| |||||||
| مكتبة الدكتور علي الوردي واحة مخصصة لنشر الكتب و الأبحاث |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| | #2 (permalink) |
| عضو متميز تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,233
| (1) موجز عن تاريخ العراق القديم بقلم د. عبد العزيز حميد صالح .......... موجز تاريخ العراق القديم بدأ عصر الزراعة في بلاد الرافدين, وهو أول عهد للإنسان بتعلم الزراعة, بحدود سنة 9000 قبل الميلاد وتطور حوالي سنة 5500 ق.م. في قرية (جرمو) في شمالي العراق في أواسط العصر الحجري الحديث. ومن البديهي أن تكون الزراعة عصرئذ محدودة وعلى نطاق ضيق جدا. فجر الحضارة في العراق بدأ فجر الحضارة في العراق بحدود سنة 5000 قبل الميلاد وانتهى بالحقبة الزمنية التي ابتدع فيها الإنسان العراقي الكتابة لأول مرة في تاريخ الإنسانية في الربع الأخير من الألف الرابع قبل الميلاد. وإن نشوء الحضارة الناضجة في بلاد الرافدين قد سار بخطوات ثابتة وعلى مراحل وبأطوار متعاقبة. عرفت تلك الأطوار في العراق للمختصين المحدثين بأسماء المدن والقرى والمواقع التي ظهرت فيها لأول مرة, ومدن الطور الأقدم هي: (حسونة) ثم (سامراء) و (حلف) و (العبيد) و (الوركاء) و أخيرا (جمدة نصر). لقد شهد العراق خلال هذه الأطوار اتساع الزراعة و بداية الحياة الحضرية و نشوء أولى المدن. وعرف بناة الحضارة أيضا فن التعدين وابتدعوا دولاب الخزاف وصنعوا الآجر المفخور والعربة ذات العجلة وكذلك المحراث فضلا عن السفن الشراعية. وعرف في أوائل تلك الأطوار أيضا فن النحت, وظهرت كذلك المباني العامة كالمعابد حيث كثرت وازدادت أهميتها منذ طور (العبيد). وعرف طور الوركاء (3500 ق.م.) بالعهد الشبيه بالكتابي, ومن المعروف أن الكتابة قد أرسيت قواعدها تماما خلال الطور الذي أعقبه وهو (جمدة نصر) في حدود سنة 3000 ق.م. أولاً: عصر فجر السلالات ثم بدأ عصر فجر السلالات في العراق في حوالي سنة 2800 ق .م. واستمر لمدة ستة قرون والذي يعرف أيضا بالعصر السومري القديم أو بعصر دويلات المدن حيث لم تتوحد البلاد بعد تحت مملكة كبيرة واحدة. ويقسم العلماء هذه الحقبة الزمنية من تاريخ العراق إلى ثلاثة عصور هي على التوالي: فجر السلالات الأول ( 2800 –2700 ق.م.) فجر السلالات الثاني (2700 02600 ق.م.) فجر السلالات الثالث (2600 – 2400 ق.م.) من الأمور المتفق عليها بين غالبية العلماء المختصين في العصر الحاضر أن السومريين هم سكان العراق الأصليون، وأنهم الذين كانوا يعرفون بأصحاب حضارة العبيد في وسط وجنوب العراق وكانت أراضيهم تمتد جنوبا إلى جزيرة دلمون (البحرين) في العصر الحاضر قبل أن ترتفع مناسيب الخليج العربي ليصل إلى حدوده الحالية. ولغة السومريين, وهم أصحاب أقدم حضارة أصيلة متطوّرة في العالم, من اللغات التي تعرف بالملتصقة Agglutinative. من خصائص الإلصاق فيها أنه كثيرا ما يدمج مفردتينن لتصبحا كلمة واحدة يستند معناها إلى معاني الكلمات الداخلة في تركيبها, مثل (لوكال) أي الملك المكونة من (لو) أي الرجل و (كال) أي العظيم, و (إي-كال) تعني القصر أو الهيكل مكونة من كلمة (إي) وهي البيت و(كال) العظيم. ثم أن الجمل فيها تتألف أيضا بطريقة إلصاق الضمائر والأدوات إلى جذر الفعل بحيث يصير الجميع كلمة واحدة. لقد قسم علماء الآثار عصر فجر السلالات إلى ثلاثة أطوار: الأول ( 2800 –2700 ق.م.) والثاني (2700 02600 ق.م.) والثالث (2600 – 2400 ق.م.). إن لكل من هذه الأطوار الثلاثة خصائصها المميزة. ومع ذلك يمكن القول عموما بأن فن العمارة قد قطع شأوا بعيدا في هذا العصر وبخاصة في بناء القصور والمعابد فظهرت العقود لأول مرة في البناء وكذلك القبوات كوسيلة في التسقيف. وتقدم فن التعدين وسبك المعادن, وقطع فن النحت شأوا بعيدا من التقدم. لقد نضجت الكتابة وانتشر استعمالها في العصر السومري فدونت بها في عصر فجر السلالات السجلات الرسمية وأعمال الملوك والأمراء وعلاقتهم بغيرهم من الحكام. وكذلك شؤون الناس العامة كالمعاملات التجارية والأحوال الشخصية والمراسلات والآداب والأساطير فضلا عن الشؤون الدينية والعبادات. ثانياً: الحكم الأكدي انتهى عهد فجر السلالات بقيام سرجون الأكدي (2371-2316 ق.م.) بتوحيد العراق في مملكة واحدة. كان سرجون من الأكديين وهم فرع من الأقوام التي نزحت من الوطن الأم شبه جزيرة العرب إلى العراق ربما في أوائل الألف الثالث قبل الميلاد أو قبل ذلك بقليل. وليس من المستبعد أن الأكديين قد عاشوا جنبا إلى جنب مع السومريين منذ أقدم العصور وعرف القسم الأوسط والجنوبي من العراق منذ ذلك الزمن باسم بلاد (سومر وأكد). حكم مؤسس السلالة الأكدية سرجون خمسة وخمسين عاما أدخل خلالها الكثير من الإصلاحات على نظام الحكم والجيش بما في ذلك تطوير أساليب الحرب والسلاح. وكذلك حصل تقدم عظيم في العمارة والفنون بعامة التي تميزت في العصر الأكدي بالقوة والحيوية والحركة. ويعد (نرام - سين) أقوى ملوك السلالة لأاكدية الذي حكم زهاء أربعين عاما. عّم الاضطراب في المملكة أواخر العهد الأكدي, فقد حكم بعد نرام - سين ملوك ضعاف مما شجع الأقوام الجبلية وهم الكوتيون, الذين عرفوا في النصوص المسمارية القديمة بأعداء الآلهة, على غزو بلاد (سومر وأكد). إن حكمهم الذي دام حوالي مائة سنة كان عهدا مظلما كادت أن تنقطع فيه عنا أخبار العراق القديم. وقد عوض عن ذلك ازدهار الحضارة في جنوبي العراق وبخاصة في مدينة (لكش) وما يجاورها. وقد اشتهر من بين الأمراء السومريين في أواخر هذا العهد أمير أو ملك اسمه (جودية) الذي عرف بتماثيله الكثيرة التي وصلتنا والذي عمل على إحياء الآداب السومرية وتشييد العديد من المعابد الفخمة. ثالثاً: الحكم السومري ثارت على الكوتيين مدينة (الوركاء) بقيادة أميرها السومري (أوتو –حيكال) الذي لقّب نفسه بملك (سومر وأكد) وأهاب بأهل البلاد لحرب الطغاة الأجانب, فالتّفت حوله المدن وتمكن من القضاء على جموع الكوتيين الكبيرة وخلص البلاد منهم. انتقل الحكم السومري بعد ذلك إلى مدينة (أور) وتكونت فيها سلالة عرفت بسلالة (أور الثالثة) أسسها الملك (أور- نمو) الذي تعد أيامه من عهود العراق المجيدة وآخر عهد في حياة السومريين السياسية (2113-2006ق.م.). لقد استطاع ملوك هذه السلالة الخمسة أن يعيدوا إنشاء إمبراطورية واسعة على غرار لإامبراطورية الأكدية شملت جزءا كبيرا من أقاليم الشرق الأدنى. وانتشرت مع التجارة والفتوح حضارة العراق القديم تماما كما كان عليه الحال في العصر الأكدي. لقد اشتهر ملوك هذه السلالة بأعمالهم العمرانية الفذّة وامتازت دولتهم بالتنظيم وحسن الإدارة في الداخل والخارج وأصبحت العاصمة (أور) في زمنهم قبلة الشرق القديم ليس من النواحي العمرانية والفنية والاقتصادية فحسب بل إنهم سنّوا الشرائع بحسب العرف الاجتماعي و وحّدوا الشؤون القضائية في البلاد. رابعاً: العصر البابلي القديم وفي أوائل الألف الثاني قبل الميلاد قامت في العراق أسرة حاكمة جديدة عرفت بسلالة بابل الأولى (1894 – 1595ق.م.) اشتهرت بملكها السادس حمورابي (1728 – 1686ق.م.) الذي جمعت في شخصه خصالا فذة جعلت منه القائد والسياسي والمصلح والمشرع فاستطاع بهذه الخصال أن يوحّد البلاد. ثم وقعت حرب ضروس بينه وبين الدخلاء العيلاميين أظهر خلالها حمورابي من حسن التدبير والحزم ما مكّنه من تمزيق جموعهم شر ممزق. ومدّ فتوحه بعد ذلك إلى شمالي بلاد الرافدين وإلى جهات الهلال الخصيب الأخرى. ومن أعماله المهمة سنّ شريعة واحدة تسري أحكامها في جميع أنحاء المملكة عرفت بقانون حمورابي التي تعد من أولى الشرائع المتكاملة في العالم حيث تجمع بين القانونين المدني والعقوبات فضلا عن الأحوال الشخصية. إن أهم ما تمّيز به العصر البابلي القديم اتساع المدن وكثرتها, كما حدث تطوّر مهم في العلوم والمعارف البشرية حيث انتقلت من أطوارها العملية إلى طور التدوين والبحث بحيث يصح أن نعد بداية ظهور العلوم البشرية الحقة كانت في هذا العصر. ليس هذا فحسب بل إن الحضارة من بلاد الرافدين قد أخذت طريقها في العصر البابلي القديم إلى جميع أنحاء المشرق وإلى أطراف العالم القصية. خامساً: العصر البابلي الوسيط ولقد غزت العراق في أواخر العصر البابلي القديم أقوام جاءت من الشرق أو من الشمال الشرقي عرفوا بالكشيين. أسسوا سلالة حاكمة جديدة دام حكمها زهاء خمسة قرون. وقد عرف هذا العهد بالعصر البابلي الوسيط الذي يعد من العصور المظلمة في العراق. لم يخلف لنا الكشيون وثائق أو سجلات تاريخية بلغتهم الأصلية وإنما استعملوا لغة بلاد بابل. ويبدو أنهم قد تخلّوا عن ديانتهم التي كانوا عليها ليعتنقوا الديانة البابلية. وقد أسسوا في منتصف عهدهم عاصمة جديدة قرب بغداد الحالية عرفت باسم (دور- كوريكالزو) أي مدينة الملك الكشي كوريكالزو. الأشوريون وصادف قيام السلالة الكشّية نمو المملكة الآشورية في القسم الشمالي من العراق. فبدؤوا ينازعون الكشيين زعامة البلاد السياسية. والآشوريون فرع من الأقوام الجزرية التي هاجرت في الأصل من شبه جزيرة العرب. وهناك نظرية أخرى مفادها أنهم جاؤا من جنوب العراق من أرض بابل وحلّوا في شمالي بلاد الرافدين في زمن لعله في العهد الأكدي ومما يدعم ذلك أنهم يتكلمون بلهجة من اللهجات البابلية. ويرى غالبية المختصين أن اسمهم مشتق من اسم معبودهم الإله (آشور). يمكن وضع تاريخ الآشوريين في ثلاثة عهود: القديم والوسيط والحديث. العهد الآشوري القديم وتدخل فيه حقب طويلة لاسيما إذا أدمجنا فيه عصور ما قبل التاريخ. لقد بدأ الآشوريون في هذا العهد ببناء مملكة قوية موحدة مستقلة, ظهر منهم ملوك أقوياء مثل (إيلو – شوما) الذي عاصر مؤسس سلالة بابل الأولى وكذلك شمشي أدد الأول (1814 – 1782 ق.