Untitled 1Untitled 1


العودة   المنتدى العراقي > منتدى الحوار العام > مقالاتكم
التسجيل البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

مقالاتكم واحة مخصصة لمقالات الأعضاء والمقالات المرسلة للمنتدى العراقي

 
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 08-31-2010, 12:29 PM   #1 (permalink)
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 294
افتراضي الموت، سهواً: أو "السهو الاختياري" / حمزة الحسن

الموت، سهواً:
أو "السهو الاختياري"



حمزة الحسن


في جلسات المحكمة الاخيرة أعرب بعض قادة النظام السابق عن دهشتهم لوجود مجازر وانتهاكات للحياة والحقوق الانسانية وهو أمر ليس جديدا، فلقد حدث في محاكم نورمبورغ ورواندة والصرب الأمر نفسه والاستغراب نفسه بل ان هناك من قال في تلك المحاكم إنه سمع بهذه الفظائع لأول مرة.

ظاهرة هذا النوع من "السهو" تتجاوز اعترافات هؤلاء في مؤسسة الحكم الى اعترافات قادة أحزاب اختاروا هم أيضا هذا النوع من الاعترافات المتأخرة بعد أن بلغوا من العمر عتيّا ً وتلاشت المصلحة الذاتية أمام رهبة الموت واقتراب الاجل قبل ان ينكشف المستور من قبل الاجيال القادمة وبصورة خاصة ظاهرة مذكرات اعضاء في الحزب الشيوعي يسمون في التقليد العقائدي الحزبي المنحرف "منشقين" عن الحزب وهي تسمية ملطفة من قاموس معروف خفت حدته مع الوقت بعد ما لم يوفر شيئا من التهم في السياسة والاخلاق للمختلفين في الرأي( لكي يكون المرء مختلفا مع هذه النموذج العقلي المتحجر، يجب ألا يكون سويّاً أو عاقلاً لأن الكمال الحزبي المطلق في مواجهة النقص البشري المطلق والخ وهلم جرا) وربما لم يعد هناك من يشتري هذه البضاعة الفاسدة بل وليس هناك من لديه الرغبة في ان يبيع لأن السوق صار في أمكنة أخرى وأهواء أخرى، كثير من هؤلاء اعربوا في مذكراتهم عن قرارات مصيرية حزبية هامة اتخذت بلا علمهم أو بلا رغبتهم في افضل الأحوال، وبعد هؤلاء جاءت ظاهرة بعض الاعترافات الخجولة من مثقفين وكتاب ونخب وطنية تتعلق بدهشتهم هم ايضا بكل ما كان يدور في البلد خلال الفترة الدكتاتورية حتى ان محافظ نينوى في ذلك الوقت ـ طاهر توفيق ـ قال علنا في المحكمة إنه لم يكن يعلم بوجود مقابر جماعية في نطاق مسؤوليته الادارية، وبعض الكتاب قال إنه كان لا يعلم بضرب حلبجة بالاسلحة الكيمياوية الا بعد الاحتلال حين سمع بالمجزرة وبالخلوي والانترنت لأول مرة، أيضا، ويتكرر السماع الطارئ أو السهو عن المجازر اليوم ايضا حيث يؤكد مسؤولون بين وقت واخر عن دهشتهم من الحديث عن مقابر جماعية جديدة ومجازر وحالات تعذيب في السجون الوطنية أو سجون الاحتلال وكالعادة يعلن هؤلاء انهم يسمعون بذلك لأول مرة.

لا نريد الاستغراق في تقديم الامثلة وهي وافرة عن ظاهرة السماع لأول مرة أو الاعراب عن الصدمة والدهشة المتاخرة لأن الأمر سيطول ونكتفي بهذا القدر لأنه يكفي لتوضيح ظاهرة ليست جديدة على البشرية وهي ظاهرة( السهو الاختياري) التي تحدث عنها عالم التحليل النفساني والفيلسوف الألماني الأمريكي الجنسية اريك فروم في كتابه( ما وراء الأوهام) ومصطلح ( السهو الاختياري) هو من صياغة المفكر.ه.س. سليفان، ويقول أ.فروم( ان مثالا عن هذه الآلية ـ آلية كبت الحقائق ـ هو ظاهرة أن ملايين الألمان بما فيهم زعماء سياسيون وجنرالات يدعون أنهم لم يعرفوا شيئاً عن أشنع فظائع النازية... على أن اولئك الذين قالوا هذا نسوا أن عند الانسان القدرة على ألا يرى ما لا يريد رؤيته... المسألة هي مسالة صورة أخرى للكبت حين يتذكر شخص ما أوجهاً معينة لحادثة ما ولا يتذكر وجوها أخرى). ليس الأمر بعيدا عن الصدق ولا يستغرب ان يكون هؤلاء قد نسوا تلك الوقائع المتعلقة بالضحايا بعد ان تم نفيها عميقا في ذاكرة انتقائية ولكن البراءة لا تتحقق عبر النسيان ولا من خلال السهو وهي حيل دفاعية دماغية للحماية والوقاية في لحظة حاسمة من حياة الانسان لأن البراءة تتحقق داخل الذات أولا حين يشعر الانسان بنظافة داخلية حية وواقية بصرف النظر عن ضجيج الخارج، وثانيا، ان البراءة من مسؤولية ما لا تتحقق من خلال الهروب الى الأمام بل عبر مواجهة الحقائق. اذا كان الذين في هرم السلطة في الماضي لا يعرفون ماذا كان يجري في هذا البلد ولا الذين في هرم المعارضة يعرفون أيضا ماذا يجري داخل الهيئات القيادية في أحزابهم حيث القرارات تصدر من حلقات ضيقة شبحية ولا بعض نخب السياسة والثقافة والادارة والتعليم تعرف ماذا يدور، فمن كان يعرف ماذا يجري؟

خلال متابعة طويلة لليلة الانقلاب العسكري في الثامن من شباط 1963 وبقراءة مقابلات ويوميات ومذكرات لقادة أحزاب ومخابرات دولية وسير كثيرة وجدت ان النخبة السياسية العراقية كانت تلك الليلة إما في السجون أو الحانات او المقاهي أو نائمين ولم يكن هناك من يعرف بتلك الجريمة من نخب الادب والثقافة في ليلة الانقلاب التي كانت معروفة على نطاق واسع والاستثناء الوحيد من (عالم الفن) اذا كان الرقص الشرقي في الملاهي يسمى فناً ان راقصة في أحد ملاهي بغداد كانت على علم بليلة الانقلاب على الزعيم من خلال ضابط عشيق هام بحبها لدرجة انه سلمها مصير الزعيم ومصيرنا حتى اليوم والجمهورية الاولى والاسرار العليا وربما غيرها ومن المؤسف ان تلك السيدة اختفت اثارها اليوم ولم نعثر رغم كل المشقة والبحث عن خيط يقود ولو من بعيد الى مصيرها لأن رواية تلك الراقصة عن تاريخ العراق كانت ستكون ذات قيمة تتجاوز الشهادة الى الفضيحة: فضيحة السهو الاختياري، النسيان، أو التناسي، الغفلة المستمرة، مؤسسة الاشباح المزمنة التي تحكم العراق دائما حيث يخرج الجميع من الكوارث مصعوقين من الوقائع التي سمعوا بها لأول مرة.

لكن من كان يقظا في تلك الليلة، ليلة الانقلاب؟ رجال المخابرات الاجنبية الأمريكية والبريطانية على وجه الخصوص والسفراء الاجانب ومدراء شركات النفط وضباط الانقلاب وشخص آخر لا يذكر ابدا لأنه شخصية روائية متخيلة في رواية فؤاد التكرلي( الرجع البعيد) تتحدث عن تلك اللحظة الحاسمة من تاريخ العراق حيث كانت هذه الشخصية الثورية اليسارية تعيش في عالم تخيلي لذائذي خليفي حالم وفي غرام بـ"بجغ" تاركة كل شيء، السياسة والحزب الثوري والتاريخ إلا ربع العرق واخبار المعشوق الغائب ولم تستيقظ إلا على صوت الرصاص القادم من وزارة الدفاع الى خرائب وأزقة الحيدر خانة، وتُرك الزعيم للموت حين كان كثيرون على علم مسبق بليلة مقتله من دون أن يخبره أحد كما في رواية ماركيز( وقائع موت معلن) لأنه كان وحيداً وأعزل الا من نظافته ونقاوته الاخلاقية وهذه القيم في التقليد السياسي العراقي ـ النقاوة والنظافة الداخلية ـ قيم غير مستحبة لأنها تخدش صورة البشاعة العامة وتخرق مبادئ التلويث العام وهو تقليد مستمر حتى يومنا هذا كما لو ان البشاعة ظاهرة طبيعية ستبرر يوماً من باب السهو الاختياري أيضا لأن تاريخنا القريب لم تصنعه أسباب عميقة بل الاهواء والمصادفات وحتى التفاهات والنزعات الفردية ويمكن القول بثقة اننا نعيش اليوم نتائج تلك الاسباب المخجلة.

