الموضوع: تاريخ العراق
عرض مشاركة واحدة
قديم 02-22-2008, 09:57 AM   #23 (permalink)
safaa-tkd
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,241
افتراضي رد: تاريخ العراق


فكرة الزعامة كعامل فاعل في سياقات الفخاريات الرافدينية القديمة



محمد العبيدي(*)

(خاص لمعهد الحضارية)




لقد تزامن ذلك في بنية الفكر في المعتقدات الدينية، مع زيادة تبدو واضحة جداً وهي زيادة عدد السكان، وبهذا اوجد السياق مرة اخرى، مفاهيم السلطة التي تقدر حركة المجتمع بما فيها مفرداتها المتغيرة، وتكوين هذه المجتمعات اسندت واجبات خاصة، هي واجبات قيادية في الفعاليات الاجتماعية، هذه كانت فعاليات ملموسة واقعية، تلك الافكار تصدى لها الفخار ووجد ارضية صالحة، لان تكون نشاطاً ابداعياً بعد ان تكون النضج والاكتمال في صراع الانسان مع بيئته، وكذلك مع مظاهر الكون الذي انشأ به المعتقد الديني، حيث يؤكد (جوردن تشايلد) انه ((من الممكن استنتاج وجود زعيم السلطة المدنية، اذ كان احد المنازل في محلة ما اكبر بشكل واضح واكثر اتساعاً وافخم اثاثاً من كل الباقين، او اذا كانت قلة من القبور في المدفن اكثر ثراء في محتوياتها من الباقين، خاصة اذا كان شكل القبر شاذاً، او كانت مراسيم الدفن تصحبها تضحية بالانسان او غير ذلك من الاحتفالات المتميزة))(1).
هنا يبرز التشكيل الفخاري بشكل مؤثر، في مجمل العلاقات الذهنية، وخصوصاً التي اوجدها السياق حتى في عملية التحليل والتركيب، والخاصة والمحددة بنظم العلاقات الشكلية، حيث كانت الاواني الفخارية ايضاً، هي حالة تسجيل لكل ما يثير من اشكاليات واقعية، يسقطها الانسان نفسه على بنائية العمل، وحتى يصل بالسياق الى نوع من الرمزية، باتجاه المحركات الاساسية في الفكر، التي اوجدت دلالاتها وكونت ((نتيجة حاصلة في إجراء تحويل النظريات الفكرية الى ممارسات فعلية))(2).
وبهذا تكون لدينا النظام الشكلي وبنية العلاقات الذهنية، التي كان احد محركاتها هو السياق، لكنه هنا بعمق دلالي، وذات اشكال بسيطة ومنحوتات معقدة ورسوم تجسدت على سطوح الفخاريات، كل التجمعات الاولى في بلاد الرافدين، كانت فلاحية في الواقع لانها كانت تمارس الزراعة كحرفة اولى، هذا ولد زيادة في عدد السكان وعندها تعددت الفعاليات الاجتماعية.
وهنا لابد من وجود نظام مبرمج ينظم الفعاليات، لتسير بمسارها الصحيح وتكون منظمة للجميع، ومن الذين يكونوا في الممارسة او خارجها ذلك تكون نتيجة (متطلبات الفعل الاجتماعي للممارسات الزراعية والانتاجية والفعاليات العامة الاخرى))(3) ومنها وضح السياق سمات شكلية ارتبطت مباشرة بالمضامين الفكرية، لانها ليست فردية بل كانت جماعية، فيما اعطاها السياق، معطى فكري فرض بسبب الفعاليات الاجتماعية.
ونطالع المنجز التشكيلي من عصر سامراء لتمثال فخاري عرف باسم رجل متمثل بهيئته العارية، وهنا تظهر القوة الجسمانية، وهذا تعبير رمزي للطاقات التذكيرية فيه، هنا التفرد الذي اكتسبه من السياق، اعطاه خصوصية الزعامة، لانه تميز بمميزات فنية، اشتركت به حتى السمات التعبيرية، ليجد الفكر ممارسة طقسية، تقوم على اساس التكاثر للبشر انفسهم، ولكثرة عدد السكان، ارتبط بأدامة الفعاليات الزراعية، المرتبطة بالجماعة اساساً. ((رجل تل الصوان من بين نتاجات فنية، والذي يتميز بكونه مجوفاً وله ثقب صغير في اعلى الرأس))(4).



الشكل رقم(1)

وبهذا تم تكثيف دلالة الشكل لان الاهتمام بالشخصية من الناحية البنائية، اخذت وقتاً لان تكون منفردة حتى جاءت البنى واضحة للفكر من خلال تطعيم العيون بالاحجار، وهذه نوع من التقنية المتطورة،فوجود الزعيم في المجتمع الرافديني، كان حاجة اجتماعية، قوة، بطولة، مسؤولة في توحيد الفعاليات، فلابد من ان هناك صفات تفرز دلالة تعطي ملامح القوة، وهذا ((تواصل شكلي فيما بعد العصور اللاحقة، وجد خصوصية في مواصفات البيئة بتعبيره الفكري عما هو سائد في الوسط الاجتماعي وكتفعيل تعبيري للمضمون الفكري لصورة الزعيم، كقائد وموحد ومدافع، تفترضه معادلة الوجود (الحياة والموت) تستأثر البطولة فيما بعد كصفة مستمرة للزعيم حيث ينبري البطل تحت عطائها كرمز اجتماعي))(5) هذا احتل طابعاً مهماً اعطى للسياق، اكتشاف في تجسيد صورة الزعيم التي احتلت مكانة مهمة في كينونة الصورة البشرية، لان هي التي تقوم ((بالدفاع عن الحياة والتجدد والبقاء ضد – قوى الفناء))(6) وبهذا انعكس بصورة واضحة، في احتلال موقع مهم في قدرة الفنان الابداعية في ان تحيلها لمنجزات تشكيلية، متمثلة بالصيد الملكي، وصور الملوك الذي يصارعون الاسود، رمز الشر والموت، فالفعل البطولي هو الذي اعطى دلالات رمزية على قوة التذكير، هو الزعيم، والموحد، هو ((البطل الذي يربح معركته ضد الوحش))(7) كما في الشكل(2).




الشكل(2)




الشكل(3)

فقد كانت الكثير من الفعاليات والطقوس تقام من قبل الزعيم، مشحونة بقدسية تشير الى صفات التعظيم، لان هناك استعارات رمزية جددت ديمومة، الطقوس والفعاليات الدينية، وجعلتها قائمة بما يعزز دور الزعيم كرمز، للدفاع عن الحياة وتجددها بما تفرضه عليه الطقوس الدورية التي تقام على شكل فعاليات، وهي مرتبطة اساساً بالمعتقدات الدينية التي وفرها السياق، ضمن خصوصية الفكر الذي يطالعنا المنجز التشكيلي الاثري (رجل اريدو) ((وهو يمسك بيده المتلافية امام الصدر ما يشبه العصا او الصولجان)) ثم بالاضافة الى وجود رموز، ذات مضامين قدسية ترتبط بالبيئة اساساً، وبالواقع ا لزراعي المرتبط بأداء الفعاليات الاجتماعية، لانها مفروضة من قبل الحاجة الذاتية لمجتمع بلاد الرافدين وفي جنوبه لانه غير موجود في مجتمع بلاد الرافدين الشمالي، وكان نتيجة ((لظاهرة الاكتفاء الذاتي لدى العوائل الفلاحية)) (8) وهذا يبرر لنا عدم وجود منجزات ذكرية تواكب الاعداد المتزايدة، من منجزات تشكيلية انثوية وآلهيه.
ارتبط السياق بشكل واضح، ضمن دلالاته التي واكبت التمثيل الرمزي لزعيم انسان في تمثيل واقعي، لاعضاء التذكير البشرية واغطية الرأس والشارات التزيينية والعصا، المحمولة كما في الشـكل (3) كل هذه الدلالات اعطاها السياق صفات كلية، عامة وشاملة يعتمد الفنان في تمثيلها الواقعي، دون زوائد تعدى مرحلة السياق حتى لا تضطرب محركاته المتفاعلة ويفقد خاصيته المفرزة من سمات القائد والبطولة، هذه المضامين الفكرية اسقطها الفنان على منجزات تشكيلية توافقت تماماً ونضجت في الفكر السومري في الادوار اللاحقة، لان نمط التطور لبنية الحضارة السومرية، فرض السياق بها اشكال فنية عديدة ((مثقلة بمخاوف وارهاصات الحياة المتوحشة، وقساوة الموت تجعل من اشكال المرحلة، ميلاً الى الهندسية، في حين تمنح البيئة المتعاطفة مع الانسان صفة العضوية))(9)
وبهذا المضمون للفكر السومري امتثلت الاستقرارية، في افراز طابع حواري جدلي، هو تحقيق معادلة مهمة اوضحت حتى التسمية (البطل، الحاكم، الزعيم) هذه التسمية هي التي حققت المعادل الفكري، الذي اوجده السياق الذي عكس الطيف بخصائصه، الفكرية والدينية والطقوسية وعكست لتكون محرك فكري، ارتبط بنظام ملكي زعامي، كان حافز لتفعيل مسؤوليته برهب الاعداء، وزعامته للجماعة، وبها فاق الشخوص الاخرين، ليعكس هذا الارتباط على المنجز، كمضمون فكري لما حمله المنجز التشكيلي الفخاري، من سمات الشكل الاساسية كما في الشـكل (4).



حيث تم هناك تبسيط، واختزال واضح حتى يضل الى صفاته الكلية، بعد ان اعتمد الفنان في تمثيله الواقعي لاعضاء التذكير، البشرية واغطية الرأس والشارات وغيرها، هذه هي دلالات قيادية انفردت بخصوصية، كان السياق له الدور المهم في حمل هذا المضمون الفكري المحايث، لفكرة البطل او الزعيم، هذا التواصل الحضاري له مهمة حددها السياق، ليستمر الفن السومري خصيصته الشكلية حتى تتوافق مع السمة الشكلية المحفزة للمضمون الفكري السومري.




المصادر
ــــ
(*) باحث من العراق.

1. جوردن تشايلد, التطور الاجتماعي, ط3, ترجمة لطفي فطيم, مراجعة كمال الملاح, مؤسسة سجل العرب, سلسلة الالف كتاب(599) القاهرة, 1979.
2. فوزي رشيد, المعتقدات الدينية, حضارة العراق,ج1, تاليف نخبة من الباحثين العراقيين, دار الحرية للطباعة, بغداد, 1985.
3. زهير صاحب, المنحوتات الفخارية البشرية المدورة من عصور قبل التاريخ في العراق, رسالة دكتوراه غير منشورة, جامعة بغداد كلية الفنون الجميلة,1996.
4. Oates, J. The Baked clay figurines from Tell Essawan Iraq.Vol.xxvIII, part2, 1966.
5. زينب كاظم , المورث الفني التشكيلي الرافديني في الخزف المعاصر , رسالة ماجستير غير منشورة, جامعة بغداد, كلية الفنون الجميلة ,2001.
6. زهير صاحب , جورنيكا عصر حلف , مجلة الاكاديمي , المجلد8, السنة8, العدد 29, وزارة التعليم العالي والبحث العلمي , جامعة بغداد , كلية الفنون الجميلة,بغداد,2000.
7. غوستاف يوتك واّخرون , الاقتراب من اللاوعي, الانسان ورموزه , ترجمة سمير علي, دار الحرية للطباعة,1984.
8. Safer f.eta;.Eridu, State Organization of Antiquities and Heritage Ministry of Culture and Information, Republic of Iaq, Baghdad , 1981.
9. هربرت ريد, معنى الفن , ترجمة سامي خشبة, مراجعة مصطفى نجيب, دار الشؤون الثقافية العامة, وزارة الثقافة والاعلام, الجمهورية العراقية, بغداد, 1989.

mohammed66_j@yahoo.com
__________________
كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان

safaa-tkd غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس