رد: تاريخ العراق الأبعاد الفكريّة لملحمة جلجامش
د. عفيف فرّاج(*) أ ـ البعد الصوفي الهيغلي في شخصيّة جلجامش من المفارقات المؤسفة في تاريخ الفلسفة أن هيغل الذي قرأ تاريخ العالم وكأنه سيرة الله الذاتية، وطابق تجلـّي فكرة الحرية في التاريخ بإنسان ينفي أباه السماوي ليتـّحد بالروح القدس أو أن الإنسان الكامل الذي يعي ويحيي إلهه في ذاته، لم يتح له هو الآخر قراءة ملحمة جلجامش وهي التي تأخر اكتشافها حتى العقد الرابع من القرن العشرين. ولو أتيح لفيلسوف الجدل بين الله والإنسان، المثال الفكري والواقع التاريخي، أن يقرأ الملحمة السومرية لرأى في جلجامش، البطل الآسيوي، أول تجلـّيات الجدل الحي بين المخلوق والخالق.
إن الصراع بين الآلهة الخالدة والإنسان الفاني يجد رمزه الحسّي أو معادله الموضوعي في تكوين جلجامش المثنويّ من العنصرين الإلهي والإنساني معاً. فهو قد ورث عنصر الألوهة بنسبة الثلثين عن والدته كما ورث عنصر الفناء البشري بنسبة الثلث عن أبيه، فكيف يمكن أن لا يتحول كيان جلجامش إلى ساحة صراع تتنافى فيه الموضوعة ونقيضها، البقاء والفناء؟ وكيف يمكن المصالحة بين قطبي الجدليّة المتضادّين وعنصر الألوهة هو عنصر النار الذي يشدّ الكائن إلى الله في العلى، وعنصر الفناء هو الماء الذي ينحدر به إلى أسفل التراب؟ وكيف يمكن أن تهدأ عاصفة القلق في قلب يقلق سكونه شبح الموت الآتي من جهة الأب الفاني، وأن لا يشدّ الروح بجناحه إلى مصدره الإلهي الآتي من جهة الأمّ الأبدية؟ أو ليست كلمة «أم هي أولى الكلمات التي استخدمت في اللغات الساميّة لتدلّ على الحرية ـ كما يقول بريستد؟»
والحقيقة هي أن جلجامش المترحّل على قلق بين تراب الأرض وضياء السماء، الإنسانية والألوهية هو أول من يجسّم في ترحاله الموضوعة الهيغلية التي تختصر مسار الروح الهيغلي ومرتجاه في التاريخ، وهي الموضوعة القائلة، «إن من طبيعة الإنسان المتناهي أن يتخطي تناهيه ليصبح لا متناهياً»، (it is in the nature of The Finite man to transcend his finiteness and become infinite).
عن مسار جلجامش الملحميّ ليس سوى الجهد البطولي لتخطـّي شرط «التناهي الإنساني أو قانون الضرورة إلى الحرية المطلقة»، وشوق جلجامش إلى المطلق يتمظهر بدءاً في ضيقه البادي بمحدودية المكان والزمان وأجل الإنسان. وهذا الشعور بالانحباس أو الحصار الزمكاني هو أقوى الدوافع المحرّضة لجلجامش كي يجوز حدود المدينة ومحدودية العمر في رحلة أولى إلى غابة الأرز التي تتقدّم رحلة البحث عن الخلود. فالوعي بمحدوديته أو تناهي الزمان والمكان هو سبب الشكوى الملتاعة التي يرفعها بطل الملحمة للإله شمس ليحظى مشروع تخطـّية للمتناهي برضى الإله ودعمه. يقول جلجامش: «في مدينتي، يموت الرجل كسير القلب
يفنى الرجل حزين الفؤاد
أنظر من فوق السّور
فأرى الأجساد الميتة طافية في النهر
وأرى أنـّي سأغدو مثلها»(1).
يشهد هذا الخطاب الذي يوجّهه جلجامش للإله شمس على ولادة ما يسمّيه هيغل بـ «الوعي الشقيّ»، وهو الوعي التناقضي بإمكانات الحرية المنطوية التي تدركها الروح من جهة، ومعوقات نشرها أو تحققها على أرض الواقع من جهة ثانية. ونسمع في النص قبضة عصبية تدقّ أبواب المكان المغلق مرموزاً بالسّور، كما تدق أبواب الزمان المغلق مرموزاً بالجثث ترسم في طوافها الأجل المحدود والمصير المحتوم. وحين يسأل إله العدل جلجامش عن السبب الذي يدفعه إلى السفر الطويل إلى أرض لم تطأها قدم إنسان بعد، يحاجج جلجامش الإله من موقع ندّي مدافعاً عن حقـّه في غزو الأرض الوحشيّة بسؤال هو الأبلغ يوجّهه إلى الإله شمس:
«إذا كان ما أحاوله مُحالاً فلماذا حرّكت في قلبي الرغبة الحقيقية»؟(2). وتعيد والدة جلجامش صياغة السؤال نفسه في كلمات مختلفة:
«لماذا وهبت ابني قلباً قلقاُ واليوم قد حفـّزته فمضى في رحلة طويلة إلى موطن خمبابا»؟(3).
إنّ هذه المحاججة تـُقرّبُنا من الجدلية الهيغلية التي تؤلف بين الإنسان والله، الأب والابن. ذلك أن جلجاش يسند حق الروح في الانعتاق من أسر الزمان والمكان وتناهي الإنسان لرغبة زرعها الله في القلب أو لقلب قلق هو من خلق الله، فلا يستطيع الله بالتالي أن يقف موقف اللامبالاة تجاه خلقه، كما أن الإنسان لا يستطيع إلاّ أن يستجيب لنداء إلهي يهتف في أعماق نفسه ويدفع به إلى تخطـّي تناهيه. فإذا كان الله مقيماً في الإنسان فلابد للإنسان من النزوع للإقامة في الله والتحقق في أوفق مفتوح على المطلق. وإذا كان المصريّون القدامى قد تحدّثوا عن «الله المقيم في الإنسان»، كما يقول بريستد، فإن ملحمة جلجامش تشهد على أنّ وعي الله في الذات (وعلى الطريقة الصوفية الهيغلية) لم يكن غريباً عن السومريين كذلك. لهذا فإن قلب جلجامش لا يهدأ قبل أن يحقق في العالم الظاهر الجوهر الإلهي الذي يستبطن نفسه. إذ «لا بدّ لكل جوهر أن يتمظهر»، كما يقول هيغل (Every essence has To manifest itself in existence).
إن محاولة جلجامش قهر الموت الذي يقهر البشر تثير الإعجاب بما تتضمنه من جهد جبّار يفرضه الروح القوي على جسد تروّضه الإدارة وتدفعه إلى المضيّ، رغم ضنى الترحال ونضوب الطاقة، عبر «ممرّات الجبال» وفوق «مياه الموت» والصحارى التي تجلدها الشمس، ليحاور الإله شمس مرة أخرى على أرض جنينة شبيهة بالجنة الموصوفة في الكتاب السماويّ، حيث الأشجار تأتلق بشتّى أنواع الجواهر. والحوار المتجدّد بين الإله ـ الأب وجلجامش ـ الابن يضع البعد الهيغلي في شخصية جلجامش في دائرة الضوء أكثر من قبل.
يخاطب شمس مريده جلجامش، وقد فاجأه وصوله إلى ذلك المكان القصيّ (الذي يحدّده الباحثون بين عدن والبحرين)، بقوله: «إلى أين تمضي يا جلجامش؟
وإلى أين تسعى بك قدماك؟
إنّ الحياة (الأبدية) التي تبحث عنها لن تجدها»(4).
ويجيب جلجامش الإله إجابته الصوفية المثيرة: «أبعد جري البراري، وتطوافي
أسند إلى باطن الأرض رأسي
وأنام السنين الآتية؟
لا.. دع عينيّ تحدّقان في الشمس
حتي يبهر الضياء عيني»(5).
هذا الإصرار على عناق النور يستحضر قول الإشراقي أفلاطون «إنّ أعلى مراتب الحياة هي صعود الرّوح إلى الله بواسطة الشوق المسمّى بالحب». وبالعودة إلى هيغل المبهور هو الآخر بفكرة الروح المضيء، نقول إنّ إصرار جلجامش على التحديق في وجه الشمس حتى الانبهار يفضي بنا إلى مثال الروح الهيغلي الحرّ ماثلاً في إنسان يدركه الوعي بنور يصدر عن شمس تشرق داخله، وهذا النور الداخلي يسعى لملاقاة نظيره الإلهي الكوني مرموزاً بالإله شمس رب العدالة والحقيقة، وفي اللغة الصوفية «إنه النور يطلب الاتحاد بالنور».
لقد افترض هيغل في مؤلـّفه الشهير فلسفة التاريخ «أن الشخصية الشرقية بقيت مبهورة بالشمس الخارجية (الحسّيّة) في حيث الشخصية الغربية التي تفتقر إلى شمس الشرق أطلقت شمسها من داخلها»(6). لكن جلجامش البطل الآسيوي الشاخص في النور هو الأول الذي يعلن في الألف الثاني قبل الميلاد، وباسم الإنسان الشامل، عن حق الإنسان في معرفة الحق والحقيقة الكليّة مرموزة بالشمس. ويستحثـّه إلى التماهي مع الإله الشمس نور يسطع من داخله مبدّداً ظلمة الجهل:
«فالظلمة تتراجع أمام النور المنتشر،
فهل يرى من ذاق الموت ضوء
الشمس أبداً؟».
إن جلجامش في بحثه القلِق عن خلود هو أكثر قلقاً من شاعرنا المتنبّي الباحث عن ولاية وهو القائل:
«على قلق كأنّ الرّيح تحتي تحركّني يميناً أو شمالاً».
وجلجامش العاجز عن التصالح مع الشرط الإنساني، واندفاعه لتحقيق المحال، يحمل ملمحاً من «دون كيشوت» الذي حوّله المثال الراشح من النص الرومانتيكي المكتوب إلى «رغبة فقدت هدفها». وهذه الرغبة في الخلود ليست حالة شاذة بقدر ما هي ذهنية سومرية ـ بابليّة ـ أشورية جميعة عامة تنعكس في مرايا الأساطير التي عرفتها شعوب بلاد ما بين النهرين مثل «أسطورة أدابا»(7)، الذي علـّمته الآلهة جميع العلوم، ولم تـُخف عنه من أسرارها إلاّ سرّ الحياة الأبدية التي لا تنتهي بالموت، و«أسطورة إينانا»(8) و«أرض دلمون والعصر الذهبي»(9)، بل «إن ملحمة جلجامش ذاتها بنيت على أقاصيص أقدم منها، أعيد سبكها في قالب جديد، وجمعت حول موضوع الموت»)(10). ب ـ البعد الفاوستي في شخصيّة جلجامش
في كتابه «انحطاط الغرب» يميّز شبنغلر بين نمطين من البشر يمثـّلان رؤيتين متناقضتين للإنسان طبيعةًً ودوراً ومصيراً. وهذان النمطان هما: «النمط الأبوليني والنمط الفاوستي»(11). فالنمط البوليني يعي ذاته كائناً كونياً ولا مكان في عالمه بالتالي للإرادة أو الصراع ويعتبره شرّاً تنبذه فلسفته.
والفكرة القائلة بأن الحياة الشخصيّة هي مسار تطوّري دائم هي فكرة غريبة عنه. وهذا النمط يرى الحياة تسير تحت ظل مأساة رازحة تتهدّد حياته الشخصية بوحشيّة من الخارج «أما الشخصية الفاوستيّة، النقيض، فإنها تعي نفسها كقوة تغالب العقبات، وتعي حياتها الداخلية مساراً تطوّرياً، أما كوارث الوجود فتجيء نتيجة حتميّة لخياراتها، أما الصراع فيعتبره الفاوستي جوهر الوجود، وما يميّزه كذلك هو شوقه إلى المطلق وسعيه نحوه»(12).
إذا احتكمنا لمعايير شبنغلر، التي تخطّ حداً فاصلاً بين نمطين من البشر بل من الثقافة، يمكن القول إنّ جلجامش هو فاوستي يفارق ثقافته الأبولينية المشرقية، لكنه يعود ليلتقيها في النهاية بعد أن يتعلـّم بالعذاب أمثولة التصالح مع واقعه كبشر فانٍ. ويعلن الروح الفاوستي عن حضوره في عزم جلجامش على غزو جبل حرمون، وقطع خشب الأرز الضروري لبناء المنازل والمعابد على أرض الرافدين، وقتل حارس الغابة الرامز للشر وتخليد الاسم بمأثرة بطوليّة. وعبثاً يحاول إله الشمس ووالدة جلجامش ثنيه عن عزمه بإظهار مخاطر الرحلة غير المسبوقة وما تستدعيه من عناء يفوق طاقة البشر.
هذا الهاجس في تأكيد الذات عبر السيادة على الطبيعة والمخاطرة بالحياة من أجل انتزاع الحق في السيطرة على ثروات الغير دفع غارودي إلى الافتراض بأن «الغرب كحالة فكريّة متـّهجة نحو السيطرة على الطبيعة والناس ترقى إلى الحضارة الأولى المعروفة، تلك التي ظهرت في دلتا دجلة والفرات..، وأنّ مولد حضارتنا (الغربية) المتميّزة بالسيطرة والنفوذ، تجد تعبيرها الأدبي في ملحمة جلجامش وقد سبقت الإلياذة بألف وخمسمائة سنة»(13). وهذا يعني أنّ البعد الفاوستي في شخصية جلجامش يؤسّس لسلـّم القيم البورجوازية الحديثة التي تحدّد قيمة الإنسان بالعمل والإنجاز، بالنجاح والشهرة، بالمبادرة إلى الفتح والتوسّع، وبالسيطرة على الطبيعة واستغلال موارد الأرض، بشقّ صدفة الدنيا وانتزاع اللؤلؤة بحسب التعبير الذي راج في عصر النهضة الأوروبية.
ورغم أن الملحمة تشير إلى جلجامش بوصفه «الناهب» (The Plunderer)، وهي صفة حسنة بمقياس القيم البطولية السائدة في زمن جلجامش كما في زمن هوميروس، إلاّ أن البعد الفاوستي الذي يشدّد عليه غارودي هو أضيق من أن يستنفذ شخصية جلجامش المتعددة الأبعاد. بل إن هذا البعد لا يشكـّل الملمح الأساسي المميّز للشخصية. ذلك أن الدافع الأساسي الذي يحرّض جلجامش على الانتشار في المكان وصولاً إلى أرض الأحياء لا يقتصر على الإفادة المادية من أرز جبل حرمون، وإنما يتعدّاه إلى أسئلة الهدف والمعنى والحرية التي يدقّ بها جلجامش أبواب الوجود المغلقة.
إن الرحلة الغاب الخطرة التي تسبق رحلة البحث عن الخلود هي المجال أو المدار الأول الذي يشتقـّه الروح الحبيس بديلاً عن أسر المدينة ـ المكان وزمنها المكرور. والميزة الأهمّ في جلجامش هي ميزة «القلب القلق» (The restless heart)، وصاحب «القلب القلق» هو صاحب «الوعي الشقيّ» بإمكانات وطاقات يضيق بها المكان والمحيط. وبعين «الوعي الشقيّ» ينظر جلجامش إلى مدينته فيصدم نظره السور العالي الذي يطوّق المدينة. يعلو بصره السور فيرى النهر يجري جريانه السرمديّ حاملاً جثث الموتى التي تعلن الأجل المحدود والمصير المحتوم، وخلف النهر «كان الأفق يشكـّل سوراً آخر». بين «السور والأفق المغلق يجري النهر المثقل بأجساد الموتى يعيش جلجامش الرائي إلى المشهد الحالة السجنيّة» بحسب تعبير فوكو.
ويُلحّ عليه السؤال عن معنى حياته الملكيّة التي تجري في ممرّ حواسي ضيّق يحدّه الجسد كما يحدّ السور المدينة، يستنفذ الطاقة الحيّة ثم يسلـّم الجسد جثـّة تطفو بدورها على صفحة النهر الذي لا عودة منه. إن الحياة في هذا الإطار كما يعيها صاحب «القلب القلق» هي حياة عبثيّة بالمعنى الوجودي الحديث للكلمة، وهو البعث الذي يجتهد جلجامش في نفيه كي تستقيم الحياة على أرض المعنى. وثورة جلجامش على هذا المسار والمصير المقبول من العامّة هي التي «تجعل منه الفرد الأول في تاريخ الثقافة المستقلّ عن وعي الجماعة وأقدار الآلهة». إلاّ أنّ ما يميّز نزوع جلجامش إلى التحرّر من أسر المكان وأسلوب العيش المألوف هو أنّه نزوع مثقل بالالتزام بحاجات الجماعة، والوعي بضرورة انتزاع الاعتراف بالأهليّة والجدارة، بالشهرة والديمومة منها عبر العمل من أجلها. هذا يعني أنّ جلجامش يبحث عن معنى لحياته يتعدّى الثروة والقوة والمتعة التي شكـّلت دوافع فاوست الأساسيّة ليحتضن صبوات الرّوح إلى ملء الحياة الحواسية، التي يحياها الملك المقدّس بفعل بطولي جليل يجعل من اسم صاحبه جرساً يقرع في ذاكرة الأجيال. إن جلجامش لا يصبو في أولى مراحل تساميه إلى الحياة الأبدية وإنما إلى ديمومة معنويّة تستبقي الاسم بعد فناء الجسد. ويبدو جلجامش في هذه المرحلة التي تقع بين لقائه بأنكيدو وموته (موت أنكيدو) متصالحاً مع مثال ثقافي جمعي تنزّل من الثقافة السومرية إلى الإسلام، وهو مثال يجري على لسان جلجامش: «إن الإنسان مهما علا لن يبلغ السماء طولاً ومهما اتـّسع منكباه لن يغطـّي الأرض عرضاً». والنظير الإسلامي لهذا المثال يجيء في الآية الكريمة القائلة: (لا تمش في الأرض مرحاً، إنك لن تثقب الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً). لكن اعتراف جلجامش بضرورة التناهي يقابله الرغبة في تخطـّيه. إنه في هذه المرحلة من حياته مع أنكيدو يحاول أن يسمو على الموت بفعل يفجّر إمكانات الذات في الحياة. ويتخذ هذا التسامي شكل الرحلة إلى غابة الأرز وقتل حارسها الوحش خمبابا، رمز الشر. أي أن جلجامش يحاول بين ضفـّتي الوجود والعدم، الولادة والموت، أن يكتب مصيره ويصوغ مشروع عمره، وبلغة سارتر أن يكون مشروع نفسه فلا يحدّ ذاته سوى منجزاته.
وهذا الثورة على عبثيّة الحياة والموت داخل الأسوار وضمن شرنقة الأفق المغلق ستتصاعد بشكل دراماتيكي بعد موت أنكيدو (توأمه الروحي) لتغدو ثورة على عدميّة الموت، يعلنها جلجامش باسم الإنسان الشامل، الإنسان الذي يتقدّم على الدوام بالعلم والتقنيّة والمعرفة، في الحرب على المرض والشيخوخة والموت.
إنّ نضال جلجامش ضدّ الموت هو نضال معرفي بالمعنى الشمولي الإنساني وليس بالمعنى الفاوستي الفرداني. صحيح أن فاوست الجرماني الغربي يكويه جمر الشوق الحارق إلى المعرفة الكليّة التي تفتح لناظريه مغاليق الأسرار الكونيّة، لكن الأهداف التي سخـّر فاوست المعرفة لها هي في تحليل الأخير ترفيه الجسد وتدليل الحواسّ وإشباع غرائز التملـّك على مستوى كمّي ونوعي مترف، وهي الأهداف التي فارقها جلجامش وخلـّفها وراءه بعد لقائه أنكيدو.
إنّ هدف فاوست لم يكن الارتقاء بالروح الإنساني بل إنه اختار السحر بديلاً عن العلم، أي أنه اختار التقنيّة دون الحكمة، القوّة دون العدالة. وإذا كان الكاهن هو العالم الأول فإن الساحر هو التقني الأول، والتقانة هي القوى المجردة من القيم، المتعالية على الألوهة. وفاوست الطامح لأن يكون على الأرض كما جوبيتر في السماء يختصر الهدف من المعرفة بتاج إمبراطوري وثراء مادي وجسد أنثوي زاخر بالمتعة التي يعد بها جمال هيلانة كما خلقتها ريشة هوميروس في الإلياذة وأغاني المنشدين الجوّالين. وصبوات فاوست العقلية والجسدية كما مسرحها مارلو البريطاني وغوته الألماني يحدّها حقبة زمنيّة لا تعدو العقدين،قايض بها فاوست روحه الأبدية مع الشيطان الدنيوي. أما المعرفة بأسرار الحياة والموت التي توخّاها جلجامش فكانت تهدف إلى تحرير الإنسان من عبثيّة الحياة وقلق الموت.
إن فاوست يبقى رمزاً مأساوياً للثقافة الغربية (كما أشار غارودي) بقدر ما يحول العلم والثقافة إلى آليةً سيطرة تعوزها الحكمة، ويعيد رسم خارطة العالم ليس لإشباع حاجات ساكنيه أو لجَسْر الهوّة بين الآلهة والبشر كما يفعل جلجامش، وإنما ليجعل من الآخرين عبيداً لشبقه السلطويّ ـ المعرفي.
أضف إلى ذلك كلـّه أن فاوست الذي يجسّم طموحات عصر النهضة إلى التوسّع والهيمنة والتملـّك، يقايض الديمومة باللحظة والدين بالدنيا والروح بالجسد في اتجاه معاكس تماماً لمبدأ الديمومة وهاجس الخلود، الذي يشكـّل المثال الأعلى للثقافتين الأقدم (السومرية ـ البابلية والمصرية) اللتين أعطتا القيمة العليا لما هو دائم. وتمثـّل جلجامش لهاجس حضارات بلاد ما بين الرافدين في الديمومة والخلود يجعل منه جمعاً في صيغة المفرد. فجلجامش يبرّر للإله شمس رحلته إلى غابة الأرز بالحاجة إلى حفر اسمه على لائحة الخالدين: «لسوف أدخل أرض الأحياء، وأخلد لنفسي هناك اسماً. ففي الأماكن التي رفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي». وهو، خلافاً لفاوست الذي يجسد النزعة الإلحادية في عصر النهضة الأوروبية، لن يمحو اسم الله ليكتب اسمه، ولن ينفي الله من الوجود ليؤكد سلطانه المطلق على الكون والكائنات، وإنما سيبني من خشب الأرز معبداً للآلهة «وفي الأماكن التي لم ترفع فيها الأسماء، سأرفع اسم الآلهة»، و«أقيم للآلهة نصباً حيث لم يقم نصب بعد». وهذا يعني أن جلجامش يستبدل ثنائية إله ـ إنسان الفاوستية الحدّية والعدميّة التي ينفي فيها الإنسان الله، ولا ليتألـّه، وإنما ليرهن روحه للشيطان بجدلـّية بديلة تنحلّ فيها ثنائية الآلهة الخالدة والبشر الفانين في بشر يخلـّدون أسوة بالآلهة.
وما كان جلجامش ليقوم برحلة إلى بلاد الأرز «أرض الأحياء» لو لم ينتزع حق القيام بهذه الرّحلة من إله العدل شمس بالمحاججة المقنعة والدموع الورعة التي تقبلها منه شمس قرباناً. وهذا يعني أن جدليّة إله ـ إنسان كما تتجلـّى في الملحمة هي جدليّة تحيي نمطاً ولا تقتل الله، خلافاً لجدليّة التراجيديا الفاوستيّة التي تقتل الله لتحيي نمطاً وغائبياً من البشر تعوزه صفة الإنسان. ذلك أنّ فاوست الغربي الذي كتبه مارلو يبقى المثال الأبرز على شخصية حضارية تخسر نفسها في محاولتها امتلاك العالم، بينما يبقى جلجامش في تحدّية لرب العاصفة المدمّرة أنليل المعادي للبشر وانحيازه لإله العدالة شمس الحادب على البشر، «الهابط بنوره من عليائه إلى أرضهم والمتنقـّل بينهم والمتواضع لهم»، (وهي مآخذ يعيبها عليه أنليل) أقرب النماذج للعملاق اليوناني بروميثيوس، الذي أغضب زيوس النظير الإغريقي لأنليل بإفشائه سرّ النار للإنسان كي يتمكـّن من الانتقال من الحالة البدائية إلى الحضارة فضل النار. ويتأكـّد هذا البعد البروميثي في نهاية الملحمة. فحين ينجح جلجامش في انتشال نبتة الخلود من أعماق الغمر لا يسارع إلى أكلها ليضمن خلوده الشخصي وإنما يدخـّرها ليقدّمها للمسنّين والعجزة من أبناء مدينته الذين تفوق حاجاتهم للنبتة حاجته، وسيأكل هو منها بالطبع ولكن بعد عودة شيوخ أوروك إلى الصبا. وهذه الغيريّة تؤكد السمة البروميثية كعنصر تكويني أساسي في شخصيّة جلجامش الإنسانوية. وقد لحظ فراس السوّاح عنصر التشابه بين جلجامش البطل الآسيوي وبروميثيوس البطل الإغريقي دون أن يغفل عن الدافع الشمولي والهمّ الفلسفي الذي يميّز جلجامش.
«لقد ناطح بروميثيوس الإغريقي الآلهة ليجلب للبشر سرّ النار، أما جلجامش فقد قارع الآلهة ليجلب لنا سرّ الحياة ولغز الموت ومغزى العيش في هذا العمر الضيّق»(14). ج ـ البعد الفرويدي في ملحمة جلجامش
في سياق المقارنة بين جلجامش وأنكيدو نلاحظ الاختلاف والتعارض بين نوعين من الجنس ونمطين من النساء: جنس تثقيفي يترمّز في باغية المعبد التي تستأنس أنكيدو وتنقـّله بواسطة فنّ الحبّ الذي تتقن من عالم الحيوان لتدخله مدار النوع الإنساني والحياة المدينية، وجنس تملـّكي شهواني يبدّد الطاقة ويسقط القيم ويمسخ الإنسان ويترمّز في عشتار التي تنحطّ به الملحمة إلى مستوى العاهرة، التي تمسخ وتدمّر عشـّاقها وأزواجها، وفي الممارسات التهتكيّة التي كانت تستغرق جلجامش وتستنزف طاقته الحية قبل لقائه التي تستغرق جلجامش وتستنزف طاقته الحية قبل لقائه بصديقه أو شقيقه التوأم أنكيدو.
الملحمة إذن تستحضر إشكالية الطاقة الحيّة (Libido) وطرائق استخدامها أو توظيفها. هذه الإشكالية هي، من وجهة فرويدية إشكالية حضارية بامتياز. ذلك أن الطاقة الحية التي يختزنها الإنسان هي طاقة محدودة في برنامج تكوينه البيولوجي. وهذه الطاقة تشبه في محدوديتها غير القابلة للزيادة رصيداً مالياً ثابتاً ينفق منه البشر كلّ على طريقته. فهناك من ينفق أو يبدّد هذه الطاقة في إشباع الشهوة متـّبعاً مبدأ اللـّذة، وهذا هو مسلك غالبيّة البشر؛ وهناك نمط أخر من البشر يفضّل أن يتسامى بالطاقة ويوظـّفها في حقل الإنتاج أو الإبداع الأدبي والفنّي والعلمي. وهذا التوظيف المنتج للطاقة هو الذي يثمّر الحضارة، ذلك أن الحضارة هي مجموع ما أنتجته اليد وما أبدعه العقل من منجزات علميّة تقنيّة وثقافية. أي أن فرويد كان يقسم البشر إلى فريقين أو نمطين: العامة وهي الأغلبية التي تتسافل بالطاقة وتعيش على مستوى الجسد، وهذه الغالبية العظمى من البشر هي التي تحتاج إلى دين، ونخبة مثقفة ومبدعة لها من العلم والفن ما يغنيها عن الدين. ومعيار التقسيم، وهذا هو الأهم في مقاربتنا، هو طريقة استخدام الطاقة تسافلاً أو تسامياً. واللافت في مقام الاستهجان هو أن الكثير من الذين قاربوا ملحمة جلجامش بمنهجية التحليل النفسي الذي أسسه فرويد قد فاتهم اعتماد مفهوم التسامي، مرتكزاً في تحليل الشخصيات والأحداث الرئيسية في الملحمة ليركـّزوا الضوء على جنسانيّة مزعومة في العلاقة بين أنكيدو وجلجامش على عقدة أوديب، التي اصطنعوا وجودها عند جلجامش وأنكيدو زاعمين أنّ «ثور السماء» الذي أرسلته الآلهة بطلب من عشتار لمعاقبة جلجامش الذي رفض الزواج منها وأذلـّها مع أنكيدو هو «صورة الأب القادم لقتل الأبناء المنحرفين لكنّه يُقتل على يد أبنائه».
إنّ استبعاد مفهوم التسامي من المعادلة يخرج التحليل الفرويدي عن موضوعيْ الملحمة المحوريين: ثنائية طبيعية / ثقافية وفناء / بقاء، ومفتاح فهمها من وجهة فرويدية هو مفهوم التسامي لما يلعبه هذا المبدأ في تطوّر الإنسان وصناعة الحضارة. وقد صحـّح الباحث D.Halperin هذا بالإسقاط الفرويدي على ملحمة جلجامش مبيّناً تأثير هذه الملحمة في الإلياذة، «أن تصوير هوميروس للعلاقة بين أخيل وباثروكلوس هو امتداد لنمط قصصي مرئي في جلجامش، فالعلاقة ليست جنسية كما تصوّرها اليونانيون في وقت لاحق»(15).
إن الصدام بين جلجامش وأنكيدو يطلق في وعي جلجامش حوافز التعالي على الغرائز والحواس، التي كان إشباعها يستنزف طاقة الملك ويزرع الشعور بالقهر والحيف في قبول أبناء أوروك، رعيّته. وتمثـّل المعركة التي دارت بين أنكيدو، ممثـّل القيم الجديدة، وجلجامش، الذي يجسّد نظام الامتيازات القديم، نقطة التحول في وعي جلجامش وأسلوب حياته، فلم يعد ذلك الحيوان الباحث عن المتعة، كما حدّد فرويد الإنسان حيوان يسعى إلى المتعة (a pleasure seeking animal)، ولم تعد متعة اللـّحظة العابرة هي المرتجاة، وإنما باتت الديمومة هي المرتجى. والطريق الذي يشتقـّه جلجامش إلى الديمومة هو طريق البناء الحضاري للمعبد والمسكن، طريق يمرّ بالضرورة عبر غابة الأرز القائمة على البعد في «أرض الأحياء» والتي يحرسها الوحش الرهيب خمبابا الذي يغدو رمزاً للشرّ كونه العقبة التي تحول بين جلجامش ومرتجاه الحضاري.
وهكذا تتخذ رحلة التسامي بالطاقة الحية (Libido) شكل غزوة مسلـّحة خطرة لأرز حرمون لا تتعدّى مبدأ اللـّذة وحسب، وإنما تتضمّن كذلك المواجهة بين الإنسان وما هو أكبر من إنسان، وهي المواجهة المركزية في التراجيديا الإغريقية خاصّة تلك التي كتبها سوفوكليس وأسخيليوس. ولا يقتصر التسامي بالطاقة على زجّ الذات في مغامرة الحضارة (وهو التسامي الذي أدّى إلى نشوء وتطوّر الحضارة، كما لاحظ فرويد)، بل يتخذ التسامي بالطاقة الحية مجالاً آخر، لحظه فرويد كذلك، هو مجال الصداقة الموصوفة بين جلجامش وأنكيدو والتي تنحلّ مثنويّتها في صيغة المفرد.
إن جلجامش يولد غداة لقائه بأنكيدو ولادته الثقافية ـ الإنسانية النوعيّة الثانية، التي تعلن عن نفسها في عزم جلجامش على القيام بالرحلة إلى غابة الأرز وقطع شجرها. فالرحلة هي وسيلة لتأكيد «طبيعة ثانية غير الطبيعة البيولوجية». ولو أتيح لفرويد قراءة ملحمة جلجامش كما أتيح له قراءة مسرحيتي «أوديب» لسوفوكليس و«الكترا» لأسخيليوس اللتين وجد فيهما مثالين نموذجين للجنسانية الطفولية الهاجسة بقتل الأب من الابن الذكر، والجنسانية الأنثوية الهاجسة بقتل الأم من الابنة الأنثى، لوجد في ملحمة جلجامش أقدم المصادر الأدبية المطابقة لمفاهيمه في الصداقة والحضارة.
إن الصداقة كما حدّدها فرويد «هي العلاقة المرغوبة من الجماعة خلافاً للعلاقة الجنسية المجبوهة بالقمع من الجماعة» (Sexually inhibited relation)، وحصار المجتمع للرغبة الجنسية يدفع بهذه الرغبة إلى الانزياح عن سبيل تحقـّقها الأصلي في فراش اللـّذة إلى الصداقة. فتكون الصداقة بالتالي «حب يحوّله القمع عن هدفه الجنسي الأصلي (an aim-inhibited Love). فاستبدال الحب الجنسي بالصداقة هو أحد المتطلبات التي تفرضها الجماعة الهاجسة بالتقدم الحضاري على الغريزة. فالجماعة تثمّن الصداقة من وجهة ثقافية لأنها توفـّر مهرباً من نقائص الحب الجنسي، واستبعاد الآخرين (exclusiveness) هي أحدى هذه النقائص على سبيل المثال»(16).
إن جلجامش تمثل أنكيدو في حلمه الليلي أو وعيه الباطني في صورة شهاب يهبط عليه من السماء. واستناداً إلى حقيقة أن النور كان على الدوام رمز المعرفة والخير، يمكن القول إن أنكيدو هو الشهاب الذي انفجر كالمعنى في ليل جلجامش العبثيّ، وحرّك قلبه القلق ليندفع في صبيحة اليوم التاريخي نحو غابة الأرز مستهدفاً الخشب الضروري لبناء المسكن والسفينة والمعبد والعجلة وسواها على أرض الرافدين. وفي حلم ليلي ثانٍ يتبدّى أنكيدو لجلجامش على صورة فأس يعلـّقها إلى جانبه. ونعلم أن السومريين رأوا في الأدوات عامّة والفأس المعدنية ذات الرأسين خاصة، أدوات خازنة للطاقة الفاعلة. وكانت الفأس هي أكثر هذه الأدوات فاعليّة في السيطرة على الغاب وحراثة الحقل والبناء والقتال، وقد نسب السومريّون ابتداع الفأس لرئيس مجلس آلهتهم أنليل.
ومماهاة أنكيدو بالفأس المعلـّق إلى جنب صاحبه، تعني أن جلجامش قد وجد لنفسه صديقاً يشد أزره في الصراع ضد قوى الشر المعترضة على مشروعه الحضاري مجسّدة بخمبابا حارس كبير الآلهة، الذي يشبه بأنفاسه النارية التنين الأسطوري الذي يصرعه القدّيس على الشاطئ السوري القديم. وهكذا تكون مماهاة أنكيدو بالفأس ترجمة محسوسة للوعي بأهمية وفاعلية الصديق في الرحلة الحضارية الخطرة.
ولعلّ أخر المطابقات المدهشة بين ملحمة جلجامش وتفسير الأحلام الفرويدي هو حلم أنكيدو الراقد على فراش الموت، والذي يرى فيه «رجالاً عليهم أجنحة من ريش بدل الملابس، ويتخذون شكل الطيور المعقوفة المناقير التي ترمز للموت»، كما يقول فرويد في كتابه تفسير الأحلام(17). دـ صورة المرأة في ملحمة جلجامش
المرأة، كما يلحظ فرويد، هي التي أسّست للحضارة وهي صاحبة المصلحة في استئناس الرجل، وهي جامعة وخازنة البذور وزارعة الحقول الأولى، وهي المعنيّة بتحويل مسار حياة الرّجل عن تجوال الصيد إلى الاستقرار على أرض زراعية منتظمة تمكن الرجل من مساعدة المرأة في رعاية الأطفال وبناء الأسرة. واللافت أن ملحمة جلجامش ترمز لدور المرأة الحضاري الريادي باستئناس باغية المعبد لأنكيدو بواسطة الفعل الجنسي الذي تواصل سبعة أيام، وهو الزمن الذي تستغرقه ولادة أنكيدو الثانية على صورة كائن اجتماعي سويّ و بهويّة إنسانية. وهذه الولادة الاجتماعية الجديدة تترمّز في الملحمة بقيام الباغية بشقّ ثوبها إلى نصفين: نصف يكسو جسدها ونصف أخر يكسو جسد أنكيدو الذي كان وحشياً في عريّة فتأنسن في طقسين: «طقس الإدخال الجنسي» و«طقس الإلباس» الذي به يبدأ تطبيع المجتمع للطفل كما يعلـّمنا دوركهايم.
واللافت كذلك في العلاقة بين المرأة وأنكيدو هو أن الحكمة تدخل قلب أنكيدو بعدما تفقده الممارسة الجنسية قدرته الجسدية على مجاراة الحيوانات في الجري. «لماذا تريد معاودة الجري من الحيوانات بعد أن دخلت الحكمة قلبك؟»(18) تسأله الباغية. والسؤال هو إشارة إلى مسار حضاري معارض للطبيعة يبدأ بولادة الحكمة أو الذكاء.
فالحكمة أو القيم الإنسانية وأساسها العدل الذي ينقله أنكيدو إلى جلجامش مصدره المرأة التي تؤنسن أنكيدو الذي يؤنسن بدوره جلجامش، ويجعل منه كائناً نوعياً يشتعل وعيه بالأسئلة عن معنى الحياة والهدف من الوجود فيها يتعدّى اللحظة الحسيّة. ولا يرقى شك إلى حقيقة أن ملحمة جلجامش ترفع صوت الجماعة الهاجسة بالتقدم الحضاري على صوت الغريزة الموغلة في المتعة، وتجعل من الصداقة التي ترفـّعت فيها العاطفة الجنسية مصدر متعة بديلة للجنس مَرضيّة من الجماعة. وهذا ما تنطلق به كلمات جلجامش حيث يقول في سياق حكاية حلمه لأمه (الآلهة ننسون): «إنه أحب صديقه الذي ظهر له في الحلم كما يحب امرأة»(19).
وجلجامش الجديد المتسامي بالطاقة هو الذي يرفض عرض الزواج الذي عرضته عليه عشتار بعد انتصاره على وحش الغابة والعودة بخشب الأرز إلى أرض الرافدين. فالزواج من عشتار، ربّة الحب والحرب، كان يمكن أن ينكص به إلى مرحلة البدايات الغرائزية التي تخطـّاها مع أنكيدو. فجلجامش الذي خرج من غابة الحواسّ ليقتل وحش الغابة لن يراجع مساره الحضاري ليحيي مجدّداً الوحش الذي قتل. إنّ عشتار هي النموذج الجنسي المضادّ لباغية المعبد. فبينما تنقل باغية المعبد أنكيدو من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان تقوم عشتار بدور معاكس، إذ إنها تمسخ جميع عشـّاقها وأزواجها إلى حيوانات. فباغية المعبد هي مثال النظام الكوني والاجتماعي المقدّس عند شعوب العراق القديم، بينما عشتار هي مبدأ الفوضى ودمار النظام وخطر الموت المتربّص بالأحياء. وليست النعوت القبيحة التي أذلّ بها جلجامش عشتار «كما لم يذلّ إنسان إلهة من قبل» سوى دليل الإصرار على متابعة المصار الحضاري إلى مداه الأخير. فهو لن يتزوّج ربّه لا تعرف الإخلاص لزوج أو حبيب، امرأة جعلت من جسدها «بيتاً بلا باب» مفتوحاً لعبث الرياح، وهو الذي غدا راعي المدينة والجماعة، لن يتزوج ربّة الجنس التملـّكي التي تحيل الرجال إلى أدوات لإشباع اللـّذة ثم تدمّرهم. فجلجامش يتـّهم عشتار بأنّها:
«تضرب راعي القطيع
تمسخه إلى ذئب
يلاحقه أبناء جلدته؟
وتعضّ كلابه ساقيه»(20).
لقد اجتاز جلجامش، بفضل أنكيدو، المسافة الفاصلة بين الملك الذئب والراعي الصالح، ولن يعود لهدر الطاقة في حفل الظمأ الجنسي ـ الأنثوي. لقد اختار جلجامش ربّ العدالة الذكري «شمس» ممّا أثار غضب عشتار الجامح. فهل نذهب بعيداً إذا افترضنا أن سخط عشتارعلى تسامي جلجامش ومشروعة الحضاري ينذر بما سيلحظه فرويد في كتابه «قلق في الحضارة» بسخط نساء العصر على الحضارة التي وضعن أسسها في الأصل بعد «أن باتت هذه الحضارة تتطلـّب من الرّجال عملاً مجهداً يستنفذ طاقاتهم حتى أخر رمق، بحيث لا يبقى منها ما يشبع حاجة المرأة إلى الجنس وهي العاجزة عن التسامي كما الرجل»(21).
في كل حال يعطي الإنجاز الحضاري بطل الملحمة السومرية الشعور بالرضى عن الفعل الأخلاقي الذي تثمّنه الجماعة. وبلغة فرويد «يصبح التسامي بالغريزة ملمحاً بارزاً يميّز التطور الثقافي. وهذا التسامي هو الذي يمكـّن الأنشطة النفسيّة والعمليّة والفنيّة والعقائدية من لعب دور بهذه الأهمية في الحياة الحضارية»(22).
وبالعودة إلى الملحمة، نجد أن الإله شمس يتدخّل للدفاع عن المرأة ممثّلة بباغية المعبد حين يلعنها أنكيدو من على فراش الموت. وإله العدالة يبني دفاعه عن الباغية على قاعدتين: الأولى أنها أدخلت أنكيدو في تجربة الحضارة، والثانية أنها جعلت من جلجامش العظيم صديقاً له. وهكذا تصالحنا ملحمة جلجامش مع الحضارة كما يفعل فرويد في النهاية. فالعودة إلى البدائيّة محال رغم ما جاءت به الحضارة من ممنوعات ومكبوتات وضغوط ومتطلـّبات تجعل السعادة تبدو وكأنها «لا تدخل في برنامج الخلق».
إنّ الحضارة، وهي مجموع الإنجازات التي حقـّقها العقل واليد، هي محصّلة هذا التسامي الذي تفرضه الجماعة على الغريزة، كما يقول فرويد.
فقانون اقتصاديّات الطاقة الحيّة الفرويدي (Economics of The Libido) ينصّ على أن طاقة الإنسان البيو ـ نفسيّة محدودة وغير قابلة للزيادة. وبالتالي «فإن الحضارة ما كانت لتوجد لو لم يوظـّف الإنسان المدّخرات التي يقتطعها من النساء والحياة في أهداف ثقافية»(23). الهوامش
ـــــ
(1) فراس السوّاح، م.م. : 249.
(2) م. ن. : 244.
(3) فراس السوّاح، م.م. : 310.
(4) فراس السوّاح، م.م. : 199.
(5) م. ن. : 200.
(6) G.W. Hegel, Philosophy of History (N.Y: Dover Publication, 1957) p.24.
(7) وصل آدابا إلى السماء، لكنـّه رفض الأكل من الطعام الذي قدمّته الآلهة، فأعادته الآلهة إلى الأرض ليشارك البشر مصير الفناء.
(8) تحكي «أسطورة إينانا» عن الملك الثاني عشر من ملوك ما بعد الطوفان السومريين، وهو الملقـّب بالراعي الذي حاول أن يرقى إلى السماء على أجنحة النسر، لكنـّه يسقط مع النسر إلى الأرض حين ينتابه الشعور بالخوف والقلق (المعتقدات الدينية لدى الشعوب، سلسلة عالم المعرفة، 1993م : 25).
(9) وتحكي أسطورة «أرض دلمون والعصر الذهبي» عن زمن كان يعيش فيه الإنسان على أرض الفردوس سيّداً على نفسه والطبيعة قبل هبوطه إلى الدنيا. وتحكي الأسطورة عن «زمن تعيش فيه الكائنات في سلام ولا يعرف فيه الإنسان مرض أو شيخوخة».
(10) جفري بارندر، المعتقدات الدينية لدى الشعوب : 23.
(11) O.Spengler, Decline of the West (N.Y, 1939).
(12) Ruth Benedict, Patterns of culture (U.S.A: The Riverside Press, 1934), p.p.54-55.
(13) روجية غارودي : 18-20.
(14) فراس السوّاح، م.م : 12-13.
(15) David Halperin, Heroes and Their pals (New York: Routledge, 1990).
(16) S.Freud, The Interpretation of Dreams (London: pelican Books, 1976), P.313.
(17) Sigmund Freud, op. cit.,P…
(18) فراس السوّاح، م.م : 297.
(19) فراس السوّاح، م.م : 122.
(20) فراس السوّاح، م.م : 166.
(21) Sigmund Freud, Civilization & its discontents (New York and London: Norton and Co., 1961), P.51.
(22) Ibid.,
(23) Ibid., P. 59.
المصدر: الجذور الشرقية للثقافة اليونانية، دار الآداب ـ بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى عام 2007م
__________________ كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان |