عرض مشاركة واحدة
قديم 08-02-2008, 02:41 PM   #13 (permalink)
safaa-tkd
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,241
افتراضي رد: اعمار العراق عيش يا كديش حتى يطلع الحشيش

لا كهرباء


نقاش - أحمد السعداوي (بغداد)
30/7/2008




الذي يتجول في منطقة الكرادة وسط بغداد ستجذب انتباهه الأعداد الكبيرة من أجهزة التكييف ومبردات الهواء المعروضة على الأرصفة أمام محال بيع الأجهزة الكهربائية، وكذلك أجهزة تبريد المياه المعدنية، فموسم الصيف في العراق يتميز بالحر الشديد، وهو ما يجعل الطلب على أجهزة التبريد كبيراً.

أحد المواطنين علق ساخراً على هذه الكثافة في عرض المكيفات والمبردات، بأنها سمة من سمات الصيف العراقي، لكن هذا لا يعني حتمية تشغيل هذه الأجهزة.

والحتمية نعرفها حين نكتشف أن معدل حصة العائلة العراقية من الطاقة الكهربائية المزودة من المحطات الحكومية هو ساعتين أو أقل يومياً، ساعة خلال النهار وأخرى خلال الليل، وفي بعض الأحياء السكنية قد تغيب هذه الحصة المحدودة لعدة أيام، دون أن يكون السؤال عن أسباب هذا الانقطاع مجدياً في كل الأحوال. فهذه أزمة ليست وليدة البارحة، وانما تعود لسبعة عشر سنة مضت.

تعرف العراقيون على أزمة الكهرباء عقب حرب الخليج الثانية، حيث دكت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة كل محطات التوليد الكهربائي، بالإضافة إلى مرافق حيوية وخدمية أخرى. وشهدت العديد من مدن العراق بما فيها العاصمة بغداد انقطاعاً في التيار الكهربائي استمر عدة أسابيع، ولكن الكوادر الفنية استطاعت أن تعيد الحياة إلى محطات التوليد الكهربائي، وإن كان بكفاءة محدودة، وساهمت العقوبات الاقتصادية الدولية التي تلت الحرب في تحجيم قدرة العراق على إيجاد حل نهائي لأزمة الكهرباء. وظلت حالة من عدم التوازن في تزويد الطاقة ما بين بغداد والمحافظات قائمة حتى سقوط نظام صدام. حيث كانت الأولوية لبغداد دائماً، رغم أن هذه الأولوية لا تعني سوى بضعة ساعات زيادة.

عشية سقوط النظام السابق كانت أغلب مناطق العاصمة بغداد تتزود بأربع ساعات كهرباء مقابل ساعتين قطع ، وهو مستوى جيد من الخدمة، ولكن، منذ ذلك التاريخ وحتى الآن لم تستطع وزارة الكهرباء العراقية، التي استحدثت في العهد الجديد، من الوصول إلى هذا المستوى من التزويد، خلافاً للتوقعات بأن هذا القطاع الحيوي والهام سيشهد علاجات حاسمة ونهائية لأزماته المتواصلة.

وكان الحديث عن تفجير أنابيب الوقود التي تزود محطات التوليد الكهربائي، خلال الأعوام الماضية شماعة مناسبة للتغطية على عجز الحكومة عن حل أزمة الطاقة الكهربائية، وظل المواطن العراقي يستمع لوعود الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة الكهرباء دون أن يكون قادراً على تصديقهم، وآخرهم، هو كريم وحيد الوزير الحالي في حكومة المالكي، الذي أعلن في الربيع أن صيف هذا العام سيشهد تحسناً كبيراًُ في الطاقة الكهربائية، ولكنه خرج للمواطنين مع عز الحر ليلقي باللائمة على وزارة النفط وعلى تركيا. فالأولى لا تزود المحطات بالوقود الكافي لتشغيلها، والثانية خفضت نسبة المياه في نهري دجلة والفرات، بما فاقم من مشاكل وزارة الكهرباء التي تعتمد على المياه في تشغيل معظم محطاتها.

في مطلع عام 2004 كان الحديث يدور بين "خبراء الكهرباء" لوضع حلول سريعة وعاجلة، وعدم الاستسلام لمشاكل الخطط الستراتيجية، فإنشاء محطات دائمية بديلة للمحطات الحالية المتآكلة والتي يعود بعضها إلى عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، يستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات، وبعقود مع شركات أجنبية متخصصة، وهذه الشركات لن تأتي إلى العراق ما لم يستتب الأمن بشكل نهائي، ومادام الأمن غير محسوم فالحلول الحاسمة مؤجلة. وكان الحل العاجل في وقتها هو استقدام محطات صغيرة سهلة التركيب والنصب، تزود كل مدينة أو حي سكني بالطاقة الكافية له، ريثما يبدأ العمل بالمحطات الكبرى الدائمية. وهذا الحل لم يؤخذ به، خشية من تبذير أموال كبيرة على قطاع الكهرباء ! ولكن هذه الأموال بذرت في الحقيقة، من خلال قنوات الفساد المالي والإداري العديدة، وليس أدل على هذا الفساد من هروب وزير النفط السابق أيهم السامرائي بعد اتهامه بسرقة ملايين الدولارات من أموال وزارة الكهرباء.

أزمة الكهرباء التي تطحن المواطن العراقي الآن، لها تداعياتها السياسية والاقتصادية المختلفة، فاعتماد العوائل العراقية الآن هو بالدرجة الأساس على المولدات الأهلية، التي تزود العائلة العراقية ما بين ثماني إلى ست ساعات من الكهرباء يومياً لقاء أجور شهرية، وهي طاقة محدودة لا تشغل كل الأجهزة داخل البيت. والنقص الشديد بالكهرباء الوطنية دفع الحكومة العراقية إلى التعاقد مع دول الجوار لتزويد العراق بالكهرباء، وهذا ما هو حاصل حالياً مع إيران وتركيا، وقد توقفت إيران مؤخراً عن تزويد المحافظات العراقية المحاذية لها بالطاقة الكهربائية، مما دفع طاقماً من المسؤولين العراقيين للسفر إلى طهران لحل الإشكال، وهو ما يكشف عن أن الكهرباء غدت مصدر قوة لجيران العراق يمكن ان يستخدم للتأثير على اوضاع العراق الداخلية.

الوصول الى مستوى التزويد الذي كان يحصل عليه المواطن العراقي قبل الحرب غدا حلماً، ولكن المفارقة انه حتى لو عادت محطات التوليد الحالية الى كفاءتها قبل الحرب ـ وهو أمر مشكوك فيه ـ فأنها لن تنجح في حل الأزمة، لأن الطلب على الطاقة الكهربائية تضاعف خلال الأعوام الخمس الماضية بسبب الزيادة الطبيعية في السكان، وزيادة الدخل لدى الفرد العراقي ما أهله لشراء أجهزة كهربائية أكثر، وكذلك بسبب اعتماد العديد من الفعاليات الاقتصادية والتجارية والإنتاجية على الكهرباء، ومادام الحديث يجري حالياً عن "ثورة" مرتقبة في مجال الأعمار والتنمية، فالأمر يتطلب ليس أقل من ثورة كهربائية عظمى.
__________________
كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان

safaa-tkd غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس