الموضوع: تاريخ العراق
عرض مشاركة واحدة
قديم 06-04-2008, 04:56 PM   #26 (permalink)
safaa-tkd
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,241
افتراضي رد: تاريخ العراق

متى استخدم العراقيون النقود ؟


أ.د. ناهض القيسي
جريدة المدى / ثقافة شعبية


النقودُ التي اصبحت اليوم اكسير الحياة، ولا تسير الامور بدونها.. كيف ظهرت وكيف تطورت ووصلت على ما عليه اليوم؟.. عاش الانسان القديم لحقب طوال وهو يتخذ الكهوف والمغاور سكنى له، ويجمع قوت يومه ويصطاد الحيوانات ويقطف ثمار الأشجار بدون ان يدفع ثمنا، استمرت الحياة هكذا لآلاف السنين، الى ان حلّ الزحف الجليدي الأخير الذي يعرف بعصر (البلايستوسين) حيث غطت الثلوج معظم مرتفعات العالم، لذلك اضطر الانسان الى ترك تلك الكهوف والبحث عن أماكن أكثر دفئاً، فكانت ضفاف الأشجار هي الأماكن المناسبة له، فأنشأ المستوطنات الأولى ودجن الحيوان وعرف الزراعة.. كان ذلك منذ عشرين ألف سنة من الآن..

وفي هذه المستوطنات البدائية عرف الانسان أولى العمليات الاقتصادية فكانت المقايضة حاجة بحاجة فالذي لديه حبوب فائضة وهو بحاجة الى الجلود مثلاً عليه ان يأخذ حبوبه الى سوق المستوطن للبحث عن طرف آخر لديه جلود وهو بحاجة للحبوب وتتم الصفقة بينهما، وقد يحدث بعض الاحيان ان الذي لديه جلود لا يرغب بالحبوب بل بحاجة الى السمن مثلاً، عندها يبدأ البحث عن طرف ثالث يكون لديه السمن وهو بحاجة الى الحبوب أو الجلود لتتم الصفقة.. هذه الصعوبات وغيرها دفعت بالانسان الى الانتقال من المقايضة الى السلعة الوسيطة، وهي تحديد سلعة محددة تكون قابلة للتبادل مع كل البضائع وكانت في العراق القديم الحبوب (الشعير) والمعادن (الفضة) هي السلعة الوسيطة وقد كشفت ذلك الشرائع والقوانين العراقية القديمة مثل شريعة اورنمو أو شريعة لبت عشتار أو قانون ايشنونا أو قانون حمورابي، حيث ورد في العديد من نصوص تلك الشرائع والقوانين الى ذكر الحبوب والفضة. وقد أختلفت السلعة الوسيطة من بلد لآخر ففي مصر القديمة كان حيوان الثور والسلاح سلع وسيطة وفي الصين كان المحار.. وفي الجزيرة العربية كان الجمل وما زال سلعة وسيطة فتحد ديّة القتيل بعدد من الجمال، كذلك صداق العروس بعدد من الجمال. وفي المجتمع العراقي القديم فضلوا التعامل بالمعادن (الفضة) على التعامل بالحبوب للصعوبات التي رافقت التعامل بالحبوب من حاجتهم الى أماكن واسعة، وجرار لحفظها ووسائط نقل لنقلها.. وحفظها من عوامل الطبيعة لذلك ازداد الاهتمام بالفضة وظهر (الشيقل) وهو وحدة وزن من العصر السومري والأكدي والبابلي والآشوري وفي العصر الآشوري الحديث أمر الملك الآشوري سنحاريب (705 ـ 681 قبل الميلاد) أمر بصنع قوالب للشيقل ونصف الشيقل. ومن ذلك الوقت نستطيع القول ان النقود قد ظهرت أي ما يقرب من 2700 سنة من الآن.. هذا الابتكار الاشوري (العراق القديم) يضاف الى ابتكارات العراقيين القدامى وما قدموه للانسانية من معرفة الكتابة وتدوين الملاحم، والتعدين، والتقدم الطبي، واكتشاف أول بطارية بالعالم ونستطيع ان نضيف لهم اكتشاف النقود أول مرة بالعالم.. هذا الاكتشاف للنقود انتقل من الآشوريين الى الليديين بلاد الاناضول (تركيا الحالية)، وقد طوّر الليديون هذا الاكتشاف عندما صنعوا نقودهم من معدن (الالكتروم) وهي سبيكة من الذهب والفضة وجدت في الطبيعة. ونقشوا على نقودهم الأولى (رأس الأسد فاتح فمه).. وفي السك الثاني نقشوا (رأس الأسد يقابل رأس الثور)، لا ينكر أحد ما بذله الليديون بصناعة النقود لكن يبقى الاكتشاف آشوري والمهم هو الاكتشاف.. أما التطور فهو تحصيل حاصل، وعن الليديين انتقلت صناعة النقود الى بقية أرجاء المعمورة.. أما عن طريق التجارة أو عن طريق الحروب كما حدث في بلاد فارس عندما تحاربوا مع الليديين ونقلوا عنهم صناعة النقود.
وقد اتخذت كل دولة أو مدينة كبيرة شعاراً معيناً نقشته على نقودها.
لقد عرف العرب النقود قبل الاسلام عن طريق التجارة وحتى ان الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) عمل بالتجارة قبل نزول الوحي عليه، عندما تاجر لحساب السيدة خديجة (عليها السلام) وعرف النقود التي كانت متداولة حينذاك وهي الدنانير الذهبية البيزنطية والنقود الفضية الساسانية، اضافة الى النقود الفضية اليمانية حيث كانت أسواق العرب قبل الاسلام مثل سوق عكاظ وسوق نجران وغيرها من الأسواق يتداولون فيه جميع تلك النقود، وقد ورد اسم الدينار والدرهم في اشعار العرب قبل الاسلام وفي صدر الاسلام ومن هؤلاء الشعراء المكعبر الضبي، أحيحة بن الحلاج، وعنترة العبسي، وعمرو بن تبع وغيرهم.
وقد ذكر المكعبر الضبي:

كأن دنانيراً على قسماتهم
وان كان قد شغف الوجوه لقاء
وقول الشاعر أحيحة بن الحلاج:
فما هبرزي من دنانير ايلة
بأيدي الوشاة ناصع يتآكل
وقول الشاعر عنترة العبسي:
ولقد شربت من المدامة بعد ما
ركد الهواجر بالمشوف المعلم
ويريد بقوله المشوف المعلم هو الدينار.


أما قول الشاعر عمرو بن تبع:

فضلنا الناس كلهم جميعاً
كفضل الهبرزي على اللجين


والهبرزي هنا الدينار الذهبي، واللجين هي الدرهم الفضي. وفي الاسلام ورد ذكر الدينار والدرهم بالقرآن الكريم.. ففي سورة آل عمران الآية 75: بسم الله الرحمن الرحيم.. (ومنهم من ان تأمنه بدينار لا يؤديه اليك..) صدق الله العظيم. وبالنسبة لذكر الدرهم فقد ورد في سورة يوسف الآية 20: بسم الله الرحمن الرحيم: (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة). كما ورد ذكر الدنانير الدراهم في الأحاديث النبوية الشريفة ومنها قول الرسول (صلى الله عليه وسلم): ( ان هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم ولا أراهما إلا مهلكيكم.) وفي حديث آخر قال (صلى الله عليه وسلم): (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم الذي انما همه دينار أو درهم يصيبه فيأخذه.)
مما تقدم نجد ان الاسلام الحنيف قد ذكر الدينار والدرهم ويبدو ان الرسول الكريم كان قد أقرهما في التداول في صدر الاسلام وحدد بقدر معلوم في الزكاة والجزية.
__________________
كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان

safaa-tkd غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس