الموضوع: تاريخ العراق
عرض مشاركة واحدة
قديم 08-23-2007, 01:05 PM   #4 (permalink)
safaa-tkd
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,241
افتراضي رد: تاريخ العراق

(3)

الاختام الاسطوانية السومرية وتشكيلاتها التكوينية




حسين الهلالي(*)


إن كل المعلومات الآثارية عن تاريخ العراق في تغيير دائم لوجود أشياء مبهمة وأشياء لحد الآن لم تكتشف في بطون التلال الأثرية. واختراع الأختام الأسطوانية هو اختراع متفرد في بلاد الرافدين ولم يسبقه أي بلد في العالم القديم في الوصول الى هذ ا الاختراع. وبعد ذلك امتد هذا الفن الخاص بالعراق إلى البلدان الأخرى في مصر واليونان غرباً وأفغانستان شرقاً. وأصبحت أهميته توازي أهمية اختراع الكتابة المسمارية، لما لهذه الأختام من مكانه كبيرة في تاريخ الفن العراقي القديم، كونها المجس الحقيقي لتطور هذه الفنون ومعرفة فتراتها خلال العصور التاريخية في العراق كذلك معرفة أسماء الملوك والمدن وأسماء شخصيات سومرية تمتلك هذه الأختام عندما أقترنت بالكتابة التي تزامنت مع ظهورها.. لقد كشفت لنا هذه الأختام فناً دقيقاً يمتلك الأصالة والتعبيرعن المرحلة التي مر بها بأساليب متعددة وبتكوينات مكتملة، وفي فترات متعاقبة من تاريخ العراق القديم أصبح الختم الأسطواني في مقتنيات الشخص السومري، لما له من أهمية كبيرة في حياة الفرد والجماعة في المراسلات والمقاولات وحتى الأختام التي يتذرع بها الفرد الى الأله هم يحرصون عليها كل الحرص.

اما «شكل الختم فهو عبارة عن قطعة من الحجر ذات شكل اسطواني غالباً ما يكون مثقوباً من الوسط ليسهل حمله او تعليقه بواسطة خيط أو سلك معدني»(1) وينقش على الختم الاسطواني بواسطة الحفر بصورة معكوسة رسوم ومشاهد تختلف في مواضيعها وطرازها الفني من فترة الى أخرى، ان التكوينات لا تظهر إلا عند دحرجتها على الطين الطري فهي بارزة وبشكلها الاصلي الذي قام بعمله الفنان، ولم يعرف الختم الاسطواني سابقاً كون علماء الآثار لم يكتشفوه ولكن تنقيبات الوركاء هي التي دلت على هذه الأختام وحددت تاريخه «النصف الثاني من عصر الوركاء المعروف بدور الطبقة الرابعة، أي حدود 3000 سنة قبل الميلاد»(2) وهو مزامن لظهور الكتابة.
وقد عرفت المواضيع وطرزها الفنية من خلال الرقم الطينية أو الالواح الطينية المكتوبة وسدادات الطين التي كانت تستعمل لسد فوهات الجرار وغيرها. وذكرالدكتور صبحي أنور رشيد ( هناك أختام صغيرة مقصره، وأختام محدبة وأختام منتظمة, أي أن الختم ذو سمك واحد من أعلى الى الاسفل..
أما من حيث الحجم: فهناك أختام اسطوانية يقل ارتفاعها عن السنتمتر الواحد وقطرها 0.6 سم، وبالعكس اختام كبيرة ذات قطر يتجاوز ال5 سم،أو بعضها في حدود السنتمتر الواحد من حيث القطر و8 سم من حيث الارتفاع) وتستخدم في طمغة السدادات الطينية وطمغة الرقم أي الألواح الطينية المكتوبة وطمغة سطح كرات طينية مجوفة تخفي في داخلها دلاله معمولة على الغالب من الحجر.

أما الأدوات المستعملة في نقش الختم الأسطواني فهي:-الازميل، المزرف، المقشط، القرص الحاد، الأنبوب ذو الطرف الحاد والمزرف ذو الرأس المحدب.
كما ظهرت الكتابة لأول مرة على الأختام الأسطوانية حوالي 260-2500 ق م وتتضمن اسم مالك الختم ومهنته، وكذلك اسم الوالد والاله والملك والصلوات وتعاويذ وأدعية (وخاصة أختام العهد الكيشي) إن قواعد نفس الختم التي يتبعها الفنانون تمثل العصر الذي يعيشون فيه. فهم يختلفون من عصر فجر السلالات وعصور أكدية اخرى أو عصور الانبعاث السومري. لكننا نرى أن التطور الحاصل في فن الأختام الاسطوانية وصل إلى مرحلة متقدمة فهي بالرغم مما تتناوله من مواضيع سائدة آنذاك مثل: المشاهد الدينية والمعارك والحيوانات المفترسة والحيوانات الأسطورية ورمز الالهه (أينانا) إلا إننا نجد التجريد المحض في تكوينات دور فجر السلاسلات الثاني (2600-2500).وهي في كل انماطها جاءت متوازنة ولم يترك الفنان فراغاً في مساحة الختم الاسطواني ويعالج ذلك بذكاء بحيث يملأه بتكوينات زخرفية دقيقة الصنع تنسجم مع المشهد المطروح. ومن صفات هذه المشاهد والموضوعات التناظر في حركة الطيور والحيوانات وكذلك صفة التكرار أيضاً. لقد استخدم فنانو أكد صفة التناظر من حيث تركيب المشهد والتقابل.

ومن خصائص ختم فجر السلاسلات الثاني أن يتبع الفنان القواعد الخاصة بالعمل وذلك بجعل جميع ما هو منقوش على الختم في ارتفاع واحد، لقد وصلت المواضيع التي تجسد المعارك مع الحيوانات المفترسة إلى منتهى الواقعية في التكوين للموضوع الخاص بكلكامش البطل الأسطوري الذي يصارع الثيران تارة ويصارع الأسود تارة أخرى، إن مواضيع الدفاع عن غلات الماشية يساهم فيها الرجال بشكل مستمر لأن الحيوانات الشرسة هي في صراع دائم مع الرجال وكثرة المداهمات لحيواناتهم، ولكن لا بد من رجل قوي يقهر هذه الحيوانات القوية ولا يوجد أمامهم غير البطل كلكامش يستنجدون به، فقد صور في الختم عارياً، أن هذا البطل القوي الذي أرتسمت على وجهه علامات الغضب ذو الشعر الكثيف واللحية العريضة، أنه مصمم بأن يصرع الاسد ويخلص القطيع من شرورة، لقد جسد فئات بلاد الرافدين الحركة بشكل فريد وملأ سطح الختم بالتكوينات وأدرك معنى التوازن فيه، ثم جسد تفاصيل جسم كلكامش وعضلاته المفتولة في ساعديه ورجليه. وكذلك أكد الفنان على كف الاسد ومخالبه البارزة والمهيئة للأنقضاض على كلكامش، لكن كلكامش ممسكاً بالأسد من ظهره مسكه مميته بحيث يستطيع لي جسده وكسر عمودة الفقري.

إن فن صناعة الأختام الاسطوانية وصل الى أوج تقدمه في العصور السومرية والأكدية، ما يعكس أن هذا الفن المطروح للاستهلاك كحاجة ماسة للأفراد هو رافد كبير من روافد الفن السومري ويقول (أدوار كبيرا) في كتابه (كتبوا على الطين): «وقد أبدى فنانو هذه الأزمان القديمة مزيداً من البراعة والتفنن في حفر تلك الأختام الأسطوانية، ونجد في بعضها أعمالاً فنية دقيقة وصفية لأنواع المناظر كافة». إن المعلومات القيمة التي حصل عليها علماء الآثار من الأختام الأسطوانية هي بلا شك فتح كبير لهم لمعرفة اسماء الملوك واسماء المدن والمعابد والوثائق التجارية، وتبقى سومر مصدر إشعاع للعالم القديم الذي تعلم من شعب بلاد الرافدين كل شيء.








الهوامش:
ـــــــــــــــــــ
(*) باحث من العراق.
1- تاريخ الفن في العراق القديم الجزء الأول – فن الأختام الأسطوانية / الدكتور صبحي أنور رشيد.
2- كتبوا على الطين – ادوار كبيرا – ترجمة محمود حسين أمين.
3- فن الشرق الأدنى القديم – ستين لويد – ترجمة محمود درويش.
4- سومر فنونها وحضارتها – تأليف اندري باور – ترجمة د. عيسى سلمان وسليم طه التكريتي.


المصدر: موسوعة الفن العراقي (نقلاً عن الحضارية).
safaa-tkd غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس