Untitled 1Untitled 1


العودة   المنتدى العراقي > المنتدى الثقافي > مكتبة الدكتور علي الوردي
التسجيل البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

مكتبة الدكتور علي الوردي واحة مخصصة لنشر الكتب و الأبحاث

 
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 04-05-2009, 11:53 AM   #1 (permalink)
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,253
افتراضي في قلب الجهاد (مذكرات رجل الإستخبارات الفرنسية المغربي الذي تسلل إلى القاعدة)


«الحياة» تنشر فصولا ً من مذكرات المغربي «عمر الناصري» رجل الإستخبارات الفرنسية الذي تسلل إلى «القاعدة»

( 1 من 3) ...


ذخيرة في بلجيكا للمجاهدين واتصال بالفرنسيين للعمل جاسوساً


الرياض الحياة
- 12/05/08//




عمر الناصري اسم مستعار ينطوي خلفه مؤلف كتاب «في قلب الجهاد»، هو واحد من عشرات الأسماء التي غطى بها شاب مغربي حقيقته من ابن صغير لوالديه احتضنته مدرسة كاثوليكية في بلجيكا، فبائع حشيش في المغرب، إلى جاسوس للاستخبارات الفرنسية في أفغانستان ومواقع أخرى.

قصة «الناصري» الطويلة التي حكاها من الألف إلى الياء منذ أن كان صبياً إلى أن لفظته دوائر الاستخبارات الغربية في نهاية المطاف، هي مضمون كتابه الذي تستعرض «الحياة» أجزاء منه على ثلاث حلقات إبتداء من اليوم بالتعاون مع «دار العبيكان» التي تملك حقوق نشر الكتاب بالعربية.

إلا أن تلك الحياة كما قال عنها الناصري نفسه ليست حياة واحدة بل حيوات، قل أن تماثلها أخرى في الإثارة والغرابة والتناقض. فتارة هو ابن بار بأمه يخشى عليها من سطوة أبيه، وأخرى متدين، وإن أقر بأنه في باطنه غير مبال بالشعائر الدينية. إلى كونه وسيطاً في بيع الحشيش والأسلحة، فمجاهداً لا يشق له غبار، ومعاقراً للخمر، وفاتكاً بالنساء في مواطن أخرى. ومهرباً للمتفجرات لمصلحة إحدى الجماعات الإسلامية. تلك هي عناوين حيوات الناصري كما أراد أن يسميها:

< لدى نزولي من الطائرة في بروكسل، وجدت أخي الأصغر، نبيلاً في انتظاري، استطعت أن أفهم من تعابير وجهه أن هناك مشكلة. قال: لا نعرف متى ستطلق الشرطة سراح حكيم. وجدتني غارقاً في بحر من الارتباك: حكيم كان في الطائرة معي. غير أنني حين نظرت إلى الخلف نحو البوابة لم أره. لم نجلس معاً لأننا كنا في حالة شجار،إلا أنني كنت رأيته على متن الطائرة. والآن كان نبيل يبلغني بأن الشرطة السرية المغربية كانت أنزله من الطائرة في الدار البيضاء واحتجزته للتحقيق. تذكرت كم كان أخي صاخباً في إعلان معتقداته. كنت أعتقد بأن حكومة المغرب كلها كانت طاغوتاً. لم أستغرب قط أن يكون أحدهم سمعه وأبلغ عنه. والسلطات المغربية مشغولة دوماً باعتقال الناس، أحياناً لمجرد إخراجهم من الشوارع، ولكن دائماً لدى رؤية أي دليل صغير على التطرف.

أقلني نبيل بسيارته إلى بيت أمي في أطراف بروكسل، وما ان وصلنا حتى فتحت لنا الباب. كنت بالغ السعادة لرؤيتها. مع أننا كنا نتحادث هاتفياً وكانت ترسل لي مبالغ نقدية إلى المغرب، فإنني لم أكن قد رأيتها شخصياً منذ أكثر من عقد. بدت أكبر سناً، لكنها كانت لا تزال جميلة جداً. ذلك المساء، تناولنا العشاء، نحن الثلاثة معاً. كنت مسروراً جداً لأنني عدت إلى أوروبا.

بعد يومين التقيت كلاً من ياسين وأمين للمرة الأولى. كنت في مركز المدينة النهار كله، ولدى عودتي إلى البيت وجدت أخي في غرفة المعيشة مع خمسة رجال آخرين. كانت أمي أعدت عشاء رائعاً للجميع وكانوا يتناولون الطعام. كان الرجال يرتدون ملابس فاخرة بدت باهظة الثمن. وكانوا حليقي الذقون. بدا أخي حكيم شديد الغرابة بينهم، في جلبابه وبلحيته الطويلة.

دعاني حكيم وقدمني إلى الرجال الذين كانوا جزائريين ويتكلمون الفرنسية. كانوا شباناً صغاراً، بعضهم في سن المراهقة وبعض في أوائل العشرينيات. بدا واضحاً أن واحداً، منهم هو «أمين»، كان مسؤولاً. كانت بشرته أقل سمرة من معظم العرب، وعيناه الواسعتان بدتا جاحظتين.

لغة متعصبة

كان أمين بالغ الثقة بالنفس، واستطعت أن أرى الآخرين ينظرون اليه باحترام. كان يكثر من الابتسام ويبالغ في التودد إليّ. قوطع باستمرار بسيل من الاتصالات عبر الهاتف الخليوي. كان نادراً جداً أن ترى أناساً مجهزين بهواتف خليوية في 1993، فاستنتجت فوراً أنه وفير على المال.

لم أكثر من الكلام ذلك المساء. علمت أن الشبان كانوا منخرطين في أمر سري ربما غير شرعي، وعلى رغم أنني لم أكن متأكداً من طبيعة الأمر بدقة في تلك الليلة الأولى، علمت أنه كان ذا علاقة بالحرب الأهلية في الجزائر. كان هذا أواخر عام1993. فقبل عامين اثنين كانت الحكومة العسكرية ألغت الانتخابات حين أدركت أن جبهة الإنقاذ الإسلامية (FIS) كانت ستفوز. وسرعان ما كانت الجماعة الإسلامية المسلحة (GIA) قد انبثقت معلنة الجهاد والقتال ليس ضد الدكتاتورية العسكرية فقط بل وضد جبهة الإنقاذ الإسلامية أيضاً. لم تكن الجماعة تريد انتخابات جديدة، كانت مصرة على إقامة نظام ديني للحكم.

كان أمين وياسين يستخدمان اللغة الدينية المتعصبة نفسها التي كان أخي يتعامل بها. غير أن صوتيهما كانا على الدوام هادئين في شبه طمأنينة، حتى وهما يتحدثان عن الجهاد وعن تدمير الكفار. غير أنهما بقيا أكثر الأحيان مشغولين بالكلام عن الأمور اللوجستية. عن سيارات ذاهبة من فرنسا إلى ألمانيا، ومن ألمانيا إلى فرنسا. عن نوعية السيارات التي كانت محركاتها تعاني من الخلل، وأمور من هذا القبيل.

بعد أسبوع آخر، جاء أمين وياسين مرة أخرى، صباحاً هذه المرة. كنت في الطابق الأرضي أتناول طعام الفطور حين سمعتهما يتحدثان مع حكيم في غرفة المعيشة. ما إن سمعت كلمة كلاشنكوف تتردد على ألسنتهم حتى انتفضت أذناي، رحت أصغي باهتمام بالغ. كانوا يتحدثون عن الذخيرة. كانوا في حاجة إلى طلقات كلاشنكوف. كان أمين يقول: لا نستطيع تأمينها في بلجيكا، أما في ألمانيا فهناك كميات كبيرة منها غير أنها باهظة الثمن.

انتقلت إلى غرفة الجلوس وتابعت الإصغاء. كنت مطلعاً في الأساس على جانب من موضع الاتجار بالسلاح من ألمانيين حاولا شراء الحشيش في مقابل الأسلحة. كنت أعلم أن ألمانيا مشبعة بالأسلحة الواردة من الاتحاد السوفياتي السابق. وفهمت أيضاً أن تاجر السلاح كان معرضاً لخطر الاعتقال كلما عبر حدود إحدى الدول. وكل جرعة خطر إضافية كانت تضاعف السعر. وبالتالي فإن السعر كان فاحشاً: كانوا يدفعون 13 فرنكاً ثمناً لكل طلقة. اقتحمت المناقشة قائلاً: قد استطيع تأمين الذخيرة لكم. كم ستدفعون؟

ابتسموا جميعاً، ثم ضحكوا. علق حكيم: لست في القصر إلا من البارحة العصر. وأنت بعيد عن الأجواء منذ عشر سنوات. أنت لا تعرف شيئاً عن كل هذه الأمور.

نظرت اليهم من دون ابتسام وقلت: أنا جاد أعتقد أنني استطيع تأمين الذخيرة. ما الذي تريدونه؟ كفوا عن الضحك، إلا ان الشك كان جلياً على وجوههم. قام ياسين بكسر جليد الصمت قائلاً: نريد خرطوش ايه كي – 47، 7.62 × 39 (7.62، 47-AK× 39) ومستعدون أن ندفع عشرة ونصفاً.

خشيت ألا يبقي لي شيء إذا قبلت بالرقم. لماذا عشرة ونصف؟ إذا تمكنت من العثور على الذخيرة بسعر 11 ستبقون موفرين فرنكين في كل طلقة.

قالا: لا نريد أن ندفع هذا الثمن. لا نستطيع.

قلت: حسناً سأرى ما استطيع فعله.

لم يصدقوني بالطبع، اكتفوا بالابتسام.

زبون سلاح مهم!

لم تكن عندي أي فكرة عن كيفية الاهتداء إلى طلقات الكلاشنكوف. وانا استعد للنوم، تذكرت قيام حكيم بحرق دفتري وقوائم أسماء زبائني في المغرب. ليتني كنت محتفظاً بعنوان الألمانيين! لو كنت لاستطعت أن أحصل على كل ما كان أمين وياسين يريدانه، وأكثر، غير أن الحياة هي هكذا.

صباح اليوم التالي ذهبت إلى مركز المدينة، إلى شايربيك، بقعة شديدة الازدحام في بروكسل، أكثرية سكانها من الأتراك والشمال أفريقيين. إنها البؤرة التي يتردد عليها الرجال بحثاً عن بائعات الهوى والمخدرات.

جلست في مقهى يشرف على شارع وطلبت مشروباً. بقيت هناك نحو ساعة على الأقل، أراقب المارة كما كنت أفعل في المغرب. مع فارق أنني كنت في المغرب أبحث عن مشترين، أما هناك فكنت أبحث عن بائع. وبسرعة لافتة اهتديت إلى واحد، إلى شاب عربي واقف على الرصيف المقابل. كان شديد الأناقة مرتدياً بدلة رياضية جديدة تماماً من طراز نايك. دائم التلقي للاتصالات عبر هاتفه الخليوي. راقبته طويلاً. بين الحين والآخر كانت إحدى السيارات تخفف من سرعتها أمامه، ثم كان يمتطي دراجته النارية العملاقة من طراز كاواساكي وينطلق بسرعة فتتبعه السيارة. غير أنه كان على الدوام يعود إلى مكانه على الرصيف.

سبق لي أن رأيت هذا النوع من البشر، وأكد لي حدسي أنه الشخص الذي سيهديني إلى ضالتي المنشودة المتمثلة بالذخائر. غير انني أدركت أيضاً ان هذا لم يكن اختصاصه النظامي. لكنه سريعاً ما أوصلني إلى بغيتي الذي التقاني في سيارة وقدم نفسه قائلاً: أنا لوران. سألني عن طلبي وقلت إنني في حاجة إلى خرطوش كلاشنكوف... كميات كبيرة... أومأ برأسه.

اختبار العميل

عاينت الرجل. بدا بورجوازياً فرنسياً نموذجياً. لا أعتقد أنه كان فوق الخامسة والأربعين من العمر، إلا أن وجهه بدا أكبر. كان مغطَّى بالتجاعيد وكانت ثمة أخاديد على جبهته. عيناه كانتا دائمتي الدوران.

واصلت معاينتي له ونحن في الطريق. كان شيء شديد الغرابة حوله، شيء لم يسبق أن رأيته. كان جسمه مشدوداً تماماً متوتراً مئة في المئة، في حياتي كلها لم يسبق أن رأيت رجلاً على هذه الدرجة من الدقة، على هذا المستوى الرفيع من الانتباه إلى جميع التفاصيل، كان دائم النظر إلى مرآته العاكسة للخلف، ولاحظت عينيه اللتين كانتا تقفزان من محجريهما لتغطيا سائر الاتجاهات.

تباطأت السيارة في منطقة في حي بروكسلي لم يسبق أن زرته. دخل لوران إلى مرآب للسيارات، على ارتفاع عدد من الطبقات. نزلنا نحن الثلاثة من السيارة، وقفت مع الزبون (السمسار) جانباً، في حين قام لوران بفتح الصندوق. كان ثمة كيس ممدد في الداخل. سحبه لوران إلى الخارج كاشفاً عن مسدسات تشيكية رشاشة. بقيت صامتاً.

راح لوران يفسر: كان من المفروض أن أسلم هذه لأحدهم غير انه اختفى ولم يعد إلى الظهور. ليست لدي فكرة عن مكان وجوده.

التفت ونظرت إلى الزبون الذي بدا منبهراً بالرشاشات، انحنى وحمل أحدها مقلباً إياها عدداً من المرات بين يديه. تراجعت قليلاً ملتزماً الصمت.

علمت أنهما كان يختبرانني. كانا يريدان التأكد مما إذا كنت صادقاً بشأن الجهاد، بدلاً من أن أكون مجرماً صغيراً يبحث عن سلاح للسطو على أحد البنوك. وأراد لوران أن يعرف ما إذا كنت محترفاً، الأمر الذي جعلني أمتنع عن حمل الرشاش كما فعل الزبون. فقط الأغرار يحملون الرشاشات ويقلبونها بتلك الطريقة تاركين بصماتهم عليها. لم تكن العملية كلها سوى مسرحية، جولة اختبار ومعاينة. كانت الأيام الثلاثة الأخيرة سلسلة متصلة من الاختبارات. من خلال مطالبتي بالعودة ثانية وثالثة ورابعة كان الزبون يمتحنني، يحاول معرفة حقيقتي. ربما كنت رجل أمن، ربما كنت مجنوناً، كانا يريدان أن يتأكدا من أنني لم أكن أمارس اللهو.

نظر لوران إلى المسدسات في صندوق السيارة، ثم رفع عينيه ونظر إليّ وسأل: هل أنت مهتم بها؟

أجبت: لا، قلت لك إنني أريد ذخيرة طلقات كلاشنكوف، لا شيء آخر، نقطة على السطر.

اومأ برأسه، عدنا إلى السيارة جميعاً. خرجنا من المرآب، وتوجهنا نحو مركز المدينة عائدين من حيث جئنا. كنت نجحت في الاختبار.

عندما نزلت إلى الطابق الأرضي صباح اليوم التالي، وجدت أن أمين وياسين كانا قد وصلا إلى البيت. كانا يترددان أكثر فأكثر، ربما على نحو يومي الآن.

دخلت إلى غرفة الجلوس وقلت متوجهاً إلى ياسين: اهتديت إلى شخص. استطيع الحصول على الطلقات بسعر أحد عشر وخمسين للواحدة.

حاجبا ياسين ارتفعا قليلاً وهو ينظر إليّ. التفت إلى أمين وتبادلا بضع كلمات همساً. ثم أومأ أمين برأسه.

ببطء قال ياسين وهو ينظر اليّ من جديد: موافق. سنجربه. قل لصاحبك اننا نريد خمسة آلاف. ولكن، اعلمه أننا نريد عينة قبل ان نسلم المبلغ، أي مبلغ. بالطبع كان لدى كل من أمين وياسين قدر من الفضول، لم تكن عندهما أي فكرة عن ذلك الذي كنت أتعامل معه، كما لم اقترح الكشف عنه. في الوقت نفسه لم يكن ثمة ما يدعوانهما إلى الثقة بي، لم يكن قد مضى على وجودي في بلجيكا سوى أقل من شهر، كما أن أحداً منهما لم يكن يعرف عني شيئاً.

كان ياسين في انتظاري عندما عدت إلى البيت. أعطيته الظرف ففتحه. ألقى نظرة سريعة على إحدى الطلقات، أو بدا لي أنه كان يفعل ذلك، ثم قال متحدثاً بلهجة واثقة مئة في المئة: نعم هذا هو طلبنا.

أثار ياسين اعجابي. أي شخص يلتقط طلقة كان من شأنه على الفور أن يعاين الرقم المحفور على الغلاف ليتأكد أنها من النوعية الصحيحة. أما ياسين فقد عرف ذلك من دون أن ينظر. خطر لي فجأة ان ياسين محترف. وبعد ذلك بقي يطلب نوعيات جديدة من السلاح وأنا أوفرها كوسيط عن طريق «لوران».

في صباح أحد الأيام كان أمين وياسين في غرفة الجلوس عندما نزلت لتناول طعام الفطور، كانا كلاهما يبتسم. انتصب ياسين واقفاً لمصافحتي قائلاً: ما شاء الله يا أخ! كانا قد أحصيا الطلقات خلال الليل وكان العدد خمسة آلاف بالتمام. أدركت أنهما كان معجبين.

رددت بابتسامة سائلاً: وأين هي حصتي؟

سحابة سوداء غطت وجهيهما. رأيت أنهما كانا غاضبين. بادرني أمين: أنت يا أخ لا تقوم بهذا العمل مقابل مال. كان صوته خافتاً، مشوباً بشيء من التهديد. أضاف: أنت تقوم بهذا العمل في سبيل الله. هذه خدمة للأمة. إياك ان تنسى هذه الحقيقة.

رمقته بنظرة ساخرة وقلت: إذاً لن أقوم به بعد الآن!

فوجئا بنبرة صوتي وتراجعا قليلاً. ثم قال ياسين: أرجو أن تعيد النظر بما قلت.

أجبت: لست في حاجة إلى إعادة النظر. لا أستطيع أن أؤمن البضاعة لكم بهذا السعر بعد الآن على أي حال. إن التاجر أعطاني ذلك السعر للمرة الأولى فقط. من الآن وصاعداً سيكون السعر أحد عشر وثمانين.

كنت أكذب، بالطبع، وكانا يعرفان ذلك. غير أنهما كانا ملزمين، لم يكن أمامهما أي خيار آخر. ولو بأحد عشر وثمانين كان السعر أقل بما يزيد على فرنك من السعر الذي كان متوفراً لهما من ألمانيا. وأنا لم أكن أخسر شيئاً بكذبي، لم يكن سبق لهما أن وثقا بي تماماً على أي حال.

على امتداد الأسابيع التالية كنت سأجلب لهما ثلاث وجبات ذخيرة من لوران. في البداية لم يطلبا إلا المزيد من الطلقات: خمسة آلاف في كل مرة. كنت أرتب عملية التسلم والتسليم مع لوران بالطريقة نفسها.

مع مرور الوقت، تزايدت أعداد المارين بالبيت قبل التوجه إلى بلاد الشيشان. كان أمين وياسين يكثران من الكلام عن بلاد الشيشان، وعن الجهاد في طول العالم وعرضه. بالطبع تركز جل كلامهما على الجزائر. كانا يريدان اطاحة النظام العسكري. كان أمين وياسين يعرفان أشياء كثيرة عن أفغانستان لأنهما كانا في معسكرات التدريب هناك. ومع أنهما كانا شديدي التكتم حول الأمر، فإنني علمت بالأمر بما يشبه الصدفة حين كانا يمزحان على مائدة العشاء ذات مساء.

الاستخبارات

بعد انقضاء نحو أربعة أشهر على وصولي إلى بروكسل، انقلبت حياتي رأساً على عقب. لدى عودتي عصر أحد الأيام وجدت المطبخ محشواً بحشد من العلب والصناديق والأمتعة. لم أفهم ما كان يجري، انسحبت بسرعة صاعداً إلى غرفة نومي. كانت ثمة آلة تصوير فوتوكوبي كبيرة من طراز «كانون» في الممر، لم أكن رأيتها من قبل. وداخل غرفة نومي وجدت المزيد من الأغراض والعلب المبعثرة هنا وهناك.

هرعت عائداً إلى الطابق الأرضي حيث رأيت أمي وسألتها: ما الذي يجري يا ماما؟ ما معنى هذه الأشياء؟

هناك أصدقاء لحكيم آتون ليعيشوا معنا بعض الوقت. إنهم أمين، ياسين، وآخرون أيضاً. فقدوا شقتهم وباتوا في حاجة إلى مكان للإقامة.

لم أستطع تصديق ما سمعت. غير أنني كنت عاجزاً عن فعل شيء، كان البيت بيت أمي. اندفعت خارجاً، وصفعت الباب ورائي بقوة. وحاولت دفع المجموعة للخروج من المنزل وسرقت منهم 15 ألف فرنك، فعلموا بالأمر لكنهم بدلاً من أن يرحلوا هددوني بالقتل. عندها توجهت إلى السفارة الفرنسية. دخلت بوابة السفارة وقابلني موظف وسألني عما أريد.

أجبت بحزم: لست في صدد رواية قصتي. يطيب لي أن أكلم أحداً يكون منخرطاً مباشرة في الحرب على الجماعة الإسلامية المسلحة. لدي معلومات ستكون ذات أهمية كبيرة، لكنني اريد أن أتحدث مع شخص يكون على خط الجبهة.

من الواضح أنه فوجئ وراوده شيء من الغضب. من المؤكد انه لم يكن متوقعاً شخصاً مثلي يملي عليه شروطاً، أي شروط. إلا انه ما لبث أن رضخ. اذهب من فضلك وأجلس هناك في غرفة الانتظار. سأكون معك في غضون دقائق.

غادرت المكتب وجلست في الخارج. بعد عشر دقائق فتح الباب ودعاني إلى المكتب ثانية. قال: هل تستطيع أن تعود غداً صباحاً في الساعة العاشرة تقريباً، إذا لم يكن ذلك ممكناً فقل لي مباشرة؟

وافقت على العرض قائلاً: موافق. استطيع أن أكون هنا غداً.

جيد. حين تصل إلى هنا، بادر من فضلك إلى الجلوس في غرفة الانتظار. ثمة شخص سيقترب منك وسيزودك التوجيهات. ثم ستتبعه. يمكنني أن أؤكد لك أنه على علاقة مباشرة بالمعركة ضد الجماعة الإسلامية المسلحة.

وافقت على الخطة ثم غادرت القنصلية. ما إن أصبحت خارج المبنى حتى وجدتني أمام كشك للهاتف فاتصلت بأخي وقلت له: لا تبادر إلى أي حركة. اترك كل شيء في مكانه الآن.

أمضيت الليل في البيت مرة ثانية. كنت قد استجمعت أفكاري، وأدركت استحالة إقدامهم على قتلي في بيت أمي. كانوا في حاجة ماسة إلى البيت: لتخزين الأسلحة، لإيواء الشباب العابرين في الطريق إلى الجبهة، لوضع المعدات اللازمة لإصدار نشرة الأنصار. إذا كانوا سيقتلونني، فإنهم كانوا سيفعلون ذلك في مكان آخر.

أعلم أن الشرطة البلجيكية لن تساعدني، لم أكن في نظرهم سوى ارهابي لا مكان له الا السجن. غير أن الفرنسيين كانوا أكثر اهتماماً بالجماعة الاسلامية المسلحة لأنهم كانوا يعرفون بأنهم مستهدفون.

وجهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي المعروف بالـ «دي جي اس إي» DGSE كان معروفاً بالقسوة ولا يعرف معنى الرحمة. قبل بضع سنوات كان عملاء الجهاز قد نسفوا سفينة السلام الأخضر، المناضلة قوس قزح، بالقرب من شواطئ نيوزيلاندا لتمكين الفرنسيين من متابعة تجاربهم النووية في القطاع الجنوبي من المحيط الهادي. كنت واثقاً من أن هذا الجهاز لن يُقدم على تلويث يديه بشخص مثلي.

ما كنت لأستطيع أن أطمئن لأي شيء، بالطبع. كان من المحتمل أن أتعرض للاعتقال والايداع في السجن. ذلك هو السبب الذي جعلني أطلب من نبيل ابعاد الأسلحة. إذا أقدم الفرنسيون على مداهمة البيت، كنت أريد أن أطمئن إلى أنهم لن يجدوا شيئاً. لم أكن أريد تعريض أمي ونبيل لأي متاعب جنباً إلى جنب مع الآخرين.
__________________
كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان

safaa-tkd غير متواجد حالياً  
قديم 04-05-2009, 12:10 PM   #2 (permalink)
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,253
افتراضي رد: في قلب الجهاد (مذكرات رجل الإستخبارات الفرنسية المغربي الذي تسلل إلى القاعدة)

( 2 من 3) ...


أرادت الجماعة المسلحة التخلّص مني فأرسلتني بسيارة مفخخة... لعبور ثلاث دول!



الرياض الحياة
- 13/05/08//




حرص عمر الناصري (اسم مستعار) على التقرب من زملائه أكثر، بعد أن أصبح جاسوساً للاستخبارات الفرنسية التي تنتظر منه كماً هائلاً من المعلومات عن تصرفات الجماعة المسلحة. ولذلك قرر المضي في مهمة السيارة المفخخة التي كلف بها وإن كان موقناً أنها مهمة انتحارية. تظاهر بالسذاجة وهو يوافق على المهمة، فيما كانت الجماعة التي بدأت تشكك في تصرفاته تريد التخلص منه وإيصال المتفجرات إلى الجزائريين.

هنا حلقة ثانية من المذكرات التي تصدر كاملة عن مكتبة العبيكان في الرياض.

< تسارعت الأمور في الوقت نفسه تقريباً. طلب مني ياسين ان اشتري كمية متفجرات من لوران، وطلب مني حكيم ان ابادر الى شيء أكثر خروجاً على المألوف. كنا في مهمة بسيطة في المدينة مستقلين سيارة بيجو صغيرة، لم يسبق أن رأيتها من قبل. في طريق العودة قام حكيم بصف السيارة جانباً وطلب ان اتولى القيادة لبعض الوقت. بدا الأمر غريباً الا انني سايرت الموقف. ما ان انطلقت بالسيارة حتى ادركت انها كانت تعاني من خلل معين. ظلت تميل يساراً وتعيّن عليّ ان ابذل اقصى جهدي لابقائها في المسار الصحيح. ما لبث حكيم ان طلب مني التوقف. ففعلت.

سألته: ما وراء هذا كله؟

- أريد منك خدمة يا أخي.

- أي خدمة؟

بعد فترة من الصمت بدأ حكيم يتكلم ببطء: ثمة أخ في المغرب، انه احد اصدقائي الصدوقين جداً. اشتريت له سيارة هدية، غير أنه لا يستطيع ان يأتي ليأخذها لأنه لا يحمل جواز سفر. أرجو ان تكون مستعداً لقيادة السيارة وايصالها اليه.

صعقت. قلت: ما الذي تتحدث عنه؟ أنت تعلم انني لا املك حتى اجازة قيادة سيارة.

سارع حكيم الى الرد: تلك ليست مشكلة، سيرافقك أخ آخر. هو يحمل اجازة، يستطيع ان يقود وصولاً الى ميناء الجزيراس. سيتعين عليك فقط ان تتولى القيادة من رصيف العبارة في طنجة الى مركز المدينة.

شعرت بالدم يتصاعد الى وجهي. لم استطع ان اصدق ان حكيماً يظن انني أصدق قصته عن ارسال سيارة هدية الى احد اصدقائه. بادرته بنبرة هادرة قائلاً:

اذا كنت راغباً في تكليفي عملاً ما يخصك، فمن الأفضل ان تكشف عنه بالتحديد، لن أوصل سيارة الى المغرب كرماً لعينك ما لم تقل لي بدقة ماذا يوجد في داخلها. لا تحاول ان تستهبلني يا حكيم. لست غبياً.

اكتفى اخي بالتحديق في وجهي من دون ان ينبس بنبت شفة. نزلت من السيارة وابتعدت. بعد ليلتين جاء حكيم الى غرفتي. أمرني: تعال معي. يتعين عليّ ايصال بعض المؤن الى أحد اصدقائي، أريد ان تلتقيه.

ثمن التوبة الصعب!

وفيما يهم بالمغادرة عائداً الى البيت التفت حكيم اليّ وسأل: هل ستنفذ؟

أجبته فوراً من دون توقف ولو لثانية: نعم سأنفذ.

لو قلت لا، لأعتقد حكيم جازماً أنني لم أكن قد تبت حقاً، وأنني لم اكن قد عدت اليه والى الآخرين بالمطلق، اما اذا قلت نعم فقد كان من شأن حكيم والآخرين ان يثقوا بي من جديد ثقة كاملة، لم يكن جيل يكف عن مطالبتي بالعمل على التسلل الى داخل حلقتهم المركزية الضيقة، أدركت أن هذه كانت فرصتي.

قابلت جيل في اليوم التالي. حدثته عن طلب حكيم، عن الكاراج. استقامت جلسته وهو يسألني عما رأيت. عندما حدثته عن القوالب المكعبة أومأ وأفاد أنها ربما كانت من مادة السمتكس.

سألني جيل: إذاً أنت موافق على تنفيذ المهمة؟ كان واضح التوتر والعصبية، غير أنني كنت اعرف انه كان يريدني ان اقوم بالمهمة. كان راغباً في الكشف عن آليات العمل. كان يريد ان أتوغل في الحلقة الداخلية.

أجبته: نعم. وعدته سلفاً.

قال: أنت تعلم ان العملية شديدة الخطورة. يدنا ليست طويلة في إسبانيا أو في المغرب. اذا ما جرى اعتقالك، لن نتمكن من مساعدتك في شيء.

قلت: أعرف ذلك. أنا لا أخطط للذهاب الى المعتقل.

تنهد جيل وقال: على بركة الله. اذاً. اسمع ما أريد منك: أريدك ان تخبرني بكل شيء عن السيارة. أريدك أن تعلمني بموعد المغادرة. وأريد ان تتصل بي كلما توقفت على الطريق لتبلغني بمكان وجودك لأتمكن من مواصلة تعقبك.

كيف أخادع الاستخبارات أيضاً؟

عاد جيل الى الاضطلاع بدور المعلم الآمر، فأزعجني. كنت أقدمت على القيام بمهمة خطرة على نحو لا يصدق، وكان هو يحاول ان «يتأستذ» عليّ ويعلمني كيف أنفذها. لم أكن مستعداً لأن امكنه من ذلك، لا لمجرد عنادي، على رغم أنه احد الأسباب بالتأكيد. كان من المستحيل ان أمكنه من تعقبي عبر فرنسا من أولها الى آخرها وأنا في سيارة ملأى بالمتفجرات. لم أكن اثق به، ولو شاء لاستطاع ان يجعل الشرطة توقفني وتفتش السيارة، فأمضي باقي عمري في السجن. واذا خطر له ان يتواطأ مع الشرطة المغربية يكون الأمر أسوأ من ذلك.

قلت له: مستحيل، لن أحدد لك مكاني. سأتصل بك بعد الوصول وبعد انجاز المهمة.

قال بغضب: اذا لم نعرف مكان وجودك فلن نستطيع مساعدتك اذا وقعت في ورطة.

سأخاطر.

في الساعة الثالثة تقريباً من فجر اليوم التالي، أعادني حكيم الى الكاراج لآخذ السيارة، كان السائق قد سبقنا، وبقي في انتظارنا. سبق لي أن رأيته في البيت بضع مرات. كان اسمه جمال. كان ذا لحية طويلة، هادئاً جداً. بدا مُكَرّساً كل وقته لقراءة القرآن.

كانت السيارة جاهزة. سيارة «أودي» خضراء اللون. كان ثمة مقطورة موصولة بالمؤخرة، كما كان المقعد الخلفي محشواً بحشد من الأشياء المختلفة: سجاجيد، علب، أجهزة الكترونية، كان يُفترض ان نبدو كما لو كنا مهاجرين عائدين الى المغرب لزيارة الأهل. قبل المغادرة زودني حكيم رقم هاتف خليوي. أوصاني أن أستخدمه بعد الوصول الى المغرب للاتصال بياسين الذي كان سيعطيني التوجيهات التي تمكنني من الاهتداء الى هدفي.

خرجنا من بروكسل متوجهين نحو باريس. كان جمال خلف المقود. لم نكن قطعنا مسافة ذات شأن حين بدأنا نعاني من خلل في السيارة. كانت حرارة المحرك ترتفع. وكان جمال ينظر الى المؤشر بعصبية. بعد ليل (lille) بنحو عشرين كيلومتراً قررنا التوقف والقاء نظرة. كان الماء في المبرد يغلي. كانت معي قنينة ماء في السيارة، سكبت ما فيها على المحرك لتبريده.

قطعنا بضعة كيلومترات اضافية ثم بدأت السيارة تحدث جلبة مخيفة حين نظرت الى جمال رأيت انه كان مذعوراً، وعلى الرغم من بقائه صامتاً استطعت ان ارى شفتيه تتحركان بسرعة خارقة. كان يصلي ويدعو.

طلبت من جمال ان يصفّ جانباً. نزلت من السيارة ومشيت الى المخرج التالي حيث وجدت هاتفاً بالأجرة في قرية صغيرة واتصلت بمؤسسة المساعدة الأوروبية (Europe Assistance) وأي شيء آخر كنت أستطيع أن أفعل؟ كان لا بد لنا من ابعاد السيارة عن الطريق الرئيسية. عدت الى السيارة وأطلعت جمالاً على ما كان يجري، بدا موشكاً على الانهيار من فرط القلق والخوف. لم يقل شيئاً. اكتفى بمواصلة الدعاء والصلاة.

ما لبثت احدى القاطرات ان وصلت وسارع العمال الى قطر سيارة الأودي. جمال وأنا ركبنا الأودي فيما تولت القاطرة جرنا جميعاً. بعد بضعة كيلومترات وصلنا الى قرية صغيرة، قام السائق بفك سيارتنا أمام محل لاصلاح السيارات.

وتعطلت السيارة المفخخة

لم يكن واضحاً كيف كنا سنستطيع اصلاح السيارة. كان المحرك يعاني من خلل محدد. وكنت شبه متأكد من طبيعة الخلل: كان الميكانيكي في بروكسل قد حشى كل سنتيمتر بالأوراق النقدية والمواد. تصورت انه كان قد وضع مواد في قعر خزانات السوائل بطريقة ما، الأمر الذي كان من شأنه ان يفسر الارتفاع الدائم لحرارة السيارة. ولكن، كيف سنتمكن من اصلاح السيارة من دون ان يقوم أحد باكتشاف ما في أحشائها؟

حين قام صاحب المحل بالاصلاح رفع الغطاء، كان الدخان يتصاعد من المحرك. بدأ ينظر الى كل شيء قطعة قطعة. كان لابد لي من مراقبته مثل الصقر للتأكد من عدم اهتدائه الى أي مهربات. سألني عدداً من المرات عما اذا كنت راغباً في الدخول الى المكتب وأخذ قسط من الراحة، فأجبته بالنفي، ظل جمال واقفاً بجانبي طوال الوقت، مشغولاً بالدعاء الصامت.

دام الأمر ساعات عدة. أخيراً رفع الميكانيكي رأسه وأنزل الغطاء. التفت الي وقال: لا أستطيع ان افعل شيئاً. المحرك هالك مئة بالمئة. يتعين عليك تغييره. أستطيع استدعاء قاطرة تجرك انت وسيارتك غداً اذا أردت، فتستطيع ان تعود بها الى بروكسل.

أبقينا السيارة ليلتها هناك لعدم وجود مكان آخر نودعها فيه. عملياً تعيّن عليّ ابعاد جمال، أعتقد انه كان مستعداً لأن ينام في السيارة لو استطاع.

اتصلت بحكيم وأطلعته على ما جرى. انزعج كثيراً، وطلب ان نعود الى بروكسل بأقصى سرعة ممكنة لنتمكن من اصلاح السيارة والانطلاق الى السفر من جديد. بدأت أدرك انهم كانوا مستعجلين وصول السيارة الى المغرب لاحقاً.

عند وصولنا الى الكاراج كانت السيارة جاهزة. عدنا الى الطريق دون اضاعة المزيد من الوقت.

كانت الرحلة كارثية مئة في المئة. كان الميكانيكي قد تعامل مع المحرك الجديد بالطريقة نفسها فتعين ان نبقى شديدي الحرص لنحول دون ارتفاع درجة حرارته. تعطلت السيارة من جديد في جنوب فرنسا وتعين علينا مرة اخرى ان نأخذها الى ميكانيكي. لم يكن الوضع في المستوى السابق من السوء، واستطاع الميكانيكي اصلاحه. هذه المرة أيضاً راقبنا عملية الاصلاح من أولها الى آخرها، من المؤكد اننا بدونا اثنين من المجانين.

مرة أخرى تعطلت السيارة لحظة عبورنا الحدود الى اسبانيا. من جديد تسلقنا جبال البيرينيه، وفي كل مرة كنت أعالج الامور بنفسي، كان جمال عديم الفائدة. كان يتعين علي ان اتصل بالبيت وابلغ حكيماً بأننا تأخرنا. كان حكيم يزداد قلقاً باطراد، وقد رفع صوته في احدى المرات طالباً مني ان اسرع. زاعماً انني كنت موشكاً على افساد المهمة جراء تأخري. كان ردي جاهزاً اذ قلت ان السبب كان كامناً في تعامله، هو والآخرون، مع ميكانيكي لا يفهم شيئاً في اختصاصه.

في قبضة الشرطة الإسبانية

اصبح الأمر أسهل قليلاً اثناء الانحدار عن الجبال. كنا قادرين على اطفاء المحرك وترك السيارة تكر مسافة كيلومترين من دون تشغيل المحرك. غير أننا ما لبثنا في ساعة متأخرة من الليل وعلى مسافة نحو سبعين كيلومتراً من ألجزيراس أن فوجئنا بالمحرك وقد التهب من جديد. تعين علينا ان نوقف السيارة في منتصف الطريق. لم يكن في امكاني ان أتصرف. امتنع المحرك عن الاقلاع. لم اكن مستعداً للسير في منتصف الطريق في هذه الساعة المتأخرة من الليل، فجلست على قارعة الطريق ورحت ادخن سيجارة بعد أخرى. بقي جمال شديد التوتر الى درجة انه لم يتمكن من الجلوس، راح ينوح شاكياً:

ما الذي سنفعل؟ ماذا سنفعل؟

كنت مللت منه ومن كلامه. لم يكن أمامي أي خيار سوى تجاهله واشعال سيجارة جديدة، غير انني حين رفعت رأسي رأيت سيارة للشرطة مقبلة نحونا. كان جمال شديد الغضب والفزع. تضرع إليّ قائلاً: الى أين سنذهب؟ كيف نفلت منهم؟

طمأنتُه وطلبت منه ألا يخاف. حين نزل عناصر الشرطة من السيارة اقتربت منهم وكلمتهم بالإسبانية. كنت ودوداً جداً، قلت لهم إن المحرك معطل. كانوا ودودين بالمقابل، وقالوا إن علي أن أبعد السيارة من منتصف الطريق بطريقة ما.

هززت كتفي قائلاً: ولكن كيف؟

ابتسم احد عناصر الشرطة وعرض مساعدته. اقترب بسيارة الشرطة من سيارتنا الأودي، أخرج كابلاً، قطر السيارة بالأخرى. جمال وأنا عدنا إلى «الأودي» وسحبتنا سيارة الشرطة نحو عشرين كيلومتراً. تركونا امام محل لاصلاح السيارات في احدى القرى الصغيرة. ولدى انطلاقهم مبتعدين ابتسم عناصر الشرطة لنا ولوحوا مودعين ومتمنين لنا حظاً سعيداً.

غادرنا، جمال وأنا في ساعة مبكرة وسقنا ببطء معاينين المحرك كل عشرين دقيقة او نحوها. ومع وصولنا الى أطراف الجزيراس التفت الي جمال وقال: عليك ان تستقل العبارة المتجهة الى سبتة فأجهزة الأمن هناك أقل كثافة مما هي في طنجة.

كان على صواب، فسبتة نقطة إسبانية متقدمة مما يجعل جهاز الأمن اقل تشدداً. غير أنها كانت ايضاً بلدة صغيرة جداً وأبعد بكثير من طنجة. حتى لو تمكنت من العثور على قاطرة في سبتة. وكان ذلك امراً غير مؤكد فإن نقل السيارة من هناك الى طنجة كان سيستغرق عدداً من الساعات، لم تبد الفكرة جديرة بالاعتبار.

قلت: أعتقد أنني سأجرب حظي مع طنجة. نظراً للوضع الذي تعاني منه السيارة لم يكن أمامي أي خيار آخر.

ظل جمال يلح. «حقاً أظن ان من الأفضل لك ان تذهب الى سبتة». كرر العبارة ثلاث مرات في غضون عشر دقائق. تجاهلته.

وصلنا الى رصيف العبارة عند الظهر تقريباً. كان ثمة صف طويل من السيارات يزحف ببطء باتجاه العبارة التي كانت تأخذ حمولتها. تولى جمال قيادة السيارة لادخالها في الصف. الا ان السيارة ما لبثت ان تعطلت من جديد. توقف المحرك. حاول التشغيل بضع مرات كي يقلع لكن شيئاً لم يحصل. جمدت السيارة في مكانها. نظرت اليه. كان يحدق في الأفق البعيد أمامه. بدا كما لو كان موشكاً على البكاء.

مشكلة لحية السائق

قلت له: اذهب انت يا جمال، مع السلامة!

نظر إلي مندهشاً.

قلت: لحيتك أنت تثير قلقي أكثر من جهاز الأمن في طنجة، ستلفت الأنظار هنا. من الأفضل ان تنزل من السيارة وترحل بعيداً.

حقاً؟ سأل جمال. بدا منفرجاً، لكن ظلاً ما لبث أن عبر صفحة وجهه. هل أنت مصر على عدم اخذ العبارة المتجهة إلى سبتة؟

«نعم أنا مصر كل الإصرار» غمغمت بغضب. «انقلع من هنا»!

بدا جمال كما لو كان موشكاً على أن يقول شيئاً لكنه لم يفعل، اكتفى بهز كتفيه. أخرج رزمة أوراق نقدية من جيبه وقدمها إليّ. كان ذلك ثمن تذاكر العبارة وكل الأشياء الأخرى. لم يكن حكيم قد وثق بي، مما أبقى المبلغ مع جمال كل الوقت.

قال: ليكن الله معك في طنجة يا أخ. ثم فتح باب السيارة ونزل. حين التفتّ بعد نحو ثانيتين كان قد اختفى تماماً.

بقيت جالساً في السيارة بضع دقائق وأشعلت سيجارة. لم يمض الا القليل من الوقت قبل ان يقترب شرطي من السيارة ويقول: يتعين عليك ان تحرك السيارة يا سيد. ثمة أناس في الصف يريدون ركوب العبارة وأنت تعوقهم. رفعت رأسي وابتسمت. قلت: أنا آسف. ولكن المحرك هالك. لا استطيع تحريك السيارة.

اذن علينا ان نقطرها.

الى العبارة؟ سألت.

لا الى محل اصلاح. لا بد لك من اصلاحها قبل ركوب السيارة.

ماذا لو دفعتها؟

رفع حاجبيه وراح يعاين السيارة. حين درت لأنظر اكتشفت مقصده. ان السيارة محشوة بالسجاد والبسط والعلب كانت ثقيلة جداً حتى كاد الهيكل يصل الى الأرض. تلفت حولي وحاولت الاهتداء الى طريقة تخرجني من الورطة. تقاطعت نظراتي مع نظرات مغربي واقف عند مدخل العبارة. كان في ملابس مدنية، إلا انه كان يقف مع آخرين اثنان منهم يحملان هاتفي ووكي توكي مثبتين على نطاقيهما. كان قد حرص على مراقبتي حين كنت أتحدث مع الشرطي.

نظرت الى ضابط الشرطة: اعطني دقيقة. سأحاول العثور على أشخاص يساعدونني في دفعها.

مشيت الى مجموعة الرجال الواقفين امام البوابة. كنت أعرف هذه النوعية من الزبائن، سبق لي ان رأيت كثيرين مثلهم خلال عيشي في المغرب. كانوا يتظاهرون بأنهم موظفو جمارك أو بحارة أو أي شيء آخر، غير أنهم لم يكونوا يفعلون شيئاً. كنت أعرف انهم كانوا خبراء فراسة، مدربين على الاهتداء الى الوجوه المثيرة للشك بين الحشود الصاعدة الى العبارة.

اقتربت منهم راسماً ابتسامة عريضة على وجهي وباسطاً ذراعي تعبيراً عن مدى كوني بلا حول ولا قوة. قلت بالفرنسية: أرجو ان تعذروني. أنا آسف جداً لازعاجكم. الا انني ذاهب لرؤية اهلي وسيارتي تعطلت. اشرت الى السيارة الواقفة في الصف. اشتريت السيارة ظناً مني انني استطيع بيعها في المغرب وكسب بعض المال. الا انني انفقت على اصلاحها مبالغ طائلة في الطريق من بروكسل الى هنا حتى افلست. لا أريد سوى ايصالها الى العبارة.، إن اخي سيستقبلني في الطرف الآخر ومعه قاطرة.

بدا الرجال متعاطفين. أدركت أنني اقنعتهم. منحتهم أعرض ابتساماتي. هل لي أن اطمع بمساعدتكم لي في دفع السيارة الى العبارة؟ تبادل الرجال النظرات، أحدهم هز كتفيه ودار نحوي قائلاً: لك ما تريد بالتأكيد.

رافقني ثلاثة منهم الى سيارة الأودي. تطلبت العملية جهداً كبيراً، غير أننا استطعنا آخر المطاف ان ندفع السيارة. وهي المحشوة بالمتفجرات، الرشاشات، الذخائر، والعملات المهربة (المزورة). الى قلب العبارة. كنت أضحك بيني وبين نفسي كل الوقت. ما أكثر ما كانت الشرطة المغربية قد عذبتني لسنوات طويلة! ألم يكن من العدل ان تمد لي الآن يد المساعدة؟!

ما إن اصبحت السيارة على ظهر العبارة حتى صعدت الى قمرة الركاب. جلست ودخنت سيجارة، فيما كانت العبارة تبحر مبتعدة عن الرصيف. طلبت كأساً من الخمرة، كأساً آخر. كنت أعرف ان المكان كان زاخراً بعناصر الأمن السريين المكلفين مراقبة الجميع. أردت ان أثبت لهم أنني لم أكن أصولياً متطرفاً: لم أكن سوى رجل عادي عائد لزيارة أهله. غير أنني كنت ايضاً بحاجة الى كأس بالفعل.

بعد وصول العبارة الى رصيف طنجة، انتظرت خروج جميع السيارات الأخرى أولاً. لم تكن ثمة أي امكانية لتحريك الأودي واخراجها وحدي، فنظرت من حولي ورأيت مجموعة الرجال نفسها التي كانت ساعدتني في الجزيراس. ذهبت اليهم وسألتهم عما اذا كانوا مستعدين مرة أخرى لمساعدتي. كانوا أقل دفئاً هذه المرة، باتوا في المغرب، حيث كانوا يتمتعون بنفوذ حقيقي. غير أن احدهم اقترح العثور على بعض عمال الرصيف فساعدوني في دفع السيارة وانزالها عن ظهر القارب.

حين وصلت الى منطقة الجمارك صعقت. كان المكان مزدحماً بعناصر الشرطة. كانت الشرطة المغربية مسلحة ودائبة على تفتيش السيارات كلها. حتى السياح الأوروبيون الذين كانوا يبحرون عابرين كان يتم ايقافهم. كانت الشرطة تخرج كل شيء من السيارة، قطعة قطعة. رأيت شرطياً يطلب من سيدة بريطانية اخراج رضيعها من السيارة. بدأ الرضيع يزعق، إلا أن الشرطي لم يبال بالأمر، أمضى، أقله، خمس دقائق وهو ينكش مقعد الطفل ويفككه قبل اعادته الى الأم.

آنذاك لم أستوعب ما كان يحصل، إلا أنني ما لبثت ان جمعت أجزاء القصة. كانت الحكومة المغربية المعادية دوماً للتطرف الاسلامي، قد غدت أقسى في خريف 1994 حين كانت جماعة اسلامية متطرفة مرتبطة بالجبهة الاسلامية المسلحة اقدمت على قتل اثنين من السياح في أحد فنادق مراكش. والآن بعد عملية الاختطاف، كانت الحكومة في حال استنفار شديد. كانت شديدة القلق من احتمال تسرب الجماعة الاسلامية المسلحة وجماعات متطرفة أخرى الى المغرب. كانت الحكومة تفعل كل شيء ما تستطيع لقفل الحدود.

كان حكيم والآخرون ارسلوني الى قلب برميل البارود مع سيارة ملأى بالمتفجرات. كانوا يعرفون بدقة ما كان يحصل. الشخص الوحيد الذي لديه شيء من الاحساس بالذنب هو جمال الذي كان قد حاول ارسالي الى سبتة بدلاً من طنجة.

شعرت بالرهبة، ولم أكن اعرف ما استطيع فعله. لم تكن لي أي حماية هنا في المغرب، لم يكن جيل قادراً على فعل أي شيء اذا ما جرى اعتقالي. لو قلت للسلطات انني عميل لجهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي (الدي جي اس إي) لسارع جيل الى انكار ذلك. اذا اكتشف الأمن ما كنت احمله في السيارة سيعذبني لانتزاع أسماء الناس الذين كنت اعمل معهم، وكان الاحتمال الاقوى أنهم سيقتلونني بعد الحصول على المعلومات.
__________________
كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان

safaa-tkd غير متواجد حالياً  
قديم 04-05-2009, 12:20 PM   #3 (permalink)
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,253
افتراضي رد: في قلب الجهاد (مذكرات رجل الإستخبارات الفرنسية المغربي الذي تسلل إلى القاعدة)

(3 من 3) ...


أعدائي يسهّلون مهمتي ... ومعسكر «خالدان» يجمعني بمجاهدين متعددي القوميات



الرياض الحياة
- 14/05/08//




من المفارقات المثيرة في حياة «عمر الناصري» (اسم مستعار) أنه أدرك فور وصوله الى مشارف أفغانستان وقبل ولوجه ديار العرب المجاهدين هنالك، أن في يديه رصيداً حقيقياً هو أمين وياسين اللذان عرفهما هنالك في بلجيكا وهما يهربان السلاح والمتفجرات للمتطرفين الجزائريين.

على رغم أن الرجلين لم يصارحاه بأنهما تدربا في أفغانستان وانهما على صلة وثيقة بالمجاهدين، إلا أنه استنتج من تحركاتهما ولياقتهما أنهما شخصان استثنائيان، فقرر أن يجرب نفوذهما، فكانا بحق مفتاحاً له إلى المعسكرات، التي غالباً ما يحتاج البعض شهوراً للوصول إليها، وبعد الخضوع لاختبارات قاسية.




في جبال أفغانستان


بعد أن فشل جيل في التخلص من الناصري ونجاح الأخير في إثبات عمالته رسمياً لدى جهاز الاستخبارات الفرنسي الأم، كلفه جيل بمهمة في تركيا لتحييده عن التأثير، كما يرى الناصري.

لكن هذا الذي تنبه لكل خطوات جيل فضل بعد أسابيع في تركيا أن يتقدم نحو الجبهة في أفغانستان. المنجم الذي كان يشغل ما في داخله فضول الغربيين في فترة انفض فيها سامر الجهاد الأفغاني.

وافق جيل على المقترح لكنه لم يكن واثقاً من قدرة الناصري على النجاح في مهمة شاقة كتلك، فنصحه بعدم الذهاب. إلا أن الناصري أصرّ على أن يجرب حظه، فشرب آخر كأس ودخن آخر سيجارة في تركيا... وغادر إلى باكستان.

هنا حلقة ثالثة أخيرة من المذكرات التي تصدر كاملة عن مكتبة العبيكان في الرياض:

أول من تلقى «عمر الناصري» في باكستان بالأحضان «جماعة التبليغ» التي تمكن في أول خروج له معهم أن يزيدهم أنصاراً. ما جعلهم يتمسكون به أكثر، إلا أنهم لم يكونوا المجاهدين الذين يبحث عنهم.

مضى حتى قاده حظه إلى شخص يعرف ياسين وأمين، ليوصله إلى الخطوة الأولى التي انتهت به في غضون أسبوعين إلى معسكر «خالدان» العربي، في صحبة الدليل.

بإيعاز من الدليل أوقف السائق السيارة وسمح لنا بالنزول (بعد تجاوز الحدود الباكستانية - الأفغانية) ومن هنا، تابعنا الطريق، الدليل وأنا، سيراً على الأقدام عبر احدى القرى وبدأنا نتسلق التلال. ومع متابعتنا السير زاد الدليل من سرعته على نحوٍ مطرد، بعد قليل أصبحتُ عملياً في حالة عدو، كنت أعرف أنني ملزم عدم التكلم معه، فلم أستطع مطالبته بالإبطاء، بعد نحو كيلومترين كنت أعاني كثيراً وبدأت أتساءل عما إذا كان يحاول الهرب مني عمداً، لم أكن متأكداً قط من قدرتي على الثقة به.

بعد مدة صار بعيداً عني حتى بتُّ غير قادر على رؤيته، كنت وحيداً بين الصخور السوداء، بدأت أتساءل: أمن الممكن أن يعرف أنني جاسوس؟ أن تكون الأيام القليلة الأخيرة مكيدة مُحْكَمة لقتلي؟ تذكرت الفيلم الذي رأيته في مركز بومبيدو حيث قام المجاهدون بنصب كمين لرتل سوفياتي، وتساءلت عما إذا كان يتعين عليَّ أن استمر في اتباع الرجل، لم أكن أعرف شيئاً عنه، أو عن المكان الذي كان يأخذني إليه. للحظات فكرت بالعودة، ثم طردت الفكرة من رأسي، كنت هنا لسبب محدد، كان لابد من المثابرة مهما حصل.


كل هذا من أجل «الغداء»!

كنت أتصبب عرقاً جراء المشي بهذه السرعة في الجو اللاهب، وكانت ساقاي مرهقتين. توقفت لخفض رأسي وأخذ بعض النفس للتعافي، وحين رفعت رأسي، رأيت الدليل واقفاً على صخرة أمامي، ناداني: عجّل وإلا فاتتنا وجبة الغداء.

منذ تلك النقطة تابعنا معاً، انحدرنا عائدين في قلب أحد الأودية، كان المكان أشبه بواحة بين حشد من التلال السوداء، كان كل شيء أخضر وندياً، واستطعت أن أرى بريق الماء في الأفق البعيد.

فجأة، دويّ قوي، بام بام بام. لم أدرك سبب الدوي مباشرة، بعد قليل، أصوات أخرى. بوم بوم تات تات تات تات.

عندئذ أدركت ما كان يجري: رشاشات، مدافع، تفجيرات، قذائف مورتار، كشّر الدليل قائلاً: ها قد وصلنا يا أخ. هذا معسكر «خالدان». تلك كانت المرة الأولى التي أسمع فيها كلمة «خالدان».

تبعت الدليل انحداراً على سفح التلة إلى قاع الوادي حيث استطعت أن أرى بعض المباني المعششة في ممر ضيق بين جبلين عاليين. ثمة نهر كان ينحدر من الجبال ويتدفق على الوادي ويعبر المعسكر. إلى يميني كانت هناك فسحة واسعة، مستوية. وفي مكان مرتفع بعيداً إلى اليسار ثمة بقايا نوع من أنواع برج المراقبة.

توقفنا أمام المبنى الأول. التفت الدليل إليّ ونظر إلى عيني مباشرة وأمرني وهو يشير إلى قدمي: ابق واقفاً هنا. أرادني أن أتسمر في المكان ذاته ثم ركض مع الممر واختفى خلف المبنى.

لم تكن لدي أي فكرة عما كان سيحصل، دليل لم أكن أثق به تركني واقفاً هنا وحدي. لم أكن رأيت أي شخص آخر على امتداد كيلومترات. ما الذي كان القدر يخبئه لي هنا. كنت بالغت في المخاطرة بحياتي. لم يكونوا ليجدوا أي صعوبة في اكتشاف حقيقة كوني جاسوساً. غير أنني عدت لأحاكم بنفسي قائلاً: لو كانوا يريدون قتلي لاستطاعوا ذلك في بيشاور، أو حتى قبل ذلك، كان أبو أنس قادراً على قتلي في لاهور.

لعلعة الرصاص اختطفتني من أحلام اليقظة. تات تات تات. من هذه البقعة في قلب الوادي السحيق استطعت أن أسمع أصداء الطلقات تتردد بين الجبال، كل انفجار كان يتضاعف في الجو مع صداه الخاص. بانغ بانغ بانغ.

كنت قادراً على الإحساس بالتفجيرات في جسدي. بدأت أعيش الرعشة الأولى ذاتها التي أحسست بها حين أطلقت النار مع إدوار للمرة الأولى. أدركت أنني حلمت بهذه اللحظة قبل سنوات. كنت بين جبال أفغانستان وكان إطلاق النار من حولي في جميع الجهات تات تات تات تات. طردت من رأسي الأفكار السوداء، وأيقنت أنني بلغت هدفي. كنت جاهزاً للشروع في جهادي.


الجاسوس المجاهد «أبو إمام»



لم يستغرق وقوفي هناك أكثر من خمس دقائق حين جاء إليّ رجل وهو يعدو. كان صغير السن، في أوائل ثلاثينياته. كان يحمل رشاش اقتحام بيده اليمنى، بدا الرشاش كلاشنكوفاً، وإن أكثر لملمة. جسم الرجل كان مشدوداً على نحو لا يصدق، قوياً، وكان يتحرك مثل القطط، بهدوء ولكن بقدرٍ هائل من الدقة.

كنت بالغ التأثر بحضوره الجسدي الاستثنائي إلى درجة أنني لم أنتبه، حتى بات واقفاً أمامي، إلى أنه كان قصير القامة، ربما 165 سنتيمتراً، لا أكثر. وقف الرجل وقال: السلام عليكم! عليكم السلام. ثم أخذ كيسي من يدي ورماه على الأرض. في حركة واحدة بالغة السرعة فتش جسدي كله بلمسة يده الخفيفة. حركاته كانت دقيقة، موزونة. العملية كلها لم تستغرق أكثر من ثانيتين.

تحت السروال والقميص اكتشف حزامي الذي كان يحتوي على جواز سفري وأموالي. أخذ الحزام مني وسأل: معك شيء آخر؟

قلت لا، عد النقود أمامي. قال لي إنه كان سيعطيني لاحقاً ورقة أوقعها بشأن حوائجي. ثم وضع يده على ساعدي وسأل: ما اسمك يا أخ؟

قلت: عمر الناصري.

فوجئ، تراجع خطوة. عاود السؤال: أهو اسمك الحقيقي؟

شعرت بالدم يصعد إلى وجهي. خجلت من نفسي. كنت أجبت غريزياً. لم أكن بعد قد تآلفت مع اسمي الجديد، وهذا الرجل العجيب كان قد أربكني. سارعت إلى تصحيح خطئي ورحت أتمتم: اسمي أبوبكر. ابتسم وقال: ذلك الاسم أخذه أخ آخر، سيتعين عليك أن تختار غيره.

فكرت لثانية ثم سألت: ما رأيك باسم أبو إمام؟ قال: موافق، ذلك رائع. ثم اقتادني إلى داخل المجمع، بعد سلسلة من المباني وأنا أتبعه، لاحظت ثانية كم كانت خطواته وحركاته محكمة وموزونة. كان جسده مشدوداً مئة في المئة، مثل أسد يتهيأ للانقضاض.

قادني إلى داخل مركز المجمع، إلى مبنى من الطوب ذي سقف معدني. قال أن هذا هو المسجد، وأن علي أن أجلس هناك وانتظر قدوم الآخرين. قبل رحيله انحنى علي وتكلم بصوت هادئ ولكنه حاد محذراً: يجب أن تتذكر دائماً أنك هنا لأداء فريضة الجهاد. لست هنا للتحدث مع الآخرين. نحن لا نطرح أسئلة على إخواننا. لا نميط اللثام عن أي شيء حول أنفسنا. يجب أن تبقى مركزاً على رسالتك الجهادية.

أومأت موافقاً، وتابع يقول: كذلك يجب ألا تتكلم مطلقاً مع أي أفغاني. مع الأدلاّء، الحراس، الطباخين، ولا كلمة واحدة.

أومأت ثانية لأبين له أنني فهمت. ثم دار واختفى بالسرعة التي كان ظهر بها، وقدماه تلامسان الأرض برفق مثل أقدام راقصي الباليه.

جلست وحدي في المسجد وتركت الجو المظلم الندي يغمرني. شعرت أن جسدي ارتاح قليلاً. عيناي لم تعودا تدمعان من الشمس الحارقة. تواصلت أصداء الانفجارات وأصوات إطلاق النار مترددة في الجبال، غير أنني كنت بدأت التآلف معها. بعد دقائق هدأ كل شيء فجأة، ساد المسجد صمت كامل: لا طيور تصدح، لا قنابل تنفجر، لا شيء. كنت قادراً على سماع صوت تنفسي ونبض قلبي اللذين كانا يتباطآن بعد كل هذا الفيض من الرياضة والقلق.

فجأة فتح الباب بجلبة صاخبة. خمسة رجال عمالقة تسللوا إلى المسجد. كانوا جميعاً في العشرينيات، من ذوي البشرة البيضاء والعيون الشهلاء. مع كل منهم رشاش كلاشنكوف علقه على صدره، وحزام مثقل بالقنابل اليدوية والذخائر. كانت عيون الجميع مطوقة بالدوائر نفسها التي كنت رأيتها لدى أمين وياسين.

حين رآني الرجال جالساً ابتسموا واقتربوا مني. استطعت أن أفهم من لهجتهم أنهم من الشيشان، فتحدثت معهم بالإنكليزية. قدموا أنفسهم بالأسماء التي كانوا اعتمدوها: أبو أنس، أبو عمر، وأبو... تبادلنا التحية بالطريقة النموذجية، ملامسة الكتف بالكتف. استطعت أن أحس بالقوة الوحشية الكامنة في أجسادهم.

كان الوقت صلاة الظهر، وما لبث المسجد أن بدأ يزدحم، استطعت أن أدرك من وجوههم أن هؤلاء الرجال كانوا من أنحاء عدة في العالم: من شمال أفريقيا، من الشرق الأوسط، من آسيا الوسطى.

وفيما كانت الصلاة موشكة على البدء، تذكرت أنني لم أكن متوضئاً. درت إلى من كان بجانبي وسألته عن الحمام. أمسك بذراعي برفق ورافقني إلى خارج المسجد عبر فضاء مكشوف نزولاً إلى ضفة النهر، ثم أشار إلى مجموعة من الأكشاك بين صخور كبيرة. طلب مني أن آخذ سطل ماء من النهر وأتوضأ هناك. غمست يدي في الماء، مع أن الشمس كانت حارقة، فإن الماء كان بارداً كالثلج. أدركت أن الماء آت مباشرة من الثلوج المتراكمة على الجبال. بعد انتهائي من وضوئي، عدت إلى المسجد لإقامة الصلاة. لاحظت أن أولئك الذين كانوا متنكبين الكلاشنكوفات كانوا قد وضعوا أسلحتهم على الأرض بين أرجلهم في أثناء الصلاة. وما إن انتهينا حتى وقف الرجل الذي استقبلني عند وصولي إلى المعسكر ليقدمني إلى الجماعة وقال: هذا أبو إمام. إنه أخوكم. التحق اليوم بجهادنا.

ابتسمت لجميع الرجال الذين رحبوا بي في المسجد وهتفوا: ما شاء الله! ما شاء الله! ما شاء الله!

غادرنا المسجد ومشينا باتجاه المقصف الذي كان في المبنى الأول الذي كنت رأيته عند مدخل المعسكر. كان المبنى حجرياً إلا أن السقف من أغصان الأشجار اليابسة التي بدت أشبه بسعف النخيل. كنت رأيت هذه الشجيرات على الطريق إلى المعسكر. من الداخل كان السقف مبطناً بصفحات النايلون لاتقاء المطر.

جلسنا جميعاً على الأرض وتناولنا نوعاً من الشوربة المصنوعة من الفاصولياء. كان الطعام مقززاً، غير أن الجوع كان قد هدني فأكلت. وحين انتهينا من وجبتنا جاءني رجل آخر وطلب مني أن أتبعه. ناولني كيس نوم رقيقاً وعدداً من البطانيات، ثم قادني عبر المعسكر إلى مجموعة من المباني الصغيرة، واقتادني إلى داخل أحدها. أبلغني أن هذا مكان نومي. نظرت حولي ورأيت أن عدداً من الأشخاص يقيمون هنا أيضاً. حوائجهم كانت مضبوطة بعناية ومركونة إلى جدران الغرفة. لم تكن ثمة أي أرضية ممهدة، فقط الأرض القاسية للجبال الأفغانية.

مساءً، بعد العشاء، توزعنا على مجموعات صغيرة للتدرب على التجويد، تلاوة القرآن. كنا مقسمين إلى مجموعات وفقاً لمستوى معرفتنا الروحية. جماعتي كانت تضم خمسة من الشيشان وجزائرياً. كنا جميعاً مبتدئين.

شرح لي أحد المتدربين أن الرجل الذي قدمني في المسجد كان أمير المعسكر، أبا بكر، ضحكت بيني وبين نفسي متذكراً أنني كنت، عن غير قصد، اخترت اسمه في بيشاور. ثم أفادني الرجل أن أبا بكر كان الأمير الوحيد في غياب ابن الشيخ، الذي كان سيتولى الامارة لدى عودته. بعد انتهائنا من دروسنا، تجمعنا ثانية في الساحة الرئيسية أمام المسجد. لفت أبوبكر أنظارنا. أعطى أوامره للحراس الليليين، وزودنا كلمة السر في تلك الليلة. ثم اختار أحد الإخوان ليتولى رفع الأذان فجر اليوم التالي.

ثم قام أبوبكر باستعراض أحداث النهار. من دون تسمية أحد على نحوٍ مباشر، امتدح إنجازات معينة وانتقد إخفاقات محددة لبعض الإخوان. أحدهم كان في الحمام حين خرج فريقه إلى التدريب. قام أبوبكر بتذكير الجميع بأن هذا إهمال وسلوك غير قويم بالنسبة إلى أي مجاهد. ما من مجاهد إلا يبقى مهتماً بسائر إخوانه، إنها مسألة حياة أو موت.

بعد أن أنهى أبوبكر كلامه. توجهت إلى المهجع، ووضعت حوائجي على الأرض الباردة. كانت درجات الحرارة انخفضت انخفاضاً كبيراً لدى غروب الشمس، وراح البرد يخترق ملابسي إلى جسدي. لم أشعر بالدفء إلا بعد بضع دقائق تحت كيس النوم والبطانيات.

ما لبثت نبضات قلبي أن تباطأت، ارتخى جسدي وبدأت أفكر بكل شيء كان قد حدث. كنت قد استيقظت في بلد آخر ذلك الصباح، كنت في اسطنبول قبل أقل من شهر. والآن إنني هنا، في معسكر للتدريب مع المجاهدين، كل شيء بدا غريباً لكنه مألوف في الوقت نفسه، هذا ما كنت قد توقعته تماماً وحلمت به وتطلعت إلى ممارسته بعد مشاهدة كل تلك الأفلام، بعد القراءة عن الحرب ضد الروس. بعد الاستماع إلى كلام كل من أمين وياسين. رحت أفكر بدويّ القصف الذي سمعته ورشاشات الكلاشنكوف التي كان الإخوان يحملونها، وأيقنت أنني سأجد كثيراً من المتعة هنا.

كنت منفعلاً وتواقاً لطلوع الفجر. غير أنني في اللحظات الأخيرة قبل الاستغراق في النوم أجبرت نفسي على تأمل مهمتي، تلك الليلة، وسائر الليالي التي أعقبتها في العام التالي، بقيت حريصاً على تذكير نفسي بحقيقة أنني كنت جاسوساً.


أول أيام التدريب...

لم أنم كثيراً تلك الليلة، فبعد نحو ساعة أو اثنتين فقط أيقظتني أصوات تقلبات النائمين الآخرين في الظلمة. حين فتحت عيني وجدت الظلام دامساً لا يزال. وفيما كنت أحاول التركيز أدركت أن وقت الصلاة الأولى كان يجب أن يكون قد حان. كان الوقت صيفاً، وأشرقت الشمس في ساعة مبكرة جداً.

توضأنا وتوجهنا إلى الجامع للصلاة مع الآخرين. كان البرد لا يزال شديداً. بعد الانتهاء من الصلاة، احتشد الجميع في الساحة أمام المسجد، قسمنا أبو بكر إلى ثلاث مفارز وعيّن لكل منها مدرباً.

ركضنا جميعاً إلى أمام المعسكر، حيث كانت فسحة منبسطة واسعة، كانت الشمس قد بدأت تناغي قمم الجبال وكان جسدي لا يزال متجمداً من برد الليلة الماضية. قمنا بعدد من الحركات والتمرينات الجماعية تحمية لعضلاتنا. لاحظت أن الآخرين كانوا ذوي لياقة بدنية استثنائية، فبدأت أشعر بالقلق. منذ سنوات وأنا بعيد عن جميع أنواع الرياضة وألوانها.

ذلك الصباح تم إلحاقي بمفرزة يقودها مدرب اسمه أبو همام. كان أريتيرياً، وبشرته أكثر سواداً بما لا يقاس من بشرة الآخرين. حركاته كانت رشيقة، ولكن بطريقة مختلفة عن طريقة أبي بكر.

لم يتوفر لي وقت كافٍ لدراسة أبي همام قبل بدء تماريننا، من دون أن ينبس ببنت شفة، بدأ الجري باتجاه أحد الجبال العالية خلف المعسكر، وحذونا حذوه. ما لبثنا أن وصلنا إلى سفح الجبل ورحنا نعدو صعوداً.

في البدء بدت الحركة منشطة. شعرت بالدفء في جسدي متغلباً على الصقيع الذي كان في الليلة السابقة. غير أنني بدأت بعد نحو مئة متر، أحس بوخزة في عضلات الفخذ الرباعية. كان الآخرون سبقوني كثيراً، كنت الأخير في الرتل، كان ثمة رجل واحد على الدرجة نفسها تقريباً من البطء، غير أنه كان بديناً تماماً ويرتدي سترة واقية من الرصاص لابد أنها كانت تزن عشرين كيلوغراماً أو أكثر. لم يكن أحد مرتدياً سترة واقية، افترضت أنه طلب من هذا أن يفعل ما فعله لتخفيف الوزن. على مسافة غير بعيدة منا كان ثمة سعوديان. من الواضح أنهما كانا أكبر سناً بكثير من الآخرين، في الدرجات العليا من أربعينياتهما. كان قلبي ينبض بقوة إلى درجة أنني كنت قادراً على سماعه. واضح أن تدريبي لم يبدأ بداية موفقة.

بعد نحو خمس عشرة دقيقة، اختفى باقي أفراد المفرزة بمن فيهم الرجل البدين والسعوديان المتوسطا العمر، خلف إحدى التلال. وحين وصلت إلى هناك متأخراً بضع دقائق، رأيت الجميع واقفين معاً في مكان أعلى بمئات الأمتار على سفح الجبل، كان أبو همام عاكفاً على إصدار التعليمات فيما كان الآخرون يمطون أجسادهم.

وفيما كانت الأصداء تتراجع، وصلت إلى حيث كانت المفرزة. أخيراً توقفت عن الجري، غير أن قلبي كان لا يزال يخفق وساقاي بدتا مشلولتين، انحنيت لأستعيد أنفاسي، وما إن رفعت رأسي حتى رأيت أبا همام واقفاً أمامي مباشرة. قال: ما شاء الله! يا أبا إمام!

رجوته أن يسمعني ورحت أقول: قبل أن يصبح أي مجاهد قادراً على القتال، لا بد له من أن يتدرب، أنا هنا من يوم أمس فقط، والآن تريد أنت، على ما يبدو، أن تقتلني حتى قبل أن أغدو مجاهداً! ابتسم أبوهمام ثانية ثم ضحك ضحكة ناعمة. وبعد ذلك دار وبدأ يتسلق الجبل قفزاً.

دام جرينا نحو أربع ساعات ذلك الصباح. حين وصلت إلى المعسكر وجدتني هالكاً من التعب. أما الآخرون فكانوا مصطفين أمام المصقف منتظرين وصولي. ما إن وصلت حتى بدأ أبوهمام بقراءة التفقد منادياً كلاً من أعضاء الفريق بالاسم. وبعد إنجاز مهمة تفقدنا سمح لنا أن نشرب ماء ونتناول فطورنا.

لم يكن ثمة سوى كأس شاي وكسرة خبز، غير أنني أجهزت عليهما بسرعة.

وكما علمت في الأيام التالية، كان هذا يوماً عادياً في خالدان. كان الشيء نفسه سينتظرنا كل يوم. كنا سننهض من النوم قبل الفجر لنصلي، ثم نخرج مباشرة للقيام بالحركات السويدية في الساحة ثم ننطلق للتدرب في الجبال.


مهمات شتى لكنها شاقة

لم أكن أجري باستمرار في جماعة أبي همام، كان لدينا مدربون مختلفون في أوقات مختلفة. لم يكن الجري نفسه على الدوام، أحياناً كنا نقوم بأشياء أخرى: نقفز، نزحف، نسبح في النهر المتجمد. كنا نصطحب الأسلحة، لا لمجرد زيادة الوزن ومضاعفة مستوى الصعوبة، بل لنكون قادرين على اتقان فن نقل المعدات والمواد إلى الجبهة. ذات يوم حملنا عدداً من الصواريخ وتسلقنا بها الجبال. بعضها كان كبيراً، أطول من متر. كانت هذه نسخة أصغر من نسخ الكاتيوشا، أو عضو ستالين التناسلي، راجمة الصواريخ المتعددة التي كان السوفيات استحدثوها في الحرب العالمية الثانية. ذلك اليوم لم يكن أحد يعدو. كان يكفي أن نصمد تحت وطأة الصواريخ العملاقة.

كثيراً ما كنا نجري حفاة، ليس في الصيف فقط. كنا نركض حفاة حتى فوق الصقيع أواخر الخريف. بدا الأمر مرعباً في البداية، كانت الصخور مدببة وحادة وممزقة، وكنت أعود إلى المعسكر وقدماي غارقتين في الدم. مع الزمن كان أبوهمام سيعلمني فن المشي فوق الصخور، فن قياسها بنظراتي لأحدد المكان الذي أضع فيه قدمي. علمني كيف أشكل قدمي وأقولبها وفقاً لشكل كل صخرة كي أتمكن من الانسياب على الأرض من دون أن أحس بشيء. تلك هي الطريقة التي تعلمت بها كيف أمشي مثل أمين وياسين.

كان أبوهمام يجري على نحو مغاير. لم يكن جسمه مشدوداً مئة في المئة مثل جسم أبي بكر، وبقيت حركاته أقل دقة وإحكاماً. كان ثمة ملمح ملكي في حركته، ولكن مع ارتخاء. لم يكن يبدو ناظراً إلى الصخور أمامه. مرة فكرت بالأمر، إذ وجدت ان ارتياحه الى هذه الطبيعة بطريقة مختلفة عن الآخرين ينطوي على معان كثيرة. كان قد نشأ وترعرع وهو يقاتل في جبال الوادي الانهدامي في حرب العصابات ضد الحكم الأثيوبي.

في ذلك اليوم كما في الأيام كلها، كان الدرس تفصيلياً على نحو يتعذر تصديقه. بالنسبة إلى كل سلاح، كل رشاش، كان مدربي الشخصي أبوسهيل يصر على تلقيني اسم القطعة وشرح نوعية الذخيرة المطلوبة. ثم كنت أتعلم إجراءات أمان كل بندقية. كان يتعين علي أيضاً أن أحفظ عن ظهر قلب عنوان الجهة المصنعة بل حتى اسم المخترع: ماركوف، كلاشنكوف. تعلمت مميزات كل مسدس أو رشاش: حجم بيت النار، الوزن والطول، طاقة السبطانة، المدى. أنسب الحالات التي يتم استخدام السلاح فيها: الاغتيالات، حرب المدن، وإلخ... أسلوب حساب مسار الطلقات المقذوفة، طريقة الفك والتركيب، كيفية المسح والتنظيف.

تعين علي أن أتعلم كل هذه الأشياء قبل أن أمد يدي الى الرشاش. كنت نافد الصبر. كلما تعلمت عن سلاح جديد، كنت أريد أن أحمله بيدي مباشرة.

كنت سريع التعلم، جزئياً، لأن أبا سهيل كان يمضي وقتاً طويلاً في العمل معي وحدي، لأن الشيشان كانوا متقدمين كثيراً علي. وجزئياً لأنني كنت، سلفاً، أعرف الكثير من الفترة التي عشتها مع إدوار.

خلال ذلك الشهر، كنت سأتعلم فنون استخدام سلسلة طويلة ومتنوعة من الأسلحة. عرفني أبوسهيل بمسدسات ورشاشات لم يسبق أن رأيتها من قبل. كانت تلك، بأكثريتها، أسلحة ألمانية وروسية من مخلفات الحرب العالمية الثانية. في الأسابيع الأولى، تدربت على ماركوف بي أم، مسدس سوفياتي نصف آلي اختراع في الأربعينيات من القرن الماضي، التوكاريف تي تي، مسدس نصف آلي، استخدمه السوفيات في الحرب العالمية الثانية، الوالتر بي بي كي، مسدس ألماني كان يستخدمه اللوفتوافه (سلاح الجو) (كنت أعشق الوالتر بي بي كي، إذ كان المسدس الذي درج جيمس بوند على حمله)، السيغ ساور، نسخة معدلة لمسدس كان الألمان اخترعوه خلال الحقبة النازية، واللوغار وهو السلاح الذي صممته المصانع الألمانية للأسلحة والذخائر أوائل القرن العشرين. الاسم الحقيقي للسلاح هو مسدس بارابيلوم. وكلمة بارابيلوم هذه مأخوذة من شعار الشركة اللاتيني: سي فيس باسم، بارا بيلوم Si vis pacem, para bellum، (إذا أردت السلم فاستعد للحرب).


الرشاش عوزي

بعد أن تعلمت تلك الأمور، صار أبوسهيل يعلمني كيفية استخدام مدافع رشاشة أكبر. بداية تدربت على العوزي، الرشاش الذي كنت أمقته كثيراً. وهو رشاش خفيف صممه عوزييل غال في أعقاب حرب 1948 العربية – الإسرائيلية.

بعد ذلك، تدربت على رشاشين حربيين سوفياتيين إضافيين: الديغتياريف دي بي، الذي هو رشاش خفيف من عشرينيات القرن العشرين، والآربي دي الذي تم استحداثه بعد وقت طويل. إنه رشاش يذخر بحزام ثنائي المنصب الموصول.

أخيراً علمني أبوسهيل عن الأسلحة الأسطورية التي اخترعها ميخائيل كلاشنكوف. أولاً بندقية كلاشنكوف ايه كي – 47 وهي بندقية اقتحام تعمل على الغاز. وقد حملت اسم المخترع. هذه هي البندقية التي قام السوفيات بتزويد الدول العميلة بها في طول العالم وعرضه، استخدمها الفييت كونغ كما استخدمها الساندينيون. وفي مناطق من أفريقيا ثمة آباء يسمون أولادهم الذكور كلاش تكريماً للبندقية ومخترعها.

وبعد ذلك تعلمت أسلوب استخدام البي كي والبي كي أم. (...) وغيرها من الأسلحة الثقيلة. وقال إنهم تدربوا على أنواع شتى من المتفجرات وأساليب الاغتيالات وحرب العصابات.

كذلك كنت أحب الاختبارات التي كان أبو سهيل يجريها لي، لأنني كنت أنجح دائماً. حين علمني الكلاشنكوف حدد لي الوقت ليرى المدة التي تلزمني لفك الرشاش وتركيبه مغمض العينين. في المحاولة الأولى كان معظم المجندين يستغرقون نحو دقيقتين. أما أنا فكنت أنجز العملية في أقل من ستين ثانية. كنت أرى مدى إعجابه وهو يهتف، ما شاء الله! يا أبا إمام، ما شاء الله!
__________________
كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان

safaa-tkd غير متواجد حالياً  
قديم 04-06-2009, 09:03 AM   #4 (permalink)
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,253
افتراضي رد: في قلب الجهاد (مذكرات رجل الإستخبارات الفرنسية المغربي الذي تسلل إلى القاعدة)

نشرة «الأنصار» تُكتب وتطبع في بيتنا في بروكسيل ونوزعها بالبريد



الحياة
12/05/08//



عدت إلى القنصلية في الساعة التاسعة والدقيقة السادسة والخمسين وجلسة في المكان المخصص للانتظار.

في تمام العاشرة والدقيقة الثالثة، خرج رجل يرتدي معطفاً للمطر من المكتب ومشى نحوي. بدا في الأربعينيات من العمر، لم يكن وجهه مميزاً بأي علامة فارقة. اتذكر انني شبهته بأحد معلمي المدارس.

وقف أمامي ومد يده قائلاً: صباح الخير، اسمي جيل. صافحتُه، وتابع هو من دون أي تغيير في تعبير وجهه أو نبرة صوته: «سأخرج إلى الشارع الآن، وأريدك أن تتبعني بعد نحو ثلاث دقائق. ستراني على الزاوية. سأبدأ بالمشي وأريدك أن تتبعني. أترك مسافة جيدة بيننا. سأمشي نحو ثلاثين دقيقة. بعد ذلك سأقف أمام واجهة أحد المخازن التي تتاجر بالسجاد التحق بي هناك من فضلك وسنجد مكاناً نتحدث فيه.

دار جيل بعد ذلك ومشى إلى خارج المبنى. ما لبثت عمر أن تبعته، ورأيته واقفاً على الزاوية وهو يدخن سيجارة على بعد ما يقرب من خمسين متراً.

بعد أربعين دقيقة، وقف جيل أمام مخزن للسجاد قريب من ساحة روجيه. قطعتُ الشارع ومشيتُ إليه ماداً يدي لمصافحته كما كان قد أوصاني. مد يده كما لو كان يريد مصافحتي، غير انه ما لبث أن مدها إلى ظهري تحت معطفي ومررها بلطف على ظهري وجبيني.

سألته: ما الذي تفعله؟

- أحاول أن أعرف ما إذا كنت مسَّلحاً أم لا؟

- صحيح، أنا أعرف ما أنت بصدده، ولكن ما الذي جعلك تظن أنني أحمل سلاحاً بحق الشيطان؟

- ربما أنت غير شاعر بالأمان، لا أعرف.

- هل تظن أنني على درجة من الغباء تجعلني آتي مصطحباً مسدساً لمقابلة أحد عملاء جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي، الـ «دي جي اس إي» DGSE؟

ابتسم جيل وأشار إلى مدخل أحد الفنادق على مسافة نحو أربعين متراً. دخلنا وتوجهنا مباشرةً إلى المصعد. أبلغني جيل أن شخصاً ثانياً سيبقى جالساً في أثناء حوارنا، غير أن علي ألا أبالي.

غادرنا المصعد في الطبقة السابعة ومشينا في الممر. كان المكان هادئاً تماماً، كان فندقاً فاخراً، بأضواء خافتة وسجاد سميك. في نهاية الممر وقف جيل امام احد الأبواب وقرعه. بعد ثوانٍ قليلة قام رجل بفتح الباب. كان شاباً رياضياً بالغ اللياقة البدنية، من الواضح أنه حارس شخصي (بوديغارد). لم ينبس ببنت شفة. اكتفى بالجلوس إلى طاولة صغيرة وبقي محدِّقاً في شاشة كومبيوتره المحمول.

كانت الغرفة صغيرة. طاولة، جهاز تلفزيون، عدد قليل من الكراسي، ولا شيء آخر. جلسنا، جيل وأنا. مائلاً عليَّ قال: «هيا قل لي! ما قصتك؟» بدأت كلامي: «أمضيت الأشهر الخمسة الأخيرة وأنا اشتري الرشاشات والذخائر للجماعة الاسلامية المسلحة. إلا أنني سرقت من الجماعة مبلغاً من المال وهم الآن عازمون على قتلي».

سألني: «وكيف عرفت أن من عملت معهم كانوا من الجماعة الاسلامية المسلحة؟».

مددت يدي إلى جيبي، سحبت نسخة من الأنصار، عرضتها عليه قائلاً: «هل تعرف هذه النشرة؟».

أخذ جيل الورقة وعاينها بدقة. قال: «نعم، نحن على علم بالأنصار. من أين حصلت على هذه الورقة؟».

قلت: «إنهم يكتبونها ويطبعونها في بيتي. أنا أحشو المغلفات بها كل أسبوع وأرسل نسخاً منها إلى أنحاء العالم. هؤلاء الشباب، أعني الزبائن الذين يكتبونها هم الذين أعمل عندهم. اشتريت لهم مئات الرشاشات وعشرات آلاف الطلقات حتى الآن».

لم يقل جيل شيئاً، أيَّ شيء، وبقي وجهُه شبه خالٍ من التعبير. غير أنه قام بتعديل جلسته قليلاً، وفهمت من عينيه انني أثرت اهتمامه. حتى الحارس الشخصي رفع رأسه ونظره عن شاشة كمبيوتره المحمول. «حسناً» قال جيل.. وما الذي تريد منا ثمناً لمعوماتك؟

«أريد منكم أن توفروا الحماية لأهلي. أريد منكم أن تُخرجوا هؤلاء الناس من البيت. لا أريد لأمي أو لأخي الأصغر أن يقعا في أي ورطة بسبب الأفعال التي يقوم بها هؤلاء. وأريدكم أن تمنحوني هوية جديدة، حياة جديدة، عملاً، أي شيء. أريد أن أفلت من براثن هؤلاء الزبائن قبل أن يقتلوني».

بقي جيل صامتاً وراح يعاينني لبضع ثوانٍ قبل أن يرد قائلاً: «أستطيع حماية عائلتك، غير أنني لا أستطيع أن أعطيك كل ما تريده. فأنت لم تقدم ما يكفي بعد. إذا كنت راغباً في الحصول على كل هذه الأشياء فسيتعين عليك أن تفعل المزيد من أجلنا».

سألتُه: «وكيف أستطيع فعل المزيد؟ أنا لا أستطيع أن أعود إليهم. لستُ مازحاً، فهؤلاء لا يعرفون معنى الرحمة. سيقتلونني».

راح جيل يتكلم ببطء وهدوء وقال: «بلى، تستطع أن تعود. هيا عد إلى البيت وقل لهم إنك ستعيد المبلغ. قل لهم، جميعاً، إنك تائب إلى الله وراغب في العودة اليه سبحانه وتعالى. سيتعين عليهم أن يقبلوك من جديد لحظة قولك هذا. ثم ستعود إلى كسب ثقتهم. تذكَّر أنهم بحاجة إليك أيضاً. فهم بأمسّ الحاجة إلى الرشاشات التي تزودهم بها».

فعل الكلام فِعله. استخدم جيل كلمة ريبنتير repentir (التوبة) الفرنسية، إلا أنني كنت قادراً، من اللغة التي استخدمها، على إدراك أنه كان يشير إلى عبارة (توبوا إلى الله توبة نصوحاً) بالعربية، التي تعني التماس العفو من الله تعالى. مباشرة علمت أن جيل كان متخصصاً في الدراسات الاسلامية، ومحيطاً باللغة الأصولية. «غير أنني سرقت خمسة وعشرين ألفاً من الفرنكات، وقد بددتها. لا أستطيع تسديدها».

«لا بأس. أستطيع أن أحل لك مشكلة المبلغ، غير أن الأمر سيستغرق نحو أسبوع من الوقت. عد إلى البيت الليلة وقل لهم إنك ستتدبر أمر المبلغ قريباً. حاول أن تركِّب عذراً ما، حجة معينة».

وهكذا صِرتُ جاسوساً لدى جهاز الدي جي اس إي الفرنسي (جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي). أخيراً وقعت في الفخ. كانوا يعرفونني، كانوا يعرفون عن عائلتي، كانوا يعرفون مكان إقامتي. وبوصفي جاسوساً كنت، أقله، صاحب شيء من السلطة عليهم. لم أوافق على العمل رغبة مني في محاربة الجماعة الإسلامية المسلحة. كان من شأن ذلك أن يأتي لاحقاً، لا في أثناء اللقاء الأول بالتأكيد. حقاً، إن أقصى ما كنت أريده هو توفير الحماية لي ولأفراد عائلتي.

غير أنه كان يتعين علي أن انتبه إلى شيء آخر. قلت لجيل: «لا بد لي من أن أتصل بالهاتف».

«من الذي ستتصل به؟»

«لا أستطيع أن أبوح باسمه»

«يجب أن نعرف قال جيل بنبرة صارمة».

أذعنت. «عليّ أن أتصل بأخي. أمرتُه، أؤكد لك، بأن يلقي بكل الأسلحة في القناة إذا لم أتصل به حتى الواحدة».

رفع جيل حاجبيه: «لماذا أمَرته بذلك؟»

«لأنني لم أكن واثقاً مما كنت ستفعل. كان من الممكن أن تقرروا اعتقالي، مما كان سيؤدي إلى عثوركم على جميع الممنوعات في البيت، فتسجنونني مع الآخرين».

ابتسم جيل ثم ضحك قائلاً: «يا لها من سرعة بداهة!»

لم نكن نحن الاثنين، جيل وأنا، نتبادل الثقة الكاملة في أي من الأوقات. ولو على نحو تقريبي. غير أن الجليد كان قد بدأ يذوب قليلاً. مشى معي إلى كوة الهاتف في الشارع، اتصلت بأخي وقلت له أن يُبقي كل شيء في مكانه، أن يترك الأسلحة حيث هي.ثم عدنا إلى غرفة الفندق حيث أمر الحارس الشخصي بالذهاب. سجل جيل رقماً على قطعة من الورق ناولني إياها، قائلاً إن عليّ أن استعمل الرقم عندما أكون بحاجة إلى الوصول اليه. كان يتعين عليّ أن أترك رسالة احدد له فيها مكان وجودي فيعود إلى الاتصال بي مباشرة.

ثم دسّ جيل يده في جيب معطفه وسحب ظرفاً. ناولني الظرف. قال: «سأحصل لك على المبلغ العائد لهم في الأسبوع القادم. إلى ذلك الحين هاك بعض المال».لدى عودتي ذلك اليوم، كان حكيم هو الذي فتح الباب. حدقت في عينيه وقلت: «آسف أنا جداً بسبب ما اقترفت من فِعلة يا أخي. لقد أخذت المال وأنا نادم في أعماقي.

لقد تبت إلى الله سبحانه وتعالى بكل صدق ومن أعماق قلبي، وقد صلّيت له داعياً إياه أن يلهمك أنت والإخوة الآخرين العفو عني».

كنت غارقاً في بحرٍ من الأسى. كان حكيم قد فعل أشياء مرعبة – بل كان قد تحدث عن قتلي. غير أنه كان لا يزال أخي، كنت شديد الكره لاضطراري إلى الكذب عليه. كنت كارهاً لفكرة التحول إلى جاسوس يتجسس عليه. لم أكن أملك أي خيار آخر.

تابعت كلامي: «أنا خجل مما فعلت. سأعيد المبلغ بطريقةٍ ما. أرجو أن تمنحوني فرصة بضعة أيام فقط. لا أريد سوى العودة إلى الله».
__________________
كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان

safaa-tkd غير متواجد حالياً  
قديم 04-06-2009, 09:06 AM   #5 (permalink)
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,253
افتراضي رد: في قلب الجهاد (مذكرات رجل الإستخبارات الفرنسية المغربي الذي تسلل إلى القاعدة)

المغاربة اختبروني بـ 100 درهم ... ثم «ساعدوني» في تهريب المتفجرات إلى بلادهم


الحياة
13/05/08//




تعين عليّ أن أفكر بسرعة. تذكرت الدور الذي كنت ألعبه: سائح عائد الى الوطن لزيارة الأهل. كان النهار موشكاً على نهايته، وسيارتي معطلة، وأنا مهدود من التعب، لم أكن اريد سوى الوصول الى طنجة ولقاء الأهل.

بدأت افكك جميع الاشياء واخرجها من السيارة لأضعها على الرصيف. البسط، السجاد، الأجهزة الالكترونية، العلب. بعد قليل اقترب مني موظف جمارك. كان يرتدي زياً رسمياً مزيناً ببعض شارات مهارة الرمي على الكتفين. من الواضح انه كان مسؤولاً رفيع المستوى.

سألني: ما الذي تفعل؟

أجبت: أحاول المساعدة. قدرت أن من شأن اخراج كل الاشياء من السيارة ان يسرع العملية. أنا الأخير في الصف، وأحتاج الى قطر السيارة بعد الخروج من هنا كي أتمكن من الوصول الى أهلي.

- وما الخلل في السيارة؟

نشرت ذراعي وأطلقت زفرة قوية تعبيراً عن الخيبة: انها هالكة. السيارة ميتة. اشتريتها في بلجيكا متوهماً انني قادر على بيعها هنا وكسب بعض المال، غير أنني أجهزت على كل ما معي من مال ثمناً لإصلاحها. ولست واثقاً حتى من قدرتي على اصلاحها بعد الآن. قد اضطر لبيعها خردة. مال الضابط علي وتكلم بصوت منخفض. قال: إذا كان معك أي شيء تريد اخفاءه. يا ولدي. يكفي ان تعطيني مئتي درهم فقط فاسمح لك بالمرور.

نظرت الى حدقتي عينيه. غريزياً ادركت ان هذا لم يكن الا اختباراً مع وجود حشد من ضباط الجمارك العاكفين على نكش كل شيء في السيارات من حولي. لم يكن ثمة أي احتمال لأن يكون هذا الزبون مستعداً لتمريري مقابل رشوة بسيطة. قررت ان اتابع في التمثيل.

قلت لك قبل قليل: لا أملك أي مال. وها أنت ذا تريدني ان ادفع المزيد لمجرد العبور، أليس كذلك؟ انس الموضوع! كنت قد قررت اصطناع الغضب بعد الآن. تابعت الكلام: أتدري ماذا؟ لماذا لا تأخذ السيارة؟ خذ كل شيء فيها. من شأن ذلك ان يحررني. من شأن ذلك ان يوفر عليّ قدراً هائلاً من الصداع.

أومأ المسؤول وابتعد عني. كنت قد مثلت دوري أفضل مما كان هو قد مثل دوره.

لم يكن الأمر قد انتهى بعد. مع ابتعاد المسؤول كانت جماعة قد اقتربت: عنصرا شرطة. جندي مسلح، وموظف جمارك بزي رسمي. كان ثمة رجل آخر بلباس مدني. كان أصغر سناً من الآخرين، وكان يحمل مطرقة ومفك براغ. تقدم نحوي وخاطبني: السلام عليكم! كان وجهي استثنائي الجدية.

عليكم السلام... أجبت.

ثم دار حول السيارة وفتح الغطاء. غمغمت تعبيراً عن الخيبة. سألت: هل هذا ضروري حقاً؟ كنت لا أزال أتظاهر بالغضب من السيارة، ومن التأخير. أشرت الى جميع الأغراض التي كنت قد أنزلتها من السيارة ونشرتها على الأسفلت. قلت: قمت بانزال كل شيء من السيارة تيسيراً لمعاينتكم. وعم تبحثون بعد كل هذا؟ رفع رأسه وقال: لماذا تسأل؟ هل لديك ما تخفيه؟

- وما الذي كنت سأخفيه؟

لا أدري... قال بابتسامة مصطنعة... أسلحة، ربما؟

تمام، رائع. دعك من هذا الكلام! ومن أكون أنا؟ جيمس بوند؟

رد غامزاً: لا بالطبع، أنت لست جيمس بوند. غير أنك قد تكون ارهابياً.

أطلقت ضحكة ساخرة: ليتني كنت ارهابياً! لست إلا أحمق خوزقه تاجر سيارات. في تلك اللحظة كان يعاين مصفاة الهواء، ناقراً اياها بمطرقته لفتحها. كنت حريصاً على ابعاده عن المحرك.

أرجوك يا أخي، اتق الله! السيارة معطلة أساساً. شكوت. ثم تابعت: بددت آلاف الدراهم على اصلاح ذلك المحرك وانت الآن تعطله أكثر؟ هيا حطمه لي.

رفع الموظف رأسه ونظر إلي ثم أعاد النظر الى المصفاة. نقرها بضع مرات أخرى لمجرد اثبات أنه لم يأبه بما قلته، وأنزل الغطاء. ثم جاء لينظر الى داخل السيارة. كان ثمة كتاب على المقعد الخلفي كنت عاكفاً على قراءته منذ بعض الوقت عن رأي المسلمين بما جاء في سفر الرؤيا. حمله وسألني: ما هذا؟

قلت انه كتاب. لم اكن قد تعمدت تركه على المقعد الخلفي، غير أنني لم اقلق كثيراً لأنني فعلت. أي ارهابي أبله كان سيسافر مصطحباً كتاباً عن الفكر الرؤيوي الاسلامي؟!

قلّبه وعاين غلافيه. كان يهز رأسه، وكانت تعابير وجهه بالغة الجدية. حدق في عينني وبدأ يقول: هل تصدق هذا كله يا أخ؟

همهمت: هل تمزح ما من أحد يصدق كل شيء يقرأه في الجرائد، أليس كذلك؟

ابتسم، رمى الكتاب الى السيارة، ولوح لي سامحاً لي بالتقدم الى المخرج قائلاً: انقلع من هنا!

نظر إلي ثم إلى السيارة من جديد. ثم راح ينظر الى كل حاجياتي المنشورة على الرصيف. لا بأس قال. بادر الى اعادة اشيائك الى السيارة، وهؤلاء الشباب سيساعدونك على اخراجها من البوابة. أشار الى أفراد الشرطة.

أجبته بابتسامة عريضة جداً.

ما أن انجز أفراد الشرطة مهمة دفع السيارة الى خارج البوابات وايقافها على قارعة الطريق، حتى هرعت الى الموظف الأول الذي كان قد طلب الرشوة. قلت: انظر يا أخي، أعرف انني لم اعطك شيئاً من قبل، ولكن هل لي ان التمس مساعدتك الآن؟ أحتاج الى شخص يراقب سيارتي عند ذهابي للبحث عن قاطرة. سأعطيك مئة درهم.

وافق الموظف وأعطيته نصف المبلغ سلفاً. ثم هرعت الى الشارع بعيداً عن الميناء فوجدتني أمام محل اصلاح سيارات. قلت لصاحب المحل انني بحاجة لقطر سيارتي وجرها الى المدينة. وافق الرجل وقفزت الى قمرة شاحنته التي أعادتنا معاً الى سيارة الأودي.

كان الموظف لا يزال واقفاً في مكانه. أعطيته الباقي وساعدني على ربط السيارة بالشاحنة.

لم استطع الا ان ابتسم بيني وبين نفسي ونحن في الطريق الى قلب طنجة. شعرت بالامتنان لكل هؤلاء الموظفين المغاربة الذين ساعدوني في تهريب كميات من المتفجرات والرشاشات والذخائر والأوراق النقدية المهربة والمزورة الى داخل المغرب في زحمة أعلى درجات التدابير الأمنية الممكنة.

كان حكيم أمرني بأن اتوجه مباشرة الى بيت مليكة، احدى بنات عمومتنا البعيدات، فور وصولي الى طنجة. كان قد رتب لي موضوع الاقامة معها. كان لديها جهاز فاكس وجهازا راديو سي بي، وجهاز تصوير وشريط فيديو كان يتعين علي ان أضعها في السيارة قبل تسليمها. في اليوم التالي اتصلت بياسين من جديد. أبلغني بأن الزبون كان سيصل في الثامنة من ذلك المساء، وطلب مني اختيار مكان للقاء. قلت له إنني سأكون أمام سينما باريس مدخناً باستمرار. كان الزبون يستطيع ان يتعرف عليّ بهذه الطريقة (طريقة التدخين المتواصل). وبعد مداولات سلمته السيارة.

لكن أمين رفض تحويل أي مبلغ نقدي أعود به إلى بلجيكا بعد أن أفلست، فتأكد أن حاجته انقضت وأراد التخلص مني، فاتصلت بجيل الذي أمدنى بالنقود فوراً وعدت إلى بلجيكا مجدداً.

* *

وبعد أيام من عودة الناصري أرادت الاستخبارات الفرنسية مخادعته بعد أن وثقت من قدراته، فدهمت منزل والدته الذي يقيم فيه عناصر الجماعة الإسلامية، لكنه بحدسه – كما يقول – أحس برائحة مكر، فخرج من البيت يومئذ باكراً، فكانت المداهمة، وتم القبض على قاطني المنزل، وظلت الشرطة تبحث عنه، لكنه لجأ إلى جهاز الاستخبارات المركزي ليثبت أنه جاسوس، ففوت بذلك الفرصة على جيل الذي أراد هو الآخر أن يتخلص منه عند انتهاء مهمة القبض على أعضاء الجماعة.
__________________
كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان

safaa-tkd غير متواجد حالياً  
قديم 04-06-2009, 09:08 AM   #6 (permalink)
عضو متميز
 
الصورة الرمزية safaa-tkd
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,253
افتراضي رد: في قلب الجهاد (مذكرات رجل الإستخبارات الفرنسية المغربي الذي تسلل إلى القاعدة)

كاد قلبي أن يتوقف عن الخفقان بسبب مجاهد «مُطارد»


الحياة
14/05/08//


بعد الانتهاء من التدرب على السلاح، كنا نؤدي صلاة المغرب ثم نجتمع في المقصف. كنا نتناول الطعام معاً. كان ثمة أفغانيان تَولَّيا مهمة إعداد الطعام يقيمان في مكان بجانب المقصف، قريباً من مدخل المعسكر، وخلف كوخهما مباشرةً، عند أسفل الجبل، كان هناك كوخ صغير لإعداد الخبز.

أحد الأفغانيين كان أصم وأبكم، غير أن ذلك لم يكن مشكلة على الإطلاق لأننا كنا ممنوعين بحزم من التكلم مع الأفغان. تمثلت المشكلة في كون الطعام سيئاً للغاية، والطبق نفسه كل يوم. كنا جائعين دائماً، ما من أحد إلا ونقص وزنه كثيراً منذ مجيئه إلى «خالدان». لوَجْبَتَيْ الغداء والعشاء كنا باستمرار نتناول نوعاً من الشوربة المخلوطة المصنوعة من البقول. نادراً ما كنا نتناول اللحم، رغم وجود أعداد من فراخ الدجاج المتراكضة حول بيت الطباخين، وقيامهم بين الحين والآخر بطبخ أحد الفراخ، وهو الأمر الذي كنا نكتشفه من الرائحة.

كان هناك، دائماً، درس ديني بعد العشاء. لم يكف الأمير والمدربون عن تذكيرنا المطرد بأن هذا كان العنصر الأكثر أهمية في الارتقاء إلى مرتبة مجاهد. فقبل الشروع في القتال في سبيل الله، يتعين علينا أن نفهم ونستوعب ما كان سبحانه دعانا إلى فعله. في بعض الليالي كنا نمارس التجويد وفي ليالٍ أخرى كنا نعكف على دراسة القرآن والحديث، جملة الأقوال والأفعال المأثورة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم. أحياناً كان المدربون يتولون تعليمنا. وأحياناً أخرى، كان مجندون آخرون، عرب بأكثريتهم، لأنهم عموماً أعلى مستوى تعليمياً، يقومون بتعليمنا.

تعلّمنا أشياء كثيرة خلال هذه الدروس المسائية المنتظمة، غير أن الجزء الأكبر مما تعلمناه كان ذا علاقة بقوانين الجهاد وشرائعه.

أما أسوأ يوم مر في حياتي فهو ذلك الذي انكشفت فيه حقيقتي لعبد الكريم الذي كان القاسم بيننا، إجادتنا للغة الفرنسية دون سائر المجموعة.

كان عبدالكريم تواقاً للكلام. وبسبب ضعف لغته العربية لم يكن يستطيع التحدث مع معظم الإخوان الآخرين. أما أنا فكنت، بحسب كلامه، أتكلم الفرنسية مثله، وقد أسعده ذلك بسرعة فائقة. بدأ يتكلم عن الجماعة الإسلامية المسلحة. وما لبث أن وصل إلى موضوع الأنصار. كان الكلام يتدفق منه، واستطعت أن أرى من حركات يديه أنه كان يزداد انفعالاً باطراد. عيناه كانتا تتحركان بسرعة يميناً وشمالاً، كما لو كان خائفاً من شيء معين. ثم التفت إليَّ على نحو مفاجئ وراح يرغي فيما بدأت عيناه تتسعان وتجحظان من محجريهما قائلاً: أنت، نعم أنت جاسوس. أنا أعرف ذلك. الفرنسيون بعثوك للتجسس عليّ.

كاد قلبي يتوقف عن الخفقان. كيف عرف؟ ما الذي كنت سأفعله؟ كان جالساً والكلاشنكوف في حضنه. وأنا أعزل. كنا وحدنا، على مسافة مئات الامتار من الاخوان الآخرين. راح عقلي يدور بسرعة. تعين علي أن أقول شيئاً.

قلت وأنا أضحك: سارع إلى استغفار الله أيها الأخ! هل تظن أنك على هذه الدرجة من الأهمية حتى يبالي الفرنسيون بإيفاد عميل إلى افغانستان البعيدة من أجلك أنت؟ ثم وقفت.

قال: لا، بالطبع أنا آسف. أرجوك تعال اجلس. واشرب بعض القهوة معي. راح يشرح أنه كان قد عاش في خوف وهو في فرنسا، أنه كان ملاحقاً ومراقباً باستمرار. وحين سمعني متحدثاً بالفرنسية عن الجماعة تذكر كل ما كان قد سبق أن تعرض له وعانى منه.

عدت إلى الجلوس وضحكت بيني وبين نفسي. كنت واثقاً من أن هذا الرجل لم يكن مستعداً لإفلات الشخص الوحيد الذي كان يستطيع أن يتحدث معه في المعسكر. أكمل المجاهد الجاسوس عمر الناصري قصته في معسكرات «خالدان» باختزال وهو يعيش حياة استثنائية مليئة بالتدريب على المتفجرات والاغتيالات في الظروف كافة. حتى إذا أيقن أمراؤه أنه أصبح جاهزاً أرسلوه إلى أوروبا لتشكيل خلية تنتظر أمر المجاهدين في أفغانستان. وهم لا يدرون أن ضابط الاستخبارات الفرنسية في تركيا ينتظره لتكليفه مهمة في بريطانيا، إمعاناً في مخادعة رفاق المعسكر.

لكن الخداع سريعاً ما استخدمته الاستخبارات ضد جاسوسها أيضاً. وهو الذي استدعته إلى دكار وأغرته بالفنادق والنساء والأموال لينطلق في مهمة جديدة شريطة أن يتخلى عن قراره بالزواج من فاطمة التي رآها حلماً في أفغانستان والتقاها فعلاً في باريس. إلا أن حب فاطمة كان أقوى من أن ينسى.
__________________
كلما زادت معرفتي بالإنسان زاد احترامي للحيوان

safaa-tkd غير متواجد حالياً  
 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مذكرات حردان عبد الغفار التكريتي safaa-tkd مكتبة الدكتور علي الوردي 19 09-03-2010 09:56 AM
بعد كل ما ارتكبته القاعدة من فضائع يندى لها الجبين هارب الضاري يقول ان القاعدة منا و نحن منها safaa-tkd منتدى الشؤون السياسية العراقية 13 04-18-2010 06:26 PM
مذكرات ناخب عراقي safaa-tkd واحة الانتخابات 1 02-15-2009 08:16 AM
هل تشمل المنطقة الدولية المذكورة في الاتفاقية الأمنية علاوي الحلة؟ احمد1976 منتدى الشؤون السياسية العراقية 0 12-02-2008 06:36 PM
اسباب مالية تجبر الفروسية العراقية الاعتذار من بطولة ابوظبي الدولية safaa-tkd واحة شهداء التايكواندو الرياضية 0 01-16-2008 07:13 AM


الساعة الآن: 02:04 AM


iraqiforum.net © 2007 vbulletin