Untitled 1Untitled 1


العودة   المنتدى العراقي > منتدى الحوار العام > منتدى الشؤون السياسية العراقية
التسجيل البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 04-26-2010, 11:29 AM   #1 (permalink)
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,241
افتراضي الطاغية الحليم / حمزة الحسن

الطاغية الحليم



كتابات - حمزة الحسن



" لا شيء أخطر من مستبدِّ حليم" ـ الشاعر اليوناني بيندار

" نهاية كل ثوري أن يكون طاغيةً أو زنديقاً" ـ ألبير كامو



هل المشكلة اليوم هي في" الفراغ" الدستوري أو السياسي؟ أم المشكلة في "ملء" هذا الفراغ؟ هذا اذا تصورنا عن قناعة أو دوار أو ذهول ان كل هذه الجيوش والطائرات والدبابات والبنادق والقنابل العنقودية والذكية والانشطارية وكل هذا الحشد من الكلاب الذكية وغير الذكية والمتفجرات والنفايات المختلفة الأنواع والشركات الأمنية والشركات النفطية والتحالفات والتكتلات والمآتم والمقابر والمخابرات الإقليمية والدولية ومحطات التلفزة العربية والأجنبية ولصوص الآثار والنفط والأعضاء البشرية والأطفال والجماعات المسلحة الوطنية والارهابية والاتحادات الثقافية والادبية والمصارف والفنادق الضاجة بالرواد الجدد وقوات الشرطة والجيش والأمن وغير ذلك، اذا تصورناه فراغاً.



لماذا لا نختصر الطريق ونبصق الحصاة ونذهب مباشرة الى جوهر القضية ونقول بصراحة أو نصف صراحة إن البلد لا يعاني اليوم من أي فراغ سياسي أو دستوري بل يعاني من ضجيج وازدحام لأن الاعتراف بوجود مثل هذا الفراغ يعني تقديم الدليل على أن ما قبله كان إمتلاءً، أي حياة سياسية حقيقية بتقاليد واضحة ومحددة بقانون وصلاحيات دستورية للدولة والسلطة وسياسة داخلية وخارجية معروفة للجميع ومثبتة في برامج وتصرفات، وسياسة اقتصادية محددة المعالم، فهل كل هذا كان موجودا قبل " الفراغ" السياسي اليوم؟



البلد يُحكم من الخارج من قوى الاحتلال وهذه تتغذى مما نسميه نحن بـ " الفراغ" السياسي أو الأمني، ولكنه في الجانب الآخر لا يحمل هذا الإسم ولا هذا المعنى، بل يحمل الإمتلاء والفرصة وكسب الوقت واعادة تنظيم الوضع والتقاط الانفاس وترتيب قوى الحكم من جديد وفترة قراءة المشهد العراقي على ضوء التهاتر والتخاصم والتناكب والتدافع والتزاحم والتشاهر والتطاحن على الحكم أو ما يلوح كذلك لأن شهوة السلطة تجعل الوهم حقيقة والسراب واقعاً.



في فترة التهاتر يضع المحتل زعماء البلد أو من يؤمنون انهم زعماء البلد أمام الشعب بأحجامهم الحقيقية وطموحاتهم الحقيقية وصورهم الداخلية الحقيقية ولغتهم الحقيقية بلا مرايا مكبرة للحجوم لأن العمل السري يضفي هالة مضخمة على الشخصية في بلد صار فيه الاختفاء السياسي مرتبطاً بالمنقذ والموقف، لذلك تظهر فترة التهاتر اليوم الحجم الحقيقي، كما تظهر الطموح الحقيقي لأن العمل السري يمنح الطموح حجم التضحية والانقاذ وشرف المهمة، وبالقدر نفسه تظهر الصور الحقيقية وهذه المرة كما هي بلا طاقيات اخفاء ولا غموض ولا هالات اسطورية يمنحها، أيضا، العمل السري، وتظهر كذلك اللغة الحقيقية التي كانت هي الأخرى تتغذى، في مرحلة العمل السري، من خطاب الحرية والظلم والطغيان والعدالة ، اي الخطاب الذي كان يرفع السياسي من مستواه البشري الى مستوى متعال على صورة ولغة وحقيقة البشر العاديين.



ما نسميه اليوم بـ " الفراغ" السياسي يشكل الفترة الذهبية لحفل التعرية العلني الذي يقيمه الاحتلال لزعماء هذا البلد أو من يتصورون انهم زعماء بعلمهم أو بدون علمهم لأن الدخول الى هذا الحفل كالدخول في النوم الهادئ بعد النعاس اللذيذ: الدخول تم على صورة انزلاق هادئ وبطيء وسري يشبه الغيبوبة أيضا مع بقاء مستوى من الصحو القادر ـ فقط ـ على تحديد المكان والحاجات العادية ولكن غير قادر على تحديد الأهداف الكبرى التي سُحقت تحت هذا الانزلاق الناعم والمتدرج والبطيء كالسم أو المخدر تحت اغواءات سلطة كسلطة العراق التي لم يدخلها حاكم على مر التاريخ إلا وخرج منها بلوثة أو صرخة فزع أو صدمة أو طعنة أو مشنقة أو جدار موت أو هام، شريداً.



هذا البلد المغوي الثري، بل بسبب الثراء السهل والمتنوع والعميق والبسيط وغير المكلف، عكس بلدان كثيرة، قد يستسلم لحكامه في فترة من الفترات تحت قوة قاهرة أو ارادة أو نزوة أو غفلة لكنه حين يكتشف ان حكامه يجهلونه تماما، يطردهم الى المشانق أو التيه أو المنافي، والقرن الماضي واليوم دليل واضح على ذلك: لم يدخل ملك أو رئيس أو شبه حاكم أو سمل زعيم الى قصور هذا البلد ليحكم إلا وخرج من الحكم(اذا خرج، سالماً) مثل أي جربوع ناقع بالماء أو الدهن يبحث عن وطن بديل أو في الأقل ثقب في الأرض.



(الفراغ السياسي) اليوم أو ما يسمى كذلك هو مع الأسف الشديد فضيحة محسوبة علينا كشعب عريق أكثر مما هو محسوب على زعماء هذا البلد، وهو حمّام سونا في الهواء الطلق وبزجاج مضاد للهواء والحرارة والرطوبة والخجل والحشمة والذكاء. فضيحة يقوم بها المحتل لكي نرى أو ممن لم يتمكن من الرؤية في هذا الغبار والازدحام والظلام والدخان الطبيعة الداخلية العميقة لزعماء هذا البلد، ولكي يرى العالم أيضا كيف تحول الاحتلال الى " حَكم" بين الأطراف المتناهشة على السلطة، وكيف صار الاحتلال يقوم بدور حمامة "سلام" وسط قطيع سياسي هائج ومصاب بلوثة الحكم. هذه هي رسائل الاحتلال التي يرسلها لنا وللعالم عبر هذا الاستلاب والإغواء السام الذي يمارسه على زعماء هذا البلد ويطالبهم في الوقت نفسه بالتعاطي مع المرحلة بشفافية ونكران ذات وتجرد وقبول ارادة الشعب واحترام موت الناس، ولكنه هو من وضع الجميع في مواجهة الجميع لكي ندخل في هذه المتاهة المنجورة بدقة وصبر وطول بال، ولكي يبدو الاحتلال هو البريء الوحيد في غابة من المذنبين: من مكر الحقيقة أنها تظهر الضجيج أو الصمت أو المعلن وكأنه الحقيقي وهذا هو العمى العقلي.



لكن علينا ألا نبالغ في دور الاحتلال لأنه لو لم يجد الأرض الصالحة للحرث لما تمكن من وضع زعماء هذا البلد أو بعضهم ـ لكي لا نظلم أحداً ـ تحت طائلة الإغواء والإفساد والتضخيم في عمق مرايا مقعرة تجعل شبه المواطن العراقي غير قادر على التمييز، من شدة القتل والظمأ وقسوة الحلم والأمل، بين الصور الحقيقية والصور الشائهة، بين الواقف في قعر مرايا السلطة وبين الواقف خارجها، بين المسخ والأصل.



ليس السياسي في السلطة هو نفسه قبل السلطة رغم انه يعمل بمشقة على ترسيخ صورة قديمة وتساعده رتابة الذاكرة الجماعية على هذا الترسيخ نتيجة طبيعة بشرية قديمة، خاصة في بلد مغوي وجميل ومبهر وسهل وممتنع وعميق وواضح ومجنون وطفل وثري ومُزحلِق، بلد مثير للجمال أخرج الرهبان من صوامعهم وأطاح على مر العصور بعقول عشاق وشعراء وغزاة ورهبان وأحبار وملوك ورؤساء ولصوص وزوار وغيرهم: بلد الاغراء والثراء والسعادة لكنه بلد القتل حين يكتشف ان حكامه يجهلونه، لأنه لا يستطيع الدخول في علاقة حكم أو سرير أو حب أو شراكة مع من يتعاملون معه كجارية مستعدة في كل الأوقات أو بقرة حلوب في كل الأوقات أو كسجن مفتوح في كل الأوقات أو مقبرة أو مصرف أو باب نزهة مفتوح في كل الأوقات: عقد شراكة نزيه مثل هذا تقره كل الشرائع والأديان والقوانين والأعراف، لذلك قرر الاحتلال إقامة حفل التعرية هذا الذي نسميه" الفراغ" السياسي لزعماء هذا البلد أو بعض زعماء هذا البلد للانصاف لكي لا ندمج الجميع في هذا الستربتيز العلني والوحشي في بحيرة دم.



في هذا الحفل الدموي المخزي لنا قبل غيرنا، ظهر ان الدكتاتور العراقي عبر الأزمنة لا يختفي أو يزول لأن حارس السلالة(اسم روايتنا الأخيرة) يغيِّر من أشكال ظهوره في كل مرحلة( نبقى نحن على شكل واحد) لكي لا يبدو صورة مكررة من السابق، ولكي يقع الناس في شبكة الأوهام التي يولدها الغرق والرغبة في النجاة، ولعل أخطر ما ظهر فيه الدكتاتور العراقي اليوم هو في تناسله وتكاثره و تعدد أذرعه وصوره بحيث لم يعد يتمركز في مكان واحد أو قصر واحد أو سلطة واحدة، وكل ذلك تم فوق خطاب رجم الدكتاتور السابق الذي ظهر انه الشيطان الوحيد في عالم سياسي طهراني ملائكي.



رغم ان الكلام هنا لا يعني شخصا محددا بصفة الدكتاتور لأنه لم يعد يتجسد في شخص واحد بل صار ظاهرة سياسية عامة ومؤسسة تفريخ، لكن ما يجمع هذه" الخلطة" من المستبدين الكبار والصغار هو المظهر التنكري الجديد (الذي يعمل الاحتلال بقوة ودهاء على كشفه عبر هذه الفضيحة المسماة الفراغ السياسي) والخطير أيضا وهو مظهر الحليم: حين نستعيد عبارة بيندار( لا شيء أخطر من مستبدِّ حليم) وندقق في الصور والعناوين والوجوه والوقائع، نجد رعباً في هذه النعومة الباردة كموت زاحف أو ثعبان تحت العشب: الدكتاتور الأهوج عبر الأزمنة معروف في السرور والغضب، في الجريمة والعقاب، في الفعل ورد الفعل، لذلك يتحاشاه شعبه كلما كان ذلك ممكنا، وهو يستمد قوته من الغطرسة والسلاح والجند ولا يحاول اخفاء ذلك، بل هذا ضروري للتحكم، لأن القوة المخفية في نظره قوة عديمة النفع، وهو لا يريد احترام الشعب بل رعبه: "الاحترام يغري بالتجاوز حسب ميكافيللي".



لكن الدكتاتور الحليم( الثوري السابق) هو الأشد خطورةً وفتكاً: إن عليه، أولا، تبرئة ذمته من كل استبداد عبر خطاب العدالة وكسب احترام الشعب من خلال مظهر القديس، وعليه، ثانيا، المجيء عقب دكتاتور أهوج وبالصراع معه، وثالثا، لكي يؤسس سلطة لا تقل وحشية، عليه أن يكون حليماً وصبوراً كعنكبوت لأن عقل هذا في النسيج وفي تلاشي مظهر القوة المستعرضة، وفي تأجيل العقاب: العقاب المؤجل هو أسوأ أنواع العقاب لأنه يأتي بعد تربص وحقد معتق وقاتل وسام، وليس ذلك فحسب بل لأن هذا العقاب المؤجل يلغي فكرة التسامح والسمو والصدق والنبل والشجاعة والثقة والوضوح، وسواء كانت الضحية بريئة أو مذنبة لكن فكرة تأجيل أو سرّانية العقاب تلغي أيضا المسافة بين الصفح والانتقام، بين العقاب والقانون، ويصبح الغدر جريمةً.



الحقد موهبة شريرة اذا لم تجد من تلتهمه تلتهم نفسها بكتمان وتلذذ وشره في نوع من كراهية الذات التي لا تشعر بأي إنتماء لها رغم التماسك الظاهري كبعض الثعابين التي تلتهم ذيولها لأنها تعتقد انها تعود لمخلوقات أخرى، ولا تخلق السلطة الكبيرة أو الصغيرة الحقد بل تكشفه، وهو أسوأ من الموت، وليس صحيحا قول سوفوكليس " النهاية تبرر كل شر" لأن الشر محكوم بالفشل من داخل بنيته ذاتها ولا تبرره أية نهاية، ولا يحتاج الشرير الى عقاب في بعض الحالات لأن الشر وحده، فقدان الأمل والبراءة والوضوح والمباهج الانسانية النقية، العمى القلبي، الشحوب الداخلي، السجن الجسدي، الكابوس المزمن، العجز العضوي عن الصدق وعن العطاء، الاحتقار الذاتي، هو العقاب.



قد لا يكون كامو متشائما كما يُظن حين قال إن كل ثوري ينتهي الى أن يكون طاغيةً أو زنديقاً، لأن الحلم والسلطة أمران متناقضان: الحلم أفق واحتمال وخيال والسلطة وقائع وإغواءات وحِيَل وجدران والخ ومن المنطقي أن يصطدم هذا بذاك، ولم يثبت التاريخ مرة واحدة أن طاغيةً صار ثائراً، ولكن يقول لنا دائما إن ثوّاراً صاروا طغاةً وزنادقة ـ الزِّندِيق، حسب قاموس لسان العرب، هو القائل ببقاء الدهر، فارسي معرب، وزندقته أنه لا يؤمن بالآخرة. والزِنْديقُ: في القاموس المحيط، من الثنوية، القائل بالنور والظلمة، أو من يبطن الكفر ويظهر الايمان، وتقول العرب رجل زندقي أي شديد البخل، وكامو هنا يذهب خارج المعنى المعروف الى العدمية الأخلاقية التي تبيح كل شيء.



الفوارق كثيرة بين الظاهرتين، بين الدكتاتور الأهوج والحليم، وخلاصتها: الأول يعلن عن فخاخه ومشاريعه وغطرسته وقوانينه بكل علنية القسوة لأن العلنية مرعبة وملزمة ولاجمة، وهو لا يحتاج الى صوت الشعب بل يحتاج أبعد من الصمت السكوت المحروم حتى من الأنين، لكن الثاني، الحليم، يحتاج صوت الشعب ويحتاج الى احترامه لكن الغايات ذاتها لم تتغير وهو لا يعلن عن فخاخ بل يمارسها بصبر ونفس طويل وحكمة لأن بنية العقل والذاكرة والمخيلة تحتاج الى وقت للتكيّف مع الوضع الجديد وهذه العناصر تقاوم أيضا لكنها تنهار أمام غواية الحكم والحقد المعتق والمكتوم، لكن الصيد وفير رغم تشابه النهايات في مصائر الطغاة: لا يفضح ظاهرة الدكتاتور الحليم(الفرد والظاهرة والمؤسسة) غير كارثة وطنية كبرى أو احتلال " حليم" وسيف ظالم، لأن الاحتلال مغرم بصبر العنكبوت، كما انه أمر يعاكس المنطق والتاريخ والعقل أن يكون (دكتاتوران) في قصر واحد ونسيج واحد وبلد واحد يمارسان فيه دور الصيّاد لفريسة واحدة مثقلة بالجراح.
__________________
كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان

safaa-tkd غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags - تاق )
لا شيء


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع

تعليمات المشاركة
تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ترويض العراقي / حمزة الحسن safaa-tkd منتدى الشؤون السياسية العراقية 0 01-06-2010 08:29 AM
خسائر العام الماضي / حمزة الحسن safaa-tkd منتدى الشؤون السياسية العراقية 0 01-01-2010 04:49 PM
دولة الحرية ودولة الموز / حمزة الحسن safaa-tkd منتدى الشؤون السياسية العراقية 0 12-26-2009 10:57 AM
الطاغية ! دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي- تأليف امام عبدالفتاح safaa-tkd مكتبة الدكتور علي الوردي 0 03-21-2009 08:19 PM
أين كان جيش المهدي العرمرم زمن الطاغية؟ زهكان منتدى الشؤون السياسية العراقية 7 04-01-2008 11:04 AM


الساعة الآن: 07:36 AM


iraqiforum.net © 2007 vbulletin