لا في الأمس ولا اليوم ومن المحتمل لا في الغد القريب هناك من يدري ماذا يحدث في هذا البلد لا الذين في السلطة ولا الذين خارجها كما لو اننا نعيش في عالم الأشباح ومع ذلك لا نعرف من يشتري حبال الشنق من السوق ومن يربط ومن يشنق ومن يطلق الرصاص ويغلق ابواب السجون ومن يدفن الناس في الصحارى ومن يضرب بالغازات ولا أحد يعرف أين ذهب الذين خرجوا من بيوتهم قبل وبعد الاحتلال ولم يعودوا حتى اليوم واين تذهب الأموال والأطفال والأشجار والآثار والأحلام والكتب والأمكنة والمشاريع والدموع والارامل والجثث والخطابات والفواجع المستمرة؟

ان الذين ينكرون درايتهم بفواجع الامس واليوم، داخل السلطة أو خارج السلطة، ليسوا دائما سجناء في قفص أو في حضرة موت وشيك على سرير كما في مذكرات القادة وسيرهم، بل سجناء وعي زائف متوهم وأعمى، وهؤلاء لا يرون الحقائق بما في ذلك المتعلقة بحياتهم وتجاربهم الخاصة الا من خلال منظار العطب والتشوه والقالب والنمط والحنديرة والاطار والبرنامج والبنية والقاعدة لأن رؤية الحياة من خارج الوعي المحارب والشقي والمأزوم والقائم على فكرة النصر والهزيمة حتى في مجال الفكر والبحث والتأمل يهز ويدمر الصورة الزائفة عن ذات متوهمة مخربة ممزقة وهوية فردية مفككة تعيش كالبوم على الانقاض والخرائب وعلى وهم خطير بأن ما تراه هو الواقع نفسه وانها تراه بكامل الحرية مع ان الحرية تتقاطع مع العمى العقلي الذي سنُقتل على مراحل بسببه، سهواً، وأخطر أنواع العمى ليس ناتجاً عن عمى البصر بل الرؤية عبر بنية وعي محارب لا يرى الآخرين الا من خلال منظار بندقية كقتلى أو مهزومين أو منتصرين وليس السهو هنا ناتجا من عطب الذاكرة ولكنه ناتج عن رغبة وارادة واعية في الهروب من واقع مختلف لا يرى عبر منظار التشوه.
30/8/2010
__________________
المقالات المرسلة الى بريد المنتدى تنشر من دون ادنى حذف أو تعديل, و يتم تجاهلها في حال مخالفتها قوانين المنتدى.

المنتدى لا يتبنى اياً من الآراء المكتوبة في المقالات.
المنتدى العراقي غير متواجد حالياً  
 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نداء الى كل المثقفين والمناضلين العراقيين: "التنظيف" / حمزة الحسن المنتدى العراقي مقالاتكم 0 06-27-2010 02:25 PM
لقاءات بين القائمة "البعثية" و"ائتلاف دولة قانون المالكي" حول تشكيل الحكومة المقبلة safaa-tkd واحة الانتخابات 4 06-13-2010 12:05 PM
مباحثات "دولة القانون" و"الائتلاف الوطني" تصطدم بعقبة رئاسة الحكومة safaa-tkd واحة الانتخابات 0 04-01-2010 05:56 PM
سجال بين "العراقية" و"دولة القانون" بشأن تداول السلطة وإعادة فرز الأصوات safaa-tkd واحة الانتخابات 0 03-23-2010 06:03 PM
"العراقية" تتصدر في ديالى وصلاح الدين و"دولة القانون" في بابل والنجف safaa-tkd واحة الانتخابات 4 03-19-2010 06:17 AM


الساعة الآن: 05:45 AM


iraqiforum.net © 2007 vbulletin