عرض مشاركة واحدة
قديم 08-06-2009, 10:33 AM   #7 (permalink)
باب المعظم
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2007
المشاركات: 426
Arrow رد: تفاصيل القاء القبض على العصابة التي سرقت مصرف الزوية والكشف عن تورط المجلس الاعمى

مقالة مهمة -بحسب رأيي- .. فبعيداً عن التناطح الحزبي والتسقيط الذي نشهده الان .. ثمة مشهد خطير أمامنا .. مشهد إنهيار المنظومة الاخلاقية في المجتمع .. مشهد غذته عصابة حزب البعث التي حكمت العراق في العقود الاربعة الماضية ونعيش تغذيته اليوم على يد الاحزاب الانتهازية المتكالبة على السلطة ..

عراق الزوية

كتابات - د.جعفر المظفر

حينما كنت أجتاز نقاط التفتيش في العديد من مناطق بغداد, في الأيام التي إرتفعت فيها وتيرة العنف إلى درجة كبيرة, كنت أتساءل وأنا أنظر إلى وجوه رجال الأمن المتعبة والخائفة, متى يتحول هؤلاء من أداة لمكافحة العنف إلى أداة له.

لم تكن تلك قراءة تنبئية إلا إذا كان معنى التنبؤ هوالقدرة على قراءة الحقائق, ولم يكن حينها صعبا التيقن من أن أولئك الذين يقفون في مناطق التفتيش للبحث عن الإرهابيين والسيارات المفخخة والمعرضين في كل لحظة للقتل المفاجئ ما كانوا قد إنضموا إلى الأجهزة الأمنية نتيجة لقناعة مبدئية أو إخلاقية, أو نتيجة لسياقات مهنية ووظيفية تقليدية معروفة, وإنما لحاجة مادية ماسة.

إذ حينما تعطلت كاملا دورة الإقتصاد العراقي وتمركزت الثروة في أيدي دعاة النظام الجديد, وأيضا في أيدي الميليشيات والحركات المعادية لهم, فإن كثيرا من العراقيين الذين باتوا عاجزين عن توفير لقمة العيش, سرعان ما إنضموا إلى هذه الجهة أو تلك بفعل من تلك الحاجة, حتى بتٌ تشعر إن كل الأطراف صارت مقتنعة إن تعطل الإقتصاد هو في صالحها لأنه الطريق الأسرع والفعال للحصول على المقاتلين.

فهي إذن حالة مادية خالصة قبل أن تكون تعبيرا عن ولاء إخلاقي أو مبدئي أو حتى سياقي للدولة, ففي تلك الفترة لم تكن الدولة معرفة بعد, لذلك كان صعبا العثور على إنتماء لكيان لا وجود له على الأرض, ولم يكن الأمر خارجا على القوانين الإجتماعية والسياسية, إذ حينما تغيب الدولة يكون الولاء والإنتماء لها غائبا ويكون الإقتراب منها إقتراب مادي أو أمني أكثر منه على أي مستوى آخر.

غير إن الأمر بطبيعة الحال لن يبقى على حاله, إذ حينما تفلح الدولة ببناء منظومة من القيم الإجتماعية والسياسية فإن الإنتماء لها ولو على مستوى روح المواطنة العامة سرعان ما يتكون بإتجاهات متناغمة, وإذ تكون هناك دولة وتكون هناك سلطة فإن المرء لا يحتاج لأن يكون جزء من السلطة حتى يكون جزء من الدولة أو مواليا لها.

إن غياب الدولة الذي أعقب الإحتلال رافقه بالمقابل ضياع الإنتماء العراقي وتبعثر الولاءات, وما زال بناء الدولة الوطنية لحد الآن بعيدا عن المنال, كما لا تزال السلطة ذاتها مقسمة ومنقسمة بشكل تعجز فيه عن بناء حالة بسيطة من الولاء الوطني.

وفي ذات الفراغ تتواجد وتتحرك المؤسسات المفترضة للدولة وفي المقدمة منها المؤسسة الأمنية التي تعيش يوميا أخطارا مباشرة ناشئة من طبيعة عملها, وفي منطقة الفراغ تلك يكون من الصعوبة المتناهية ضمان حالة من الإنتماء الوطني, وسينتج عن ذلك كثيرا من الخروقات الناشئة بسبب عمل تلك الجهات أو أفرادها لحسابهم الخاص لا لحساب الدولة الغائبة والمغيبة.

وليس هناك أكثر تأثيرا على الأمن الوطني العام من غياب الأمن الإخلاقي, وفي حالات الفقر المدقع الذي عاشته الأغلبية العراقية في مراحل سياسية مختلفة لم يحدث أن تقدمت الحاجة الإقتصادية للفرد العراقي على الموروث القيمي لكي تتصدر العوامل المؤثرة على الأمن الإجتماعي.

لقد ظل المجتمع العراقي بمنأى عن تلك الخروقات ولم يشهد, في أشد مراحله فقرا, جنوحا إخلاقيا على مستوى ملحوظ, وكان من الصعوبة العثور على رابطة حقيقية بين العوز الإقتصادي وبين الجريمة, فلقد كان الإنسان العراقي جائعا وعريانا ولكنه كان متعففا وأمينا, ولم يكن صعبا إكتشاف السبب الحقيقي وراء هذه الآصرة بين الفقر والعفة, فلقد كانت هناك مجموعة من القيم الموروثة والمفعلة بنزاهة السلطة ورفعة سلوك أصحابها.

ولقد بدأ النظام الإخلاقي للمجتمع ينهار حالما إنهارت النماذج السياسية إخلاقيا, وإذا ما قيل إن الحاجة الإقتصادية بفعل الحصار كانت هي الدافع فلسوف يكون القول أكثر تأثيرا فيما لو أضيف عليه حقيقة تقول إن إنهيار النماذج الإخلاقية هو الذي فَعٌلَ تأثير الحاجة الإقتصادية بإتجاه سلبي, فلم يعد من المتوقع أن ينتظر المواطن العراقي دوره لكي يقف في حضرة الرئيس لكي يمدحه شعرا أو يردح له وعقاله في يده او يفقعه خطبة تمجيد وتأليه حتى يحصل على مكرمة رئاسية, ففضل أن يكرم نفسه على طريقته الخاصة ومد يده إلى جيب أقرب مواطن أوإلى أقرب خزنة حكومية.

إن جسم السمكة معرض للتفسخ حينما يتفسخ الرأس, وحينما حدثت جرائم القتل الوحشية المعروفة بعد الحصار وفي المقدمة منها جرائم الغزالية والتي ذبحت خلالها عوائل كاملة فإن المجرمين لم يكونوا من المعوزين فقرا بل من المعوقين إخلاقيا, فعلى بعد مائة متر من دار سكناي تم ذبح عائلة كاملة مكونة من أب وأم وثلاثة أخوات على يد جلادين تبين إن رئيسهم كان يعمل سكرتيرا لطه ياسين رمضان في قيادة الجيش الشعبي, وأكدت جرائم أخرى على نفس المستوى إن أغلب القائمين بها كانوا من المؤسسة الأمنية ذاتها الذين إكتشفوا بعد الإنهيار الإخلاقي لرأس الدولة أنهم كانوا يقتلون لصالح شخص وليس لصالح عقيدة, ففضلوا بالتالي أن يقتلوا لحسابهم الخاص, وبهذا فقد تم خصخصة قطاع القتل ذاته ولم تتوقف تلك الخصخصة على النشاط الإقتصادي وحده.

ولقد حدث كل ذلك بوجود دولة كان قد إختل نظامها الإخلاقي

فماذا نتوقع الأن في ظل هذا الوضع المغيب فيه كلاهما, الدولة والنظام الإخلاقي.

ما ذا نتوقع من أشخاص مسلحين بإرادة وأسلحة القتل ومغرقين وغارقين فيه حتى قمة رؤوسهم وغير معرفين بهوية وطنية حقيقية وغير منتمين لدولة معرفة بشعب ونظام.

أشخاص باتوا يتأكدون يوميا بأنهم يقتلون لحساب أفراد وليس لحساب دولة أوحتى لحساب مذهب أو طائفة, وهم يرون إن أولئك الذين يقتِلون من أجلهم ويٌقتلون, هم أشخاص فاسدون لا يهمهم من شؤون الحياة إلا زيادة مالهم الحرام وليس لهم علاقة بأبناء مذاهبهم غير علاقة المخادع بالمخدوع.

هكذا أرى جريمة الزوية, وأنظر لها كونها القمة الظاهرة من جبل تتسع قاعدته لتشمل النسبة الكبيرة من أولئك الذين باتوا على قناعة تامة بأن من حقهم أن يشتغلوا لحسابهم الخاص بعد أن تبين لهم إنهم كانوا في خدمة أشخاص ليس لهم علاقة بوطن أو حتى بمذهب.

وأنا بعد ذلك لا يهمني كثيرا فيما إذا كانت هناك صلة للسيد عادل عبد المهدي بهذه الجريمة أم لا, مثلما لا يهمني هنا كثيرا ماذا سيكون عليه موقف السيد المالكي وعما إذا كان من الضروري أن يتوج السيدان البولاني وخلف بتاج البطولة الوطنية أم لا, على الرغم من أن تفاصيل الحدث ذاتها وطريقة تناول الجريمة من قبل الأطراف الحكومية المتصارعة تكشف من جانبها عن كم هائل من التناقضات ومن المعارك المؤجلة وبما يؤكد الحاجة إلى تناول هذا الحدث بشكل يتم فيه التعرف على شكل ومستوى الصراع الحالي والقادم.

ورغم إنني لا أصدق بحكاية إشتراك السيد عبدالمهدي أو حتى معرفته المسبقة بهذه الجريمة , وبعيدا عن حكاية الأصل والفصل والموروث الإخلاقي فإن الإحتكام للمنطق وحده من شأنه أن يدلنا على إن الرجل لا يمكن أن يقع في مأزق كهذا, فإذا قيل إن الحاجة المالية للتغطية الإنتخابية كانت هي الدافع الأساسي لهذه الجريمة فلسوف أعتقد إن كل ما كان يقال عن وجود تمويل إيراني للمجلس قد تبين كذبه, إذ حينما يصل التنظيم إلى هذا السعي البائس للحصول على أموال لتمويل حملته الإنتخابية فلا بد وأن يكون والحالة هذه تنظيما لا يملك أي مصدر للتمويل وستكون علاقته مع إيران بحاجة إلى مراجعة أكثر وخاصة من أولئك الذين يؤكدون على تبعية المجلس لإيران, ثم إن المبلغ المسروق هو أقرب لأن يكون مصروف جيب لبعض وجوه وسادة دولتنا, فكيف يقدم تنظيما يعاني ما يعاني على صعيد جماهيريته وبوجود وضعه الإنتخابي الحرج وصراعاته المتفاقمة مع أطراف الإئتلاف وسطوع نجم المالكي, كيف تراه يقدم على أرتكاب جريمة كهذه, وهي جريمة معرضة بكل سهولة أن تنكشف خاصة في حمى الصراع بين الأخوة الأعداء وبين المتنافسين على السلطة.

وإن من يظن إنني بذلك أحاول تبرئة السيد عبد المهدي مما حدث هو واهم تماما, فإن أنا أقدمت على ذلك فأنا لن أفعله إلا من الناحية الجنائية والقانونية, فأميل بذلك إلى تبرئته من المشاركة أو التخطيط الفني للجريمة, لكنني من الناحية السياسية, وهي أهم بكل تأكيد من الجانب الجنائي والفني والقانوني, لأنها تتعلق بسلامة دولة وشعب وليس بموقف شخص أو تنظيم, أجزم إن كل الأطراف وحتى تلك التي إكتشفت الجريمة وتلك التي تقف بالضد الفئوي منها هي طرف أساسي من أطرافها, فلقد ساهمت هذه الأطراف وما زالت تساهم بتغذية الفساد والجريمة وبالإطاحة بما تبقى من المنظومة القيمية للمجتمع العراقي وبتقزيم الإنسان إلى الحد الذي بات فيه عاجزا عن إدراك ورؤية القيم الفاضلة.

إن جريمة الزوية هي القمة الظاهرة لجبل ماكان له أن يتكون لولا بؤس النماذج القيادية وسقوط منظومة القيم الإخلاقية, وليس متوقعا أن تكون هذه الجريمة آخر الجرائم, فبغياب تلك القيم عن المجتمع, ليس متوقعا على الإطلاق أن تختفي الجريمة أو تتراجع.

ولسوف يكون العراق مرشحا لأن يكون جميعه زوية.

هذا إذا لم يكن قد أصبح لحد الآن هوعراق الزوية.
__________________
باب المعظم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس