة. ففرنسا هاجمت سوريا واحتلتها، وقضت على دولة «المحمدي المحلي» (الأمير فيصل) الذي تدعمه لندن في دمشق. وفي الولايات المتحدة، فقد تلكأ الكونغرس في تبني السياسة الولسنية. وجاءت المعاهدة الروسية – الفارسية سنة 1921م لتقضي على آمال لندن بإبقاء موسكو خارج الشرق الأوسط نهائياً. أما أرمينيا التي كان من الممكن توريط واشنطن بالانتداب عليها، فقد استطاعت القوات التركية والسوفياتية تمزيقها دون رجعة. هكذا وجدت بريطانيا نفسها في مطلع العشرينات في وضع غير قادر، لا عسكرياً ولا مالياً، على ضبط الإرث الجغرافي الشاسع الواقع بين أيديها، مما زاد طبعاً من عزمها على إنشاء كيانات محلية مكتملة تستطيع ضبط المجتمعات المحلية، ومن ثم ربطها بالمصالح الاستعمارية البريطانية.

هذا الربط بين «المحمدي المحلي» ووزارة المستعمرات كان ضرورياًَ، لأن فرنسا استطاعت تحسين وضعها بصورة ملموسة بعد معركة ميسلون ضد جيش يوسف العظمة المتواضع والمهزوم سلفاً. لأن تركيا استطاعت، بفضل نشاط مصطفى كمال أتاتورك وحزمه، إعادة بناء ذاتها بسرعة كافية لكي تطالب بالموصل والاسكندرون (وربما بشمال العراق وشمال سوريا بكاملهما)، والسيطرة الغربية على تلك المناطق لم تتوطد بعد.
وكان الربط ضرورياً أيضاً لأنه، في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، كانت السياسية الولسونية التدخلية قد غابت، ليحل محلها موقف واضح يقضي بفصل مسألة حماية المصالح الاقتصادية الأمريكية عن مسألة التدخل الأمريكي في الشؤون السياسية العالمية. هذا الموقف شكل بدوره رافداً أساسياً في مسار بناء «الدول الوطنية» في المستعمرات السابقة، والتي تديرها «حكومات محلية» قادرة على فتح الأسواق لا أمام السلطة الاستعمارية، بريطانية كانت أو فرنسية فحسب، بل أمام الدول الصناعية كلها، لا سيما الولايات المتحدة ذاتها.

هذا التشجيع الأمريكي لنشوء النخب المحلية المتحررة من سيطرة الاستعمار الأوروبي القديم كان واضحاً في غير منطقة من العالم لا سيما في أمريكا اللاتينية، ولكنه بقي تشجيعاً خجولاً في الشرق الأوسط، وذلك على الرغم من ردود الفعل الايجابية التي كانت مبادئ ولسون الشهيرة قد أنتجتها في صفوف الوطنيين العرب. لكن سوء تفاهم أساسياً حصل على الأرجح بين واشنطن و«محبيها» العرب في تلك المرحلة. فإدارة ولسون لم تكن على الأرجح ترى أن كيانات الشرق الأوسط «ناضجة» بما فيه الكفاية لكي تكون مستقلة. من هنا قبلت واشنطن ضمناً بتقسيمات سايكس - بيكو، وتحمست علناً لفكرة الانتداب بينما كان العرب يرون في واشنطن قوة عصرية مؤيدة للاستقلال.
الخطر البولشفي، التحفظ الأمريكي، التحسن النسبي في أوضاع فرنسا المشرقية عناصر أدت جميعاً إلى السياسة البريطانية الحقيقية لما بعد الحرب، والتي وضعت معظم أسسها في اجتماع القاهرة الشهير (12/3/1921م) الذي رأسه ونستون تشرشل شهرين بعد تعيينه وزيراً للمستعمرات. كان الهدف النهائي للاستراتيجية الجديدة بناء دولة مستقلة شكلياً، إنما مرتبطة ببريطانيا، وغير مكلفة بتاتاً للخزانة البريطانية. هذا كان رأي تشرشل نفسه: «اني آمل أن يصبح العراق في وضع يسمح له بأنه يكون دولة مستقلة، تربطها ببريطانيا الصداقة، وموقف ايجابي من مصالحها التجارية، دون أن تضع أي عبء على وزارة الخزانة»(5). وكانت معاهدة 10/10/1922م بين العراق وبريطانيا تجسيداً لهذه الاستراتيجية التي قضت، بحسب تعبير ستافرز إلى أن «يدفع العراقيون، كغيرهم من شعوب الإمبراطورية غير البيظاء بشرتهم، ثمن حكم بريطانيا لهم»(6). وكانت لندن تنظر للمعاهدة على أنها شهادة ولادة الدولة الحديثة التي لا يمكن لأي نص لاحق أن يناقضها، بما في ذلك الدستور الدولة الجديدة. وجاءت الملاحق المالية والإدارية تثبت دعائم السياسة الجديدة بحيث رأى العراق نفسه بحاجة للاستمتاع لنصائح «مستشارين» بريطانيين، ولدفع مرتباتهم، لا بل ونفقات المفوض السامي البريطاني نفسه. أما الناتج النهائي فكان نشوء طبقة جديدة من الكومبرادور المحليين، المرتبطين في نشأتهم ونمو نفوذهم وثروتهم ببريطانيا.
تم عملياً إنشاء الدولة الجديدة بسرعة. ففي خريف 1920م وصل كوكس، مندوباً سامياً، إلى بغداد، وقام باختيار نقيب الأشراف فيها رئيساً لأول حكومة. ثم دخل مباشرة في عملية ذكية من الضغط، بإصداره بيانات فحواها أنه يعود إلى العراقيين ان يختاروا نظامهم السياسي، وذلك من خلال «مؤتمر عام». ولكن عليهم أولاً انتخاب مندوبين عنهم لهذا المؤتمر العام، مما يعني دورة انتخابات. لكن هذه غير ممكنه طالما الثورة مشتعلة، والنتيجة محاولة إبراز الثورة على الإنكليز كعقبة أمام تقرير العراقيين لمصيرهم.
ثم قام البريطانيون بقمع محاولة الشيخ محمود الانفصال بلواء السليمانية لنفسه، وقرروا إرسال فيصل للعراق. فقام جعفر العسكري، وزير الدفاع، بطلب انتدابه من أبيه ملك الحجاز، بينما أجاب فيصل الطلب بقوله: «إذا كان أهل العراق يرغبون حضوري، فأنا مستعد للحضور». وقام البريطانيون بإبعاد السيد طالب النقيب إلى سيلان، بعد أن تبدت منه معارضة لاستقدام فيصل، على الأرجح لطموحه بالمركز لنفسه. أما الدور البريطاني النشط في كل العملية، فتلخّصه أحسن تلخيص إحدى برقيات ملك الحجاز إلى ممثله في لندن: «أشرفنا سابقاًً باستعدادنا لانفاذ رغائب بريطانية، سيما ما اخبرنا به فيصل. ننتظر أخبارنا بميعاد سفر فيصل كي نبلغ العراقيين ذلك دفعاً للشائعات». وأرسلت الحكومة البريطانية باخرة خاصة حملت فيصلاً من جدة إلى البصرة، التي وصلها في 23/6/1921م. ثم نظّم كوكس (والحكومة ما يشبه جلسات البيعة في ألوية العراق، جاءت نتيجتها على الاجمال مؤيّدة، مرفقة بعدد من المطالب المحلية كبعض من الاستقلال الذاتي في البصرة، وحماية حقوق الأكراد في الشمال، ومن المثير أن معظم المضابط الواردة اشترطت بقاء إنكليز. وتوّج فيصل في 23 آب / اغسطس 1921م ملكاً على العراق(7).
هذه الاستراتيجية البريطانية كتب لها النجاح. فهي أدّت إلى إحلال نخبة محلية جديدة (تضم العاهل ذاته) في موقع الاتهام من قبل القوى الوطنية، بدل أن تكون نقمة العراقيين موجهة، كما في ثورة عام 1920م، ضد بريطانيا نفسها. وكانت المعارضة العراقية، على رغم وعيها لحقيقة المخطط البريطاني، عاجزة عن الرد عليه بصورة فعّالة، خصوصاً وان النخبة السنية المدينية الإدارية - العسكرية في أكثريتها الساحقة، كانت قد اختارت الدخول في لعبة بناء الدولة الفيصلية. وواقع الحال انه لم يكن هناك أمام العراقيين خيار آخر خصوصاً وان انسحاب الدعم البريطاني ، عاجزة عن الرد عليه بصورة فعّالة، خصوصاً وان انسحاب الدعم البريطاني كان يمكن أن يؤدي إلى تدهور الموقف العراقي إزاء جيران توسعيين، لا سيما الأتراك منهم والسعوديين ومن ثم الإيرانيون. كان الدور بريطانياً أساسياَ في الحفاظ على سلامة الأراضي العراقية.
ولقد ساعدت في نجاح الخطة، بعد نظر بريطانيا في ما يختص بمالية الدولة الجديدة. كان من الممكن طبعاً أن تقوم بريطانيا، قدر الامكان بنهب العراق، على الطريقة الاستعمارية القديمة. ولكن هذه السياسة لم تعد ملائمة، بالنظر إلى تطلعات النخب المحلية في الدول المستعمرة بعد الحرب العالمية الأولى، وبالنظر أيضاً لضغوط الدول الصناعية الأخرى، لا سيما الولايات المتحدة، المعارضة لاستئثار أي طرف استعماري بسوق جديدة. من هنا ساهم البريطانيون في الدفاع عن المصالح الاقتصادية الوطنية العراقية بمواجهة شركات النفط. والهدف من ذلك كان مزدوجاً: الأول إعطاء الدولة الجديدة مجالاً لتحصيل واردات كافية لكي تعيش ولكي تدفع ما يترتب عليها من واجبات مالية تجاه بريطانيا. والهدف الثاني كان تصوير بريطانيا وكأن لها مصلحة لا متقاربة مع العراق فحسب، بل متشابهة ان لم تكن واحدة.
لكن هذه السياسة البعيدة المدى لم تكن لتمنع بريطانيا من مواجهة التناقض الأساسي في سياستها: ان كان الهدف بناء دولة، فمن الضروري السماح للنخبة المسيطرة عليها بتحسين صورتها في الأوساط الوطنية بإعطائها، ان لم يكن استقلالية، فعلى الأقل بالسماح لها بأن تظهر لمواطنيها وكأنها تحكم. ولكن ما ان كان المفوض السامي يسمح لهذه النخبة بهامش استقلالية ما، حتى كانت ترى نفسها تعطى «التنازل» تلو الآخر للقوى الوطنية، مما يثير رد فعل بريطانياً جديداً لوضع حدود لها. وكان الملك فيصل، بمزيج من التعاطف مع أبناء بلده بالتبني ومن الضعف أمام الضغط البريطاني، مثالاً لهذه النخبة التي وجدت لندن نفسها إزاءها في موضع المراقب الدائم لنخبة غير قادرة على حماية مصالح بريطانيا، في غياب رقابة هذه الأخيرة.
نجح المشروع البريطاني إلى حد كبير على الرغم من تناقضاته. وتناقضه الرئيسي كان طبعاً وضع رأس هرم الدولة الوليدة المحشور بين حركة وطنية معادية للاستعمار، وبين بريطانيا. تأرجح الهاشميون وأعوانهم من النخبة السياسية بين التقارب مع العناصر الوطنية (وكان هذا أحياناً من سياسات فيصل) وبين الارتماء في أحضان الإنكليز (لا سيما أيام الوصي عبد الإله ونوري السعيد). ولحسن الحظ فإن أمام القارئ اليوم دراسات ممتازة عن تلك المرحلة، وعن مأزق الأسرة الحاكمة وأعوانها، تغنينا عن الدخول في التفاصيل. المهم من وجهة النظر المعتمدة هنا، هو نجاح النسخ الذي أنشأه البريطانيون، على الرغم من تنازلات متلاحقة للوطنيين أحياناً، وللولايات المتحدة أحيانا أخرى، وعلى الرغم من تقطعات محدودة للنسق، لا سيما خلال حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941م. وقد استمر النسق فعلاً زهاء أربعة عقود) (سلطة سياسية مستقلة حقوقياً تؤمن لبريطانيا ثمن تبعية البلد بأسره).
ما يهمنا هنا، هو أن سقوط النسق عام 1958م لم يؤد إلى إعادة نظر حقيقية في الإطار الجغرافي - القانوني الذي كان البريطانيون قد وضعوا حدوده. كان هناك عراقيون عديدون، لا سيما البعثيون والناصريون وأعضاء حركة القوميين العرب بينهم، يدعون إلى إسقاط النسق التابع وإطاره الجغرافي - الحقوقي معاً، في سبيل إطار وحدوي عربي بقدر ما هو مستقل عن الغرب. وكانت هناك بالمقابل حركات انفصالية لا سيما بين الأكراد، وخلال فترة محدودة حول آل النقيب في البصرة، وفي قبيلة المنتفك. ولكن دراسة للحركة الوطنية العراقية قبل 1985م وبعدها تشير بوضوح إلى قبول واسع بالإطار يقابله رفض للنسق. بل على العكس فإننا نرى أكثر العراقيين قرباً من بريطانيا، وأعظمهم مصلحة في الحفاظ على نسق التبعية لها هم أكثر استعداداً للتضحية بالاطار القانوني - الجغرافي العراقي لمصلحة التوسع باتجاه «سوريا الطبيعية» في الوقت الذي يقبل قادة حركة الوطنية على تنوعها بالإطار الجغرافي - الكياني العراقي، بينما هم يكيلون الضربة تلو الأخرى لمصالح بريطانيا ولحلفاءها في المنطقة.
ففكرة الكيان المميز واضحة لدى عراقيي العشرينات. في خطاب تتويجه ملكاً، يتحدث فيصل عن العراق مشيراً إلى أنه «شعب» و «وطن» بل و «امة». ولا ترى في أدبيات العشرينات إشارات واضحة إلى غير ذلك من الولاءات ما فوق العراقية بل على العكس فقد تكاثرت الدعوات الانفصالية من البصرة إلى السليمانية إلى الموصل. ولا ترى في خطابات الملك ولا في البيانات الوزارية إشارات إلى انتماء غير الانتماء إلى العراق. ويصح هذه الأمر أيضاً على مناهج الأحزاب. ففي برنامج حزب التقدم الذي أعلن عبد المحسن السعدون تكوينه سنة 1925م ليس هناك أية إشارة إلى أي أمر خارج الحدود العراقية. أمـّا حزب ياسين الهاشمي، حزب الشعب، فقد دعا فقط إلى دخول العراق عصبة الأمم، ويتضمن منهاج حكومة جعفر العسكري (1926م) دعوة إلى «المودة والاحترام مع الدول المجاورة»، وجاء في مشروع التجنيد الإجباري الذي طرحته الحكومة عينها «إنّ الأمة العراقية انتهزت كل فرصة للإعراب عن رغبتها في ان تعيش حرة مستقلة وان تتبوأ مكانتها بين الأمم المتمدنة العزيزة الجانب». ويتحدث منهاج وزارة عبد المحسن السعدون (1928م) عن «مؤازرة الأمة ومساعدتها» وعن «حسن الجوار مع الممالك المجاورة» من دون التفريق بينها، بينما يتضمّن برنامج حزب العهد «إنماء العلاقات الحسنة مع الدول المتجاورة والمتحابة» وبعد كل دورة انتخابية كان خطاب العرش يرحب بـ «ممثلي الأمة»، وبعد استقلال العراق حيّا الملك «اعترف الأمم بأننا أمة حرة ذات سيادة تامة»(8).
هذا الانسياق للقبول بأولوية الولاء للوطن العراقي الجديد، على وضوحه، لم يكن يعني إدارة ظهر كاملة لما كان يجري في المنطقة. ففي 10 شباط / فبراير 1928م، تظاهر العراقيون بكثرة ضد الصهيونية، يدفعهم لذلك شعور بالتضامن مع الفلسطينيين، ووطنيتهم المعادية للإنكليز والباحثة عن مبرر دائم لإبراز ذاتها. كما ان هذه المشاعر العربية ستجد متنفساً أوسع لها بعد حصول العراق على استقلاله، وبعد تبوؤ نوري السعيد رئاسة الحكومة. وفي 1931م بدأ الحديث عن «حلف عربي» وطار نوري السعيد إلى الدول العربية المستقلة آنذاك لهذا الهدف. لكن المحاولة، على اسمها الفضفاض، أدت عملياً إلى عدد من الاتفاقيات الثانية للصداقة مع نجد – الحجاز، وشرق الأردن واليمن ومصر، أشار بعضها إلى تبادل المجرمين. وقد تكون أول إشارة رسمية لميل العراق للعب دور عربي نشط ما جاء في بيان حكومة ناجي شوكت (1932م) من أنها ستسعى إلى «كل ما من شأنه تقوية الروابط الأخوية التي تربط العراق بالبلدان العربية المجاورة، بصورة تؤدي إلى تعزيز روح الاخاء والمنافع المشتركة»(9). لكن هذا التمييز للعلاقات العربية ما لبث ان تراجع في بيانات الحكومات التالية التي تتحدث عن «علاقات الصداقة مع الممالك الأخرى» فحسب.
وقد عاش العراق مرحلة صعبة للغاية في الثلاثينات، تميزت بكثرة الانتفاضات القبلية، وبتدخل متزايد للضباط في الحياة السياسية. لكنه على الرغم من ذلك، فقد عاد اهتمامه بالشؤون العربية يتعاظم مع نهاية الثلاثينات، إن من خلال وزارات نوري السعيد «القومية» كما كانت تسمّى، أو من خلال المجموعة العروبية داخل الجيش، والتي كان أبرز أفرادها صلاح الدين الصباغ. وكان هناك حديث، ولو محدود عام 1939م، عن امكان ضم سوريا للعراق، كمحاولة لحل مشكلة استقلالها المجمّد عن فرنسا. وتبنّت حكومة الكيلاني عام 1940م مبدأ مساهمة العراق في استقلال الدول العربية، بينما كان نوري السعيد يؤكد على ضرورة «توثيق وإنماء الصلات بالأقطار العربية». وبعد الحرب العالمية، توطّد الاتجاه العروبي. فلئن جاء في منهاج حزب الأحرار «التعاون مع الحكومات العروبية»، فقد سعى الحزب الوطني الديمقراطي إلى «اتحاد البلاد العربية بجميع الأمور المشتركة بينها في إدارة موحدة أو نظام مشترك». وكان من أهداف حزب الاستقلال «تكوين نظام اتحادي بين البلاد العربية» بينما اكتفى اليسار الماركسي آنذاك بالدعوة إلى «التعاون والتضامن». وفي الدعوة لسياسة عربية نشطة، نرى السلطة ذاتها، والتيار القومي معاً، يتنافسان، وقد أثارت نشاطات نوري السعيد حفيظة دول عربية عديدة آنذاك، مما اضطره باستمرار إلى تكذيب أمور كانت غير قابلة للتكذيب مثل بيانه(10).
ويجب القول إنه خلال المرحلة الملكية بأسرها كان تعبير«القومية العربية» يتردد أحياناً كثيرة في الصحافة العراقية. لكن دراسة الظروف المحيطة باستعمال هذه المفهوم، لا تدفع بالضرورة لاستنتاج أن ما عُني به فيها إقامة وحده عربية شاملة يذوب فيها الكيان العراقي الحديث. وواقع الحال أن تعبير «القومية» كان يشير إلى ما كان يمكن أن ندعوه اليوم «هوية» كما في ردود الصحف البغدادية المؤيدة للحكومة على رجال الدين الداعين عام 1923م إلى مقاطعة الانتخابات. فالعروبة هنا هي عدو «الأعجمية» التي تنافسها في تحديد هوية الكيان الحديث. المعطى بالأساس ثقافي – لغوي، وعندما يصبح سياسياً، فللدلالة على لغة العراقيين وثقافتهم وتطلعاتهم المتميّزة عن جيرانهم الفرس، وليس بالضرورة لميلهم الشديد إلى مشروع سياسي وحدوي لم يكن بالفعل مطروحاً سيما بعد فشل «الثورة العربية»، بصورة ملحة.
هذه الظاهرة المميزة أعطت النظام الجمهوري الأول في العراق مقدرة كبيرة على مواجهة المد الوحدوي، ذي القيادة الناصرية آنذاك، وعلى تبني خط سياسي مميز شعبوي وعراقي في الآن نفسه، لا نجد له شبيهاً حقيقياً في المنطقة. إذ ان مدى قبول العراقيين للكيان الذي يجمعهم كان أكبر مما اعتقده الوحدويون، بل ان العراقيين بدوا مستعدين للتمييز في مشاريع حزب الاستقلال أو جماعة الأهالي، كما يبرز ضمناً في «وثبة» 1948م و«انتفاضة» 1952م، على الرغم من أن بعض المؤرخين خلط بين تأثر الانتفاضة بما جرى في مصر وبين اتجاهها الوحدوي المزعوم. لهذا استطاع قاسم، والموجة الوحدوية في عزها، ان يطرد عبد السلام عارف «القومي» من السلطة وأن يقمع تمرد الموصل «العروبي» بالتحالف مع الحزب الشيوعي، كما مع رموز مهمة من العمل الوطني ضد النظام الملكي، من دون ان يرفضه العراق تلقائياً.
ولم يتزعزع هذا القبول فعلاً مع سقوط النظام «الانعزالي». فلا الاخوان عارف، ولا حزب البعث استطاعوا ان يخطوا خطوة واحدة في اتجاه وحدوي عربي. فلم تدم الموجة الوحدوية مع سوريا إلا أشهراً عام 1979م، كما لم يدخل العراق (أو أنه لم يُدخل) إلى مجلس التعاون الخليجي. لا بل انه يمكن القول إنّ كل اتفاق مع الأقلية الكردية المتمردة كان يتم لمصلحة تثبيت دعائم الكيان العراقي، إذ تضطر السلطة إلى إعادة تأكيد تمسكها بالوحدة الوطنية العراقية. زد على ذلك اندلاع الحرب مع إيران، وأقل ما يقال عنها انها لم تؤد إلى صعود تيار عربي قومي مؤيد للموقف العراقي.




الهوامش
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) أستاذ العلوم السياسية في جامعة السوربون، وزير الثقافة اللبناني الأسبق.
(1) دخل العراق خلال المرحلة العباسية مرحلة من التمزق بسبب الضغط الفارسي عليه حمل قادته على النظر لحلفاء جدد، فجاء هؤلاء ولم يكونوا أكثر رأفة به من الفرس. يصف عبد العزيز الدوري هذا التمزق بقوله: «كانت الفتنة بين الأمين والمأمون عاملاً مهماً ومباشراً في فشل التعاون والتوازن بين العرب والفرس، إذ اكتسحت القوات الخراسانية بغداد وقضت على الأمين. ولئن كانت القوات الخراسانية التي قضت على الأمويين مختلطة، عربية وإيرانية، فإنها الآن إيرانية كلياً مما أدى إلى رد فعل سريع وعنيف من قبل البغداديين (وأهل العراق) ضد الخراسانية. وكان هذا الوضع عاملاً في اتجاه العباسيين إلى المماليك الأتراك، فكانت هذه بداية السيطرة التركية في بلاد الإسلام». انظر: عبد العزيز الدوري، التكوين التاريخي للأمة العربية: دراسة في الهوية والوعي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984م) : 99.
(2) من الصعب على أي كان رفض هذا التحديد للعراق بقلم أحد أبنائه، عبد العزيز الدوري، المصدر نفسه :101. يمكن الاستنتاج منه أن التوترات الحالية في الهوية والولاء ليست حديثة على الإطلاق، فهي على الأرجح قديمة قدم البلد ذاته: «العراق مهد حضارة عريقة كوّنتها شعوب الجزيرة العربية وساحة صراع بينها وبين ثقافة أخرى آرية. وبعد قيام الإسلام وظهور دور العرب في التاريخ صارت ساحة صراع بين العروبة والأعجمية وبين الآراء الدينية المجوسية وبين الإسلام».
(3) نقلاً عن:
William Stivers, Supermacy and Oil: Iraq, Turkey and the Anglo World Order,1918-1930, (Ithaca, N.Y.: Cornell University Press, 1982), p. 29.
أما السيد برسي كوكس، فقد أعلن انه جاء العراق «لتشكيل حكومة وطنية بنظارة حكومة بريطانية» وبما ان الثورة كانت ما زالت قائمة حين وصوله فقد أضاف : «ولقد يصعب جداً على فخامته تنفيذ منويات الحكومة البريطانية، ما دامت بعض أقسام العشائر والطوائف في العراق تعادي الحكومة». انظر: عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ط 5 ، 10 ج (بيروت: دار الكتب، 1978م)، ج 1: 10. وان استطاع كوكس الكلام بهذه الطريقة فلأنه كان في بغداد من كان على استعداد للتعاون معه.
(4) نقلاً عن: Stivers, Ibid., p.29.
(5) المصدر نفسه : 78.
(6) المصدر نفسه : 79.
(7) المقتطفات نقلاً عن: الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ج 1: 40.
(8) المقتطفات نقلاً عن: المصدر نفسه، على التوالي: ج 1: 109، 151 و ج3: 98.
(9) المصدر نفسه، ج 3: 214.
(10) انظر مثلاً: المصدر نفسه، ج 8: 97.



المصدر: المجتمع والدولة في المشرق العربي / د. غسان سلامة / مركز دراسات الوحدة العربية: 29.

نقلاً عن الحضارية
safaa-tkd غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-28-2007, 05:18 PM   #12 (permalink)
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,241
افتراضي رد: تاريخ العراق

(11)كلمات عراقية سائدة إلى اليوم ذات أصل بابلي وآشوري


مهدي صندوقجي(*)



احتفظت لنا الذاكرة العراقية بالكثير من الكلمات والتعابيرالأكدية (بلهجتيها البابلية والآشورية) التي ظلت سائدة اكثر من ألفي عام حتى سقوط بابل في القرن السادس قبل الميلاد والتي اعتمدت على الكتابة المسمارية التي ورثتها من شقيقتها السالفة السومرية، فيما يلي جزء بسيط منها، وهي غيض من فيض كما يقال:

مسـگوف: السمك المسـگوف، وهو ملك المائدة العراقية. ومسـگوف من الفعل الآرامي (س ق ف) أي خوزق (سيَّخ) ومسكوف يعني مخوزق (مسيَّخ)، وذلك لأن من يشوي السمكة يقوم بشقها من الظهر وينظفها ثم يخوزق (يسيَّخ) السمكة عرضيا بأسياخ (أوتاد) خشبية ترفعها عن الأرض وهي تقابل النار.
يشجر: يشجر التنور، بمعنى يحمي التنور، و يشـگـر بالارامية من مشـگـور، وهو شجر الطرفاء المعروف الذي يحمى به التنور او الآتون.

چـا: يستخدم اهل جنوب العراق هذه الكلمة بكثرة، فيقولون: چـا شلون؟ بمعنى كيف اذن، چـا شفت شلون؟ بمعنى هل رأيت كيف، و چـا ليش؟ بمعنى لماذا اذن، وتأتي كأداة ربط يصعب ترجمتها حرفيا مثل [چـا شمدريني] و[چـا وينك] وهكذا. وهذه الكلمة مقتصرة على العراقيين فقط وأصلها من [كا] أو [قا] الآرامية وهي بنفس المعنى، تحولت الكاف الى (چـ (ch مثلما تحولت كلمة كلب الى چـلب، وكف الى چـف، وهكذا، ونجد ذكرا لهذه الكلمة في هذه الأغنية المندائية/الآرامية الجميلة التي تنشد في الأعراس: «الهايه ربيثه استارثي / إد إِدري لي نور اسقيلو / كـا هزيت ابـگـوّ / انات اشفر مني آن؟» ومعنى الأغنية: يا سيدتي الجملية / التي تحمل المرآة من اجلي / هل ترين فيها متنبئة / بأني اكثر جمالا (نقاوة) منها؟

طرئوزي: خيار القثاء، ترع أوزي [ترع عوز] قرية قرب حران وتعني باب الزهرة. وكان صابئة حران يزرعون هذا النبات الحلو في اطرافها، والذي ينتسب الى عائلة الخيار والبطيخ، لفوائده الطبية.
عزه: تقول النساء العراقيات عزا بمعنى المصيبة، والعزا [أزا] بالأرامية هي النار المتقدة ـ الحريق، اوالكارثة التي تنجم عنه.

طرگـاعه: هيجان عظيم، واضطراب شديد. وهي مشتقة من الجذر الثلاثي الآرامي [ط ر ق] بمعنى: يخفق، يخلط، يقلق (الهدوء والسكينة) فنقول [طرگ البيض] أو[طرگ اللبن] بمعنى خفقه وحركه. و [طرگـا أو طرگـاءة] ـ اصبحت بعدئذ طرگـاعة ـ هي بمعنى: تشويش، اضطراب، اقلاق ازعاج و فوضى.
سرسري: كلمة ارامية تعني ذو الاخلاق السيئة؛ أي سمسار. وهي بنفس المعنى بالفارسية أيضاً.
تمريخ: من تمروخ الآرامية بمعنى الدعك او المساج. يقول العراقيون مرّخوله رجله وفاخ من الوجع. أي دعكوا قدمه وارتاح من الألم.

يفوخ: وهي من الجذر الآرامي [فوخ] بمعنى ينفخ، يهب، يطلق ريحا [يظرط] يرتاح. يقول العراقي: افوّخ الجمجمة بمعنى أريح الرأس.

يدگ حدادي: يقولها العراقي عندما يقع بورطة لا يعرف لها منفذاً ومعناها بالآرامية: يضرب كفا بكف.

اسليمة: تعبير (اسليمه كرْفـَتـَـه) يطلقه العراقي على من لا يطيقه. و(سليمه او سليموت) بالبابلية والآرامية تعني الموت او شبح الموت، والفعل گـرف يعني جرف أي أخذ، وعبارة (اسليمة كرفته) عبارة تمني بمعنى ليت الموت يأخذه.

بوري: يستخدم العراقيون كلمة [بوري] للدلالة على الانبوب، وكلمة [بوري] هي كلمة عراقية اكدية قديمة تعني قصبة البردي المجوفة وهو النبات المشهورالذي ينبت باهوار العراق، ومنها جاءت كلمة [بارية] وجمعها [بواري] اي حصيرة القصب.

بلا بوش: قليل الحياء، الذي لا يستحي. بلا تعنى بدون و (بوش) كلمة ارامية قديمة تعني الخفر أو الحياء، وبلا بوش تقال للشخص القبيح أي (بلا حياء). أمّا البوشي فهو النقاب.
حريشي: صمم، سكون او موت، يقولون: يطبّه حريشي، أي ليصيبه (يضربه) الصمم، الموت.
رگـه: سلحفاة؛ من الأكدية رقو.

صريفة: من صريف السومرية / الأكدية بمعنى كوخ القصب.

يزي: يكفى، تم،كمل. نقول: يزي عاد، أي يكفي الآن

صـگـله: لعبة يمارسها الاطفال في العراق، هي كلمة ارامية تعني: تكويم الحصى.

كرَّز: قطـّع؛ يقال كرزت فلانة الحب اي قطعت (قشور) البذور بأسنانها، ومنه جاءت كلمة (كرزات) العراقية أي مكسرات كما يسميها بعض العرب. و البابلي كان يقول: كرز فلان فلانا اي اتهمه بالباطل.

حرمه: بعض الناس يشيرون الى المرأة بالـ "حرمه"، وترد هذه االكلمة في اللغة الأكدية بصيغة [حرماتو] و [شمخاتو] وتعني (بغي المعبد) او (كاهنة الحب)، والكلمتان في الأكادية تشيران الى زمرتين من كاهنات معبد عشتار الموكلات بالبغاء المقدس.

دوش: على وزن (خوش)، يقول العراقيون عن اللحمة الدهينة: لحمة دوش، ودشَـن هو السمين بالآرامية، ومنها اسم دشنة وهي المرأة السمينة اوالدهينة.

جت: من [دت] الآرامية، وهو عشب من انواع البرسيم ترعاه الماشية.

عود أو عودين: على وزن بعدين، ظرف زمان آرامي بمعنى عندئذ. ماطول: كلمة آرامية تعني بسبب، مادام. وترد في السريانية بنفس المعنى ايضاً. نقول: ما أطب بيتك ماطول بيه فلان. اي لا ادخل بيتك بسبب وجود فلان) بداخله.

إلّلح: يقول العراقيون: اخويه الـ [لح] وعمي الـ [لح] بمعنى اخي شقيقي وعمي اخ أبي. وهي كلمة آرامية / عبرية تعني القريب جداً.

بوجي: بعض العراقيين يسمون الكلب الصغير (بوجي). و [البوگـي] في البابلية والآرامية كائنات روحانية أو اشباح. ومنها جاءت كلمة (بعبع).

شاغ، وشاغت روحه: أي ذهبت روحه وغاب وعيه [من الألم أو غيره]. وهي من الفعل الآرامي [ش غ ا] بمعنى: يضيع، يُفقد، يضيّع الهدف، ينتشي، يحيد عن، يخطأ.



الهامش:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) كاتب من العراق.
نقلاً عن الحضارية
safaa-tkd غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-18-2007, 08:04 PM   #13 (permalink)
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,241
افتراضي رد: تاريخ العراق

من التاريخ العراقي الحديث: من الذي سن أول قانون للتجنيد الإجباري؟



خدمة العلم أوالخدمة العسكرية أوالتجنيد الاجباري هي فرض وواجب وطني أقرته دول العالم الصغيرة و الكبيرة، القوية والضعيفة، كل حسب متطلبات وضعه، والعراق شأنه شأن دول العالم التي وضعت نظام خدمة العلم، وسن قانون الخدمة الإلزامية لمن بلغ سن التاسعة عشر، وتتفاوت مدة الخدمة من دولة الى أخرى، واليوم سنبحث معكم في أغوار التاريخ العسكري العراقي، لنعرف مَن هو الشخص الذي سن قانون الخدمة الإجبارية في العراق.


الدفاع عن العراق واجب وطني: إن أول من "سّنَ" قانون التجنيد الاجباري هو جعفر العسكري، وهو أول من بدل لبس "السدارة" بدل "الطربوش" في العام 1942 حيث قام مندوب بريطانيا في عصبة الأمم المتحدة بابلاغ مجلس العصبة، أن الحكومة البريطانية عزمت على ابدال "انتدابها" على العراق بمعاهدة تسمى بقبول العراق عضو في عصبة الأمم، حيث حازت المعاهدة على موافقة أول مجلس تأسيسي عراقي في جلسة عقدت يوم 10 حزيران 1942 أثر إنذار وجهه المندوب السامي البريطاني، وكان الشخص الذي عزم على تحقيق رغبة الملك فيصل الأول هو المرحوم "جعفر العسكري" رئيس الوزراء وهو ضابط سابق له دور كبير في تأسيس الجيش العراقي وتطويره.ولد العسكري بن مصطفى عبدالرحمن العام 1885 في بغداد وكان والده ضابطاً في الجيش العثماني، وقد اشتهر بولعه بالرياضة والمصارعة، وفي أول وزارة شكلت في تاريخ العراق شغل الجعفري منصب وزير الدفاع، فعمل على دعوة جميع الضباط الذين سبق وأن خدموا في الجيش العثماني، ليساعدوه في وضع نواة الجيش، وعندما تولى رئاسة الوزراء للمرة الأولى بتاريخ 22 تشرين الثاني سنة 1923 تقدم بمقترح الى المجلس التأسيسي يقضي بجعل الدفاع عن العراق واجب وطني، لكن بريطانيا رفضت ذلك، لأنها تعني التجنيد الإجباري، حيث كان الجيش العراقي آنذاك يعتمد على التطوع، مما أدى الى استنزاف مبالغ من ميزانية الدولة رفع العسكري مذكرة الى المجلس التأسيسي ضمنها الأسباب الموجبة لهذا القانون، جاء فيها: إن أهمية الجيش عند الأمم كونه رمز الحياة، وقوام الاستقلال، وأن استقلال الأمة وعزتها لا يتحققان بالآمال والتحليلات، ولا بحراب الجيوش الأجنبية. والغريب في الأمر أن الصحف الانكليزية شاركت في الحملة لشروع التجنيد الإجباري، وأخذت تنشر التعليمات التي تعبر عن وجهة نظر الحكومة البريطانية الداعية الى تشكيل جيش عراقي صغير يكفل حفظ الأمن الداخلي، على أن يتولى الجيش البريطاني حماية العراق، وهكذا ظل العسكري يكرس جهوده من أجل أن يحقق طموحاته في تطبيق هذا القانون، وخصوصاً عندما كان يتولى منصب وزير الدفاع، ولكن الحكومات العراقية المتعاقبة كانت تذعن لإرادة الانكليز وآرائهم ومستشاريهم، وبعد فترة من إجراء التعداد السكاني أصدرت الارادة الملكية قراراً بتنفيذ القانون اعتباراً من يوم 12 حزيران العام 1935 ، حيث سارت تظاهرات كبيرة عمت معظم مدن العراق تأييداً كبيراً من الشباب الذين توجهوا نحو وزارة الدفاع تعبيراً عن استعدادهم لتلبية الواجب، وهكذا استمرت الأمور حيث حرص جعفر العسكري على تبني موضوع آخر وهو ارتداء السدارة العراقية بدلاً من "الطربوش" الذي كان يرتديه الوجهاء من الموظفين. وقد أخذ الملك فيصل الأول يحث الوزراء وكبار الموظفين على إرتداء السدارة حتى أطلقت على تلك السدارة تسمية " الفيصلية" وكان من الصعب جداً على البعض من يخلع هذا الطربوش ليستبدله بالسدارة، وقام أيضاً العسكري في شن حملة قوية للقيادات الوطنية لنبذ الطربوش حيث كان يجلب العسكري أيضاً الى مكتبة رزمة من السدائر، وكلما زاره مسؤول يرتدي الطربوش يستبدله معه بالسدارة.وهكذا لعب العسكري دوراً مهماً في السياسة العامة في جميع المناصب المهمة التي تولاها، سواء كانت عسكرية أم مدنية. وهناك معلومة تاريخية صغيرة قد لا يعرفها الكثيرين، وهي أن شقيقة جعفر العسكري هي زوجة نوري السعيد، وشقيقة نوري السعيد هي زوجة العسكري.


جريدة كل العراق
__________________
كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان

safaa-tkd غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-09-2007, 05:10 PM   #14 (permalink)
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,241
rose رد: تاريخ العراق

فن العمارة البابلية (قصور نبوخذ نصر) (*)


إعداد: إسراء أسد
(خاص لمعهد الابحاث و التنمية الحضارية)



وصف المؤلف الألماني (روبرت كولدفاي) أهم القلاع الملكية والقصر الصيفي لنبوخذ نصر في تل بابل، إضافة إلى أسوار التحصين التي اضافها (فريدريش فيتسل)..إضافة إلى شعارات الحروب وغيرها من التحف، والتماثيل والاسطوانات والألواح الفخارية المستعملة آنذاك والألواح التي زينت بها القصور الملكية والقصر الصيفي لنبوخذ نصر..
جهود سبعين عاماً من التنقيب، توقفت مع اندلاع الحرب العالمية الأولى..

القلاع الملكية في بابل

لنبوخذ نصر قصر كبير يحتوي على عدة قلاع، وتتوسطه قلعة كبيرة مميزة اختارها لنفسه أطلق عليها علماء الآثار (قصر القلعة الرئيسية). لتمييز أقسام القصر الكبير.
تم تشييد القصر بمواد أفضل من المواد التي استخدمت في بناء القلعة الجنوبية الفخمة.
قال نبوخذ نصر: (لم يكن قصري في بابل كافياً لتحفي الملكية، ولأن قلبي مفعم بالإجلال والرهبة لربي مردوخ، لذا فإنني لم أغير شارع مدينتي المأمونة التي أحبها، بسبب توسيع مقري الملكي، ولم اهدم معبدها المقدس، ولم أردم قناتها، وقد أخذت بنظر الاعتبار الطول والعرض عند تشييد مقر إقامتي الجديد لحماية سور بابل على مسافة 490 ذراعاً بجانب نيمتي إيليل، وقمت بتشييد سدين كبيرين من سدود الشواطئ من الإسفلت والآجر المحروق، وحصن بعلو الجبل؛ وأقمت بينها مبنى من الآجر المحروق وفوقه قلعة لحضرة جلالتي من الإسفلت والآجر المحروق بارتفاع شاهق).
إذن يقع القصر في الشمال خارج نطاق قلب المدينة وتحمي الأسوار المدينة من هجمات الأعداء..
ومما يؤسف له ان تنقيب القصر لم يجر بصورة كاملة، وكان نبوخذ نصر والملوك اللاحقون يضعون فوقه شعارات النصر والنصب وما شابه ذلك.. وكان المدخل من جهة الشرق، آتياً من الساحة الكبيرة المكشوفة وهو يقع بين القصر وسور شارع الموكب.. وهناك قسمان خلف بعضهما ولكل قسم فناءٌ كبير يقع، كما هي العادة، أمام القاعة الرئيسية في الجنوب، وبين الفناءين يقع مبنى البوابة الذي يربطهما ببعضهما بقاعة كبيرة أمامية وأخرى صغيرة خلفية، تماماً على نفس المدخل الرئيسي الشرقي، وتمتد صفوف الغرف الصغيرة العديدة والأروقة هنا وهناك. ولا توجد بيوت قائمة بذاتها كتلك القائمة في القلعة الجنوبية حيث إنها تدل على وجود عدد كبير من مجمعات الدور السكنية المستقلة بوجه أو بآخر.
وقد جرت على المخطط الأساسي أثناء البناء تغييرات صغيرة هنا وهناك وتزحيف للأسوار.. فاعتباراً من مستوى سطح الشرفة الأساس، الذي كانت تنتصب فوقه أسوار القصر، كانت كل القاعات والأفنية مؤزرة بجدران من كسر الآجر ومونة الكلس، على نمط أسوار الشرفة، مما هيأ القاعدة الصلبة اللازمة لأي سور جديد أو للجزء الممتد أمامه وعلى أي ارتفاع مطلوب.
وكان نبوخذ نصر يفتخر بصورة خاصة بسرعة انجاز هذا المبنى بمدة (15) يوماً مما يدل على النشاط المستمر والمنتظم، وان كماً هائلاً من العمال قد استخدموا للعمل متراصين جنباً إلى جنب بحيث كان على كل متر مربع عامل واحد ولابد أن المقاولين آنذاك لديهم من الخبرة والممارسة الكافية للتعامل مع تلك الظروف.
ولا زال المبنى شاخصاً حتى اليوم إلى ارتفاع (+15.36) متراً ولا تبدو عليه آثار البناء السريع..
ان ملاط الكلس ـ المستخدم آنذاك في البناء ـ نقي جداً وأبيض اللون وفي غاية الصلابة وخاصة في الأقسام الوسطى والعلوية أما الأجزاء السفلى فلونه رمادي نوعاً ما، ويشكل على حافات السور شريطاً عرضه من 3 إلى 4 سنتمترات من ملاط كلس مائل إلى الإحمرار، يكتسب ميزات هايدروليكية بإضافة مسحوق الآجرالأحمر إليه فيمنع تسرب الرطوبة إلى الأسوار، ونجد هنا وهناك طبقات من البردي فوق الملاط.
ويبدو أن البابليين لم يعتمدوا على الإسفلت وحده لمنع الرطوبة وقد استعيض على هذا الإسفلت بالطين بعرض (10 سم) تحت سطح شرفة الأسس عند الحافة ـ وهذا يمنع تسرب الرطوبة ـ .
أما المناطق القريبة من المياه الجوفية المعرضة لتأثيرها المخرب استخدم الإسفلت في البناء بعد رفع درجة حرارته بشدة بحيث يلتصق دائماً ليس بأحجار آجر السافات السفلية فحسب، بل بالعلوية كذلك، التصاقاً شديداً، وهو من القوة بمكان بحيث لا يمكننا حتى يومنا هذا فصل حجر عن حجر دون أن يتكسر الحجران.
ويقوم العرب القاطنون في تلك المنطقة اليوم بطحن آجر القصر وتحويله إلى مسحوق ناعم ويستعملونه كمادة لبخ ولتلميع لون الأواني الفخارية والطابوق.
ويوجد داخل القصر قنوات ضيقة عرضها (6 سم) وارتفاعها سافٌ واحد ممتدة بعرض اتجاه السور، ومنافذها مغلقة في قطع آجر في واجهات الأسوار فلو كان الغرض منها تجفيف الأسوار بصورة أسرع، لما سرت منافذها واجهات الأسوار.. لذا علينا أن نفترض بأن هذه القنوات كانت بشكل أو بآخر تساعد على تجفيف الأسوار..
أما شرفة الأساس، التي يستقر فوقها القصر تبرز في الشمال إلى الأمام بمقدار (22 متراً) وتشكل هنا السور الجنوبي للقناة.


قصر القلعة الرئيسية الوصف التفصيلي


المدخل الشرقي


تقع البوابة الرئيسية التي عرضها 4.15 متراً في وسط الجبهة الشرقية تقريباً.. وعرض السور الأمامي لباحة المدخل 3.52 متراً.
ويمتد شريط عرضه متر واحد بمحاذاة الجبهة الشرقية وقد نهبت قطع آجره إلى عمق (+30و7متراً) يزيد على مستوى سطح الشرفة.
ويفصل هذا الشريط عن سور الشرفة شقٌ متعرج، كما نرى ذلك بوضوح على مسافة قريبة في الجنوب، ولابد ان الشرفة كانت مؤزرة بشريط حجري أفضل بينما لم يكن ملاطها ذا مقاومة، مما كان يُغري اللصوص بالنزول إلى أعماق اكبر في هذا الموضع.
ونلاحظ أيضاً عند مبنى بوابة القلعة الجنوبية بين الفناء الأوسط والفناء الرئيسي سوراً مرصوفاً إلى الجدار كان يقوم عليه سلمٌ، على ما يبدو، يرقى إلى السطح ويمكن للمرء ان يصل من الحجرة الأمامية الكبيرة إلى الحجرة الوسطية الصغيرة للبوابة بعد اختراق الباب الكبير، ويبلغ طول الحجرة الوسطية 7.33 متراً فقط..
ويقوم ممر عرضه 2.72 متراً جنوب مبنى البوابة، ويمثل هذا الممر همزة الوصل من الفناء إلى مجموعة الحجرات الجنوبية الشرقية والمتبقي عند باب الفناء هو الواجهة الشمالية بعرض (2.10م) والواجهة الجنوبية بعرض 2.82 متراً، ومن هذا الممر ينطلق ممران آخران متساويان عرض كل واحد منهما 2.72 متراً نحو الجنوب.

الركن الجنوبي الشرقي:

ونظراً لعدم إجراء الحفريات لمدة كافية فقد ظلت المعلومات العمرانية للركن الجنوبي الشرقي غير متكاملة، وإلاّ لتبين لنا علاقة القلعة الرئيسية بالقلعة الجنوبية.
فنرى ان سور القصر يقترب بشكل متدرج من السور الجنوبي المحاذي والقائم جنباً إلى جنب معه، وتسير خطوط هذا السور الجنوبي، كما هي الحال في القلعة الرئيسية، من الشمال نحو الجنوب ومن الشرق نحو الغرب..

(الفناء الشرقي)

ظهرت أسس الفناء في الجزء الغربي، وهي ممتدة على شكل أحزمة بعرض 3 أمتار وسمكها متران على اقل تقدير، ويبلغ طول هذه الكتل المكونة من كسر الآجر الصفراء المبنية بملاط الكلس الأبيض 7.5 متراً تقريباً.
أما المتبقي من السور الأمامي للقاعة عند الجانب الجنوبي للفناء في الشرق والغرب بعرض 12 حجراً = 4.16 متراً.
ويعزى سمك السور البالغ إلى ضخامة الصور الناتئة جزئياً على الأقل، ولا ندري إن كان السور مغطى بقوس، لان السور الجنوبي للحجرة، والذي يمكن أن يستخدم للاستدلال، مندثر.
ولم يجر تنقيب السور الجنوبي والسور الغربي، إلاّ ان هناك بعض أحجار من السور الجنوبي في جزئه الشرقي تدلنا على مكانة بالتقريب، ويتحدد مكان السور الغربي أيضاً تقريباً من خلال الحجرة الغربية المجاورة، والتي لا تترك مجال اتساع مهم لسورها الشرقي.


مبنى البوابة بين الفناء الشرقي والغربي


يتكون المجمّع بشكل عام من حجرة مدخل كبيرة، وحجرة مخرج صغيرة، والسور الأمامي للحجرة الكبيرة عرضه (6) أحجار = 2.16 متراً.
ولسور الشمال بابان يؤدي احدهما إلى غرفة صغيرة، مساحتها متران مربعان ولها ثلاثة أبواب، أحد هذه الأبواب يؤدي على اليسار إلى حجرة صغيرة متصلة بحجرة البوابة وهذه بدورها تؤدي إلى حجرة أخرى يبدو انها لم يكن لها أي مدخل آخر؛ ولم يبق من سورها الجنوبي أي شيء، اما الباب الثاني للحجرة الصغيرة فانه يؤدي بدوره باستقامة إلى حجيرة أخرى ذات ثلاثة أبواب، ولتلك الحجيرة مدخل يؤدي إلى الفناء ومدخل آخر شمالي تصب في حجرة ذات ثلاثة أبواب، ومن هذه الحجرة يمكننا الولوج يساراً إلى حجرة بقيت جدرانها حتى مستوى الباب.
والأختام الموجودة على الجدران هي أختام نبوخذ نصر ذات الأسطر السبعة المحفورة بقوة، ونجد قطع آجر بختم الثلاث اسطر عند الأعمدة بجانب الغرفة الصغيرة في أقصى الشمال...
وقد تم تزحيف مجموعة الغرف الصغيرة ذات الأبواب الثلاثة في المراحل العلوية بمقدار 1.66 متراً نحو الجنوب.
لقد قام الناهبون في هذه المنطقة بخلخلة كل الأسوار، لذا فإنها غير منتظمة في خطوط امتدادها وأغلبها متداع.
وقد قطعت أجزاء كثيرة من حجرة المخرج في مبنى البوابة.. والأجزاء المتبقية هي من السور الجنوبي والغربي..
وقد نال الخراب بشدة الحجرة الواقعة جنوبي غرفة المدخل، ولم يبق منها إلا الركن الشمالي الغربي، وعلى أي حال فقد كان ممراً قصيراً يمتد منها نحو الجنوب ويؤدي إلى الحجرة الثانوية للقاعة عند الفناء الشرقي.
والشيء الملفت للنظر والذي يعتبر من تقاليد القصر المتبعة هو تقارب الأبواب المصفوفة جنباً إلى جنب..

(الفناء الغربي)

طوله من الشمال نحو الجنوب 35 متراً، ومن الشرق إلى الغرب 33 حتى 34 متراً..
وبقيت مواضع كثيرة من سطح شرفة القصر العلوية بحالة جيدة بالرغم من الدمار والتشويه الذي لحق ببدن السور من جراء أنفاق النهب المنتشرة فيه هنا وهناك دون أي نظام.
ومستوى علو الشرفة هو عند +7.63، أما مستواه في المواقع التي يمتد تحتها السور الذي سمكه 17 متراً وتصل حافته العليا إلى ارتفاع 6.80 متراً، فهو عند 8.05 متراً.
وسور التحصين القديم هذا مشيد تشييداً متيناً وله أسس عميقة ولكنه حذف أثناء تشييد القصر وقد قاوم ظاهره الانخساف العامة التي حدثت لممشى شرفة القصر وبقي على مستوى 0.42 متراً.
وكانت الشرفة برمتها تكوّن منبسطاً هائلاً قائماً لذاته. ولا نعرف مدى العمق الذي كانت عليه أسسها، فقد أجريت التنقيبات عند مدخل السور السميك حتى وصلت مستوى المياه الجوفية آنذاك عند (+ صفر)، ولم تصل القاع.
وملاط الكلس المستخدم هنا رمادي اللون اما الأختام فهي نادرة، وعليها نقش كتابة: (با ـ بي ـ ي ـ لو) على كسر الآجر الأصفر، والختم ذو سبعة اسطر وهو حاد الخطوط.
ولم يبق من أسس الفناء على ممشى الشرفة أي شيء، على العكس من الفناء الشرقي حيث بقيت الأسس حتى علو (+12.66 متراً) وهي أعلى بكثير طبعاً..

(قاعة الفناء الغربي)

القاعة هنا عبارة عن حجرة مستعرضة بسيطة، تحتوي ركناً مستوياً مقابل الباب وهو المكان الذي كان يخصص لتمثال أو لسرير الراحة.
فكما يظهر أولاً في غرب القلعة ان القاعة مضاعفة وثانياً ان كلا هاتين الحجرتين موسعتان على الجانبين الضيقين بغرفة ثانوية، إضافة إلى ان ركن العرش الذي كان منبسطاً أصلاً قد تم توسيعه إلى حجرة خلفية مربعة.
وللمرء أن لا يصدق بان أعمدة جدران كهذه بعيدة عن بعضها البعض بهذا القدر لم تكن تحمل إلا طاقاً كبيراً واحداً أو انه كانت بينها أعمدة مستقلة أو عُمد مرتبة. إلا ان الجدران القائمة بين الأعمدة في القاعة الوسطية باقية على علوها بصورة لا يتطرق إليها الشك بحيث يضطر المرءُ إلى نبذ الفكرة الأخيرة بصورة قاطعة. ولا يُعقل قطعاً من الناحية المنهجية أن تكون لكل المخططات الرئيسية مع كل أعمدة الأبواب والتفاصيل الأخرى لكل المباني البابلية جذوراً عميقة واضحة المعالم في طبقات الأسس..
ولا زال جزء من الواجهة الغربية للسور الأمامي للقاعة قائماً، اما الواجهة الشرقية فقد بقيت آثار لها في طبقات الآجر السفلى.
ويحتوي الجدار الشرقي للغرفة الجانبية على ثلاث ممرات تؤدي بدورها إلى ممرات قصيرة.
وينعطف البناء عند الغرفة الشرقية نحو الجنوب قليلاً، لربما لكي يتلائم مبنى الباب مع الممر الضيف ويبلغ عرض الباب الوسطي 6.63 متراً ويحتمل انه ليس الأصلي ونتيجة لأعمال لصوص الآجر فقد تجوّف الجزء الغربي للسور وانفطر.
وان السور ليس في محور الباب الأمامي وينطبق نفس الوصف على قاعة القلعة الجنوبية.. وان محور التناظر العمودي يعود إلى طريقة وضع العرش الملكي المناسب لذلك، حيث ترك على الجانب الأيسر مكانٌ للمراقبين المفضلين لدى الملك.
فان تصورنا الملك راقداً على سرير نومه، يكون الجزء الأعلى من جسمه مستنداً على ذارعه الأيسر، كما يلاحظ في ريليف نينوى المعروف، وهو نائم على الجهة اليسرى.
أما فيما يخص براعة الصناعة اليدوية في هذه المنطقة فيمكننا ان نلاحظ في السور الوسطي الممتد بين القاعات وجود قطع الآجر الصفراء ونجد في الأعلى دائماً آثار حصران ومونة كلس ناصع البياض في الحلول الرقيقة وكانت الأختام هنا ذات ثلاثة اسطر ومخططة.
وتمتد قناة تصريف على طول السور. وتتغير أقيام أحجار الآجر المستعرضة والرابطة (الانصاف والكاملة) عند الأركان والمحاور وشقوق الحل والشد في الجدران منتظمة جداً إلا ان قطعة آجر مربعة في بداية الساف تغير نمط الانتظام وهي تتكرر في كل المسافات المرصوفة فوق بعضها كنتيجة لوجود تلك القطعة الآجرية التي كانت ضرورية لغلق قناة التصريف.
وسمك السور البالغ 1.75 مراً يحتوي هو نفسه أيضاً على خمسة احجر وقطعة ترقيع وبهذا يبدو الأمر وكأن المعمار أراد أن يجعل الأحجار الخمسة بقدر 2/4.1 ذراعاً..
وتغطي جدران هذه المنطقة كتابات حديثة لا حصر لها: عربية، تركية وعبرية ويونانية وأرمنية وألمانية وفرنسية وأسماء انگليزية لزوار خلدوا لأنفسهم بها هنا.
ويبلغ ارتفاع المبنى الأول الذي يبرز في شمال السور من +7.40م إلى 8.20 متراً وفيه أختاماً ذات ثلاثة أسطر مخططة وأختاماً ذات أربعة أسطر حادة مكتوبة على طريقة (باب ـ كي) وبعضها ذات السبعة اسطر.
وهناك بابان يؤديان من الغرفة الجانبية الشرقية إلى غرفة مجزأة إلى قسمين بقوس ممتد واسع، ويوجد بابان عند الجانب الجنوبي للصالة المتوسطة في الشرق يؤديان إلى غرفتين ضيقتين.
ويوجد في منتصف الصالة الجنوبية ركن كبير يشيد الغرفة ولا ينطبق هذا الأمر في القلعة الجنوبية.


(الغرف الجنوبية الغربية في الصالات عند الفناء الغربي)


يبلغ عرض الباب الذي يوجد في ركن الغرفة الجانبية 3.33 متراً، وهو بدوره يؤدي إلى ممر متجه نحو الجنوب وتوجد فيه ثلاثة أبواب..
وهناك مدخل عريض يؤدي إلى الغرفة الجانبية للصالة المتوسطة وباتجاه الغرب، ولابد ان الملك نفسه كان يستخدم هذا المدخل للوصول إلى الصالة المتوسطة قادماً من الأقسام الغربية لقصره.
ومما يتضح ان القصور البابلية تحتوي على عدد هائل من الممرات والأبواب وليس من اليسير تفسير كثرة الأبواب بأنها كانت تستخدم كستر، بل للضرورة التي تحتم على البابليين توفير اتصال مدهش ذي أطراف متعددة بين مختلف غرف القصر، وفي نفس الوقت فتح المجال لتوحيد أي عدد من تلك الغرف إلى مجمّعات وقتية عند الحاجة.
وينتهي الممر الرئيسي إلى غرفة كبيرة تقع غرباً وتحتوي هذه الغرفة على غرفة أمامية صغيرة.. ويقوم باب في الشرق عرضه 2.10 م يحتمل انه يؤدي إلى فناء صغير لم يبق منه إلا القليل وهناك باب أصغر في الجنوب.

(الجهة الشمالية للفناء الغربي)

وكانت الجهة الشمالية للفناء تتكون من سور رقيق بعرض خمسة أحجار أي 1.75م مع باب عرضه 3.10 م.. ويحتوي على غرف متناثرة وممرات.
أمّا السور المحيط بالشرفة لم يكن جزءاً من مبنى القصر الأصلي والذي كان عرضه 2.75م وهذا السور يحتوي على غرفة ضيقة جداً يتعذر توضيح سبب وجودها في هذا الموضع.

(السور المحيط بشرفة القصر)

الركن الشمالي الشرقي للسور الخارجي أكثر ارتفاعاً ، 13.63 متراً، من سطح الشرفة (7.76 متراً) وقطع آجرها محمرة، ويبلغ سمك السور الشمالي 4.65 متراً وهو أقوى من السور الأمامي الشرقي، وتلتحم بالسور شمالاً بقايا جدران يعود إلى الشرفة الخارجية.
إلا انه بعد تسوير المكان ثبت بان أرضية القصر ذاتها كانت في نفس مستوى القصر عند بوابة عشتار آنذاك وهو الشارع الكبير المبلط بالحجارة.
ويبلغ ارتفاع السور 10.56 متراً، وسنشاهد على واجهته الخارجية وبعلو مستوى الشرفة جزءاً أساس سمكه 1.2 حجر والذي يظهر هنا وهناك على جهة الغرب.
ويوجد على سطح الأجزاء العلوية من الخارج طبقات من الحلفا المغروسة في الاسفلت في شقوق الشد والحل، وعليها أختام ذات ثلاثة اسطر حادة، ومن الداخل يوجد ملاط كلس رمادي غامق والأختام ذات أربعة اسطر.
وعلى بعد (132.20 متراً) تقع الجبهة الغربية للمبنى الأول لشرفة القصر، وعلى بعد 47.75متراً = 94 ذراعاً تقع الجبهة الغربية للمبنى الثاني. ويقع السور المحيط في المنتصف وهو مكشوف.
وهناك حوض ماء مربع وهو بحالة أفضل وأكثر نظاماً ومشيد بالاسفلت ويلتحم مستقلاً بمبنى الشرفة.
وكانت تقوم على بعد متر واحد جدران يبلغ سمكها 1.90 متراً ولكنها تعرضت للنهب بصورة تامة.
ويلاحظ ان مساحة الغرفة المتوسطة ضيقة جداً نسبة إلى عرض الباب البالغ 1.75 متراً وسمك السور.

رموز الحرب وغيرها من زخارف القصر


وهي الرموز والتماثيل التي جمعها نبوخذ نصر ومن تبعه من الملوك في (القلعة الرئيسية) لغرض (بهر البشر) ونجملها في نقاط أهمها:

1 ـ تمثال مجسم لأسد كبير من البازلت (وهو المعروف بأسد بابل) وقد نصبه أحد المهندسين العاملين في سدة الهندية على قاعدة صغيرة.
2 ـ رأس أسد من البازلت.
3 ـ تمثالين لرجل مصنوع من حجر أسود، أحدهما الآن في اسطنبول والآخر في برلين عثر عليهما في القصر وكانت أجزاء منهما تالفة.
4 ـ تمثال بوزور ـ عشتار في ماري، مصنوع من حجر أسود(حالياً في اسطنبول).
5 ـ رأس تمثال من حجر اسود الارتفاع 35.0 سم
6 ـ جزء من رأس تمثال رجل من حجر أسود.
7 ـ جزء من منحوت حجري اسود.
8 ـ شاهد حيثي من حجر اسود خشن عُثر عليه في القصر (وهو حالياً في اسطنبول) شكله نصف اسطواني وله سداد في الأسفل. ونجد صورة إله الرعد على الصفحة الملساء منه ومكتوب عليه باللغة الهيروغلوفية (الحيثية).
9 ـ حالياً في اسطنبول شاهد شمس ـ ريش ـ أو سور من ماري وسوخي حوالي (900 ق. م) من حجر الكلس الأبيض.
10 ـ لوح نحت بارز مع شكل إنسان بحجمه الطبيعي، بحجر البازلت (في بغداد).
11 ـ تمثال لشخص جالس على مقعد وهو ملتفت نحو اليسار ويحمل بيساره عصا قصيرة ويمناه مرفوعة ومقطوعة في الأعلى من حجر الكلس الأبيض.
12 ـ مجموعة تماثيل محطمة وجدت تحت الأنقاض منها يدين مخفوضتين وأمامهما حبل، ويد منبسطة تحمل عصاً، وساق إنسان وغيرها.
13 ـ تماثيل أسود وثيران ولابد من ان هذه التماثيل كانت دعائم للأبواب أو منتصبة في القصر.
14 ـ جزء من (كود ورّو)، على احد الجهتين نجمة ذات ثمانية رؤوس رمز للآلهة. عليه كتابة من 13 سطراً.
15 ـ جزء من شاهد كبير سميك من حجرأسود عليه كتابة، ارتفاعه (26.0 سم) وعرضه (40.0 سم) كتب عليه باللغة البابلية الحديثة والكتابة نسخة طبق الأصل لنص داريوش هيْستا سْيس (522 ـ 486) المحفور على صغره باكستانا (حالياً في برلين).
16 ـ ومجموعة كبيرة من اللقى أوردها المؤلف في عدة جداول.
17 ـ وعاء حجري كتب عليه بالحيثية، تزين بطن الوعاء مزامير بديعة سمك جداره 4.5 سم، ارتفاعه 68.5 سم (حالياً في برلين).
ـ وقد عثر أيضاً في الأنقاض المتراكمة أمام الجبهة الشرقية للقلعة الرئيسية على بضع مئات من ألواح الطين المكتوبة معظمها متضررة بالحرق بصورة بالغة.


(مباني الحصن حول القلعة الرئيسية)

سور الحصن وسمكه 17 متراً

تبين أثناء التنقيب في القلعة الرئيسية بأن هناك سوراً سمكه 17 متراً تحت سور الشرفة، يسير خط امتداده موازياً لمسار امكور ـ ايليل ونيميتي ـ ايليل، ويتصل هذا السور في الشرق منعطفاً نحو الجنوب عند شرفة الحصن في بوابة عشتار.
ويوجد مدخل في السور عرضه 2.10 متراً، والظاهر أن هذا المدخل العميق لم يستخدم أبداً لأنه غُمر ببدن السور.
الاحجار مائلة إلى الإحمرار، أبعادها 33×33×7.5 سم ويلاحظ وجود حزوز وأختام نبوخذ نصر على الأحجار.
وقد تم كشف جزء من الحافة الجنوبية للسور في شرق القصر ويحتوي على منفذين للقنوات.
ثم ينعطف السور نحو الجنوب ويبلغ سمكه هناك 13 متراً ويمتد سور سمكه 9.75 متراً يلتحم بشرفة الحصن الغربية عند بوابة عشتار على الجهة الشرقية للشارع المؤدي إلى البوابة.

جزء القلعة الغربي في النهر

اكتشف مبنى عجيب في غرب القلعة الجنوبية، أي في حوض نهر الفرات القديم، تتكون حدوده من أسوار هائلة يبلغ سمكها حتى 22 متراً. وقد حمل لصوص الآجر المعاصرين الجزء الأعلى من المبنى في وقت ليس ببعيد فبقي سطح ارض المبنى على شكل مرتفعات ومنخفضات.
وضع هذا السور المحيط على شكل مستطيل، أضلاعه ذات أسماك هائلة: السور الشرقي = 18 متراً، والجنوبي 20.05 متراً، والغربي 21.30 متراً، والسور كله عبارة عن بدن قوي متماسك مشيد بآجر عليه حزوز ذات أشكال منتظمة، وعليه أختام نبوخذ نصر ذات 7 أسطر بارزة أو ذات 3 أسطر بارزة.
ويبلغ سمك الجدار الحاجز الجنوبي 7.58 م وهو ينفذ إلى داخل السور عن طريق حزوز على الجانبين.
وذلك لأن السور قد شيد على أرض حوض النهر القديم، ولكي تقاوم الكتل الهائلة لبدن السور خطر الانجراف والانخساف غير المنتظم.. وتوجد في الجدران العرضية منافذ للماء مرتبة بشكل صف. وبين الحدود الغربية للقلعة الجنوبية القديمة وسور خندق أمكور ـ إيلّيل الحديث ومقدمة المبنى يوجد مجرى ضيق للماء كان قد سُـدّ في الجنوب وفي الشمال بجدران عرضية في الموضع الذي يظهر فيه سور الآجر الشمالي نيميتي ـ إيلّيل.
وفي الجنوب ترك فناء تبلغ ابعاد اسسه 28.62×36.35متراً ويتصل به سلم أو طريق للصعود عند الركن الشمالي الشرقي له ثلاثة ممرات.
وللسور الجنوبي المستقر على أساس مستقيم، واعتباراً من النقطة +صفر طلعاتُ ابراجٍ بمقدار حجر واحد لكل برج، ولم يبق منها إلا القليل.
ويقوم أمام السور الغربي، سور نهري عرضه 14 متراً ويبدو انه استعيض عنه فيما بعد بسور نهري آخر سمكه 9.60 م وقد انعطف في الجنوب بشكل كُلاّب نحو الشرق ولمسافة قصيرة.
ويلتحم بالركن الجنوبي الغربي سور نابونيد بشقٍ على شكل زاوية منفرجة وعند برج تخترقه قناة لبيليشيكالا التي تجري على امتداد السور الجنوبي للقلعة الجنوبية، ويبلغ عرض القناة هنا 2.95م حتى 3.10م، وتمتد على جانبيه أسوار بسمك 2.70 إلى 3.27م.
وواضح أنّ العبارة الواردة على اسطوانة (سبار) العائدة لنبوخذ نصر تشير إلى هذه المباني [عمود 2، سطر 19: (لكي لا يصيب الضرر(؟) المرصد في ايساكيلا ببابل، فقد شيدت تحصينات كبيرة في النهر من القار والآجر. وبنيت أسسها في أعماق الماء ورفعت قممها بعلو جبال الغاب) ].
وأمر نبوخذ نصر ببناء سور جديد باتجاه شرق ـ غرب تماماً، وذلك لدعم نظام التحصين. وينعطف هذا السور نحو الجنوب ويتصل بالسور الكبير الذي كان سمكه 17 متراً.
وهناك سور آخر يمتد على الجهة الشرقية لشارع الموكب وينتهي في الشمال بشرفة حصن ينطلق منها سور يتجه نحو الشرق.
وأثناء هذا التوسيع الثاني شيد على يمين ويسار مدخل الطريق المؤدي إلى بوابة عشتار حصن من كل جانب. وبُنيت الشرفة الكبيرة في نطاق الحصن الغربي وشُيدت القلعة الرئيسية على هذه الشرفة.
وتغذي القصر قنواة مياه متفرعة آتية من الفرات، يبلغ عرض كل منها 1.20 متراً، تخترق الأسس الضخمة للقلعة الرئيسية لتوزيع الماء هناك.
وهناك ساقية مجار تمتد في وسط الملاط المشبع بالاسفلت.
ويمتد بين القصر والسور الشمالي شارع عرضه 9.50 متر، وتقع على هذا الشارع بقايا بيوت فرثية وقبور منفردة.
ويخترق السور مدخل ملاصق لشرفة الحصن يبلغ أطار بوابته (5.2 متراً) مغطى بعمد خشبية لا تزال آثارها ظاهرة للعيان وتخترق المدخل قناة ذات جدران مغطات بسافات الآجر المتدرجة على الجانبين وكانت واجهات المدخل مزينة أيضاً بالكساء الحجري.

[السور الأوسط]

ويمتاز هذا السور بأبراجه المتقاربة وله مدخل في كل جزء محصور بين برجين
ويبلغ عرض البوابات (المداخل) الصغيرة (3 أمتار) والكبيرة (5 إلى 5.25 متراً) وتقع اطر واجهات الأبواب كلها إلى الشمال.

[السور الشمالي]

تحدد سمكه من جهة الغرب بـ 10 أمتار ومن الشرق بـ 10.90 م وله أبراج بارزة إلى الخارج بقدر 1.10 متراً ولم تكن هذه الأبراج أعلى من السور. وللسور الشمالي دور سور الخندق بالنسبة للسور الأوسط كسور رئيسي.
ويلتحم الجزء الشمالي الذي سمكه 6.65م بالسور الأوسط بزاوية منفرجة.
ويقوم مدخل عرضه 4.50م بالقرب من النهاية الشمالية للسور.
وتقوم في السور ثلاثة مداخل، اثنان منهما في الشمال وآخر في الجنوب بعرض (2.60م) والمدخل أوسط بعرض (5 أمتار).

وكان نهر الفرات يجري حول منطقة القصر في الشرق.

ـ شارع الموكب ـ

(1) الجزء الواقع جنوبي بوابة عشتار:

يمتد شارع عرضه 10 أمتار على مسافة تبعد 12 متراً تقريباً من السور الشرقي للقلعة الجنوبية، وهذا الشارع هو شارع بابل الخاص بموكب الإله الكبير مردوخ، والذي بلطه نبوخذ نصر بالشادو (بلاط حجري من الجبال) وبلاط (التورمينا باندا) وهي أحجار بريشيا عليها عروق حمراء وبيضاء.
وكان موكب عيد السنة الجديدة ينطلق عليه آتياً من معبد ايساكيلا في الجنوب ماراً بالقلعة ومن بوابة عشتار نحو بيت احتفالات السنة الجديدة.
ويتفرع من الشارع المذكور شارع ثانوي ينتصب عليه محراب من الآجر منحرف عن محور الشارع نحو الشرق، ولابدّ أنه كان في خدمة مراسيم موكب الاحتفالات.


(2) الجزء الواقع في شمال بوابة عشتار:


يبلغ سمك السور في غرب الشارع 13 متراً وجداره الغربي مستو، وله أبراج، والجزء المحصور بين برجين يحيد نحو الخلف بقدر 1.38 م وفي هذا الجزء بوابة عرضها 3.95 متراً، تصل هذه البوابة إلى الفسحة الموجودة بين السور القديم والسور الجديد الذي سمكه 17م.
والسور المرافق للشارع في الشرق يتجه نحو الشرق. أما باتجاه الشارع فتزينه طلعات أبراج.
وقد حدث تمديد للشارع مما أدى إلى شمول جهتيه بأسوار التحصين..
وأصبحت الأسوار المرافقة للشارع الآن بسمك 7.50 متراً.
ويوجد نحو الشمال مدخل قائم في جزء من أجزاء السور محصور بين برجين ولشارع السور الشرقي مدخل مشابه يبلغ عرضه الداخلي 4.20 متراً.
وعلى الجانبين كانت قطع البلاط ذات العروق الحمراء والبيضاء تشكل ما يشبه الرصيف، وكان لقطع البلاط شقوق محشوة بالاسفلت.
وكانت جدران الأسوار المطلة على شارع الموكب مزينة بنقش جداري يتكون من صور أسود بارزة ذات طلاء ملون، والأسود الظاهرة في النقش هي: اسود بفروة بيضاء ولبدة صفراء واسود بفروة صفراء ولبدة خضراء أما الخلفية فهي زرقاء فاتحة أو غامضة وطول كل أسد (2 متراً) وعدد الأسود في كل جناح (2) ويكون عدد الأسود على كل جدران الشارع الذي طوله (180 متراً) ما يقارب الـ (60) أسداً، وهذا يعني ان الموجود من الأسود هو 120 أسداً.
إضافة إلى ورود الزينة البيضاء على أرضية زرقاء.


القصر الصيفي لنبوخذ نصر في تل بابل


المنظر من فوق التل:


يتمتع المشاهد من أعلى مواضع التل فيشاهد في الشمال نخيل المحاويل وتل إبراهيم وكوتا القديمة وهي شامخة في الأفق. وتظهر قباب جامع كربلاء حين تشع عليها الشمس بزاوية معينة، وعند قدم التل ينساب النهر الهادئ بين البساتين ويرى المرء بوضوح أطلال سدود الجنكال الشرقي قرب نهر الفرات.
وفي الأفق شرقاً يشمخ تل المدينة وبرج معبد الاحيمر وهي مدينة كيش القديمة. وتطل زقورة بورسبا في الجنوب من فوق بساتين نخيل الحلة ويشاهد تل عمران بن علي وتل القصر من فوق قمم نخيل فويرش اما تل حميرة، وهو منطقة الاغريق فيبرز بوضوح بلونه الأحمر في سهل المدينة.. تلك هي المدينة التي أراد نبوخذ نصر أن يجعلها مركزاً للعالم..

القصر الصيفي

ـ فن المهارة اليدوية ـ

الأسوار مشيدة بالطوب المحروق ذو اللون الأحمر والأحمر البني وتحمل قطع الاجر ختم نبوخذ نصر وحيث قال انه بناه تقليداً لقصر بابل.
كان البناء بسيطاً في الأجزاء الوسطى ومتيناً في الحافات لكي تقاوم الحافات ضغوط شرفة القصر العالية.
وكان الحشو في الأجزاء الداخلية من رمل رخو وتراب. ويقوم فوق هذا الحشو سور منتظم ارتفاعه من 10 إلى 12 سافاً مشيداً بآجر جيد، وكانت اسسس البناء ذات شكل مسمار تتجه نهايتها المدببة نحو الأسفل، وتتخذ احتياطات ضد احتمال ميلان الأسوار بوضع قاعدة منبسطة من 12 سافاً من أحجار الآجر الثخينة، أي عند النهاية العليا للأساس.
أما الأرضية فكانت مبلطة بقطع الآجر العادية المصفوفة بطبقة واحدة وفوقها طبقة أخرى وضعت لغرض تجديدها، مكسوة بالإسفلت كما في بقية القصور.
كانت الغرف مبلطة بألواح الحجر بسمك (15 إلى 20 سم) ومساحتها 66 سم مربع وعليها نقش الكتابة المعتادة: (نبوخذ نصر، ملك بابل، ابن نابو بولاصر، ملك بابل) بسطرين.
وأرضية الفناء مبلطة ببلاط من ثلاث طبقات:
ـ طبقة سفلى من شقافة الآجر مع ملاط الكلس بسمك 12سم.
ـ طبقة وسطى من شقافة مهذبة سمكها 2 سم.
ـ طبقة ثالثة سمكها من 2 إلى 3 ملم، عبارة عن غطاء يتكون من طلاء أبيض أو احمر أو اصفر مخلوط بحصى كبيرة جداً.
هذه الطبقة الأخيرة تشابه في تركيبها الطلاء الاغريقي كما يشاهد مثلاً على أرضية معبد أكينا، وكان لمبنى ارتا كسركس في غرب القلعة الجنوبية نفس الأرضية تماماً.
وكانت موجودة في القصر عدة تماثيل منها تمثال نينو، وسميراميس وزيوس بيلوس، وغيرها من مشاهد القتال والصيد بأسلوب النقش البارز.

المدخل الشرقي:

كان ارتفاع البوابة الخارجية للقصر 27.0م وكان خلفها فناء ثانوي، واتصلت به من الشمال والجنوب عدة غرف.
ويمتد سور من الجنوب نحو الشمال سمك الواجهة الشرقية له 17 سم ويحتوي على مدخل عرضه 1.30 متراً، وللسور بروزاً بقدر 32 سم وله جدار اسناد سمكه 3 أمتار مشيد كسر الآجر.
وعلى الشرق ثلاث غرف رئيسية. وجدت غرفة أبعادها 4.30 ×4.20 متراً وسمك جدرانها 1.40 م من الآجر الأصفر. كلها تتصل بفناء البوابة من الشمال.
وخلف مقدمة البوابة تقع صالة المدخل الكبيرة التي أبعادها 8×21.10م [أي بمساحة قدرها 68.80 متر مربع] مع باب يؤدي إلى غرفة شمالاً، وباب رئيسي كبير عرضه 3.90 م، بينهما ممر صغير.
والمؤكد ان باب الخروج كان بنفس عرض باب الدخول.
وتحتل الجبهة الجنوبية للفناء واجهة الصالة الكبيرة التي أبعادها 12.20×35.50 متراً [أي بمساحة قدرها 433.1 متر مربع]، وتتصل الصالة بالفناء بباب ضخم قائم في ركن.
وتعتبر هذه الصالة من أهم أجنحة المجمع قاطبة، لأنّ جدارها الجنوبي يجلب الانتباه بدرجة بالغة حيث ان فيه أربع دخلات صغيرة ذات أسس مربعة، فالأركان المخصصة لنصب الإلهة في المعابد مسطحة وعريضة وهذه الدخلات ضيقة وعميقة. وليس لهذه الدخلات نظير في عمارة التاريخ إلا في قصور (برسبولص) وبالذات في قصور (داريوش وكسركس) و (ارتا كسركس)، فهي اذن ميزة عمرانية انتقلت إلى Apadan الفارسية. وان لهذه الدخلات شبهاً كبيراً بفتحات التهوية في فن العمارة الفارسية الحديثة والمعروفة باسم (بادكير)، ويتسرب من خلالها تيار الهواء المنعش إلى الغرف المختلفة.
وهناك باب يؤدي من الغرفة الخلفية إلى الغرب، وفي الجنوب يؤدي باب إلى سلسلة من الغرف المصفوفة جنب بعضها، بينهما ممر ضيق مغلق. وهناك أقواس يبلغ عرض بعضها 6.35م تؤدي إلى غرف أخرى.
وتقع هناك قاعة طويلة في نهايتها تستقر كتلة سور بالغة السمك بين الأسوار الملتحمة، قد تكون مدخلاً لسلم، وعلى شمال القاعة تقع مجموعة غرف تقود إلى صالة في الغرب، وشرقاً توجد أربع غرف مصفوفة بخط بناء واحد.

ـ الغرف القائمة بين الفناء الشرقي والغربي:

يتصل السور الغربي بالفناء الشرقي ببابين كبيرين، عرض أحدهما 3.50 م ويعتبر نقطة الوصل بين الفناءين والى قاعة كبيرة لها باب خروج نحو الفناء الغربي.
وبجانب المدخل الشرقي يقود بابان صغيران نحو الشمال ونحو الجنوب وهما يقومان هنا في خط بناء صف ممتد من سبعة أبواب، الواحد بجنب الآخر، بحيث يتسنى للمرء على مدى طول السور ان ينتقل من غرفة إلى أخرى مباشرة.

الفناء الغربي:

عرضه 31 متراً وطوله 42 متراً.
القسم الأوسط من الصالة مفصول بأقواس عريضة، ويحتل مبنى الصالة الجبهة الجنوبية بكاملها ومدخله الهائل عرضه (9) أمتار.
وباعتبار أنّ هذا القصر (قصر صيفي) فقد زودت المباني بقنوات الهواء ومداخله الهائلة من كلا الجوانب، ويصل الهواء في الصالة الكبيرة لطيفاً ومنعشاً حتى في أحر أيام الصيف، وان كلاً من مبنى الصالة الشرقي والغربي كانتا تحتوي على مبرد الهواء.
وهناك غرفة شرقية تتصل بغرفة شمالية بباب، وقد ظهر جزء من الرواق على مسافة قصيرة في جهة الشرق وهو يحدد الخط الفاصل بين جزئي القصر الشمالي والجنوبي.
ويمكن تحديد مكان جلوس الملك وحاشيته وذلك في صالة العرش الكبيرة للقلعة الجنوبية وهو ركن الجدار العريض المواجه للباب حيث أن دخلة الركن عميقة، الغرض منها هو تعميق دخلة مكان العرش وان العرش كان قائماً خلف فتحة الباب مباشرة بحيث لا يضطر الملك إلى قطع الصالة الكبرى. وكانت امام الباب ستارة تسدل أو ترفع تبعاً لرغبة الملك في الظهور أو عدمه للحاضرين في الصالة.

المباني الواقعة في شمال الفناء الغربي:

لسور الفناء ثلاثة أبواب يؤدي أصغرها، وهو الشرقي إلى ممر ضيق، اما البابان الكبيران الآخران فينتهيان إلى صالة مستطيلة الامتداد وفي نهايتها الشرقية غرفة صغيرة، وفي جهة الغرب تحتوي على ممر ينتهي بباب، وتقوم غرفة في الشرق بابها مواجه لباب الفناء.
وتلتحم قاعة في الغرب ببدن السور، وفي الغرب يمتد ممر ضيق ذو ثلاثة اقسام تتصل ببعضها بأبواب، يتصل نهايته بالمبنى الشرقي بغرفة صغيرة وتقودنا اربعة أبواب نحو الغرب إلى المبنى القائم في الشمال الغربي، وتظهر لنا من هذا المبنى معالم فناء كبير نوعاً ما، تقودنا منه ثلاثة أبواب.
وفي الجنوب تشرف صالة صغيرة على الفناء من خلال باب عريض جداً وكانت هذه الصالة متصلة بالممر المذكور أعلاه..
ويتميز السور الجنوبي بقوته البالغة ويحتوي على فتحة باب عريضة.

نظرة شاملة للقصر الصيفي:

شيّد نبوخذ نصر قصراً في تل بابل ولم يكن القصر الجديد كالقلعة الجنوبية لائقاً في ابهته لتمثيل عظمة الملك، فصالاته وأفنيته أصغر حجماً وأبنيته أقل عدداً، إلاّ أنّ هذا القصر كان يشمخ في مستوى أعلى وينتصب على قاعدة ارتفاعها 20 متراً، وشمالاً تأتيه نسائم الصيف الهابة من (سيار) فتنقل إليه عبير السهل الهائل قبل ان يفسده هواء مدينة الملايين الملوث. وإضافة إلى ذلك فقد كان القصر محصناً تحصيناً قوياً بسور المدينة الخارجي وكان قرب النهر منه يضيف إليه ميزة أخرى لولا هيجانه بين الحين والاخرى مما أدى إلى نخر وجرف أسواره..

(لوح المباني الملكية)

واكتشف بعد النتقيبات لوح كتابة نبوخذ نصر والتي اطلق عليها علماء الآثار اسم (لوح الكتابة الموازي للوح الكتابة الحجري) وهو اشهر وادق لوح مدون لنبوخذ نصر، ويختص اللوح بمعالجة القصور الملكية الثلاثة (القلعة الجنوبية ـ القلعة الرئيسية ـ وبابل) اضافة إلى ذكر معابدهم الشامخة في بابل وبورسبا ومن ثم سور المدينة.

وينص اللوح في تفاصيله على ما يلي:
ساقني قلبي إلى بناء قصر
من نمط قصر بابل لحماية بابل
في كلاّب (جنكال) الطوب المحروق
باتجاه الشمال
وبنيت آبا دانا بالاسفلت والطوب المحروق.
في داخله، طوله 60 ذراعاً باتجاه سيبار.
وهيأت له أرضاً عالية اساسها عند صدر العالم السفلي بمواجهة الماء.
وحعلتها متينة.. ورفعت قمتها وربطتها بالقصر ورفعت قمته كالجبال الشامخة.
وجعلت سقفه من جذوع الأرز الضخمة
وأبوابه من خشب الارز المكسو بالنحاس
وعتباتها ومحاورها من البرونز
وسميت ذلك البيت:
«عاش نبوخذ نصر! عاش حامي ايسا كيلا! ».


ا(*) مقتبس من كتاب (القلاع الملكية في بابل) تأليف: روبرت كولد فاي وفريدريش فيتسل، ترجمة: د. علي يحيى منصور، إصدار وزارة الثقافة والإعلام / المؤسسة العامة للآثار والتراث.
__________________
كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان

safaa-tkd غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-02-2007, 03:15 PM   #15 (permalink)
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,241
افتراضي رد: تاريخ العراق



ملامح مدرسة التاريخ العراقية

التشكـّل ـ الميول ـ الواقع

نصير الكعبي(*)
(خاص لمعهد الحضارية)


لعلـّه من غير الممكن فصل علمٍ ما أو سلخه عن الواقع الذي نشأ فيه وتأثـّر به وعبّر في بعض الأحيان عنه، ومن ذلك علم التاريخ ودراسة تطوّره في العراق، فهو من دون شكّ نتاج للمخاضات التي مرّ بها هذا البلد، على المستويات الثلاث (الاجتماعي / الاقتصادي / والسياسي) وهذه بمجملها أسهمت في بلورة الطابع الفكري أو الذهني فيه،وأخرجته بالخصوصية التي هو عليها الآن، وإذا أخذ العهد العثماني الأخير (1869 ـ 1918)، كخط شروع لهذا، فإن أبرز الملامح الفكرية التي اتـّسم بها، أن نسبة المتعلـّمين من القادرين على الكتابة 10% من مجموع السكان. وفي هذا العهد بدأت بعض الإرهاصات المعنية في هذا المجال، كإرسال البعض من الطلبة العراقيين إلى اسطنبول، وافتتاح عدد من المدارس، وتأسيس بعض الصحف، وإنشاء مطبعة. لكن بقيت الميزة الأبرز في النظام التعليمي هو اقتفاء أثر الممارسات القديمة المعتمدة على الكتاتيب أو المساجد كنواة رئيسة في المجال التعليمي.
وكانت الانعطافة الأبرز مع بداية تأسيس الدولة العراقية عام 1921م، عندما اُرسل بعض الطلبة للدراسة في الجامعات الاُوربية، فأسهم هؤلاء في نقل المعارف والمنهجيات الحديثة في التعامل مع التاريخ ودراسته، وكوّن هؤلاء الركيزة الأولى لأقسام التاريخ في الجامعات العراقية، أمثال «جواد علي، وعبد العزيز الدوري، وصالح أحمد العليّ».
لكن ذلك لا ينفي وجود بعض الأفراد الذين عملوا في المجال التاريخي وهم خارج نطاق الأكاديمية وكان الكثير من نتاجاتهم ذا أهمية في حينه ومتـّسم بطابع الجدّية، كالسيد هبة الدين الشهرستاني صاحب «مجلة العلم»، والشيخ جعفر باقر محبوبه «تاريخ النجف» والبراقي صاحب «تاريخ الكوفة» وكان لأصحاب الديانة النصرانية، الذين تمرّسوا في معرفة اللغات الأجنبية بحكم أنهم سبقوا غيرهم في الاتصال بالعالم والكنائس الغربية، أمثال: «يوسف رزق الله» صاحب كتاب «الحيرة» المدينة العربية الإسلامية، والأب «انستاس الكرملي» صاحب مجلة لغة العرب.
بيد أنّ الملامح الأولى لهذه المدرسة بدأت في التكوّن مع بداية الأربعينيات من القرن الماضي، عندما تأسست أقسام التاريخ في الجامعات العراقية، إذ كان الأستاذ فيها أول من حاول موازات ومنافسة المدرسة التاريخية المصرية التي كانت مسيطرة حتى يومذاك على الساحة العربية ببعض المشاريع الموسوعية في التاريخ الإسلامي، أمثال: «أحمد أمين» وكتابه «فجر وضحى وعصر الإسلام»، و«حسن إبراهيم حسن» «تاريخ الإسلام» و«أحمد شبلي» «موسوعة تاريخ الإسلامي».
وعند المقارنة ما بين هذا وما أنتج في العراق تبرز جملة اُمور، أبرزها تركيز المدرسة المصرية كان منصبّاً على التواريخ السياسية للإسلام، فيما أخذت المدرسة العراقية تبحث عن موضوعات تجدها أكثر أهميّة، كالجوانب الاقتصادية، والفكرية التي تميّز بها «عبد العزيز الدوري». كما اهتمّت بالموضوعات الاجتماعية والبحث في تفصيلات المدينة الإسلامية وتكوّنها الطبوغرافي التي ركـّز عليها الدكتور «صالح العليّ»، أما بحوث تاريخ العرب قبل الإسلام التي كانت تعاني حينذاك شحّاً ملحوظاً في الدراسات العلمية الرصينة فقد تصدّى لها الدكتور «جواد عليّ» في موسوعته تاريخ العرب قبل الإسلام.
هذا من حيث الموضوعات، أما المنهجيات والأساليب المتبعة فيها، فيلاحظ على المدرسة المصرية أنها تبنـّت بشكل كاد أن يكون تامّاً الطروحات الاستشراقية، وبرز ذلك بوضوح في كتابات الدكتور «أحمد أمين» التي شابها بعض الزيغ والوهن.
ولعلـّه من المفيد هنا تتبّع مدرسة التاريخ العراقية من خلال تشخيص أبرز روّادها ومؤرّخيها، وأن لا تأخذ بشكل الأجمال الذي قد يؤدّي إلى العسف؛ لأنه برغم من انتماء هؤلاء إلى مدرسة واحدة، فإن لكل منهم اهتمامه وميوله وانتماءاته الخاصّة به، والتي قد لا يشترك فيها مع الآخرين. ذلك ما عبّرت عنه مؤلـّفاتهم المتباينة في تناول الموضوعات والكيفية التي عوجلت فيها. وفيما يلي أبرز الروّاد من المؤرخين العراقيين.

أولاً: الدكتور جواد علي (1907م ـ 1987م): أكمل دراسة في دار المعلـّمين العالية، ثم التحق ببعثة إلى جامعة هامبورغ في ألمانية عام 1935م ليكمل هناك الدكتوراه، واختار يومذاك موضوعاً كانت الدراسات الأكاديمية بحاجة ماسّة إليه، وهو «الإمام المهدي والسفراء الأربعة»، بإشراف المستشرق الألماني «شترتمان» المختصّ بالدراسات الشيعيّة، وهي دراسة لم تـُترجم إلى العربية في وقت قريب (2006م).
وبعد عودته إلى العراق تركـّزت أغلب بحوثه في مجال تاريخ العرب قبل الإسلام، إذ أنجز «موسوعة تاريخ العرب قبل الإسلام» بثمانية أجزاء، ثم أعاد كتابتها بعد تعديل العديد من الآراء وإضافة مصادر جديدة ليخرجها بعشرة أجزاء، وهي ما تزال أفضل دراسة في اللغة العربية قـُدمت في هذا الباب؛ لاستعمال الباحث مجموعة من لغات يجيدها، كالألمانية، والإنكليزية، والفرنسية (ولغة المسند).
وقدّم أيضاً بحوثاً في تاريخ الإسلام، كان أبرزها دراسة لموارد «تاريخ الطبري والمسعودي»، إذ استوعب فيها موارد التاريخ الإسلامي خلال القرون الثلاثة الأولى، ويلاحظ أن جواد علي حاول أن يقدم مشروعاً موازياً لمشروعه في «تاريخ العرب قبل الإسلام»، إذ تابع تاريخ العرب في العهد الإسلامي بنفس عدد الأجزاء، وقد طبع الجزء الأول منها، وما زالت بقية الأجزاء حبيسة الورثة.
ثانياً: الدكتور عبد العزيز الدوري: حاز على شهادة الدكتوراه عام 1945م من بريطانيا برسالة عنوانها «تاريخ العراق الاقتصادي خلال القرن الرابع الهجري»، وهذه الدراسة وكما يبين عنوانها قد حددت المنحى الذي سار عليه فيما بعد في بحوثه ودراساته بالاهتمام بالجوانب الاقتصادية.
ومن أبرز كتبه ـ في مجال دراسة علم التاريخ: كتابة «نشأة علم التاريخ عند العرب» وكان في حينها من أبرز ما كتبه في مجاله، وقد ترجم إلى لغات عديدة.
ويعدّ الدوري صاحب نظرية خاصة في تفسير التاريخ، وهي النظرية القومية القائمة على إعطاء أدوار مميزة للعرب (الأمة) على بقية الشعوب الإسلامية، وأخضع مجمل الحوادث لهذه النظرية في مصنـّفاته الآتية: «الجذور التاريخية للشعوبية»، و«التكوين التاريخي للأمة»، و«مقدمة في تاريخ صدر الإسلام»، و«العصر العباسي الأول»، و«دراسات في العصور العباسية المتأخرة».
ثالثاً: الدكتور صالح أحمد العلي (1918م ـ 2003م): ولد في الموصل، وحصل على الليسانس من جامعة القاهرة عام 1945م، والدكتوراه من جامعة اكسفورد عام 1949م بإشراف المستشرق الإنكليزي هاملتون كب، برسالة عنوانها: الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مدينة البصرة خلال القرون الثلاثة الأولى.
تركـّزت الدراسات التي اهتمّ بها العليّ في المجال الخططي وتاريخ المدينة الإسلامية، التي وجد فيه أنها وحدة مهمة ورئيسة لبيان وتتبّع تطوّرات التاريخ الإسلامي، وغطـّى في بحوثه معظم المدن الإسلامية،ومن مصنـّفاته في هذا الباب: «خطط البصرة ومنطقتها»، و«خطط بغداد في القرن الخامس الهجري»، و«معالم العراق العمرانية»، و«الكوفة في صدر الإسلام»، و«سامراء وأهلها أبان إقامة الخلفاء»، و«الحجاز في صدر الإسلام»، و«أطراف بغداد» ترجمة، للكاتب روبرت ماك، و«بغداد مدينة السلام / الجانب الغربي».
واندرجت بعض مصنّفاته في باب البحث عن شؤون الدولة الإسلامية وإدارتها، كما في كتبه الدولة في عهد الرسول، والخراج في العراق خلال القرون الثلاثة الأولى، ودراسات في الإدارة.. وغيرها من المصنـّفات والبحوث المنشورة في المجلـّات العلمية. وترجم إلى العربية أيضاً كتاباً هامّاً في علم التاريخ للمستشرق«فرانز روزنثال» وهو علم التاريخ عند المسلمين.
رابعاً: الدكتور عبدالله فياض: ولد الدكتور الفياض في مدينة الناصرية عام 1917م، وأكمل دراسته الثانوية في مدينة النجف الأشرف، ثم تخرّج من دار المعلـّمين العالية في بغداد، والتحقق ببعثة إلى الولايات المتحدة ثم إلى كندا، بعدها قدّم أطروحة دكتوراه إلى الجامعة الأمريكية في لبنان بعنوان «تاريخ التربية عند الإمامية بين عصري الإمام الصادق والشيخ الطوسي»، تركـّزت بحوث عبد الله فياض في بحث الجوانب الفكرية لتاريخ الشيعة الاثني عشرية. وألـّف في ذلك عدد من المصنـّفات، منها «الإجازات العلمية عند المسلمين»، و«تاريخ الشيعة في عصر الخلافة العبّاسية»، إضافة إلى عدد من البحوث المنشورة في المجلات.
وله أيضاً اهتمامات اُخرى في الكتابة التاريخية، فصنـّف في «تاريخ البرامكة»، و«تاريخ الثورة العراقية الكبرى»، و«تدوين التاريخ عند المسلمين»، و«التاريخ فكراً ومنهجاً»، و«الحالة الثقافية في الحجاز».

أبرز المراكز العلمية المعنية بالتاريخ

أولاً: تأتي في مقدّمة المراكز العلمية المعنية بشؤون التاريخ وتدريسه ودراسته أقسام التاريخ في الجامعات العراقية، وهي من حيث القدم والتميّز يأتي قسم التاريخ / جامعة بغداد / كلية الآداب في المقدّمة؛ لاحتواء هذا القسم على أساتذة جيّدين، أمثال «عبد العزيز الدوري»، و«صالح أحمد العليّ»، و«حسن إبراهيم حسن»،وعاش هذا القسم تنافساً علمياً مع قسم التاريخ في كليّة التربية. وقد فتح منذ وقت مبكر فيهما الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه)، وكثير الآن من رؤساء الأقسام في الجامعات العراقية هم من خريجي هذين القسمين، ويشار إلى أن هنالك أكثر من ثمانية عشر قسماً للتاريخ في مجمل أنحاء العراق، وهذا يعنى فقط بتخريج طلبة الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه)، وفيه أقسام التاريخ الإسلامي،وتحقيق المخطوطات، والتاريخ الحديث والمعاصر. وانتج هذا المعهد مئات من الدراسات في هذا الشأن.
ثانياً: المجمع العلمي العراقي: اهتـّم المجمع العلمي العراقي منذ بدايات تأسيسه بالتاريخ، وكوّن لأجل ذلك مكتبة مهمّة من المخطوطات المطبوعات المعنية بشأن التاريخي. واُسست فيه دار للمخطوطات عَنـَت بجمع الخطوطات التاريخية وشرائها من داخل العراق وخارجه، والعمل على تحقيقها ونشرها بأساليب علمية رصينة، وتركـّزت معظم البحوث والدراسات التي أنتجها المجمع في الحقبة الإسلامية، ولعلّ تواجد أستاذة مختصين في هذا المجال أسهم في ذلك، كما عنى بالدراسات الخاصة بتاريخ العراق وترجم ونقل إلى العربية الدراسات الاستشراقية في هذا الباب، فمن ذلك بلدان الخلافة الشرقية للمستشرق كي لسترنج، ترجمة كوركيس عوّاد، وأطراف بغداد، للمستشرق روبرت ماك، ترجمة صالح أحمد العلي، الفرات الأوسط للمستشرق الوا موسيل، وغيرها من الدراسات التي تنحو هذا المنحى.
ثالثاً: دائرة الآثار العراقية: اهتمّت هذه الدائرة في التنقيب والبحث عن التاريخ العراقي القديم، وهي مشرفة بصورة مباشرة على المتاحف العراقية ومقتنياتها، وأقامت العديد من المواسم الآثارية بالاشتراك مع المستشرقين المهتمّين بتاريخ العراق. وتمكـّنت هذه الدائرة بعد إرسالها البعثات إلى خارج العراق من تأسيس أقسام علمية تهتمّ بشؤون الآثار والكشف عنها والمحافظة عليها.
وكان من أبرز العاملين فيها الأستاذ طه باقر، وسامي سعيد الأحمد، ونائل حنـّون. وتمكـّنت هذه الدار من تحقيق مجموعة من الإنجازات، المتماثلة بالاكتشافات الأثرية في مدن بابل وآشور وأطراف بغداد والوركاء وغيرها من المواقع. ويحوي مركزها الرئيس على مكتبة علمية قيّمة باللغة الإنكليزية تخصّ حضارة وتاريخ العالم ومنطقة الشرق القديم.
ربعاً: بيت الحكمة: بيت الحكمة دائرة تعنى بالثقافة والبحوث والدراسات العلمية، وهي مكوّنة من أقسام: (التاريخ / الفلسفة / الاجتماع / الترجمة). وممّا ضاعف دور هذه المؤسسة ارتباطها بمجلس الوزراء، لذا فقد خصصت لها إمكانيات جيّدة من الدعم. وفيما يخصّ قسم التاريخ فيه، فإنه عنى بالبحث في مجموعة مواضيع تخص التاريخ الإسلامي وتاريخ العراق بفروعه المختلفة، وعقد ندوات عالمية في هذا المجال حضرتها شخصيات عالمية، كالندوة التي عقدها في مجال الترجمة من وإلى العربية. وتصدر هذه المؤسسة تقريباً شهرياً مجلـّة علمية محكمة مختصّة بالأبحاث التاريخية .
خامساً: الجهود الفردية: ولا يمكن هنا التغافل عن بعض الجهود الفردية التي قام بها بعض الأكاديميين والعلماء العراقيين الغير منظوين تحت تشكيل مؤسّساتي معيّن، فإنـّهم قد انتجوا دراسات مهمة، أمثال الأستاذ عبـّاس العزاوي الذي عُرف بموسوعيته في التأليف في أكثر من باب، والأستاذ عبد الرزاق الحسني الذي قدّم مشروعاً وثائقياً لا يستطيع الباحث في العراق الاستغناء عنه، فقد أفاد هذا الباحث من الوثائق الأصلية، بحكم عمله كمقرّر لمجلس الوزراء منذ بدايات تأسيس الدولة العراقية، حتى نهاية العهد الملكي، واستثمر ذلك في مجموعة من الكتب، منها: «تاريخ الوزارات العراقية»، و«تاريخ العراق السياسي»، و«ثورة العراق الكبرى»، و«ثورة النجف»، فضلاً عن العديد من الكتب الأخرى. كذلك كان لجهود الدكتور علي الوردي أثر ملحوظ في مجال الكتابة التاريخية، وإن لم يكن مختصاً في مجال التاريخ، إلاّ أنه وضـّف تخصّصه الدقيق (علم الاجتماع) في دراسة التاريخ الاجتماعي للعراق في موسوعته لمحات من تاريخ العراق الاجتماعي، وطبيعة المجتمع العراقي، ووعّاظ السلاطين، ومهزلة العقل البشري ومنطق ابن خلدون.

أبرز المجلاّت العلمية المهتمّة بالتاريخ

أولاً: مجلة لغة العرب: وهي مجلة بدأت بالصدور مع بدايات القرن العشرين، برئاسة الأب انستاس الكرملي، وتناولت هذه المجلة موضوعات كانت حتى ذلك اليوم حكراً على المستشرقين، وضمّت عدداً من البحوث التاريخية، وركـّزت على التعريف بالمخطوطات المتواجدة في العراق وأماكنها مع إعطاء وصف لها، واهتمّت كذلك بتاريخ النصارى في العراق وتواجدهم، واعتمدت على بعض الباحثين المراسلين لها، أمثال لويس شيخو، وأحمد زكي، وبعض المستشرقين.
ثانياً: مجلة سومر: صدرت هذه المجلة في الأربعينيات من القرن العشرين، عن دائرة الآثار العراقية وبقسمين: القسم العربي، والقسم الإنكليزي، وقد عنت بشكل مركـّز في متابعة أبرز المكتشفات الأثرية العراقية وعرضها. ولم تخل من البحوث التاريخية، وكان أبرز من داوم على الكتابة فيها طه باقر ود.سامي سعيد الأحمد، والدكتور جواد علي وصالح أحمد العلي.ثالثاً: مجلة المجمع العلمي العراقي: بدأت هذه المجلة في الصدور مع بداية تأسيسالمجمع العلمي العراقي في الخمسينات من القرن العشرين، وامتازت بتركـّز الأبحاث التاريخية فيها بشكل فاق بقية الموضوعات، ولعلّ السبب في ذلك أنّ من تصدّى لرئاسة المجمع العلمي وشغل الوظائف المهمّة فيه هم من المختصين بالتاريخ، أمثال جواد علي، وصالح أحمد العلي، وعبد العزيز الدوري، وكان التركيز الأكبر لهذه البحوث هو في التاريخ الإسلامي عموماً، وتاريخ العراق في ذات العهد خصوصاً.
رابعاً: مجلة المورد: صدرت مجلة المورد عن وزارة الثقافة، وهي معنية بشكل أساس في متابعة التراث ونشر المخطوطات التراثية والتعريف بها، وتمثل هذه المجلة منبعاً مهماً لعدد غير قليل من المخطوطات المُُحققة علمياً.


الهامش
ـــــــــــ
(*) ماجستير تاريخ، كلية الآداب، جامعة الكوفة.
__________________
كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان

safaa-tkd غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-02-2007, 03:24 PM   #16 (permalink)
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,241
افتراضي رد: تاريخ العراق

المنحوتات السومرية توثيق أمثل لحضارة مزدهرة

زيدان حمود(*)

الحضارة في المفهوم العام هي الارتقاء بالحياة إلى درجات أسمى، مخلفة نتاجها الذي يعكس تطورها على مر الزمن، من مخلفات مادية، عمرانية واثارية، إضافة إلى إنتاجها الفكري والمعرفي، ونظام حياتها الاجتماعي، وما تسنه من قوانين وأنظمة، وما إلى ذلك مما يعكس رقي تلك الحضارة وازدهارها، أو همجيتها وتخلفها.. فلحضارة الأمم التي تومن بالعلم والتقدم ورقي العلم، وبناء الإنسانية على نهج التسامح والارتقاء إلى ما يخدم البشرية ويخلد نتاجها، هي أمم قادرة على إرساء حضارة راقية تدوم متروكاتها إلى أزمان طويلة، حيث تكون هذه المتروكات أشبه باللقى الثمينة التي يعثر عليها الإنسان في وقت هو أحوج مايكون فيه إليها، كما في الحضارة السومرية مثالا.
أما في الأمم التي تسعى إلى خراب الإنسانية بالاستحواذ على عطاءات الغير بقوة السلاح، والغزو وتدمير ثقافة الآخر ونهب ثرواته من اجل الفتح والسيطرة، فهي حضارة زائلة مصيرها الذكر السيئ، كما في مخلفات المغول التي لم يبق منها سوى أسماء اليخاناتها الجائرين، جنكيز خان، هولاكو خان، تيمورلنك خان وما تبعهم من أمراء الدولة الأيلخانية التي حكمت العراق مائة عام، لم يذكر منها التاريخ سوى الخراب والموت، على عكس الحضارات الإنسانية الرائعة التي تركت ثمارها المتدلية للقطاف على مدى عصور سحيقة، وأزمان سبقت الميلاد بآلاف السنين كالحضارة السومرية التي قال عنها أنطوان مورتكات في كتابه (الفن في العراق القديم) (إن الحضارة التي برزت في الألف الثالث قبل الميلاد تحت ظل السومريين والأكيدين، وبلغت أوجها في الألفين الثاني والأول قبل الميلاد، أيام البابليين والآشوريين، هي نتاج تعاقب أجناس بشرية من أصول ولغات متباينة جدا، ومع ذلك فأنها تعكس نظاما روحيا متماسكا تهيمن عليه وحدة تامة يرافقها في نفس الوقت تنوع داخلي يمكن أن يقترن بتنوع حضارة الغرب المسيحي بعد العصر الكلاسيكي المتأخر).
وبهذا فأن الحضارة كنتاج كوني معرفي مرتبط بشكل أو بآخر، بالنتاج الروحي المتمثل بالفكر اوالمعتقد الديني، حيث كلما نزع الإنسان إلى البساطة والسذاجة يكون إيمانه المطلق بالفرضيات الغيبية أعلى ما يكون، خاصة إذا كان معرضا لقوى هجومية خارجية لا يتمكن من صدها أو حماية نفسه بإرادته الخاصة، لذا فأنه يلجأ إلى تلك الغيبيات ويؤمن بها قسريا، كونها البديل الأكيد للتعويض عن النقص الدفاعي الذي يعاني منه، ومن هنا فأن اغلب الحضارات القديمة بنيت أساسا على معتقدات دينية غيبية سماوية أصلا، حيث السماء بعيدة المنال عن كشف السر، وكلما كان السر بعيدا كانت هيمنته قوية في السيطرة على العقول لعدم الوصول إليه وكشف حقيقته، ومع امتداد السماء عاليا، فأن الإنسان يحاول أيضا في ذلك الوقت المطاولة معها في بناء الأبراج والزقورات لمناجاتها واستلهام المعرفة منها، ومن خلال هذا المد الروحي المتدفق نحو السماء، تكون الهيمنة فيه عالية لذوي القدرة على مناجاة السماء والاندماج في الغيبيات أكثر من غيرهم ممن ليست له القدرة في معرفة الطرق إلى السماء، التي تعددت الآلهة فيها وأصبح لكل جزء من الحياة بتفصيلاتها الدقيقة الاها خاصا به [اله للماء، اله للهواء، اله للحرب، اله للخصب،اله للرياح، آلهة للجمال وللحب، وهكذا كلما تعددت الآلهة تعددت معها طبقات الملوك والكهان والمحاربين الذين يمثلون الآلهة على الأرض، كعناصر أولية لتشيد وبناء الحضارة، تليهم الطبقات المسحوقة، التي ستكون على مر الزمن وقودا لطموحات الطبقات المتنفذة بقدرة الآلهة المفترضين.
لذا جاءت المخلفات السومرية الفخارية والحجرية والبرونزية تحاكي بفعلها الأولي الروح الغيبية المتمثلة بأصل الأشياء والانتماء إليها، ومحاكاة الطبيعة بكل صورها المتمثلة بالمرئيات في ذلك الوقت، حيث تركت لنا الحضارة السومرية سجلا توثيقيا حافلا بالحياة الاجتماعية آنذاك،من خلال ما صوره الفنان السومري وأبدعه خياله الغيبي المنسجم مع روح الكهانة والملوكية المفترضة، كبدائل أرضية لهيمنة السماء، وبهذا فأن الملاحم السومرية، والأشعار والأساطير تتمثل حية من خلال التماثيل والمنحوتات والرسوم المصورة على الجدران، وهي تحاكي تلك الملاحم وتوثق لبطولات وانجازات الملوك في الحرب والأعمار، وما يتركونه من اثأر حضارية تحفظه اللوحات والتماثيل والنصب، كخزين معرفي كبير، فأصبح الفنان السومري النحات أو الرسام بمثابة كاتب تاريخ سير الملوك والكهنة أو الموثق الإعلامي البديل عن مؤسسة الأعلام المعاصرة وتقنياتها الحديثة، في حفظ الحدث وتوثيقه بالصوت والصورة السريعة، التي تحفظ النتاج الحضاري المعاصر في كل ساعة تمر أو في كل دقيقة ولحظة، فمن خلال الأرشيف الإعلامي الكبير الذي تحتفظ به الخزانة المعلوماتية الإنسانية المعاصرة ما يغني الباحث المستقبلي عن حياتنا الآن بعد مثات أو آلاف السنين.
وعليه كان النحات السومري بمثابة الموثق الإعلامي المعاصر، حيث حملت المنحوتات السومرية القديمة حياة اجتماعية متنوعة ومتفردة في الوصف، فلم يترك الفنان السومري شيئا إلا وصوره على حقيقته، وصف الملوك وملابسهم وهيآ تهم ومجالس شوراهم، والطريقة التي يتلقون فيها مشورتهم السماوية من الآلهة المفترضين، كما صور الكهنة وملابسهم وطقوسهم والطريقة التي يمسكون بها الكؤوس المقدسة، صور المحاربين ورماحهم وملابسهم وعرباتهم الحربية، وطريقة انتقالهم من مكان إلى آخر، إضافة إلى تصويره للعراة حليقي الرؤوس من الطبقات المسحوقة، صور العمل والعمال، النساء الملكات والمغنيات، الحزن البكاء، أدوات الحرث وطاسة البناء، كل تلك الأشياء جاءت موثقة توثيقا دقيقا في المتروكات السومرية النادرة.وبهذا فلن يصعب على الباحث المعاصر الذي يريد معرفة الحياة السومرية بتفاصيلها سوى التمعن في صور التماثيل والأواني الخزفية ورسوم الجدران حتى يتمكن من وصف تلك الحياة من خلال النقل الدقيق الذي تركه الفنان السومري آنذاك، كما في الصور المرفقة التي يمكننا من خلال مشاهدتها وصفها وصفا دقيقا يساعد المتتبع للحياة السومرية معرفة حقائق الأشياء من خلال ذلك الوصف.
في الصورة(رقم1) نشاهد الاستخدامات الأولى للعجلة في العربات القتالية، حيث يبرز المقاتل بلباس الحرب وهو يمتطي العربة التي صممت على شكل حصان برأس نسر، دلالة على القوة تسحبها أربعة خيول أو أربعة حمير، وهي عربة قتالية خفيفة وسريعة، مصدر سرعتها الخيول الأربعة وصغر حجمها الذي لا يسمح سوى لمقاتل واحد أن يمتطيها وكأنها جواد.
المقاتل يمسك بيده سيفا أو ما يشير إلى انه سيف، وليس هنالك ما يدلل على ان العربة تحمل أدوات قتالية أخرى.
في الصورة رقم(2) نشاهد حملة الجرار العراة بلحى طويلة وأحزمة تشد البطن على جسد عار تماما إلا من ذلك الحزام الذي لا يدلل على العمل كما في الأحزمة المعاصرة للعمال البدائيين في الوقت الحاضر ولكن الأمر يختلف هنا في كون العمال المعاصرون يشدون أحزمتهم فوق الملابس وليس فوق أجسادهم العارية، ويشير كبر حجم الإناء الذي يحمله العامل أو الأجير فوق رأسه الى انه ربما يكون سقاء يحمل فيه الماء من الأنهار إلى البيوت أو ربما يكون وعاءا للطبيخ أو إناءا للنقل حيث الأجراء من الحمالين الذين ينقلون بضائع الميسورين على رؤوسهم، وبهذا يكون الفنان الذي جسد هذه المنحوتات المرئية في زمنه السابق، قد وثق في هاتين الصورتين رمزا أو دلالة لشيء ما، ولكنه رسم رجلين شكليهما يختلفان تماما، وجعلهما في وضعيتين مختلفتين من الجلوس، مما يدلل على أن الرجل يوثق لحالة الإناء المحمول على الرأس وعري الناس المتمثل بالطبقات الدنيا، على عكس الملوك والهنة والمحاربين، الذين لم تبرز عوراتهم من خلال الرسوم أو المنحوتات.
وفي الصورة رقم (3) نشاهد المظهر الخارجي الذي يتوضح في التمثالين اللذين يمثلان رجلين من الطبقات العليا وفيهما نشاهد أن شعر رأسيهما طويلا ومرتبا على جانبي الوجه بفرق عريض من المنتصف، الشعر يلتصق مع اللحية بامتدادها حتى منطقة الصدر في نهاية الكتفين، اللحية وشعر الرأس مرتبين ومظفورين ومدهونين بدهان خاص يحافظ على أناقتهما، التي تعطي شكلا قدريا للرجل الذي يكون عاريا في الأعلى، مع مئزر دائري يلتف على خصره وينزل حتى قدميه بانكسارات طويلة على امتداد الرداء الذي ينتهي عند القدمين.
وفي الصورة رقم (4) تصوير لهيئة وملابس الكهنة الذين يظهرون، بلحى مظفورة بشكل هندسي بديع، تنزل إلى الصدر ما بعد الكتفين، وهم يؤدون طقوسهم لأحد رموز الآلهة على حجر منحوت.
وفي مئات من التماثيل والمنحوتات الأخرى وغيرها من المتروكات السومرية والآثارية الكثيرة من أختام اسطوانية ونقوش على الأواني الفخارية وما شابه تتوضح لنا من كل ذلك مهمة الفنان السومري القديم، فبالإضافة إلى كونه فنانا يحاكي الصخر بأزميله لإنتاج تحف تعبر عن رغبته في مواصلة الحياة التي يريدها مختلفة حتما عن أداء الآخرين من أبناء قومه، حيث تكون واجباتهم ومهامهم تختلف عما يؤديه من دور، قد يكون مقدسا عند الكهنة، أو رسالي عند الملوك، وربما رمزي أو بوهيمي بالنسبة له، ولكنه في نفس الوقت يوثق لحياة دقيقة معاصرة لزمنه بأزميله، الذي يضرب به الصخر ليحيله من كتل متماسكة جرداء، إلى حياة مرئية معاشة في كل تفاصيل الحياة التي يلمسها ويراها، عدا كونها لا تنطق ولا تتحرك.
اعتقد أن العلماء الآثاريين عندما صنفوا الحياة السومرية القديمة، ودخلوا في تفاصيلها، لم يلجئوا إلى الملاحم والأساطير والأشعار وغيرها من المدونات ويجعلوها هي المرشد الأول لهم في كشف تلك الحياة بتفاصيلها، وإنما كان معينهم الأول هو ما وجودوه من تماثيل ومنحوتات ورسومات منقوشة فوق الأواني الفخارية أو الحجرية والأختام الأسطوانية، كانت لهم بمثابة بنك المعلومات المعرفي لتأكيد الحياة السومرية المسطورة في المدونات، لحياة حافلة بالمآثر والأمجاد والبناء والعمران تاركة خلفها حضارة باقية على مر الزمن هي الحضارة السومرية ومخلفاتها
.









Zydan_98@yahoo.com
(*) باحث من العراق
عن: المثقف
__________________
كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان

safaa-tkd غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-21-2007, 11:24 AM   #17 (permalink)
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,241
افتراضي رد: تاريخ العراق



تاريخ الفكر والثقافة في العراق / العهد القديم

د. صائب عبد الحميد(*)

(خاص لمعهد الحضارية)

الديانات في العراق القديم (بين النهرين) (ميزوبوتاميا)


العراق هو موطن أقدم الديانات السماوية، منذ نوح عليه السلام البابلي. كان ذلك في عهد (ما قبل التاريخ) أي عهد ليس فيه تدوين، ولم تتصل روايته التاريخية لنعرف شيئاً تفصيلياً عن حوادثه. غير أن القرآن الكريم يخبرنا أن مجتمع نوح البابلي كان يدين بديانة ما، ديانة وثنية، وذكر لنا أسماء بعض الأصنام (الآلهة) التي كانوا يعبدونها، وهي: (وَد) و(سواع) و(يغوث) و(يعوق) و(نسر). والذي يتفق عليه مفسروا القرآن أن هذه الأسماء هي أسماء رجال صالحين عاشوا في أجيال سابقة حياة روحانية تركت أثرها الديني على الأجيال، ومع تقادم الزمن نسجت حولها أساطير وخرافات كثيرة تـُعلي من شأنها، وجيلاً بعد جيل تحولت في معقتدات الناس إلى آلهة، نحتوا لها أصناماً (هياكل أو تماثيل) ثم صاروا يعبدونها. ولا نعرف بعد ذلك شيئاً عنها وعن جذورها الأولى..، كما لا نعرف شيئاً عن امتداد الديانة التوحيدية بعد نوح عليه السلام.
ومن الناحية التاريخية لا نعرف على أي شيء استند المفسرون في قولهم أن أصنام قوم نوح تعود إلى رجال موحدين، لكن الديانة على أي نحو كانت قد صاحبت الإنسان منذ وجد على الأرض.
وعندما تحقق المؤرخون من أن بلاد ما بين النهرين(ميزوبوتاميا) هي أول بلاد تعرف الكتابة وتبتكر الحروف، في حدود سنة 3000 ق.م. تحققوا أيضاً من أن الكتابة اعتمدت لأول مرة في تنظيم حسابات المعبد. فالمعبد إذن ملازم لهذه الأقوام. وبعد اعتماد الكتابة انتهت مرحلة ما قبل التاريخ ودخلنا عهد التاريخ، من خلال ما تم العثور عليه من ألواح كتب عليها إنسان تلك العهود مدوناته في السياسة والاقتصاد والتاريخ والأدب والفن، وكان للمعتقدات وما يتصل بها سهم وافر في هذه الكتابات، منها عرفنا قضايا محورية في الديانة السومرية وما بعدها.
في الديانة السومرية القديمة كانت فكرة «الواحد» متأصلة.. «الواحد، باسط الأرض، رافع السماء، والمستوي في الماء على العرش».
كان «الواحد» خفياً، وهو بصفته الخفية أسماه السومريون: «آنا».. فأراد أن يُعرف وأن تكون معرفة، فهو بهذه الصفة: «عين ـ كي».. وأراد أن يكون كوناً وخلقاً فخلق الأرض والسماء، وهو بهذه الصفة: «أنليل». كانوا يعتقدون إذن بواحد في ثالوث، وثالوث في واحد.. إننا هنا أمام أقدم أصل يمكن أن ترجع عليه عقيدة التثليث المسيحية التي ظهرت بعد زمن من عهد المسيح عليه السلام.
إن أهم صفات «الواحد» المستوي على عرش السماء هي: العدالة، والعدل.. ولأجل تنفيذ عدالة السماء على الأرض ولتنظيم الأحكام الدنيوية وفق القضاء الإلهي، اعتقد السومريون بأن روح المستوي على عرش السماء لابد أن تحلّ في روح الجالس على عرش الأرض (الملك).
فكانت عقيدة «الحلول» حلول اللاهوت في الناسوت، من أقدم العقائد عند السومريين، رافقتها عقيدة «ابن الاله» الذي هو الملك الأكبر والكاهن الأكبر في آن واحد، يجمع الرئاستين الدينية والدنيوية. وبهذا ارتبطت وحدة الدين بالوحدة السياسية.
ومنذ ان قامت مملكة اُور وأورك(التي منها اخذ اسم العراق) كان يبنى بيتاً في الأرض للإله الذي في السماء: «إن سومير (سومر) منذ قامت تقيم اُور وتشيّد وتبني، قد أقامت بيتاً للاله، فلمن في السماء قد بنت على الأرض بيتاً».
في عهد (اُور نامو) سنة 2300ق.م. ـ 2180ق.م. طلع اُور نامو يردد الأمر الالهي: «لقد أمرني الإله ببناء البيت» فينطلق ويختط البيت بمساحة 15 قدماً طولاً و5 قدماً عرضاً، وينقل الحجارة بيده، يساعده ولده (د نجى). قام هذا البناء على التل المعروف بـ (تل المقيّر). وفي هذا المعبد وجدت المدونة التي تحمل هذا النص (الأمر الإلهي) الذي تلاه اُور نامو.
بني بيت الإله إذن على تل مرتفع، ضمن بناء واسع مرتفع له أروقة ومحاريب وأسوار وسلالم، يسمى «الزقورة» أي طريق السماء. فمن هناك ترصد النجوم، ومن هناك ابتدأت أولى الاعتقادات بتأثير النجوم، ومن هناك ابتدأت عبادة بعض هذه النجوم.
وفي تلك المملكة، ومع نهاية عهد اُور نامو يُبعث نبي الله إبراهيم الخليل بين سنتي 2200ق.م. و 2000ق.م. فيجد قوماً يعبدون النجوم، وحكاياته معهم معروفة كما عرضها القرآن الكريم.
إذن هناك في سومر بعث أبو الأنبياء إبراهيم الخليل،وهناك كانت قصته مع أصحاب النجوم اوالمجسمات التي ترمز للآلهة.. ومن هناك هاجر بدينه ولم يتبعه إلا امرأته وإبن اخته لوط، إلى بلاد الشام، ومصر، أما لوط فقد بعث نبياً في بلاد الشام وليس في العراق.
ـ عبادة النجوم هذه الديانة القديمة في العراق، هي اذن أقدم الأصول التي يمكن أن تعود إليها بعض عقائد الديانة الصابئية المندائية، التي تأسست في تلك الأرض نفسها أرض سومر.
وهي أقدم الأصول أيضاً لتقديس الشمس (شمش) هذه العقيدة التي انتقلت إلى الأجيال والممالك الاكدية، ثم البابلية، ثم الآشورية، وهي الباقية الآن عند الإيزيدية.
السومريون عبدوا «الاله» في القمر، فالقمر عندهم ربّ وليس هو الإله، وكذلك الأمر مع الأجرام السماوية الأخرى، (شمش) الشمس، و(أنانيتو) الزهرة إلهة الحب والجمال. وهكذا قدّسوا الفضاء الذي يحوي هذه الأرباب المقدسة، فقدّسوه ربّاً بإسم «رأمان».
كانت كل مدينة تختار لنفسها ربّاً من هذه الأرباب لتحتمي به..
ـ اعتقد السومريون بأن الإٍنسان يتمتع بأتم أنواع الحرية في القول والعمل، فهو مخيّر، غير مسيّر، حر في استخدام ملكاته العقلية وقواه الطبيعية، وأن يختار الخير أو الشر، وليس عليه إلا أن يوفق بين أعماله وبين المبادئ الأخلاقية.
ـ اعتقدوا بالبعث والنشور، في يوم يبعث فيه الإنسان حياً بعد الموت.
وذلك اعتقادهم أن الإنسان ليس هو الجسد فقط، بل هناك الروح التي أسموها (كا)، فهي المبدأ الحي، فعندما تفارق الجسد فان الجسد يضجع ضجعة قد تكون طويلة جداً، لكنه سوف يستيقظ من جديد حال عودة (كا) إليه.
ـ في العهد البابلي: حاول البابليون التوحيد بين هذه الأرباب المتعددة، فجعلت لها جميعاً رباً واحداً اسمه «مردوخ» أن «مردوق». لكن «مردوخ» ليس هو الرب بل هو الإله «إيل» الخالق.
ـ في بابل وضعت «قصة التكوين» كأول فلسفة دينية في نشأة الخلق عرفها الإنسان.
في «قصة التكوين» التي كتبها البابليون، كان «مردوخ هو الواحد المستوي على العرش، وهو الذي «خلق الكون والكائنات، وعمّر بالإنسان المدن، ولنفسه اختار من هذه المدن مدينة بابل، ومن ثم فبابل مدينة مقدّسة».
«ومن الماء الأزلي كان الإيجاد».
وتحولت الزهرة إلى «عشتار» وهي عند البابليين أم الاله مردوخ. دون أن تتزعزع مكانة مردوخ. هذا الاله هو الذي تحدث عنه حمورابي في شريعته ،بين سنتي2113-2080قبل الميلاد.
وبنى البابليون معبداً للإله هو معبد «سيبارا» وقالو إنه: « تماماً كمثل بيته الذي في السماء».
هناك نصوص أخلاقية رفيعة في هذه الديانة، كقولهم: «إن الاله تكلم قائلاً:
«ضد صحبك وجارك ليس لك أن تقول شراً».
«لا تتجسس وتبحث عن أمور مخفاة».
«كن رحيماً وأوف بالعهد إذا عاهدت».
انتقلت هذه الديانة وتشريعاتها إلى كل الأمم المجاورة، فقد استعارها الحيثيون عندما قدموا من غرب إيران إلى بابل، وكذلك الاشوريون القادمون من نينوى، ثم نقلها الآشوريون إلى أرض الكنعانيين في بلاد الشام.
لقد وحد الآشوريون الههم «آشور» بـ «مردوخ» إله بابل، فجعلوه الهاً واحداً، قالوا إن البابليين كانوا يسمونه «مردوخ» وإنما هو الاله الواحد آشور.
ـ في «قصة التكيون» الطويلة التي عثر عليها المنقبون في مكتبة آشور بانيبال، في نينوى، تفاصيل مطولة عن العقيدة البابلية في نشأة الخلق، جاء في بعض نصوصها ما خلاصته:
إن الاله بعد أن خلق الأرض والسماء نزل إلى أرض بابل وأجرى الأنهار وزرع الأرض حتى اصبحت جنة، ثم خلق من ترابها إنساناً نفخ فيه نسمة حياة فصار نفساً حية، فوضعه في هذه الجنة، ثم رأى أن هذا الإنسان وحيدا، فأوجد له على صورته انثى، فعمر بهما الأرض، ونشأت القرى والمدن.
ـ قصة الطوفان: كتب البابليون قصة الطوفان بأكثر من رواية، وجدت كلها في مكتبة أشور بانيبال الذي جمع كل ما كتبه السومريون والبابليون واحتفظ به، وأمر باستنساخه في نسخ عديدة لضمان حفظه من الضياع.
واحدة من هذه الروايات كتبها الحفيد الثالث لحمورابي في حدود 1977ق.م. ـ 1956ق.م. ومما جاء فيها: «غضب الإله على الكائنات وأراد أن يمحوها عن وجه الأرض، إلا (كسيثوروس) [نوح] الذي وجد نعمة في عيني الرب الاله فتجلـّى له قائلاً: اصنع لنفسك فلكاً لأني آتٍ بطوفان الماء على الأرض لأهلك كل جسد فيه، خذ معك من البهائم والطير من كلٍ زوجين، وارتقب فورة الماء..» وتمضي القصة إلى نهايتها كما هي معروفة، وفيها اضافة نجدها في كتب قصص الأنبياء المتداولة الآن، تقول هذه الإضافة: «ولكن ليتثبت كسيثوروس مما إذا كان الطوفان قد انتهى أطلق طيراً، فعاد إليه متبلاً، فعاود إطلاقه حتى عاد إليه للمرة الثالثة وقدماه ملوثتان بطين، وحيث ذلك خرج ومن معه على جبل..». وتواصل القصة أخبار بابل بعد الطوفان.. وتتضمن الاعتقاد بأن «كسيثوروس قد رفعه الله جسداً إلى السماء».
ـ وفي عقائد البابليين نجد الاعتقاد بالاسراء إلى السماء: فإن «إيتانا» قد رقى إلى السماء، وأمام العرش الالهي هوى ساجداً.. وأن «آدابا» أسرى إلى السماء، وبعد اختبار بتقديم وعائين له مُسِحَ بالزيت وخُلعت عليه بُردَة.
نكتفي بهذا القدر من بين تفاصيل كثيرة متشعبة، كانت تمثل ديانة أجيال قديمة، أصبحت الآن في عداد الأساطير.


الحكمة في بلاد الرافدين

أكثر ما تتجلى الحكمة في الكتابات الدينية، التي تتحدث عن العقيدة في الاله والتكوين والارباب، كما تتجلى في النصائح الأخلاقية (الحكم)، وفي الاشعار أيضاً.. في كل ذلك ترك العراقيون القدامى تراثاً غنياً. فعن أقدم الحضارات (سومر) كشف الآثاريون أكثير من عشرين موضوعاً حكمياً مفصلاً، يطلق عليه الآن أسطورة. لأنها تتحدث عن ماوراء الطبيعة، منها:
ـ اسطورة أنليل وننليل.
ـ أنليل وخلق الفأس.
ـ أنكي وتنظيم الكون.
ـ أنكي وأريدو والرحلة إلى نفر (المدينة السومرية).
ـ أنانا وأنكي.
ـ أنانا والبستاني.
ـ وأساطير عديدة عن دموزي (تموز) والمعتقدات الخاصة به.
وعن العهد البابلي كشفت أساطير أكثر عدداً، منها:
ـ أسطورة الخليقة أو قصة التكوين.
ـ أسطورة أنزو وسرقة ألواح القدر.
ـ أسطورة نركال واير شكيمال.
ـ مدونات الصلوات والاتبهالات والتراتيل الدينية.
ـ ومن أدب الحكمة كشفت قصائد وحواريات عديدة جداً، يضاهي بعضها حكايات (كليلة ودمنة) التي جاءت بعدها بقرون عديدة. ومنها:
ـ قصيدة لأمتدحنّ رب الحكمة.
ـ حوار رجل معذب وصديقه الحكيم.. تتحدث عن العدل الالهي.
-حوار بين عبد وسيده..في اسلوب نادر يتعمد اظهار خصائص الشيئ وضده بعبارة حكمية بليغة , قد تبدو ساخرة احيانا..
ـ حوارات عديدة ومناظرات في مزايا الطبيعة والمخلوقات، كمناظرة الصيف والشتاء، ومناظرة الراعي والفلاح، ومناظرة الطير والسمكة، ومناظرة الفضة والنحاس، ومناظرة النخلة والأثل، ومناظرة الثور والحصان، ومناظرة الذئب والكلب والثعلب، وقصيدة على لسان قرد إلى أمه.. وقصة ساخرة (قصة جميل ننورتا) تضاهي حكايات ألف ليلة وليلة.
وفي خاتمة القصة البابلية الساخرة (فقير من نفر) نقرأ ما يكشف عن كثير من الدلالات، إذ يكتب كاتبها: «كتب ودقق على وفق النسخة الأصلية (نابو ـ رختو ـ آصر) الناسخ المساعد عضو مجمع نابو ـ أفا ـ أدن، أمين القصر لمطالعة قدري نركال.. كل من يأخذ هذا الرقيم عسى أيا إله الحكمة أن يأخذه بأمر من نابو إله الخط، الذي يسكن معبد أي ـ زيدا، .. في شهر آذار، اليوم 21، سنة خاناني» وهذه السنة تقابل سنة 701 ق.م. في مدة حكم سنحاريب الاشوري.
فهذا الكاتب الآشوري (نابو ـ رختو ـ آصر) يستنسخ هذه القصة البابلية من النسخة الاصلية، في مجمع خاص بهذه الأعمال العلمية.. ثم نلاحظ تقديس الحكمة والكتابة، فللحكمة إله، وللخط إله.. ثم لنقف عند معبد (أي ـ زيدا) لنرى جذور الديانة الأيزيدية القائمة الآن في تلك البقاع نفسها.. وأخيراً نقف عند التاريخ (21 آذار) هذا اليوم الذي لازال سكان تلك البقاع يحتفلون به، كما يقدسه الزردشتية.
ـ كما قام البابليون بإعادة نسخ كلما تركه السومريون، قام الآشوريون بجمع ونسخ كل ما عثروا عليه في مملكة بابل.. ما ساعد على حفظ هذا التراث الكبير الذي عثر عليه في مكتبة آشور بانيبال، إضافة إلى ما عثر عليه في أماكن كتابته الأولى، في أرض سومر وبابل.
يقول الدكتور طه باقر: «تحتفظ متاحف العالم بمجاميع هائلة من الالواح المسمارية، ربما يناهز عددها المليون بين رُقـُم، وكسرة، وحجر مكتوب، وتتعلق بسكان وادي الرافدين عبر العصور».


نصوص مختارة

1- منذ العهد السومري كانت الحكمة تتابع شؤون المجتمع والدولة، الاخلاق والسياسة، فأثبتوا نصوصاً في غاية الاهمية، تدين بها الأمم كلها حتى الآن، وإلى آخر الزمان، لأنها حصيلة تجربة حياتية وخبرة اجتماعية وسياسية، إضافة إلى العلوم الدينية.. فلنقرأ هذه النصوص الدينية والتربوية:
ـ «اعبد الهك كل يوم.. صلّ وابتهل واسجد له كل يوم».
ـ « الصلاة تكفـّر عن الذنوب».
ـ «أطع كلام أمك كأنه أمر إلهي».
ـ «الذي يقسم يميناً كاذباً فهو منافق».
2- ولنقرأ في السياسة المدنية أقدم نص عرفته البشرية في المبدأ القائل بأن(العدل هو أساس استقامة الدولة وأن الظلم أساس خرابها).. يقول النص السومري:
ـ «شعب بدون ملك، ماشية بدون راع».
ـ «إذا لم يرع الملك إقامة العدل، فستعم الفوضى شعبه، وتخرب بلاده».
ـ «إذا لم يطبق الملك العدالة في أرضه فإن الإله آيا سيد المصائر والأقدار سيغيّّر مصيره».
3ـ لوكال ملك الوركاء كتب يقول وهو يدعو لنفسه: «.. وعسى أن تنام البلاد تحت حكمي بسلام في المروج، وعسى أن يزدهر البشر كله كما تزدهر النباتات والحشائش..».
4ـ سرجون الأكدي، يكتب قصته، فيقول: «أنا سرجون الملك العظيم، ملك بلاد أكد، كانت أمي كاهنة عظمى، وأنا لا أعرف أبي الذي كان متجولاً، وكان شقيق أبي يحب التلال، ومدينتي أزوبيرانا Azupirana التي تقع على ضفاف الفرات. لقد حملتني أمي وولدتني سراً ووضعتني في سلة من البردي ختمت غطاءها بالقير ومن ثم رمتني في النهر الذي لم يغمرني، فحملني النهر وأخذني الغراف آكي بستانياً عنده، ومنحتني عشتار حبها فاضطلعت بمهمة الملوكية.. لقد سيست وحكمت ذوى الرؤوس السود، وقهرت الجبال الشاهقة بفؤوس قاطعة من البرونز، تسلقت القمم العالية وعبرت القمم السفلى، وطوفت حول بلدان البحر ثلاث مرات...
5ـ ملحمة جلجامش ـ أروع النتاجات الادبية وأقدمها ـ كتبها الملك جلجامش حدود سنة 2700ق.م.، يتحدث فيها عن نفسه مباشرة واصفاً حكم الملوك المستبدين الذين يحتكرون الحرية لأنفسهم ويستعبدون الناس، ينعمون بالرفاء والثروة والنساء، وينتزعون كل شيء من جهد الناس ولا يمنحونهم إلا الشقاء... كيف ينظر الاله إلى ملك كهذا، بعد أن تتضجر منه الناس وتدعوا الاله أن يخلق له نداً ينافسه حتى تستريح المملكة (أوروك).
فيخلق الاله من الصلصال شخص (أنكيدوا) الذي يمثل الإنسان الفطري أولاً ويحمل صورة الوعي الجمعي بضرورة تغيير النظام الاستبدادي وتقييد حرية الملك.. يعيش أنكيدوا الحياة الفطرية البدائية، ثم تستهويه كاهنة المعبد فيعيش في المعبد يتعلم الحكمة، ثم تبعثه الكاهنة إلى جلجامش ليحاوره وفق المبادئ الأخلاقية الرفيعة ومبادئ العدالة.. أنكيدوا يمثل الظمير الذي يستيقض في روح الملك المستبد جلجامش، فيقنعه بأن الحرية حق للجميع وليس للملك وحده، وأن الحرية لا معنى لها ولا وجود لها بغير العدل.. وأن الناس سواسية ليس في الحقوق فقط بل في المشاعر والأحاسيس أيضاً».
تنتهي الحوارية بين جلجامش وأنكيدوا، إلى وحدة جدلية تؤلف بين القيم الأخلاقية التي يمثلها إنسان الطبيعة أنكيدوا، وبين أسلوب الحياة الحضارية التي يمثلها جلجامش.. فتنتهي إلى انتفاء الفساد الأخلاقي والسياسي في شخصية الملك المستبد، وانتفاء البعد الطبيعي البدائي في شخصية إنسان الطبيعة، فتنتج شخصية متكاملة تتمتع بالقيم الأخلاقية السليمة وتتجه في الوقت نفسه إلى تحقيق الذات بواسطة الفعل الحضاري.
6ـ نصوص من حكم أحيقار الحكيم، في الدولة الآشورية:
كتب أحيقار هذه الحكم، الوصايا، لابن اخته (نادن) مخاطباً اياه (يا بني) ..ننتخب منها قطعاً معدودة، وهي طويلة جداً:
ـ «يا بني، لا تتفوه بكل ما يطرق سمعك، ولا تحاول إشاعة كل ما يقع في نظرك».
ـ «يا بني، لا تكن عجولاً كشجرة اللوز، فإنها تزهو قبل جميع الأشجار وتـُطعم بعدها جميعاً، بل كن كشجرة التوت هادئاً ومتيناً، فإنها تورق آخر الأشجار، وتُطعم قبلها جميعاً».
ـ «يا بني، طأطئ عينيك، واخفض صوتك، وانظر باحتشام، لأنه لو أمكن بناء البيت بالصوت العالي لبنى الحمار بيتين في يوم واحد..».
ـ «يا بني، إنه لأفضل للمرء أن ينقل الحجارة مع رجل حكيم، من أن يشرب الخمر مع جاهل».
ـ «يا بني، إنك لن تضل إذا عاشرت حكيماً، ومع الضال لن تتعلم الحكمة».
ـ «يا بني، طالما أنك منتعل، دُس الأشواك، ومهّد الطريق لأبنائك وأحفادك».
ـ «يا بني، مع عديم الحياء حتى الخبز لا تأكل».
ـ «يا بني، إني حملت الحديد ونقلت الحجارة، فلم أجل أثقل من رجل يسكن بيت حميه».
ـ «يا بني، إني حملت الملح ونقلت الرصاص، فلم أجل أثقل من الدَين، فليفِ الإنسان ولا يقترض».
ـ «أعمى العينين أفضل من أعمى القلب، لأن أعمى العينين يتعلم طريقاً سريعاً، أما أعمى القلب فإنه يحيد عن الطريق السوى ويتيه في الضلال..».
ـ «يا بني، الزبد الذي في يدك خير من الدهن الذي في قدر الآخرين، ونعجة قريبة خير من بقرة بعيدة، وعصفور في يدك خير من ألف عصفور طائر، والفقر الذي يجمع خير من الغنى الذي يبدد، ورداء صوف ترتديه خير من خز وارجوان يرتديه الآخرون».
ـ «كل من لا يقضي قضاء عادلاً يغضب الإله».
ـ « لا تقاوم من كان في أوج عظمته، ولا تناحر النهر في طغياته».
ـ « عين الناس هي كينبوع ماء، ولا تشبع من الأموال حتى تمتلئ بالتراب».
ـ « بهيّ الثياب مقبول الكلام، وحقيرها مرفوضوهُ».
ـ « من كان ملآن اليد يدعى حكيماً، ومحترماً، ومن كان فارغها يدعى مسيئاً ووضيعاً».
هذه جملة من وصايا أحيقار الحكيم، وقد ترك أحيقار غير هذه الوصايا قصة حياته، أو قل مذكراته، المشحونة بالأدب والحكمة والاثارة.
7ـ وتذكر الألواح البابلية القديمة أن إلى جانب كل ملك كان هناك حكيما، يلقي الحكمة، يستشيره الملك في شؤون المملكة، وتذكر الألواح أسماء 16 حكيماً، أربعة منهم في عهد ما قبل الطوفان، وأربعة في زمن الطوفان، وثمانية بعد الطوفان.
8ـ وفي العهد السومري، كان للحكمة والحكماء منزلة في العقيدة الدينية، ففي مدونة (آنكي وتنظيم الكون) تقول العقيدة السومرية أن الاله يرسل مخلوقات من مياه العمق لنشر الخير والمعرفة وفنون الحضارة.. وقد أطلقوا على هؤلاء اصطلاح (الحكماء السبعة) فهم سبعة حكماء اختارتهم الآلهة لهذه المهمات.
الفنون

قبل مفارقة هذه العهود لابد من ذكر مملكة العرب الاخيرة (بعد مملكتي الحضر، وميسان) قبل الاسلام في العراق .. مملكة المناذرة .. التي يدين لها العرب والفرس والترك بابتكارها حروف الهجاء(أ ب ج د ...) التي هي احرف العربية .. واستعارها الفرس في وقت مبكر اذ كانوا انذاك في العراق، غير ان للفرس اربعة احرف اضافوها الى الاحرف العربية الثمان والعشرين وهي (پ چ ژ گ)..اما الترك فلم يفارقوا الاحرف العربية حتى عهد اتاتورك في العشرينيات من القرن الماضي حيث اعتمد الاحرف اللاتينية بديلا عن العربية في خدمة مشروعه في ارساء جذور العلمانية في تركيا..

وختاماً: لا أجد لهذه القطيعة التي أحدثها العراقيون خصوصاً مع تاريخهم القديم، مبرراً، أو معنى.. وما يثار عند الإسلاميين خاصة من ذريعة كون تلك الحضارات حضارات «جاهلية» لا صلة لها بالإٍسلام، ليست بالذريعة المحكمة، إذ كان علماء الإٍسلام في كل أصناف العلوم، وانطلاقاً من العراق بالذات، عاصمة العلم آنذاك، قد تلقوا كل ما تناولته أيديهم من تراث اليونان والهند وفارس باحترام كبير، ونقلوا منه الى العربية الشيء الكثير، دون أن يكون لمثل هذه الذريعة محلاً بينهم، كل ما في الامر أن تراث العراق القديم كان مكتوباً بلغة لم يتوصل العلماء المسلمين الى حل رموزها واكتشاف حروفها، كما أنها لم تكن متاحة للتداول حيث لم يأت بعد عصر التنقيب عن الاثار.. فلو كان ذلك قد تيسر لهم لما أعرضوا عنها، بل لوجدناها مترجمة الى العربية منذ العصر العباسي الأول، ولكان الكثير منها محل دراسة وتأمل واستشهاد.

اليوم وقد أصبح هذا كله ميسوراً، فليس ثمة مبرر لتأخيره وراء غيره من تراث الاقدمين.. نحن العراقيون خاصة بحاجة الى إحياء ما يستحق الاحياء من هذا التراث، لانه واحد من عناصر تكوين الهوية الوطنية والاعتزاز بالوطن واذكاء روح المواطنة.. وهذا شأن سائر الامم والشعوب المعاصرة.




مصادر القراءة
ـــــــ

(*) متخصص في فلسفة التاريخ ـ العراق.
ـ ول ديورانت، قصة الحضارة.
ـ الجبوري، د. صلاح سلمان رميض، آدب الحكمة في وادي الرافدين.
ـ فرّاج، د. عفيف، الجذور الشرقية للثقافة اليونانية.
ـ السقاف، أبكار، الدين عند الكلدان والسومريين والبابليين.
__________________
كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان

safaa-tkd غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-03-2008, 07:37 AM   #18 (permalink)
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,241
افتراضي رد: تاريخ العراق

الحيرة دراسة في الضائع من تراثها


نصير الكعبي(*)

أورد ابن النديم (385هـ/955م) ضمن لائحة مصنفات هشام بن الكلبي (204هـ/881م) كتابين حمل الاول منهما عنوان "الحيرة"، فيما كان الاخر بعنوان "كتاب الحيرة وتسمية البيع والديارات ونسب العباديين"(1)، بيد ان الكتابين – وكأغلب مصنفات ابن الكلبي – فُقدا ولم يصلا بشكل مباشر وصريح، لكن الذي يخفف من وطأة ذلك ويبعث الامل في دراستهما وتكوين صورة واضحة المعالم عنهما – الى حدما – ان قطعاً ونقولاً قبل فقدانهما، قد انبثت في تضاعيف مصنفات الادب العربي، متخذة اياها مورداً رئيساً في باب حديثها عن الحيرة واخبارها.

اولاً: مصنف كتب الحيرة:

ينحدر مصنف الكتابين، ابو المنذر هشام بن محمد بن بشر الكلبي الكوفي، من اسرة لها مكانة مميزة في الفكر والسياسة بمدينة الكوفة، فشهد اجداده وقعتي الجمل وصفين مع علي بن ابي طالب (عليه السلام)(2)، وجاء في ذكر أبيه محمد بن السائب انه من علماء الكوفة بالتفسير والاخبار وايام الناس ومقدم الناس بعلم النسب(3).
ولاريب في ان يكون لنشأة هشام في الكوفة اثر بارز في بلورة البنية الثقافية والفكرية لشخصيته العلمية وتحديد مسارها والمنحى الذي عرف من خلاله، وهو روايته وتصنيفه لموضوعات يكاد يخص اغلبها العهد السابق للاسلام وبخاصة تاريخ مملكة الحيرة(4).
وربما تقف وراء هذا التوجه الاخير عوامل عديدة اهمها ان الكوفة بشكل مجمل اكثر نشاطاً من البصرة في تصنيفها لتاريخ العرب قبل الاسلام وقد يكون لقربها الزماني والمكاني من مركز مملكة المناذرة (الحيرة) اثر في ذلك(5). كما ان مملكة الحيرة عرفت بمستوى ثقافي مميز في التدوين والكتابة، فيذكر ان لها الفضل في تطور الخط العربي وانتشاره(6). فضلاً عن كونها مركزاً نسطورياً مهما في نشر هذا المذهب بالعراق(7). وكان اول ما اولاه الحيريون بالعناية والاهتمام هو تدوين تاريخ مملكتهم واخبار ملوكهم وايامهم ومفاخرهم، الامر الذي اسهم في بقاء بعض مدوناتهم في الكنائس والبيع، ومن ثم افادة اخباري الكوفة منها(8). وقد ثمن احد الباحثين جهود ابن الكلبي واسهاماته التي اضفاها على تطور مدرسة الكوفة التاريخية، ولاسيما في تاريخ العرب قبل الاسلام بقوله "لولا جهود ابن الكلبي ما كان للكوفة في الواقع فضل في هذا الباب، ولا نطمست هذه المعلومات التي وردت في الكتـب عن تاريخ العرب القديم"(9).
وربما وجه بعض العلماء المحافظين المطاعن على هشام بن الكلبي، وبخاصة روايته للحديث والتفسير، نتيجة اهماله وتحرره الالتزام بشروط الرواية والسند التي هي المعتمد الرئيس لهؤلاء في قبول الرواية او " الحديث، وتثبيته من عدمه(10)، بينما وثق بشدة في روايته لتاريخ العرب قبل الاسلام والانساب، واخذ عنه دون تردد او اعتراض(11)، فوثقه ابن النديم بقوله: "انه عالم بالنسب واخبار العرب وايامها ومثالبها ووقائعها"(12) وثبته ابن خلكان حين قال انه "من اعلم الناس بعلم النسب... وكان من الحفاظ المشاهير"(13) وانه كان واسع الرواية لايام الناس واخبارهم(14).
وتجاوزت لائحة مصنفات الكلبي (150) مصنفاً، يرجح ان يكون معظمها من ذوات الحجم الصغير او المتوسط ككتاب الأصنام المطبوع(15)، وعالج اكثرها حقبة العرب قبل الاسلام، فكانت مرجعاً اولياً ومعتمداً لما صنف بعده من كتب(16).

ثانيا: كتاب الحيرة الخاص بسير الملوك واخبارهم

يبعث مصنفا هشام الكلبي للوهلة الاولى على الاعتقاد، انهما حوى معلومات تخص طوبغرافية الحيرة ووصفاً لها من الوجهة البلدانية او الخططية ذلك لتصنيفهما في لائحة ابن النديم الخاصة بكتب البلدان واخبارها، وورود الكتاب الاول بعنوان "الحيرة" وهي صيغة مطلقة غير محددة، تحمله على ان يوضع في اكثر من حقل.
لكن جلُّ معلومات المصنفات العربية المستقاة عن ابن الكلبي، وفي موضع حديثها عن الحيرة، اشارت الى ملوك آل نصر ومدد حكمهم، والتطورات السياسية التي اعترت مملكتهم، مركزت على تحالفاتهم مع الدولة الساسانية، ومقابلة سنوات حكمهم بمن عاصرهم من ملوك آل ساسان(17).
ولاريب ان ماتضمنته المصنفات العربية في هذا الباب لايمت بصلة في موضوعاته ومادته للكتب البلدانية او الجغرافية، لذا من المحتمل ان يكون كتاب الحيرة – الذي ذكره ابن النديم – كتاباً خاصا بسير ملوك الحيرة واخبارهم، وليس كتاب في البلدان، ولعل مجيئه بصيغة الاطلاق، حمل مصنف كتب ابن الكلبي الى وضعه في هذا الباب(18)، فمن غير المرجح ان يؤلف ابن الكلبي كتابين بذات المعنى في باب واحد. ذلك ما المح اليه المستشرق الروس كراتشوفسكي، ابان استعراضه مصنفات ابن الكلبي الجغرافية، فلم يشر الى كتاب باسم الحيرة، وانما ذكر فقط كتاب "الحيرة وتسمية البيع والديارات ونسب العباديين"(19). ومما يؤيد كون كتاب الحيرة، في وصف الملوك وسيرهم لافي البلدان، ما اورده حمزة الاصفهاني نقلاً عن هشام بن الكلبي ان عمر بن عدي، هو "اول من اتخذ الحيرة منزلاً، من ملوك العرب، واول ملك يعده الحيريون في كتبهم من ملوك عرب العراق"(20).
واقتبست المصنفات العربية من كتاب الحيرة قطعاً ونقولاً متباينة الحجم والاهمية، وعرضتها باشكال وصور مختلفة، فمنها من افرد باب خاص بها(21)، ومنها من دمجها مع اخبار الدولة الساسانية(22)، ولابد هنا من التمييز والفصل بين مجموعتين من الروايات الخاصة بالحيرة، فالمجموعة الاولى مثلتها اخبار ابن الكلبي المعتمد فيها على وثائق وسجلات اديرة الحيرة او كما بينها بقوله "اني كنت استخرج اخبار العرب وانساب آل نصر بن ربيعة ومبالغ اعمارهم ومن عمل منهم لآل كسرى، وتاريخ سنيهم من بيع الحيرة وفيها ملكهم وامورهم كلها"(23)، وغالباً ما صورت روايات هذه المجموعة آل نصر، بانهم لم يكونوا ملوكاً بمعنى الكلمة، وانما ولوا الحكم من قبل ملوك ايران، فوصفوا بالعمال(24).
اما المجموعة الثانية، فمن الممكن الاصطلاح عليها "المجموعة العربية"، اذ اغدقت على حكام الحيرة بلقب ملك، وصورتهم تصويراً ايجابياً مفخماً، مؤكدة على علاقاتهم العربية العربية، باستعراض قصصهم مع الشعراء، وبيان طرائفهم والفريد من اخبارهم، وهي غالباً ما كانت متحررة من ذكر سلسلة ملوكهم بانتظام، او الاشارة الى سنوات حكمهم باستمرار، ولايمكن بأي حال نسبة روايات هذه المجموعة الى مؤلف واحد، وانما يظهر انه قد تعاقبت رواياتها واخبارها عبر الايام، لتشكل في النهاية مادتها، واكثر ما تركز تواجدها في مصنفات الادب العامة وشروح الشعر(25). ولايعنى البحث بهذه المجموعة بقدر عنايته بالمجموعة الاولى.
يلحظ على الروايات المتبقية من الكتاب تلازمها في ذكر آل نصر والملوك الساسانيين، سواء كان ذلك في التناول المفرد، او المدمج مع فصول اخبار الملوك الساسانيين، بتوثيق يتعدى في بعض الاحايين عدد السنوات الى الاشهر، فمثلاً عند ذكر عمر بن امريء القيس "328-377م" بانه حكم "ستين سنة، من ذلك في زمان شابور ذي الاكتاف احدى وخمسين سنة وسبعة اشهر، في زمن اردشير اخي شابور خمس سنين، وفي زمن شابور بن شابور اربع سنين وخمسة اشهر"(26).
ان هذا الاثر في سجلات اديرة الحيرة، المقتبس منها ابن الكلبي نواة كتابه، قد املتها طبيعة الظروف السياسية للحيرة، التي دام فيها الوجود السياسي الساساني قرابة اربعة قرون(27)، اذ حمل معه هذا الامتداد، بعض المؤلفات الساسانية، المعنية باخبار الملوك وسيرهم، فيشار ان النضر بن الحارث "كان قدم الحيرة وتعلم بها احاديث ملوك فارس، واحاديث رستم واسفنديار"(28). والظاهر ان استعانة رواة الحيرة بتلك المدونات، كان مقصوراً على اسم الملك الساساني ومدته، ليثبت ويقابل في ضوئها عهد الملك الحيري.
غير ان اللافت للنظر على روايات الكتاب هو اضطراب في تسلسل اسماء الملوك الحيريين ومدد حكمهم، فمن عادة الكتاب ان يذكر مدة حكم الملك اجمالاً ثم يذكر ذلك مفصلاً محسوباً بالسنة الى مدة حكم من عاصر ذلك الملك من ملوك الفرس، واذا دقق ما ذكره اجمالاً مع التفصيل، وجمع مع بعضه البعض، يلاحظ اختلافاً بيناً بين حاصل الجمع والعدد المذكور(29).
وتحسس لذلك التباين بعض المصنفين، فيشير البيروني "الى ذكر بعض اصحاب الاخبار، ان فيما بين بعض ملوكهم فترات، وبعضهم انكر ذلك، واخرون زادوا في عدد الملوك، او نقصوا، وكذلك فعلوا بمدد ملكهم"(30)، وشخص ذات الحال كاتب اخر، محاولاً اعطاء علة وسبب لذلك بقوله: "وقد اختلف ايضاً في اسمائهم وترتيب ملكهم اختلافاً كثيراً وتنسب الفعل الواحد الى الواحد والاثنين منهم لبعد العهد وكثرة الاختلاف في الروايات"(31).
وارجع بعض المستشرقين هذا الخلط والتباين الملحوظ في الروايات، الى الخط النبطي المستعمل من قبل اهل الحيرة، اذ رأى ان ابن الكلبي لم يكن يحسن قراءة النبطية وفهمها، وعند محاولته قراءتها لم يتمكن من ذلك فوقع في اوهام، فمثلاً انه لم يميز بين الرقم "20" والرقم "100" لتشابه شكل الرقمين في النبطية، فقرأ العشرون مئة، وبذلك زاد سني حكم الملوك. وتركز هذا في الكتابات النبطية المتقدمة، التي لم تشابه مثيلاتها المتأخرة في قربها من الابجدية العربية القديمة(32).
ولعل في هذا الرأي بعض الوهن المصحوب بضألة الادلة، لجملة اموراً اولها: انه من غير المستطاع اعطاء رأي قاطع، بان مدونات اديرة الحيرة وكنائسها خطت بالنبطية، ذلك لعدم وصول أي منها يقود لتلك النتيجة، بل انه يتعارض مع الروايات المتواترة في ان الحيرة مثلت قناة رئيسة في نقل الخط العربي وايصاله الى المكيين(33). ثانياً: يلاحظ على الروايات الواردة عن ابن الكلبي بقاء سني الملوك الساسانيين في حالة اعتدال وثبات منذ الملك الاول حتى الاخير، بينما كان الاضطراب مقصوراً في جهة الملوك الحيريين(34).
وبنى الباحثون استنتاجاتهم ودراستهم بشأن الكتاب المفقود على القطع المتبقية منه في المصنفات العربية، خاصة كتابي تاريخ الرسل والملوك للطبري، وتأريخ سني ملوك الارض لحمزة الاصفهاني، اذ يعُدا اوسع من استوعب فصوله، قبل فقدانه، حتى ان المصنفين بعد منتصف القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، كانوا عيالاً في معلوماتهم عن الحيرة على جهود هذين المصنفين(35).
بيد ان مصنفاً يعود لبداية القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي، وهو كتاب المناقب المزيدية في اخبار الملوك الاسدية(36). والذي لايوحي عنوانه بدقة لطبيعة مروياته واصولها، حوى معلومات تفرد بها عن المؤلفات السالفة له، ففصل الحديث عن احداث الحيرة واخبارها، وبمعلومات لم ترد مسبقاً، كطبقات اهلها وانسابهم، وصنوف الجيش الحيري وفرقه، وتفاصيل اخرى تخص حياة الملوك وممتلكاتهم(37)، بل انه في احايين عديدة، اخذ ينبه للنقص الحاصل في تلك المصنفات، ويقارن ما لديه مع معلوماتها. ففي سرده للروايات التي قيلت في اصـل تسـمية العباد قال "ذكر الطبري هذا الوجـه..."(38) ثم ينفرد بروايات جديدة، كذلك في تعداده لكتائب الجيش الحيري قال "وذكر الطبري انه لم تكن الا كتيبتان"(39).
يحتمل مما تقدم ان ابو البقاء في مواضع انفراده باخبار الحيرة واحداثها، استل معلوماته من مدونات حيرية لم يطلع عليها ابن الكلبي، وهي من حيث المطالب والاغراض تنسجم مع كتابه، فيؤشر ان ميولها بقيت ايرانية، كما انها انفردت بروايات نصرانية عن تنصر بعض ملوك الحيرة(40)، وقد صرح علناً في احد المواضع بمصادر اقتباساته وهو يبين ان امامه اكثر من نسخه، فيقول "ذكر في بعض كتب الحيرة ان الذي كان كسرى اقطع النعمان من البلاد رستاق السيلحين... كذا رأيت في نسخه..."(41).
يتضح من ذلك ان هنالك مجموعة من المدونات الخاصة بسير الملوك واحداثهم – او بالمعنى الدقيق – سجلات رسميه تناولت دقائق اخبارهم وعلاقاتهم، وان ابن الكلبي اتكأ على احد تلك السجلات في انشاء كتابه وتصنيفه، وان سجلات اخرى تعنى بذات الغرض لم تصل يده، ومما يبعث على ترجيح هذا. اهتمام الحيريين وعنايتهم الشديدة بحفظ اخبار ملوكهم وتدوينها، والحرص على نشرها وتعليم صبيانهم اياها، فيشير بذلك الطبري "ان امر آل نصر بن ربيعة ومن كان من ولاة ملوك الفرس وعمالهم على ثغر العرب الذين هم ببادية العراق عند اهل الحيرة متعالماً مثبتاً عندهم في كنائسهم واسفارهم"(42). او قول ذات ابن الكلبي "ادركت اهل الحيرة وهم يعلمون صبيانهم في الكتاتيب اسماء ملوك آل نصر، وسيرهم واخبارهم واحاديثهم، كما يعلمونهم غير ذلك من انواع العلم"(43).
ويثبت على منقولات ابو البقاء وقطعه من كتب او سجلات الحيرة انها كانت منتشرة معروفة، في بيئته بومذاك – الامارة المزيدية – وانها كانت مدونة مسطورة، فألمح لذلك في مواطن عديدة من تلك القطع بقوله "واحاديثهم في ذلك مشهورة واخبارهم مأثورة"(44) او قوله: "هاهنا فصول ثلاثة تتضمن ذكر افعال ثلاثة من افعالهم المدونة المسطورة المروية المأثورة"(45).
ان اقتناء الامارة المزيدية للتراث الحيري، واحتفاظها به، ومن ثم استفادت ابو البقاء منه، اكثر من غيره او حتى معاصريه، بالرغم من الفارق الزمني بين اندثار الحيرة ابان نشوء الكوفة (17هـ/638م)، وزمان تأليف كتاب المناقب المزيدية، وهي مدة تقارب الستة قرون، له مبرراته الموضوعية المسهمة في حضور هذا التراث وتواجده. اذ من المعلوم ان هذه الامارة(46)، اقتدت في شؤونها السياسية وهياكل انظمتها الادارية بمملكه الحيرة واتخذت منها مثالاً يحتذى به، فتلقب امراؤها بـ "ملك العرب"، وهو لقب اختص به ملوك آل نصر. وقد تكمن دوافع تلك المحاكاة، كما تبين في دراسة تخصيصه عن المزيديين "في ان كليهما من القبائل العربية التي نزحت من الجزيرة العربية، واستطاعت ان تكون لها كياناً خاصاً مستقلاً عن السلطة الحاكمة. فالساسانيون كانوا يعانون من هجمات القبائل على حدود العراق الغربية، اضافة الى الروم، وكذلك بالنسبة للمزيديين استغلالهم ظروف الضعف الداخلي للدولة العباسية"(47).
وانعكس تمثل بني مزيد بآل المنذر بوضوح في نفس كتاب المناقب الذي هو اشبه بمقارنة عقدها مؤلفة بين امراء الدولتين، ويرشح من الكتاب ان غاية مؤلفه وغرضه الرئيس، هو ابراز مناقب المزيديين واظهارها، ومحاولة بيان انها افضل مما شاع وانتشر في اذهان الناس عن ملوك الحيرة. بل انه في احايين عديدة يحمل على هؤلاء الملوك وسيرهم ويحاول تبخيسهم بعرض اعمال ومنجزات للامراء المزيديين المقرب منه، لكنه في المحصلة النهائية قد حفظ جزءاً مهما من كتابات اهل الحيرة، باستحضارها في مؤلفه هذا(48).

واعتماداً على ما اوردته المصنفات العربية من قطعً ونقولً من كتاب سير ملوك الحيرة واخبارهم، يمكن اجمال اهم خصائصه، وما دارت عليه مطالبه واغراضه والمنهج المقتفى فيه بالنقاط الاتية:

1- تأثرت بعض مرويات الكتاب والمستقاة من بيع الحيرة وكنائسها بالنظرة النصرانية، فمزجت رواياتها بالمعاجز والكرامات والخوارق، كقصة تنصر النعمان وسياحته في الارض(49)، وحاولت اعطاء بعداً زمانياً لتواجد النصرانية وانتشارها في الحيرة(50)، فجعلت من امريء القيس (288-328م) صاحب نقش النمارة(51). اول من تنصر من ملوكها، لكن ذلك لايقلل من اهمية بعض من قطع الكتاب المفقود، في تاريخ النصرانية وسير حوادثها في العراق، ولاسيما القطعة المنفرد بايرادها ابو البقاء، والتي تلخص فكرتها الرئيسة، في استئذان المنذر من كسرى ابرويز في تعمده على المذهب السنطوري، ومن ثم تشجيع ابرويز له في الانظمام لهذا المذهب ومناصرته(52)، مما يرجح ان القطعة الفت في عهد الدولة الساسانية (224-651م) وقبل سقوطها.
2- نال منهج ابن الكلبي، باتكائه على موارد اصيله مدونة، استحسان الباحثين واعجابهم فوصفه جب قائلا: "مرجع الفضل اليه في عنايته بتدوين الاخبار التاريخية الخاصة بمدينة الحيرة واسرتها المالكة... وقد خطا هذا العمل باستناده الى الوثائق المحفوظة في كنائس الحيرة والاسانيد الفارسية التي ترجمت له خطوات واسعة نحو التأليف القائم على اساس العلم"(53). ونعته كذلك بروكلمان بقوله "كان هذا المنهج غير المألوف في البحث حينئذ سببً في اثارة التهم وتوجيه المطاعن اليه من قبل المعاصرين... لكن البحث الحديث قد اكد كثيراً من اقواله"(54)، وانتهى باحث اخر الى القول عنه "قد سلك مسلكاً جعله في طليعة الباحثين في الدراسات الاثارية عند المسلمين، برجوعه الى الاصول، واعتماده على المراجع التاريخية، متبعاً سبيلاً تختلف عن سـبل اهل اللغة في البحث، وهو بطريقته هذه قريب من طريقة المؤرخين في تدوين التـاريخ"(55).
3- اظهرت قطع الكتاب ميلا ملموساً تجاه ملوك الحيرة، بتفخيم سيرهم والاجتناب عن ذكر نكباتهم، لذا قيل "انما روى من احاديثهم النادر الذي لهم فيه الفخر للدلالة على علو الشأن والامر واغفل ماسواه مما يدل على ضد ذلك(56)، واقصى من كتبه عن الحيرة كل من توثب على الملك من غير سلالة آل نصر، فلم يحشر الملك الكندي الحارث بن حجر (490-528م)، بالرغم من حكمه الحيرة لمدة من الوقت(57).
4- حوت قطع الكتاب المتبقية في استعراضها ملوك الحيرة، اخبار معاصريهم من ملوك الغساسنة، حتى ان اغلب مادون عن الغساسة في المؤلفات العربية الاسلامية، مستقى من الروايات الواردة عن ملوك الحيرة وعربها، لذا كانت معتمداً مهماً للباحثين عن هذه المملكة التي لم تنل تلك العناية من قبل الاخباريين(58)، بيد انه لاتأخذ هذه الروايات الا بعد تحرز ونقد شديدين، كونها تأطرت "بطابع التعصب لاهل الحيرة على الغساسنة، لاعتمادها على روايات اهل الحيرة وعلى اهل الكوفة في سرد تاريخ الغساسنة، وقد كان ملوك الحيرة انداداً لملوك الغساسنة"(59).
5- ضم كتاب الحيرة بالرغم من الصبغة السياسية الطاغية عليه، معلومات تخص بعض الممارسات الاجتماعية، والاحصاءات الاقتصادية، ومع محدوديتها الا انها تبقى ذات اهمية مميزة، لتفرد الكتاب بذكرها، ومعاصرة كتبته لزمانية الحوادث ومكانيتها(60).

ثالثا: كتاب الحيرة وتسمية البيع والديارات ونسب العباديين


ان اول ما يستثف من عنوان هذا الكتاب، طابعه التركيبي، المكون من ثلاثة تراكيب او اجزاء يتمم بعضها الاخر، فابتدأ بلفظة الحيرة – وبما ان ابن النديم صنفه ضمن لائحة هشام بن الكلبي الخاصة باخبار البلدان(61)، لذا يتركز التوجه، ان تناول الحيرة فيه من الجانب البلداني، ويدعم هذا مجيء الجزء الثاني منه أي "تسمية البيع والديارات" وهي صيغة لاتثير غير احتمال التناول الجغرافي ايضاً , وكذا الجزء الاخير منه "نسب العباديين"(62) الذي لايبعد كثيراً عن الغرض الرئيس لمصنف الكتاب، وهو ان يؤرخ للنصرانية وانتشارها في الحيرة بوساطة ابرز اثارها ووسائل نشرها وهي الاديرة، ولعل تصدر لفظة الحيرة عنوان الكتاب، توحي انها كانت مدخلاً او تمهيداً اولياً للحديث عن اديرة تلك المدينة ومواضعها.
غير ان كتاب الديارات فقد مع اغلب مصنفات هشام ابن الكلبي، لكن الذي قد يهدي الى بعض معالمه، وما دارت عليه ابرز محاوره، ان المصنفات التالية له، يحتمل انها في حديثها عن الحيرة واديرتها، قد اقتبست نقولاً وقطعاً منه، واكثر ما يستقطب الانتباه في المؤلفات الباحثة في الديارات واخبارها، هو ان هنالك مجموعة من الكتب عنت بذات الغرض وكما في الجدول الاتي:



يتبين من الجدول اعلاه ان جميع المصنفات المؤلفة في الديارات بعد زمن الكلبي فقدت ايضاً، سوى كتاب الديارات للشابشتي، كذلك افرد اصحاب المعاجم البلدانية، باباً مخصوصاً للاديرة، غطى بعض منها اديرة الحيرة(67)، وبما انه لايوجد طريق اسلك لدراسة كتاب البيع والديارات لابن الكلبي من المصنفات المشار اليها، لمجيئها بعده، وتناولها ذات الموضوع، لذا من المفيد دراستها دراسة داخلية، علها في النهاية ترشد الى مظان الكتاب المفقود، واهم ما يشار اليه هنا كتاب الديارات للشابشتي.
لقد ضم هذا الكتاب (53) ديراً تناثرت مواضعها في مصر وبلاد الشام والعراق، كان للاخير الحصة الاكبر فيها، اذ بلغت (37) ديراً موّزعة في بغداد والموصل والبصرة ومنطقة الحيرة، يعني البحث منها اديرة الحيرة وعددها (6)، وهي على التوالي "دير ابن مزعوق، دير سرجس، دير الاساقف، قبة الشتيق، دير هند، دير زرارة"(70).
يثبت على اديرة الحيرة الواردة عند الشابشتي، وصفها الدقيق، الذي يوحى ان كاتبها ذو معرفة بمسالك منطقة الحيرة والكوفة ومسافاتها، ووقوفه على اطلالها، وتضمينه اقوال اهل المنطقة فيها، فضلاً عن اشارته لتاريخية ذلك المكان وما آل اليه وضعه زمان تدوين معلوماته(71)، غير ان ابرز ما يحدد زمان تدوين هذه القطع، العبارات التوقيته المقترنة بذكر الاديرة ففي حديثه عن دير سرجس قال "... وقد خربت الان وبطلت وعفت اثارها..."(72)، او في الحديث عن ديارات الاساقف فورد "وما بقي الان منه فهو ديارات وبيع للنصارى... "(73) وفي الكلام ايضاً عن القصور المحيطة بهذا الدير جاء "فهذه قصور الحيرة الباقية الان"(74).
والجدير بالملاحظة، ان نصوص الشابشتي عن اديرة الحيرة تتكرر بنفس العبارات التوقيتية، بعد اكثر من مائتي عام عند ياقوت الحموي (القرن السابع الهجري)، والعمري (القرن الثامن الهجري) ويبرز امام هذا احتمالان، الاول: ان ما ذكرته المصادر المتأخرة عن الشابشتي، كان نقلا حرفياً منه، اما الاحتمال الثاني، فهو ان جميع هذه المصنفات قد نقلت من مصدر اقدم منها، اختص باديرة الحيرة، وبدافع الاستمرار في النقل، ظلت العبارات التوقيتية على وضعها، دونما تغير، فيخيل لمن يقرءها، كأنها من وضع الكاتب، ويعتقد في الاحتمال الاخير انه اكثر رجحاناً، لان الشعر الذي استشهد به في طيات الحديث عن تلك الاديرة، لايتعدى عهد منشئيه بداية القرن الثالث الهجري، أي قبل وفاة ابن الكلبي، علاوة على هذا، ان ما قيل من شعر، جرى اغلبه على السنة شعراء كوفيين وكما مبين في الجدول الاتي:




وان الاحداث التاريخية الواردة في سياق تلك الاديرة، كزيارة هارون الرشيد (170-193هـ/786-809م) وغيرها لاتخرج في فلكها عن التاريخ السابق(85).
وقد يكون بسبب عدم مطالعة اشارة صريحة عند الشابشتي تظهر اعتماده على مصنف الديارات لابن الكلبي، ان عصره شهد تحرر من ذكر الاسانيد ومصادر المعلومات امام كل باب او مادة، والاكتفاء بذكره اجمالاً في ديباجة الكتاب(86)، لكن سقوط ثلث المخطوط وضياعه كما بين محققه فوت الفرصة في الاطلاع على موارده بشكل صريح(87).
والظاهر ان مصنف الديارات، لم يفقد، وبقى الى مدة متأخرة، بالنسبة للشابشتي، فجاء عند ياقوت ما يوحي لذلك في مقدمة اقتباسه عن دير الاسكون حين قال "... وهكذا وصف مصنفوا الديارات هذا الدير"(88)، واشار العمري لهذا المعنى بوضوح في حديثه عن الدير ذاته بقوله "... ذكر مصنف ديارات الحيرة... "(89).
ولقلة القطع المتبقية من الكتاب، فانه لايتوقع عند بيان خصائصه واهم ما تميزت به مطالبه، اعطاء صورة ذات درجة عاليه من الوضوح، وانما بقدر ما وصل من نقول عنه وهي كما يأتي:
1- نال كتاب البيع والديارات، الريادة وقصب السبق في بابه، اذ لم ترد اشارة في الاخبار الى تأليف سبقه في هذا المضمار، لذا كان له اثر على مصنفي الاديرة التالين له، وبخاصة عند تناولهم اديرة الحيرة(90)، فحاز وثاقه المصنفين، ففي تخبط الروايات واضطرابها في دير الجماجم ونسبة ذلك لابن الكلبي وثقه ياقوت الحموي بقوله "هذا عندي بعيد من الصواب، وهو مقول على ابن الكلبي وليس يصح عنه فانه كان اهدى الى الصواب من غيره في هذا الباب"(91).
2- حفظ مصنف البيع والديارات، مجموعة ليست بالقليلة من اشعار الكوفيين ونوادرهم، فبلغ عدد الابيات الواردة عند الشابشتي حوالي (123) بيتاً(92)، وهي ذات اهمية مضاعفة، لفقدان دواوين مؤلفيها، او عدم ورودها فيما تبقى من مجاميعهم. كما ان الكتاب بقطعه المتناثرة في المصنفات العربية، من الممكن استثمارها في تتبع البدايات الاولى لما عرف فيما بعد بـ (ادب الاديرة)(93).


الهوامش
ـــــ


(1) ينظر: ابن النديم، محمد بن اسحاق (ت385هـ/995م)، دار المعرفة (بيروت: 1978)، ص142؛ الخطيب البغدادي، ابو بكر احمد بن علي (ت463هـ/1070م)، تاريخ بغداد، (القاهرة: 1931)، ص14/45.
(2) ابن النديم، الفهرست، ص139؛ ابن خلكان، ابو العباس احمد بن محمد (681هـ/1088م)، وفيات الاعيان وانباء الزمان، تحقيق: محمد محي الدين عبد الرحمن (بيروت: 1977)، 5/113.
(3) ابن النديم، الفهرست، ص 139.
(4) ينظر: قائمة مصنفاته عند ابن النديم، الفهرست، ص144 وما بعدها ؛ ياقوت الحموي، شهاب الدين ابو عبدالله (ت626هـ/1228م)، معجم الادباء (القاهرة: 1925)، 8/172-173.
(5) جواد علي، موارد تاريخ الطبري، مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد الثاني (بغداد: 1952)، ص31.
(6) البلاذري، احمد بن يحيى جابر (ت279هـ/892م)، فتوح البلدان، عنى بمراجعته والتعليق عليه: رضوان محمد رضوان (القاهرة: 1959م)، ص457.
(7) ينظر حول ذلك: غنيمة، يوسف رزق الله، الحيرة المدينة والمملكة العربية، مطبعة دنكور الحديثة (بغداد: 1936م)، ص30-53.
(8) ينظر: الطبري، ابو جعفر بن جرير (ت310هـ/922م)، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق: محمد ابو الفضل ابراهيم، دار المعارف (القاهرة: 1968م)، 1/628.
(9) جواد علي، موارد تاريخ الطبري، ص22.
(10) فيذكر عن ياقوت الحموي ما نصه "قال احمد بن حنبل: كان صاحب سير ونسب ما ظننت ان احداً يحدث عنه... وقال الدارقطني: هشام متروك وقال غيره: ليس بثقة"، معجم الادباء، 19/287.
(11) ينظر: جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، (بيروت: 1977)، 1/114؛ عبدالهادي، مهدي محمد، هشام بن الكلبي ودوره في التدوين التاريخي، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة المستنصرية، 1989، ص101-102.
(12) ابن النديم، الفهرست، ص140.
(13) ابن خلكان، وفيات الاعيان، 5/131.
(14) المصدر نفسه، 5/132.
(15) مرغوليوث، دراسات عن المؤرخين العرب، ص104؛ مصطفى، شاكر، التاريخ والمؤرخون، دار العلم للملايين (بيروت: 1978م) 1/139.
(16) اولندر، جونار، ملوك كندة من بني آكل المرار: ترجمه وحققه وقدم له: عبدالجبار المطلبي، دار الحرية (بغداد: 1972م)، ص46.
(17) ينظر: الطبري، التاريخ، 2/88 ومابعدها.
(18) صرح ابن النديم في ترجمته لهشام بن الكلبي "له من الكتب المصنفة ما انا اذكره على ترتيبه من خط ابي الحسن الكوفي"، الفهرست، ص140.
(19) ينظر: كراتشكوفسكي، تاريخ الادب الجغرافي، 1/26.
(20) حمزة الاصفهاني، تاريخ سني ملوك الارض، ص85؛ ينظر: ذكلك الطبري، التاريخ، 1/627.
(21) ينظر: اليعقوبي، احمد بن اسحاق بن واضح (292هـ/904م)، التاريخ علق عليه ووضع حواشيه: خليل منصور، دار الكتب العلمية (بيروت: 1999م)، 1/178 وما بعدها ؛ المسعودي، ابو الحسن علي بن الحسين (ت346هـ/957م)، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق: يوسف اسعد داغر، دار الاندلس (بيروت: 1965م)، 2/65-81.
(22) ينظر: الدينوري، ابو حنيفة احمد بن داود (ت282هـ/895م)، الاخبار الطوال، تحقيق: عبدالمنعم عامر، انتشارات المكتبة الحيدرية (قم: 1379هـ /2000م)، ص54 ومابعدها ؛ مسكويه، ابو علي (ت421هـ/1030م)، تجارب الامم، تحقيق: ابو القاسم امالي (طهران: 2001م)، 1/224 ومابعدها.
(23) الطبري، التاريخ، 1/628.
(24) وفيما يلي نماذج من الامثلة على سبيل التمثيل لا الحصر نلحظ من خلالها ان هذه المجموعة صورتهم كعمال وولاة تابعين، فيورد البيروني عن عمر بن عدي انه "من آل نصر، عمال الاكاسرة على عرب العراق"، ابو الريحان محمد بن احمد (ت440هـ/1048م)، الاثار الباقية عن القرون الخاليه، تحقيق وتعليق: برويزاد كائي، (تهران: 1380هـ/2001م)، ص155؛ وجاء ايضاً في امريء القيس البدء انه من "عمال ملوك الفرس وعاش فيما ذكر هشام بن محمد"، الطبري، التاريخ 2/53؛ ويظهر ان الطبري في مصنفه قد غلب هذه المجموعة وعنون بها ابوابه فجاء "ما كان من الحوادث التي كانت بين العرب في ايام قباذ في مملكته وبين عماله"، التاريخ، 2/95.
(25) ينظر على سبيل المثال: ابن قتيبة، ابو محمد عبدالله بن مسلم الدينوري (ت276هـ/889م)، الشعر والشعراء، عالم الكتب (بيروت: 1282هـ/1865م) ابن عبد ربه، ابو عمر احمد بن محمد الاندلسي، العقد الفريد، تحقيق: احمد حسين واخرين (القاهرة: 1965م).
(26) حمزة الاصفهاني، تاريخ سني ملوك الارض، ص87.
(27) ينظر للتفاصيل: بيغولفسكيا، نينا فكتورخنا، العرب على حدود بيزنطة وايران من القرن الرابع الى القرن السادس الميلادي، ترجمة: صلاح الدين عثمان هاشم، المجلس الوطني للثقافة والفنون (الكويت: 1985م)، ص37 ومابعدها ؛ الكعبي، نصير عبدالحسين، التاريخ السياسي للدولة الساسانية في المصنفات العربية الاسلامية، رسالة ماجستير غير منشورة، 2002، ص70 ومابعدها.
(28) ابن اسحاق (ت151هـ/768م)، محمد المطلبي، السير والمغازي، تحقيق: سهيل زكار، دار الفكر (قم:1410هـ/1989م)، ص201، ولم يقتصر الاثر الساساني في التدوين والتاريخ على الحيرة، فشمل ايضاً مكة ووسط شبه الجزيرة العربية ففي تحديد تاريخ مولد الرسول (ص) يلحظ هذا الاثر بوضوح، فورد عن هشام بن محمد ان عبدالله بن عبدالمطلب ابو الرسول (ص) ولد "لاربع وعشرين مضت من سلطان كسرى انوشردان، ولد رسول الله صلى عليه وسلم في سنة اثنتين واربعين من سلطانه"، الطبري، التاريخ، 2/155.
(29) ينظر: الطبري، التاريخ، 2/37 ومابعدها ؛ حمزة الاصفهاني، تاريخ سني ملوك الارض، ص83-97.
(30) البيروني، الاثار الباقية، ص155.
(31) ابو البقاء، هبة الله (520هـ/1126م)، المناقب المزيدية في الملوك الاسدية، تحقيق: صالح موسى درادكة ومحمد عبدالقادر خريسان، مكتبة الرسالة (عمان: 1984م)، 1/87.
(32) نقلاً عن جواد علي، المفصل 1/89.
(33) البلاذري، فتوح البلدان، ص457.
(34) ينظر: عن ذلك بوضوح جداول البيروني، ص136، 156.
(35) ينظر على سبيل المثال: مسكويه، تجارب الامم، 1/117 وما بعدها ؛ ابن خلدون، عبدالرحمن بن محمد (ت808هـ/1405م) العبر ديوان المبتدأ والخبر، دار احياء التراث العربي، 2/53 وما بعدها.
(36) حقُقَ هذا الكتاب حديثاً نسبياً في العام 1984، واتكأ المستشرق كستر في بحثه عن الحيرة وعلاقاتها بالقبائل العربية على مخطوطة الكتاب الفريدة والمحفوظة في المتحف البريطاني وهي ناقصة الاوراق ينظر للمزيد: صالح موسى دراوته ومحمد عبدالقادر خريسان، مقدمة تحقيق كتاب المناقب المزيدية، 5-30؛ كستر، م.ج، الحيرة ومكة وصلتهما بالقبائل العربية، ترجمة يحيى الجبوري (بغداد: 1976م)، 8-39.
(37) ينظر: ابو البقاء، المناقب المزيدية، 1/105، 106، 107، 108، 109، 2/367، 371، 451، ومما يثبت على محققي الكتاب انهما لم يتمكنا من مقارنة هذه الانفرادات ومقابلتها بالمصادر الاخرى، واكتفا بمقابلة نصوصه مع دراسة كستر
(38) ابو البقاء، المناقب المزيدية، 1/109.
(39) المصدر نفسه، 1/1/110.
(40) المصدر نفسه، 1/267-271.
(41) المصدر نفسه، 2/500-501.
(42) الطبري، التاريخ 1/628.
(43) ابو البقاء، المناقب المزيدية، 1/87.
(44) المصدر نفسه، 1/110-111.
(45) المصدر نفسه، 2/478.
(46) نشأت الامارة المزيدية (387-558هـ/997-1162م)، ابان الضعف الذي دب بالدولة العباسية في العهدين البويهي والسلجوقي، وتكونت هذه الامارة من مجموعة القبائل ذات الطابع البدوي في منطقة الحلة، ينظر للمزيد من التفاصيل، ناجي، عبدالجبار، الامارة المزيدية، دار الحرية (بغداد: 1970).
(47) عبدالجبار ناجي، الامارة المزيدية، ص4-5.
(48) ينظر على سبيل المثال: ابو البقاء، المناقب المزيدية، 1/261، 270، 2/367.
(49) حمزة الاصفهاني، تاريخ سني ملوك الارض، ص88-89، ابو البقاء، المناقب المزيدية 1/264.
(50) انتشرت النصرانية على المذهب النسطوري في الحيرة مع بداية القرن الرابع الميلادي، بتشجيع من ايران وبالضد من المذاهب النصرانية الرسمية في الامبراطورية البيزنطية لاختلاف النساطرة، عن تلك المذاهب، ولم ترد اشارة تؤكد تنصر امريء القيس، وقد بقيت الكتلة الغالبة في الحيرة تعتقد بالوثنية، ينظر للمزيد عن ذلك: البير البونا، تاريخ الكنيسة الشرقية (الموصل: 1973م)، ص81، اسموسن، جي.ب، فاتحة انتشار المسيحية في امبراطورية الايرانيين، ضمن كتاب فاتحة انتشار المسيحية في الشرق، ترجمة جرجيس فتح الله (اربيل: 2005م)، ص29 ومابعدها.
(51) نقش النمارة: عثر الاثاريون على هذا النقش في قرية النمارة الواقعة في منتصف الطريق بين مدينة دمشق وبصرى، وخط بالنبطية على لوحة من حجر البازلت مقاسها 116×33سم2 واستثمر الباحثون هذا النقش استثماراً كبيراً وعد من اهم النقوش المكتشفة عن تاريخ العرب قبل الاسلام، اذ حوى معلومات عن هذا الملك وعلاقة القبائل العربية وبايران وبيزنطة، ينظر للمزيد: بيغولفسكيا، العرب على حدود بيزنطة وايران، ص48 ومابعد ؛ جواد علي، المفصل، 3/190 ومابعدها.
(52) ينظر: ابو البقاء 1/266-270.
(53) كب، هاملتون، علم التاريخ، ترجمة: ابراهيم خورشيد واخرين، كتب دائره المعارف الاسلامية (بيروت: 1981م)، ص52.
(54) بروكلمان، كارل، تاريخ الادب العربي، ترجمة: عبدالحليم النجار، دار المعارف (القاهرة: 1962م) 3/30.
(55) جواد علي، المفصل، 1/87.
(56) ابو البقاء المناقب المزيدية، 1/118.
(57) ورد عن هشام بن الكلبي انه قال "انه لم يجد الحارث فيمن احصاه كتاب اهل الحيرة من ملوك العرب قال: وظني انهم انما تركوه لانه توثب على الملك بغير اذن من ملوك الفرس، ولانه كان بمعزل عن الحيرة التي كان دار المملكة ولم يعرف له مستقر، وانما كان سيارة في ارض العرب"، حمزة الاصفهاني، تاريخ سني ملوك الارض، ص92.
(58) ينظر على سبيل المثال: نولدكة، ثيودور، امراء غسان، ترجمة: بندلي خوري، وقسطنطين زريق، المطبعة الكاثوليكية (بيروت: 1933م)، ص 5، 7، 23، 28، 40، 50، 58، 59، 61، 71.
(59) جواد علي، المفصل، 1/80.
(60) ينظر: ابو البقاء، المناقب، 2/500.
(61) ابن النديم، الفهرست، ص142.
(62) العباد: لفظة اطلقت في الاصل على من تنصر من اهل الحيرة، لتميزهم عن غيرهم من سكان المدينة الوثنين، وكانوا في باديء امرهم فئة قليلة، ومع انتشار النصرانية في الحيرة، لازمت التسمية جميع نصارها، فصارت لهم علمٌ خاص بهم، ميزهم ايضاً عن بقية النصارى من غير اهل الحيرة، ينظر للمزيد: البكري، ابو عبدالله (ت487هـ/1094م)، سمط اللاليء، تحقيق: عبدالعزيز الميمني (القاهرة: 1936م)، 1/222؛ غنيمة، الحيرة، ص16 وما بعدها.
(63) يقول الثعالبي، عبدالملك بن محمد (ت429هـ/1037م)، "والذي رأيته من كتبه كتاب الديارات"، يتيمة الدهر 3/64.
(64) ابن خلكان، وفيات الاعيان، 4/227؛ ياقوت، معجم الادباء، 1/284.
(65) الشابشتي، ابو الحسن علي بن محمد (ت388هـ/998م)، الديارات، تحقيق: كوركيس عواد، (بغداد: 1966م) مقدمة التحقيق، 3-53.
(66) ابن خلكان، وفيات الاعيان، 1/481.
(67) ابن النديم، الفهرست، ص220.
(68) ينظر: البكري، معجم ما استعجم، 2/570-607؛ ياقوت الحموي، معجم البلدان، 2/490 وما بعدها ؛ العميري، فضل الله، مسالك الابصار في الممالك والامصار، تحقيق: احمد زكي باشا (القاهرة: 1924م) 1/263 ومابعدها.
(69) ينظر: الشابشتي، الديارات، ص228، 230، 233، 241، 244.
(70) ينظر على سبيل الوصف عن دير سرجس الشابشتي، الديارات، ص233.
(71) المصدر نفسه، ص 233.
(72) المصدر نفسه، ص 236.
(73) المصدر نفسه، ص 236.
(74) المصدر نفسه، ص 230.
(75) المصدر نفسه، ص 233.
(76) المصدر نفسه، ص 236.
(77) المصدر نفسه، ص 244.
(78) المصدر نفسه، ص 233.
(79) المصدر نفسه، ص 236.
(80) المصدر نفسه، ص 241.
(81) المصدر نفسه، ص 244.
(82) المصدر نفسه، ص 244.
(83) المصدر نفسه، ص 247.
(84) المصدر نفسه، ص 238-248.
(85) ينظر: الشابشتي، مقدمة التحقيق، ص31.
(86) ذكر محقق الكتاب ما نصه "وعندنا الساقط منها... قد يبلغ ثلث الكتاب"، المصدر نقسه، ص5.
(87) ياقوت الحموي، معجم البلدان، 2/498.
(88) العمري، مسالك الابصار، 1/311.
(89) ينظر الجدول رقم (1).
(90) ياقوت الحموي، معجم البلدان، 2/503.
(91) ينظر الجدول رقم (2).
(92) ينظر للمزيد عن هذا الادب وتطوره واهم من اختص به، والاغراض التي تناولها، القيسي، نوري حمودي، ادب الاديرة، مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد السادس والثلاثون، الجزء الثاني (بغداد: 1985) ص103 وما بعدها.


(*) ماجستير تاريخ، جامعة الكوفة
nasseralkab@yahoo.com
__________________
كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان

safaa-tkd غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-03-2008, 07:40 AM   #19 (permalink)
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,241
افتراضي رد: تاريخ العراق

العراق في أواخر العهد العثماني 1872 ـ 1914

أ.د. صالح محمد العابد (*)

شهد العراق خلال الثلث الأخير من القرن التاسع عشر والعقدين الأولين من القرن العشرين تطورات اقتصادية واجتماعية رافقها تنامي حركة فكرية، تزامنت مع تنافس استعماري للهيمنة على موارده، فكان لذلك كله أن يؤدي دورا مؤثرا في مستقبل البلاد.
اتسم هيكل المجتمع العراقي بالتخلف نتيجة طبيعية للكوارث التي مرت عليه والجهل والانحسار الحضاري، وتناقص عدد سكانه على نحو خطير، فقد قدر عدد السكان في العقد السابع من القرن التاسع عشر بما لا يزيد على مليون و000ر280 نسمة، معدل نموهم لا يتجاوز 1.3%، مما أوصل عدد السكان في أوائل القرن العشرين إلى مليونين وربع المليون(1).
وقد توزع السكان في منتصف القرن الماضي إلى: نصف مليون من البدو (35%)، وأكثر من ذلك الرقم قليلا من سكان الريف الذين يمتهنون الرعي والزراعة (41%) وأقل من ثلث مليون من سكان المدن(2).
ولكن حدث تغيير واضح على ذلك الواقع، بفعل تطور التجارة الخارجية الذي كان نتيجة تفاعل بين الطلب الأوربي المتزايد على المواد الزراعية والمواد الخام الذي تعزز بعد فتح قناة السويس في 1869، والمساحات الشاسعة من الأرض، وتوافر دائم للأيدي العاملة، الضروريتين لإنتاج هذه السلع(3).
ولهذا أخذ الاقتصاد العراقي يتحول بخطوات سريعة من اقتصاد طبيعي قائم على الإنتاج لسد الحاجة المحلية، إلى اقتصاد تسويقي قائم على الربح وإلى الإنتاج لغرض السوق العالمية(4).
وبدخول العراق النظام الاقتصادي الرأسمالي وارتباطه باحتياجات السوق الدولية، ازداد الإقبال على المنتجات الزراعية والحيوانية، كما ازداد التبادل السلعي لتلك المنتجات زيادة واضحة، وبذلك اتسعت المساحات المزروعة بوتائر سريعة(5).
أسفر عن ذلك انخفاض نسبة البدو إلى 25% بحلول عام 1890، وازداد عدد السكان إلى مليونين وربع المليون عام 1905، منهم 17% من البدو وحوالي 59% من سكان الريف و24% من سكان المدن(6).
وبسبب ما رافق عملية توزيع الأراضي في عهد مدحت باشا، انحصرت ملكية الأراضي الزراعية في الغالب بيد شيوخ القبائل وأفراد العوائل الغنية من سكان المدن، مما حولهم إلى قوة اجتماعية مؤثرة، وتعززت تلك القوة بفعل التخلف الذي كان سائدا آنذاك.
ومع تطور الحركة التجارية – ازدادت قيمة الصادرات من 150000 باون سنويا 1864-1871 إلى حوالي ثلاثة ملايين باون عام 1913(7)، وما لازمها من مقتضيات جديدة، ظهرت فئة متوسطة (برجوازية) فرضت نفسها على المجتمع وقدر لها أن تؤدي دورا كبيرا في مستقبل العراق.
وكان من الطبيعي أن ينعكس هذا التطور على حقل التعليم، ولكن بسبب طبيعة النظام المتخلف، لم يشهد هذا الحقل تطورا كبيرا يتناسب مع حجم التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي كان العراق يشهدها آنذاك.
فإلى قبيل الحرب العالمية الأولى لم يزد عدد المدارس الابتدائية في أنحاء العراق على «160» مدرسة ابتدائية، منها «13» للبنات، واثنتي عشرة مدرسة اعدادية، وافتتحت مدرسة خاصة بالمعلمين ومدرسة تطبيقات تابعة لها، وتأسست كلية للحقوق عام 1908(8).
وعلى الرغم من هذا التطور المتواضع في حقل التعليم، شهد المجتمع ميلاد الفئة المثقفة الحديثة (الانتلجينسيا) التي ستؤدي دورا مهما على المستويين الفكري والسياسي. ورافق بداياتها الأولى وعي واضح بواقع البلاد مع طموح إلى التغيير نحو الافضل. ومع أن حركة اليقظة الفكرية في العراق لم تكن بالمدى الذي كانت عليه في بلاد الشام، لأنها أقرب إلى الغرب وأكثر احتكاكا به وأوسع تأثرا بأفكاره(9)، إلا أن الموجات الفكرية المعاصرة صارت تجد لها أصداء في العراق بما كان يرده من نتاجات أدبية وعلمية مطبوعة، مما أتاح للقراء الذين أخذ عددهم يتزايد، فرصة الاطلاع على آراء المفكرين العرب في مصر والشام الذين تناولوا قضايا عصرهم كالحقوق القومية والإصلاح الاجتماعي(10).
وهكذا ولد تحرك فكري وسياسي جديد في العقود الأخيرة من الحكم العثماني يمكن ملاحظته في حركة التجديد الإسلامية، ودواوين عدد من الشعراء العراقيين، وعلى صفحات جريدة الزوراء التي كان لها دور بارز في عرض واقع البلاد أمام العراقيين(11).
تسارعت الأحداث على صعيد الحركة الفكرية على أثر الانقلاب العثماني (23 تموز 1908) الذي قامت به جمعية (الاتحاد والترقي) والذي كان نقطة تحول خطيرة في تاريخ الدولة العثمانية والشعوب التي حكمتها، وبداية مرحلة جديدة في اسلوب تفكير المثقفين العراقيين.
فقد ولدت شعارات: حرية، عدالة، مساواة، التي اتخذها رجال العهد الجديد في بداية حكمهم مثل: الغاء الرقابة على المطبوعات، وقرار اجراء انتخابات عامة لمجلس (المبعوثان)، قدرا كبيرا من التفاؤل في نفوس المثقفين العراقيين(12).
إلا أن الاتحاديين سرعان ما أسفروا عن تعصب عنصري بتبنيهم سياسة تتريك الشعوب غير التركية(13)، مما دفع بالمثقفين العراقيين إلى الابتعاد عنهم بسرعة ليختاروا طريقهم الخاص بما أملته عليهم يقظة شعورهم القومي(14).
فأقدموا على تأسيس نواد ثقافية ظاهرها حماية الدستور، وواقعها العمل لاقامة حكم لامركزي للدولة، إلى جانب احزاب وجمعيات وفروع للاحزاب والجمعيات العربية(15)، التي كان تأسيسها ونشاطها أبرز سمات التحرك السياسي في المشرق العربي(16).
اتخذ المثقفون في هذه المرحلة من الصحافة ميدانا لنشاطهم، وهذا يفسر العدد الكبير من الصحف والمجلات التي ظهرت بعد الانقلاب العثماني، فما بين 1908 و1914 صدرت في العراق سبعون جريدة سياسية وأدبية(17)، مقابل ثلاث صحف سبقت ذلك التاريخ.
وكانت أكثر الصحف معارضة لسياسة الاتحاديين، مما عرضها للملاحقة وكتابها للاعتقال(18)، وكان لمقالاتها وتعليقاتها وعرضها للاوضاع السائدة والدعوة إلى التحرر من حكم الاجنبي، واستنكار أساليب القمع وتغلغل المصالح الأجنبية في البلاد، أكبر الأثر في تحريك الأفكار وتنبيه الأذهان(19)، ولا سيما أنها الوسيلة الإعلامية الأكثر انتشارا.
ومع اشتداد سياسة التعصب العنصري للاتحاديين، اخذت تتكامل ابعاد الحركة الفكرية في العراق، وتجسد ذلك في المؤتمر العربي في باريس الذي عقد بمبادرة من جمعية (العربية الفتاة) ما بين 18 و23 حزيران 1913(20).
وكان هدف المؤتمر تعريف الرأي العالمي بمطالب العرب القومية والعمل على توحيد الشبان العرب. وتوصل المؤتمر إلى جملة مقررات مهمة في مقدمتها: المطالبة باللامركزية، واجراء الاصلاحات في الولايات العربية، وحق العرب بالتمتع بحقوقهم السياسية الكاملة(21).
وقد تابع المثقفون العراقيون أعمال المؤتمر ومقرراته، وبعث عدد من الشخصيات السياسية العراقية برقيات التأييد إلى المؤتمر، من بينهم السيد طالب النقيب وبكر صدقي(22).
ومما ساعد على تأييد المثقفين وازدياد تأثيرهم حصولهم على دعم بعض الشخصيات العراقية ذات النفوذ، من أبرزهم الشخصية البصرية الشهيرة السيد طالب النقيب مؤسس (الحزب الحر المعتدل البصري) الذي فرض (أن تكون مراسلاته مع الدولة العثمانية باللغة العربية)(23). وقد زاول السيد طالب نشاطا واسعا واتصل بزعماء عرب مختلفين، وكان له دور مؤثر في تحريك حركة الاستقلال العراقية في تلك المرحلة(24).
وعلى الرغم من اشتداد حركات الدعوة إلى الاستقلال، الا ان عوامل أخرى كانت تكبح اندفاعها وتفت في عضد اصحابها، في مقدمتها العواطف وروابط الود الدينية التي كانت تصل عامة العراقيين بالدولة العثمانية لكونها دولة الخلافة الإسلامية. ولكن هذا الاتجاه اخذ بالضمور بسبب تفاقم سياسة الاتحاديين العنصرية، مما ساعد في تسهيل مهمة البريطانيين في احتلال العراق خلال سنوات الحرب العالمية الأولى(25).
وفيما يتعلق بالتنافس الاستعماري على ولايات الدولة العثمانية، ولا سيما العراق، الذي ارتبط باندفاع الدول الأوربية الكبرى نحو الشرق اثر الانقلاب الصناعي، وما نتج عنه من توسع كبير في الإنتاج ونمو معدلات تكوين رؤوس الأموال، وتطلع أصحابها إلى استثمارها في الخارج، كانت الدولة العثمانية أحد أهم ميادين ذلك التنافس لأنها وصلت إلى درجة خطيرة من الانحلال خلال القرن التاسع عشر، مما سهل على الدول المتنافسة التغلغل في ولاياتها بأشكال مختلفة(26).
وشهدت هذه المرحلة تزايدا واضحا في توطيد النفوذ البريطاني في العراق(27)، ويكفي في هذا المجال أن نشير إلى أن بريطانيا كانت تسيطر على 90% من تجارة العراق الخارجية، وبلغ عدد شركاتها ذات المصالح المختلفة في نهاية القرن التاسع عشر ست عشر شركة، وقامت بتأسيس عدة فروع لمصارف بريطانية هدفها استثمار فائض الرأسمال البريطاني في المدن العراقية الكبيرة(28). وعبر المؤرخ زكي صالح عن هذا الواقع: «أصبحت ربوع الرافدين في الواقع منطقة نفوذ بريطانية يصدق عليها المفهوم المعروف لمنطقة النفوذ، فهنالك مصالح، وامتيازات، وأرجحية تتمتع بها دولة أجنبية في قطر متأخر في مضمار المدنية»(29)، فكان من الطبيعي أن لا تسمح بريطانيا بمنافسة دولة اوربية أخرى لها في العراق. وأسفرت عن موقفها هذا بصراحة على لسان وزير خارجيتها اللورد سالسبري عام 1871: «... مهما حدث، وأيا كانت الوزارة التي تتولى الحكم فإن شعبنا لن يسمح للنفوذ الروسي بأن يسود في وادي دجلة والفرات»(30). ووصل الأمر بالمسؤولين البريطانيين أنهم بذلوا قصارى جهودهم بوسائل مراوغة لمنع الدولة العثمانية من إنشاء قلعة محصنة في الفاو لحماية مدخل شط العرب، منذ عام 1886، لأنها في نظرهم تشكل تهديدا لمنطقة نفوذهم(31).
وتعرض النفوذ البريطاني للتهديد في بداية القرن العشرين متمثلا بالتغلغل الألماني في الإمبراطورية العثمانية(32)، وحصول الألمان عام 1903 على امتياز بتنفيذ مشروع سكة حديد بغداد الذي يربط اسطنبول برأس الخليج العربي(33). ومما زاد في القلق البريطاني أن الامتياز منح الألمان حق استغلال كل المناجم التي يتم اكتشافها ضمن منطقة عرضها عشرون كيلومترا على جانبي السكة(34). واشتد التنافس البريطاني-الألماني بعد ما أكد الجيولوجيون غنى آبار (بابا كركر) النفطية غير المستثمرة، وتعاقد الألمان في تموز 1904 مع السلطان عبد الحميد الثاني للقيام بالتحريات في حقول ولايتي الموصل وبغداد(35).
بذلت بريطانيا جهودا مكثفة لتحجيم التحرك الألماني، وفي خضم تنافسهما وجد البريطانيون والألمان أنهما مجبران على تنسيق جهودهما لمواجهة خطر دخول المصالح النفطية الأمريكية، الذي تجسد بتأسيس (الشركة العثمانية-الأمريكية للتنمية The Ottoman-American Development Co.) عام 1909 التي حصلت بعد عام واحد على حق التنقيب عن المعادن في مناطق محددة في شمال العراق(36)، وكانت حصيلة التفاهم بين الطرفين تأسيس شركة النفط التركية في أيلول 1912 على أن يكون للألمان نسبة 25% من أسهمها(37). ومهد ذلك للتوصل، بعد مفاوضات مطولة بين البريطانيين والألمان، إلى الاتفاق في شباط 1914 على مشروع سكة حديد بغداد، ضمن لبريطانيا سيادتها على الخليج ونفوذها في العراق، في حين تحصل المانيا على منفذ لها يمتد إلى البصرة(38).
إلا أن بريطانيا كانت مصممة على الاحتفاظ بمكانتها المتفوقة في العراق مهما اختلفت الأوضاع، وهكذا لم يمض سوى يوم واحد على إعلان الحرب بين بريطانيا والدولة العثمانية في 5 تشرين الثاني 1914 حتى بدأت حملة القوات البريطانية التي احتشدت أصلا في البحرين منذ أكثر من شهر، فاستولت على الفاو دون مقاومة تذكر(39). واندفعت تلك القوات شمالا، ودخلت البصرة في 22 تشرين الثاني، وبعد حرب استمرت سجالا حتى تشرين الثاني 1918، تم احتلال العراق بأجمعه(40)، فشكلت الحرب العالمية الأولى بداية مرحلة جديدة في تاريخ العراق.


الهوامش
ــــ


(1) انظر: د. محمد سلمان حسن، التطور الاقتصادي في العراق، التجارة الخارجية والتطور الاقتصادي،بيروت 1965: 39، 41-44، 71.
د. عبد المجيد كامل التكريتي، الملك فيصل الأول ودوره في تأسيس الدولة العراقية الحديثة 1921-1933: 48.
(2) محمد سلمان حسن: 51-52.
(3) المصدر نفسه: 35، وميض جمال عمر نظمي، الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية في العراق، بيروت 1984: 40-41.
(4) انظر: وميض جمال عمر نظمي: 46-47، ل. ن.، كوتلوف، ثورة العشرين الوطنية التحررية في العراق، ترجمة: عبد الواحد كرم، بغداد 1971: 74-77، عماد الجواهري، تاريخ مشكلة الأراضي.
(5) كوتلوف: 76-77.
(6) علاء الدين البياتي، (أنماط الحياة الاجتماعية في العراق)، مجلة العلوم الاجتماعية، العدد 22، بغداد 1978: 10.
(7) انظر: محمد سلمان حسن: 94.
(8) ينظر: إبراهيم خليل أحمد، تطور التعليم في العراق: 45-46، 63-64، نمير طه ياسين، بدايات التحديث في العراق 1869-1914، رسالة ماجستير، الجامعة المستنصرية 1984: 169-171، علي آل بزركان، فصول من تاريخ التربية والتعليم في العراق، ط2، بغداد 1993: 25-28.
(9) انظر: د. عبد الكريم رافق، العرب والعثمانيون 1516-1916، دمشق 1971: 555.
(10) ينظر: وميض جمال عمر نظمي: 85-86.
(11) للتفاصيل: د. إبراهيم الوائلي، الشعر السياسي العراقي في القرن التاسع عشر، بغداد 1961، 149-180، عبد المجيد كامل التكريتي: 56-59.
(12) انظر: عبد المجيد كامل التكريتي: 61-62، عبد الزهرة الجوراني، الفكر السياسي في المشرق العربي أواخر القرن التاسع حتى عام 1914، رسالة دكتوراه، الجامعة المستنصرية، بغداد 1990: 178-181؛ استقبل الانقلاب بردود فعل متضاربة بين المثقفين والمحافظين، انظر حول مواقف هذه القوى من الانقلاب: العزاوي، ج8: 160-164.
Ghassan, R. Atiyyah, Iraq 1908-1921, A Political Study, Beirut 1973, pp. 52-3.
(13) انظر: سليمان موسى، الحركة العربية، المرحلة الأولى للنهضة العربية الحديثة 1908-1924، بيروت 1977: 25؛ في قرار اتخذته جمعية الاتحاد والترقي في ربيع 1911 أعلن قادتها: (أنه لا بد من عثمنة جميع العناصر غير التركية عاجلا أم آجلا، وأنه لا يمكن تحقيق ذلك عن طريق الإقناع، بل يجب اللجوء إلى استخدام القوة لاجبارهم على ذلك).
مقتبس في: د. كمال مظهر أحمد، كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى، ترجمة محمد الملا عبد الكريم، بغداد 1977: 96-97.
(14) انظر: وميض جمال عمر نظمي: 89؛ عبد المجيد كامل التكريتي: 62-63.
(15) أبرز تلك الأحزاب والجمعيات: جمعية (المشورة)، (الحزب الحر المعتدل)، (حزب الحرية والائتلاف)، (الحزب الاصلاحي في البصرة)، (حزب العهد)، (الجمعية القحطانية) و(العربية الفتاة). للتفاصيل انظر:
Atiyyah, pp 53-62;
محمد هليل الجابري، الحركة القومية في العراق بين 1908-1914، رسالة دكتوراه، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1980: 220-225، عبد الزهرة الجوراني: 178-209.
(16) عبد المجيد كامل التكريتي،: 62.
(17) توزعت بالشكل الآتي: (49) في بغداد، (13) في البصرة، (5) في الموصل، وواحدة في كل من كركوك والنجف وكربلاء،
Atiyyah, p. 62.
18, Ibid, p. 62.
(18) انظر: عبد الرزاق الحسني، تاريخ الصحافة العراقية، ط3، بغداد، 1971: 63-70.
(19) ينظر: عبد المجيد كامل التكريتي: 63-64؛
Atiyyah, pp. 4-63.
(20) للتفاصيل: سليمان موسى: 36-39.
(21) المصدر نفسه، عبد الزهرة الجوراني: 199-204.
(22) انظر: توفيق السويدي، مذكراتي، نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية، بيروت 1969،: 29، من الجدير بالذكر أن السويدي وسليمان عنبر، مثلا العراق في ذلك المؤتمر.
(23) عبد المجيد كامل التكريتي: 66.
(24) Philip, W. Ireland, Iraq, A study in Political Development, London 1937, p. 233:
وعن تفاصيل نضال السيد طالب النقيب في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى، انظر: وميض جمال عمر نظمي: 102-106.
(25) انظر: عبد المجيد كامل التكريتي: 67-68.
(26) انظر: د. نوري عبد المجيد العاني، التاريخ السياسي لامتيازات النفط في العراق 1925-1952، بغداد: 20-21.
(27) للتفاصيل: فواز مطر الدليمي، تغلغل النفوذ البريطاني في العراقي 1869-1914، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1989: 82-113، 115-122.
(28) سيار كوكب الجميل، تكوين العرب الحديث 1516-1916، الموصل 1991: 426.
(29) زكي صالح، بريطانيا والعراق حتى عام 1914، بغداد 1968: 170-171.
(30) Quoted in: Ireland, p. 49.
(31) للتفاصيل، انظر: د. حسين القهواتي، دور البصرة التجاري في الخليج العربي 1869-1914، بغداد 1980: 172-178.
(32) ينظر: زكي صالح: 228-232.
(33) حول تطورات هذا المشروع وموقف بريطانيا منه، راجع: المصدر السابق: 242-251، د. كمال مظهر أحمد، الطبقة العاملة العراقية، التكون وبدايات التحرك، بيروت 1981: 19-20.
(34) لنص الامتياز:
J. C. Hurewitz, Diplomacy in the Near and Middle East, A Documentary Record 1535-1914, Vol. I, New York 1972, pp. 252-7.
(35) نوري العاني: 22.
(36) المصدر نفسه: 24-25.
(37) انظر: زكي صالح: 263-268.
(38) نوري العاني: 29-30، فواز مطر الدليمي: 202-205.
(39) انظر تقرير السير برسي كوكس في: العراق في الوثائق البريطانية، ترجمة: فؤاد قزانجي، بغداد 1989: 22-23.
(40) لتفاصيل عمليات احتلال العراق، ينظر: شكري محمود نديم، العراق في عهد المشروطية الثانية 1908-1918، اطروح دكتوراه، كلية الآداب- جامعة بغداد 1985: 175-226.


المصدر: المجلة القُطرية للتاريخ والآثار، تصدر عن كلية الإدارة، بغداد، العدد/3، لسنة /2004

(*) كلية الآداب ـ جامعة بغداد.
__________________
كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان

safaa-tkd غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-05-2008, 12:11 PM   #20 (permalink)
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,241
افتراضي رد: تاريخ العراق

العصر الكشي ( دولة بابل الثالثة ) ..(1)..

منشد مطلق المنشداوي/ماجستير اثار



أولاً : الكاشيون .


بعد قضى الحثيون على مملكة بابل وجد الكاشيون الفرصة سانحة لإخضاع بابل فأخذت جموع متتالية من القبائل الجبلية الواقعة في شرق نهر دجلة تهبط من السهول لمهاجمة بلاد بابل وقد استطاعت بعد انسحاب الحثيين أن تكّون دولة قوية عُرفت باسم الدولة الكشية أو الدولة البابلية الثالثة ، ومع ذلك أن حكمها يُعد أطول احتلال شهدته أي دولة قديمة ؛ فقد دام حكمهم زهاء أربعة قرون ( 1595 – 1162 ق.م )(1) .

أما التسمية فربما جاءت من الكلمة البابلية " كشو " والتي لا يعلم أصل اشتقاقها بالضبط ولعلها تعني في هذه اللغة القوة والبأس ، ويحتمل كذلك أنها مأخوذة من اسم الإله القومي للكشيين.

بدأت بابل تحس بتسللات الكاشيين ، فضلاً عن الحوريين ، أن الكاشيين قاموا بنفس الدور الذي لعبه الجوتيين القدامى في مرتفعات العراق القديم ، وإن استطاع حمورابي ومن خلفه من بعده ؛ أن يردوا الخطر ؛ فانكسرت حدة الكاشيين إلى حين ؛ واكتفوا بالتسلل السلمي البطيء إلى مدن العراق المتحضرة وعملوا فيها أُجراء ومرتزقة ؛ بينما ظلت قبائلهم الكثيفة الطامعة بالخيرات والسيطرة تتربص بدولة بابل(2) .

تباينت الآراء عن أصل الكاشيين ، فهناك من يردهم إلى المرتفعات الشرقية وينسب اسمهم إلى اسم إلههم " كاشو " ؛ أو من اسم إقليم في شمال عيلام يسمى " كاش – شن "(3) .

وعلى أية حال فالكاشيون من الأقوام " الهندو – أوربية " ، ويرون أن بلادهم تقع في شرق بابل وشمالها الشرقي ؛ وكانوا يتقدمون من سلسلة زاجروس الوسطى ؛ والمعروف الآن باسم " لورستان " إلى الجنوب من همدان ؛ وهذا يعني بأنها كانت محطة أقاموا فيها حيناً من الدهر ؛ وليست وطناً أصلياً لهم ؛ وكان يجاورهم من جهة الشمال أقوام جبلية أخرى منهم الجوتيون(4) .

وبما أنهم لم يخلفوا سوى نصوص قليلة – ملكية ورسائل ووثائق اقتصادية وتجارية وقانونية ، بل اتخذوا اللغة البابلية كلغة رسمية لهم ؛ كما ساوى الكاشيون بين آلهتهم وبين الآلهة البابلية ؛ فجعلوا ( شيباك ) مساوياً ( لمردوخ ) ؛ و ( خارجى ) مطابقاً ( لإنليل ) ؛ ولعل هذا إنما يشير إلى أن الكاشيين قد عبدوا أرباب بلاد الرافدين ؛ إلى جانب أربابهم القومية ؛ بأسمائها القديمة أحياناً ؛ وبأسماء آرية جديدة أحياناً أخرى(5) .

على أن هذا لا يمنع من القول أن الكاشيين قد أضافوا إلى حضارة العراق القديم شيئاً يُذكر لهم ، ذلك أن البابليين لم يكونوا يعرفون الحصان قبل عهد حمورابي ؛ ومن ثم فقد كانوا يسمونه ( الحمار الجبلي ) وأحياناً ( الخيول الوحشية ) ؛ ثم سرعان ما استخدموا الحصان بأعداد كبيرة ؛ حتى أصبحت الخيول تصدر من العراق إلى مصر ؛ وتقدم نصوص مدينة ( نفر ) إثباتاً بالخيل وأسمائها وأسماء أسلافها ؛ وكلها تشير إلى عناية الكاشيين الفائقة بالخيل ؛ بل أن هناك من يذهب إلى أن الكاشيين قد أدخلوا الحصان والعجلة إلى العراق القديم ؛ كما فعل الهكسوس في مصر(6).

وأرخ الكتبة الكاشيون بسنوات حكم ملوكهم ، فبدلاً من الطريقة السومرية أو الطريقة الجزرية فما يختص بإعطاء تواريخ بالأحداث الرئيسة المهمة ؛ أو عبادة معينة ؛ نرى الكاشيون يدخلون طريقة جديدة أيسر من السابق تشير إلى التاريخ بسني حكم ملوكهم ؛ هذا فضلاً عن تغيير بعض وحدات الأوزان والمقاييس ؛ كما حصل تطور في صناعة الأختام الأسطوانية ؛ كما شيد ملوكهم مدناً جديدة نسبوا بعضها إلى أنفسهم ؛ ونخص بالذكر منها مدينة ( كوريكالزو ) أي مدينته أو حصنه ؛ وهي عقرقوف الحالية التي تبعد حوالي ( 32 كم ) غربي بغداد .

يُعتبر ( جنداش ) هو مؤسس هذه الأسرة طبقاً لقوائم الملوك ، وطبقاً لنسخة من العهد البابلي الحديث تحمل نصاً يرجع لعهده ؛ ويتناول أحداث الغزو الكشي والبابلي ؛ كما يشير إلى ( جنداش ) يلقب ملك الجهات الأربع ؛ وملك سومر وأكد(7) .

وقد تولى الحكم بعد ( جنداش ) أبنه ( اجوم ) الذي استمر في الحكم لمدة ( 22 عاماً ) ، ثم انتزع منه العرش ( كاشتلياش ) ؛ وكان ( أولام – بورياش ) شقيق ( كاشتلياش ) هو أول ملك كاشي استطاع أن يسيطر على كل بابل ؛ كما أعاد تمثالي الإله ( مردوخ ) و زوجته ( سار – بانيتوم ) ؛ اللذين نقلهما الحثيون – عندما احتلوا بابل – إلى مدينة عانة حالياً ؛ حيث ازدهرت هناك مملكة أمورية تأثرت تقاليدها كثيراً بالمدينة البابلية(8) .

ثم هناك الملك ( كارنداش الأول ) الذي أشتهر بكثرة مبانيه في المدن البابلية ، حيث شيد معبداً للإلهة ( عشتار ) في الوركاء(9) ؛ كما امتازت عمارته بتدعيم أركانه الخارجية بأكتاف ذات مستويين ؛ وغيرها من السمات الخاصة بهذا العصر .

وتنقضي بعد ذلك فترة تكون غامضة تماماً ، يأتي بعدها الملك ( كوريكالزو الأول ) ؛ والذي ينسب إليه تأسيس عاصمة جديدة للكاشيين هي ( دور – كوريكالزو ) بمعنى ( حصن أو مدينة كوريكالزو ) واتخذها مقراً للحكم ؛ وأقام فيها الملك ( كوريكالزو ) قصراً له يشبه قصر ملك ماري ( زمريليم ) ؛ ورغم أن ما بقي في القصر لا يكفي لإعطاء صورة كاملة عنه ؛ ومن أهم ما عثر عليه في القصر هو الجزء المتبقي في الزاوية الشمالية حيث الممرات المسقوفة الطويلة التي تحيط بالمساحة(10) .

وعلى أية حال ، فقد مر الكاشيون بعد ذلك بفترة ضعف ؛ ربما بسبب هجمات الآشوريين المتكررة عليهم ؛ والتي أدت إلى أن تكون لهم السيادة على العراق ؛ وربما بسبب تولي العرش الكشي ملوك ضعاف ؛ ومع ذلك فإن نهاية الكاشيين لم تكن على أيدي الآشوريين ؛ وإنما كانت على أيدي العيلاميين ؛ بقيادة ملكهم ( شتروك – نخنتي ) ؛ الذي تقدم نحو بابل في عام ( 1160 ق.م ) ؛ وذبح ملكها ؛ ونهب كثيراً من آثارها ومنها شريعة حمورابي إلى عاصمته سوسة .




ثانياً : بعض العناصر الحضارية الجديدة في العصر الكشي .



1- مع أن الكشيين ، ساروا على تراث حضارة وادي الرافدين العام واندمجوا به ؛ بيد أنه ظهرت أو أدخلت في عهدهم بعض العناصر الحضارية التي يصح عدها أنها ميزت هذا العهد ؛ وأول ذكر لهذه العناصر الاسم الجغرافي الجديد الذي أطلقوه على بلاد بابل وهو ( كار – دنياش ) أي بلاد أو قطر ( دنياش ) وهو اسم أحد آلهتهم ؛ على أن ملوكهم احتفظوا أيضاً بألقاب الملوك القديمة مثل ملك ( سومر وأكد ) و ( ملك بابل )(11) .

2- يرى نخبة من المؤرخين أن الكشيين هم الذين أدخلوا استعمال الخيل إلى بلاد وادي الرافدين على مقياس واسع بحيث أصبحت واسطة شائعة في النقل وفي الحرب وفي جر العربات ؛ الأمر الذي أحدث تبدلات جوهرية في أساليب الحر والقتال وسرعة المواصلات ؛ ويرجع أن الكشيين اقتبسوا استعمال الخيل من الحثيين في آسيا الصغرى ؛ فقد جاء ذكرها في النصوص المسمارية ولاسيما من عهد سلالة أور الثالثة ؛ وقد دعيت في هذه النصوص بالمصطلح السومرية ( نشو – كرا ) أي ( حمار الجبل ) أو ( حمار البلد الأجنبي ) و يرادف ذلك في اللغة الأكدية ( سيسو ) ؛ كما ذكرت الخيول باسمها الأكدي في رسائل مدينة ماري(12) .

3- ذكرنا كيف أن الكشيين استبدلوا طريقة التاريخ بالحوادث المشهورة المتبعة في العصور السابقة للعصر الكشي بطريقة أسهل في تاريخ الحوادث وتقويمها ، هي التاريخ بسني حكم الملوك ؛ فصاروا يؤرخون ابتداءً من السنة الأولى التي تعقب تتويج الملك الجديد ويستمرون يؤرخون بسني حكمه المتتابعة إلى الملك الجديد الذي يخلفه(13) .

4- شاع في العهد الكشي استعمال ما يسمى بأحجار الحدود أو أحجار تثبيت حدود الأملاك والعقارات ، واسمها باللغة الأكدية ( كودورو ) وقد ظهر استعمالها على نطاق ضيق في عصر فجر السلالات ؛ ولكن لم يستمر في العهود التالية ؛ ومع أن الكلمة التي تطلق على هذا النوع من الوثائق تعني ( الحد ) أو ( التحديد ) ؛ تسجل فيها حدودها وأوصافها وتودع عادة في المعابد مع وجود نسخ منها على ألواح الطين تكون عادة في حوزة المالكين ؛ وهي عبارة عن أحجار مخروطية الشكل في الغالب ؛ ويقسم الحجر إلى قسمين فيشاهد في أعلى الوجه صورة منحوتة بالنحت البارز تمثل رموز الآلهة فيشاهد من أشهر هذه الرموز قرص الشمس ؛ رمز الإله ( شمش ) ؛ والهلال رمز الإله ( سين ) إله القمر ؛ وغيرها من الآلهة مع صور الحيوانات العائدة إلى مثل هذه الآلهة ؛ وينقش في ظهر الحجر النص المطول يُذكر اسم المالك صاحب الأرض وتحديد الأرض و الإمتيازات الأخرى الممنوحة له وأسماء الشهود ؛ وتذكر لعنات الآلهة المختلفة في ختام النص على من يكسر الحجر أو يبدل نصوصه(14) .

5- ازدهرت في هذا العصر حركة التدوين والترجمة والنقل وتأليف القطع الأدبية ، أي بعبارة أخرى صدرت نشرات جديدة لمثل هذه القطع ؛ مثل ملحمة جلجامش ونسخة من قصة الطوفان ؛ كما وصلت نصوص طبية مهمة ونصوص فلكية إلى جانب الكتابات الخاصة بالتنجيم ؛ كما حصل اهتمام ملحوظ بأساليب نصوص التعاويذ والرقي ؛ كما وصلت طائفة من الإثبات أو المعاجم بالعلامات المسمارية وقيمها السومرية والأكدية ؛ وبعضها يتضمن شرح بعض المفردات الكشية باللغة البابلية(15) .

6- انتشرت في العصر الكشي اللغة البابلية بخطها المسماري انتشاراً أوسع من العصور السابقة ، بحيث اتخذت هذه اللغة لغة المراسلات الدولية الدبلوماسية بيم ملوك الشرق الأدنى وحكامه ؛ ومن مظاهر أحياء التراث الأدبي من حضارة وادي الرافدين في العهد الكشي استعمال الأنماط الكتابية القديمة ؛ حتى أن خط بعض النصوص التي وصلت إلينا من هذا العهد تشبه في علاماتها المسمارية خط حضارة وادي الرافدين من عصر فجر السلالات ؛ والمثال على ذلك الكتابة السومرية المنقوشة على كسر التمثال العائد إلى الملك ( كوريكالزو ) المكتشفة في عقرقوف(16) .


المراجع :-

...................

1- طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ج 1 ، بغداد – 1973 ، ص 446 .

2- عبد العزيز صالح ، الشرق الأدنى القديم ( مصر والعراق ) ، ج 1 ، القاهرة – 1979 ، ص 482 .

3- نجيب ميخائيل إبراهيم ، مصر والشرق الأدنى القديم ( وادي الرافدين ، بلاد الحثيين ، فارس ) ، ج 5 ، الإسكندرية – 1963 ، ص 209 .

4- عبد العزيز صالح ، مصر والعراق ، المرجع السابق ، ص 482 .

5- سامي سعيد الأحمد ، العراق القديم ، ج 2 ، جامعة بغداد – 1983 ، ص 104 .

6- جورج كونتينو ، الحياة اليومية في بلاد بابل وآشور ، ترجمة سليم التكريتي ، بغداد – 1986 ، ص 104 . ؛ أحمد سوسة ، تاريخ وحضارة وادي الرافدين ، ج 2 ، بغداد – 1986 ، ص 420 .

7- نجيب ميخائيل إبراهيم ، وادي الرافدين ، بلاد الحثيين ، المرجع السابق ، ص 209 .

8- ديلا بورت ، بلاد ما بين النهرين ،ترجمة محرم كمال ، مراجعة عبد المنعم أبو بكر ، الهيئة المصرية للكتاب – 1997 ، ص ص 50 – 51 .

9- أنطوان مورتكات ، تاريخ الشرق الأدنى القديم ، ترجمة توفيق سليمان وآخرون ، دمشق – 1967 ، ص 192 .

10- مؤيد سعيد ، " العمارة في عصر فجر السلالات إلى العصر البابلي الحديث ، حضارة العراق ، ج 3 ، بغداد – 1985 ، ص ص 154 – 156 .

11- طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات ، المرجع السابق ، ص 454 .

12- جورج كونتينو ، الحياة اليومية في بلاد بابل وآشور ، المرجع السابق ، ص 104 . ؛ أحمد سوسة ، تاريخ حضارة وادي الرافدين ، المرجع السابق ، ص 420 .

13- طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات ، المرجع السابق ، ص ص 454 – 455 .

14- عن الكودورو ، راجع :

طارق عبد الوهاب مظلوم ، " النحت من عصر فجر السلالات حتى العصر البابلي الحديث " ، حضارة العراق ، ج 4 ، بغداد – 1985 ، ص ص 63 – 64 .

15- طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات ، المرجع السابق ، ص 456 .

16- طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات ، المرجع نفسه ، ص ص 456 – 457 .
__________________
كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان

safaa-tkd غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags - تاق )
لا شيء


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع

تعليمات المشاركة
تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع إلى


الساعة الآن: 09:47 AM


iraqiforum.net © 2007 vbulletin