م.) الذي بلغت المملكة في زمنه من القوة ما مكّنها من فرض سلطانها على القسم الشمالي من بلاد بابل. ودأب الآشوريون على تنمية كيانهم السياسي, تعرضوا فيه إلى سلسلة من الامتحانات والمصاعب بسبب ضغط الدول والأقوام التي كانت تجاورهم, خرجوا من كل ذلك أشداء أقوياء إذ خلقت منهم قوة عسكرية رهيبة فرضت سلطانها على شعوب العالم القديم لعدة قرون تلت. ويعد شلمنصر الأول (1266 – 1243ق.م.) من أعظم ملوك هذا العهد سيما في حقل التوسع والفتوح الخارجية بعد أن توطدت شؤون المملكة الداخلية في عهده. ولقد تدهورت الأوضاع الآشورية في أواسط القرن الثامن قبل الميلاد انتهت بثورة قامت بها مدينة (كالح) الآشورية على الملك (أشور – نراري) الخامس, فقتل وتولى زمام الأمور تيجلاتبليزر الثالث (745-727ق.م.) الذي بدأ عهدا جديدا في تاريخ الآشوريين تكونت فيه آخر وأعظم إمبراطورية آشورية حيث صارت فيه مجددا سيدة الشرق القديم, وكان من أعظم إنجازاتها توحيد بلاد بابل وآشور في مملكة واحدة. الملك سرجون الثاني يعد الملك سرجون الثاني (727 – 705 ق.م.) واحدا من أعظم ملوك هذه الحقبة ليس فقط بسبب إنجازاته الفنية والمعمارية العظيمة والتي كان منها تشييد عاصمة جديدة قرب نينوى أطلق عليها اسم (دور شروكين) أي مدينة سرجون والتي تعرف خرائبها بـ (خرساباد) في الوقت الحاضر. كما عرف بفتوحاته الخارجية العظيمة منها القضاء على المملكة اليهودية الشمالية (السامرة) بسنة 721 قبل الميلاد وترحيل الكثير من سكانها إلى أماكن أخرى داخل حدود الإمبراطورية الآشورية. وكذلك قضاؤه على التحالف بين الفراعنة والدويلات الصغيرة في فلسطين وسوريا, وكان المصريون قد أرسلوا جيشا قويا لمساعدة قوات التحالف. فتصادم الجيشان قرب مدينة رفح تمخّضت عن اندحار قوات التحالف وفرار القائد الفرعوني. آشوربانيبال آشوربانيبال (668-626ق.م.) فيعدّ من أكثر ملوك هذا العهد ثقافة فقد أغرم بالأدب والمعرفة فجمع الكتب من أنحاء البلاد وخزنها في دار كتب وطنية خاصة شيّدها في عاصمته نينوى جمع فيها مختلف أصناف العلوم والمعارف التي بلغتها حضارة العراق والتي عّرفتنا بنواحي الحضارة العراقية القديمة المختلفة. سادساً: العهد البابلي الحديث آخر العهود العراقية الزاهرة في العصور القديمة (626-539ق.م.). ويعد حكم نبوخذنصر الثاني (604-562ق.م.) بحق من العهود المجيدة في التاريخ البشري عموما وفترة انتعاش قوية عاشتها الحضارة البابلية, فلم تسجل الكتابات التي خلفها هذا الملك إلا أخبار البناء والتعمير في جميع مدن العراق المهمة. من أعماله العمرانية الرئيسة كان بناء الزقورة وتشييد عدد كبير من المعابد الفخمة في بابل. وكان من جملة إنجازاته في هذا الميدان أيضا إقامة شارع رائع عرف بشارع الموكب ومدخل مهيب ضخم يدعى بباب عشتار, يقع وراء هذا الباب قصره الفخم بجنائنه المعلّقة الذي عرف في المصادر اليونانية بإحدى عجائب الدنيا السبع. وفي زمنه أعلنت دولة (يهودا) الصغيرة العصيان مع عدد من الدويلات الشامية الصغيرة الأخرى بتحريض من الفراعنة التي لم تكترث لنصائح النبي (ارميا) وتحذير ملكها (يوهوياقين) بوخامة العاقبة. فجرد نبوختنصر حملة تأديبية لم تقو (يهودا) على مقاومتها فسقطت العاصمة (أورشليم) في عام 596 ق.م. فرحّل قسم من سكانها ومعهم ملكهم عن فلسطين. ونصّب نبختنصر بدلا عنه عمه (صدقيا). وبعد بضع سنوات اشتركت (يهودا) في عصيان جديد وبتحريض من الفراعنة أيضا الذين حاولوا استرجاع مكانتهم في سوريا وفلسطين. لقد كان غضب الملك البابلي في هذه المرة عظيما فدمّر المدينة وأحرق الهيكل ورحّل من سكانها عددا كبيرا جدا إلى العراق واضعا بذلك حدا لمملكة يهودا. لقد وقع ذلك الحدث بسنة 594 ق.م. خلف هذا الملك العظيم عدد من الملوك الضعاف وبخاصة آخرهم نبونائيد (555-539 ق.م.) فتدهورت الأوضاع في البلاد خلال عهودهم وانتهت تلك الإمبراطورية العظيمة بسقوط بابل على يد (كورش) ملك الإخمينيين بسنة 539 ق.م. وليعفى على حضارة العراق وتطمر علومه وأمجاده لقرون طويلة تلت. سابعاً: إنجازات العراق القديمة إذا انتقلنا إلى نشوء أولى الحضارات في العراق القديم يمكن القول إنها كانت بجهود العراقيين الأوائل في تفاعلهم مع البيئة الطبيعية في وسط وجنوبي العراق. فمن المعروف أن الزراعة تعتمد في هذا الإقليم دوما على الإرواء الصناعي الذي كان لا يتم إلا بالسيطرة على الأنهار وإقامة السدود وتجفيف الأهوار. إن الري -كما هو معروف- كان الدعامة الأساس في الحياة الاقتصادية لهذا الإقليم وعلى ذلك فقد تجلّت عبقرية الإنسان هنا بأجلى مظاهرها في الإرواء الصناعي وإن نشوء أول حضارة في بلاد الرافدين قد تحقق بلا أدنى ريب بعد أن سيطر سكان هذا الإقليم على الأنهار فيها وذلك عن طريق إقامة السدود وحفر الأنهار والجداول وتجفيف الأهوار, فذللوا البيئة الطبيعية واستغلوا إمكاناتها العظمى. ليس هذا فقط بل استغل العراقيون الأقدمون ارتفاع مناسيب نهر الفرات قياسا إلى دجلة فشقوا أنهارا عظيمة من الفرات إلى دجلة لتروي أراضي واسعة كانت بأحوج ما تكون إلى الماء. لقد طغت أخبار شق الأنهار والجداول على غيرها من أخبار الملوك وأعمالهم. إن حفر أو شق نهر جديد كان يعد بحد ذاته حدثا هاما يؤرخ به الكتبة الرسميون للدولة الأحداث الجسام. نتيجة لكل هذا نلاحظ أن أول شيء يلفت النظر في العراق شهرة البلاد الزراعية إلى الأزمان المتأخرة, حتى أن الكتاب اليونان -مثل هيرودوتس- قد تحدثوا عن وفرة المحاصيل الزراعية في هذا الإقليم, وهو ما يذكرنا بتسمية المؤرخين والبلدانيين العرب لأرض العراق بـ (السواد) لكثرة زرعها وخضرتها. ومن الأمور المتفق عليها إن فن زراعة البساتين نشأ في العراق مما ساعد الإنسان كثيرا على الاستقرار ومن ثمّ نشوء الحضارات المتقدمة وتطوّرها. والنخلة -على ما يرجح- كانت أقدم وأهم شجرة في تاريخ العراق الزراعي القديم حيث اختص العراق بزراعة النخيل منذ فجر التاريخ. وكانت العادة أن تزرع الفراغات بين النخليل بالأشجار المثمرة الأخرى مثل التين والرمان والتفاح والكروم وغير ذلك. ومايزال يعد أعظم وأوسع مركز لزراعة النخيل في العالم لاسيما المنطقتين الوسطى والجنوبية منه. وفي سبيل تحقيق الاستقرار والأمن في البلاد, وللحفاظ على هذه المنجزات والمكاسب العظيمة كان من الضروري وجود حكومات قوية مستقرة. وكان الملك في العراق القديم على رأس السلطة حيث عدت سلطته التنفيذية والتشريعية مستمدة بشكل مباشر من الآلهة لحكم البلاد, فهو الذي كان يتولى قيادة الجيش وقت الحرب حيث أن من أولى واجباته المحافظة على حدود الوطن, وكذلك توفير الوسائل الكفيلة التي تساعد البلاد على الرخاء الاقتصادي عن طريق تنفيذ المشاريع الحيوية العامة مثل حفر القنوات والأنهار وبناء المعابد تقرّبا إلى الآلهة. لقد خلّف الكثير من الملوك العراقيين القدماء مآثر كتابية أكدوا فيها ما ذكرناه حتى أن بعضهم قد صوّر نفسه وهو يحمل سلال التراب والآجر رمز قيامه بتنفيذ المشاريع العمرانية الكبرى وبخاصة بناء المعابد تقربا للآلهة. والكثير منهم قنّنوا الشرائع والقوانين في سبيل تنظيم الحياة العامة ونشر العدل بين الرعية. ومن الأمور المعروفة للجميع أن أولى الشرائع المدّونة في العالم قد ظهرت في العراق القديم, وهناك من الإشارات ما يدل بشكل قاطع على ظهور القوانين المدونة في عصور فجر السلالات. إن الشرائع في العراق القديم لم تكن أولى الجهود البشرية في تنظيم الحياة الاجتماعية فحسب بل إنها دوّنت بأسلوب علمي وبلغة قانونية دقيقة. إنها قوانين بهيئة مواد متسلسلة مقتصرة على الشؤون المدنية لا تتعرض للعبادات في شيء. وكان من تمسّك سكان العراق الأقدمين باحترام القانون والنظام أن تصوروا الكون كله على هيئة مملكة تحكمها الآلهة يتجلى فيها مبدأ الطاعة وبخاصة طاعة القوانين والسير بموجب أنظمة المجتمع وأعرافه الشفهية والمدونة. وبلغ من تقديرهم لفضيلة الطاعة أنهم تخيّلوا ظهور عهد ذهبي بين البشر في يوم ما تسود فيه الطاعة والنظام وسيادة القانون. ومن ثمرات الحضارة الناضجة نشوء الصناعات الأولى وكذلك التجارة وبخاصة التجارة الخارجية لجلب المواد الخام التي اعتمدت عليها تلك الصناعات. ومن البديهي أن يصاحب كل ذلك تقدم العلوم والآداب والفلسفة. وفي العراق القديم بدأت أولى المحاولات الفلسفية الجريئة الخاصة بأصل الكون والوجود والأساس في مكونات المادة. ومن المؤكد أن السومريين قد سبقوا الفلاسفة الإغريق بقولهم بمبدأ العناصر الأربعة الأولية التي عدت أصل جميع الأشياء. ومن البديهي أن يولي العراقيون القدماء أيضا الأدب الكثير من اهتمامهم. لقد كان شأنه شأن الآداب العالمية القديمة الأخرى يشرك الآلهة في الملاحم والقصص أو الأساطير. أما الشعر السومري والبابلي فقد كان يخضع لفن خاص من النظم والتأليف فهو موزون ولكنه غير مقفى. إنه من النوع المعروف في الوقت الحاضر بالشعر المرسل. وما خلفه لنا العراقيون القدماء من الروائع الأدبية أكثر من أن تحصى, ربما أهمها (ملحمة جلجامش) و (قصة الخليقة) و (قصة الطوفان) وعدد كبير جدا من الأساطير. وفي باب العلوم الصرفة كالرياضيات مثلا عرف البابليون أسسا مهمة في خواص الأعداد وكذلك في العمليات والطرق والمعادلات الجبرية الأساسية. من ذلك مثلا معادلات الدرجة الأولى بأنواعها المختلفة فضلا عن معادلات الدرجة الثانية والثالثة. لقد اتبعوا في طرق حلها عمليات مدهشة لا تكاد تصدق لتطابقها مع الطرق العلمية الحديثة. ومما يقال اليوم بوجه عام إن الفضل في تقدم الجبر الحديث يعود إلى البابليين والعرب أكثر مما يعود إلى اليونان. ومن الأمور المتفق عليها أيضا في تاريخ المعارف البشرية أن البابليين هم الذين أسسوا علم الفلك الرياضي، وبدؤوا يدونون ملاحظاتهم وإرصاداتهم أو حساباتهم الفلكية منذ العهد الأكدي، وتقدم هذا العلم إلى درجة كبيرة مذهلة في العهد البابلي القديم. أما معرفتهم بالعلوم الطبيعية مثل علم الكيمياء, على سبيل المثال وبخاصة ما يتعلق منها بخواص المواد وتأثير الحرارة فيها أو العوامل الطبيعية الأخرى فقد بدأت عندهم في وقت مبكر جدا والتي لا سبيل في هذا الملخص من الدخول في تفاصيلها الدقيقة. ____________ * أستاذ التاريخ بكلية الآداب – جامعة بغداد المصدر الجزيرة |
| | |
| | #3 (permalink) |
| عضو متميز تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,233
|
(2) من سومر إلى الإسلام (فصل من كتاب / العودة الى الأهوار) كافن يونغ ترجمة: علي البدران (خاص لمعهد الأبحاث والتنمية الحضارية) باستثناء الطوفان العظيم، كان على العراقيين القدماء أن يواجهوا سلسلة غير متناهية من الفيضانات الأقل حجما بعزيمة لا تقل عن عزيمتهم على مواجهة الأوبئة. يقول الدكتور فؤاد صفر، عالم السومريات العراقي المعروف: إن مياه دجلة كانت تغمر بانتظام وبشكل مدمر مساحات واسعة إلى الشمال والشمال الشرقي والجنوب الشرقي مما يعرف اليوم بمدينة العمارة. إن سومر الحقيقية وغالبية سكانها كانوا يقطنون المنطقة التي تعرف اليوم بـ «المنتفج» وهي المنطقة التي تمتد من ما يعرف اليوم بالناصرية وسوق الشيوخ والشطرة وصولا إلى بابل شمالا. لا يوجد اليوم خبيران يتفقان تماما على الشكل الدقيق الذي اتخذته الأهوار في ذلك الوقت، بل حتى المجاري السابقة للنهرين العظيمين اللذين تعتمد عليهما الجداول وقنوات الري و الأهوار في الجنوب لا يوجد شيء مؤكد عنها. أما اليوم طبعا فهما ينبعان من مرتفعات أرمينيا ويلتقيان في «القرنة» لينحدرا معا جنوبا نحو البحر من خلال شط العرب، وعلى الخارطة يبدوان وكأنهما شوكة رنين ضخمة. لكن من الممكن جدا أن يكون الفرات في يوم ما قد انحدر جنوب مدينة السماوة بشكل منفرد نحو البحر. عندما تنظر إلى أرض سومر من الأعلى تجدها تشبه حالة سيئة من حالات جدري الماء، فترى ببساطة هناك آلاف التلال والمرتفعات تنقط صورة المشهد الطبيعي،لتدل على مواقع العديد من القرى والمدن والبلدات، أغلبها ما يزال إلى الآن راقدا هناك بشكل غريب وغامض بانتظار وصول المستكشفين وعلماء الحفريات، حيث لم يتم التعرف عليه ولم يعط أسم لحد الآن. العديد من هذه المرتفعات القديمة تنتشر بشكل عشوائي في الأهوار، وغالبا ما أزور أحدها في «أبو شذر» في الأهوار الوسطى، والذي يبلغ ارتفاعه حوالي 300 قدم وعرضه 200 قدم فيما يرتفع حوالي عشرات الأقدام فوق سطح الماء عندما يكون منسوب الماء في أعلى مستوى له. وتسكن هذا المكان اليوم عشيرة «بيت نصر الله»، وهم من عرب الأهوار، مع جاموسهم ومواشيهم، وتدور حول هذا المكان حكايات مخيفة. اعتاد رجال العشائر المحليون على القول بأن ذهبا قد تم دفنه في هذه المنطقة، ولكن على حد علمي لم يتم العثور على أي ذهب هناك. من ناحية أخرى، عرض شخص على «ذيسكر» ختما قديما وقطعة من الرصاص نقش عليها، كما قيل له، رموزا فينيقية. كما قام «جون جوروج تايلور» في عام 1853 وهو نائب القنصل البريطاني في البصرة باكتشاف أجزاء من «البحيرة الكلدانية» كما كان يسمي الأهوار، وقد عثر هو الآخر على لفات من رقائق رصاصية في جرار مدفونة نقش عليها أدعية وتعويذات. يقول الخبراء اليوم، أن جميع تلك النقوش تعود إلى القرن السادس الميلادي وهي مكتوبة باللغة المندائية وهي لغة الصابئة، وهي طائفة قديمة ما تزال إلى اليوم تقطن المنطقة. فإذا كانت تلك الأختام قد وجدت قبل ألف وثلاثمائة سنة فإن من المحتمل أن تكون تلك الجزرـ المرتفعات ـ قد وجدت في عصر ما قبل الإسلام بل وحتى في العهد السومري، وبعضها كان صلبا كصلابة الأرض لا كصلابة الصخور، وهي مرتفعة جدا. كتب ذيسكر أنه شاهد رابية جرداء داكنة ترتفع حوالي ثلاثين قدما فوق أطراف القصب، ومثل هذا المرتفع يسميه سكان الأهوار «إيشان»، ويعتقدون أنه موقع لمدينة منسية منذ القدم. كما شاهد «ذيسكر» مرتفع آخر يدعى «العزيزة» وقدّر ارتفاعها بخمسين قدما. تقع هاتان الرابيتان الكبيرتان في ريف «سويد» قرب الحدود الإيرانية شرق محافظة العمارة اليوم. يمكنك أيضا أن تجد قطعا من الأواني الفخارية، البعض منها ذو لون أزرق سمائي والبعض الآخر غير مزجج. واليوم يجد بعض سكان الأهوار بين الحين والآخر أحجارا مربعة الشكل مستوية تحمل نقوشا تشبه الرموز المسمارية، وأحيانا يجدون بعض قطع البناء المكسرة ذات لون أخضر غامق مزجج. قد يكون بعضها حديثة تعود للعصر الإسلامي، لكن في الواقع إن البعض الآخر والذي لا يزال قسم منه مدفونا وغير مرئي قد يعود إلى عصور قديمة جدا. كانت الحياة جميلة في تلك الأزمنة البعيدة، الحدائق الخضراء النضرة، بساتين سومر وغابات النخيل التي تبدو وكأنها بلا نهاية، شبكات الري المعقدة والسدود الرائعة جعلت من بلاد مابين النهرين مخزن قمح لمنطقة الشرق الأدنى. الفلاحون الأثرياء والآلاف المؤلفة من المواشي والحيوانات، رجال الزوارق وهم يصطادون السمك ويغنون وسط غابات القصب العملاقة دون أن يقلقهم أحد، هكذا كان المشهد الذهبي عندما كان جنوب العراق فتيا، ذلك الفردوس الذي ضاع لاحقا بين الصراع والإهمال. يعتقد أن السومريون هم الذين جلبوا جاموس الماء من الهند قبل حوالي 3000 سنة قبل الميلاد، يمكنك أن تراها الآن كما كانت آنذاك، بأجسامها الضخمة ذات اللون الأسود وهي جاثمة على مقربة من بيوت المعدان المبنية على جزر عائمة، أو بالقرب من بيوت المزارعين أيضا. وهي أليفة بالطبع كأبقارهم. لقد نزحت الأقوام السامية المتنقلة ـ الأكديون والآراميون ـ من الشمال ومن الصحراء، ونتج من اختلاطهم مع السومريين غير الساميين ما يعرف بـ « البابليين». لكن سكان الأهوار من رعاة الجاموس وصيادي الأسماك الذين لم يتركوا ليعيشوا بسلام في أغلب الأحيان، فقد تعاقبت عليهم لعبة السلطة في مختلف ولايات بلاد الرافدين، لقد خضعوا على مدى قرون للحكم والحكم المضاد وإلى الصراع المرير بين الحكام، ثم جاء الرومان من الشرق القديم والآشوريون القساة بماكنتهم الحربية التي لا تقاوم ومزقت الأحداث المروعة تلك الفترة السلمية نسبيا والممتدة بين 1400 و 1000 قبل الميلاد، والتي أدرك خلالها ملوك القوى العظمى، كمصر وبابل وآشور ومملكة الحيثيين في الشمال، أن من الأفضل الحفاظ على توازن دقيق للقوى. في بابل قام الملك حمورابي بتنظيم القوانين وبنى المعابد وأصلح الزراعة. ولكن المشاكل كانت تتربص بهم فسرعان ما غزا الآشوريون المنطقة بهمجيتهم وقسوتهم التي لا توصف. آشور ناصر بال و شلمانصر و ادادنيراري و تيكلاثبايلسر و سنحاريب و آشوربانيبال كلها أسماء لملوك آشوريين مازالت ترن مثل صدى أجراس بربرية. سنحاريب هو الملك الذي هاجم عرب الأهوار أكثر من غيره، وبعد عام 705 قبل الميلاد أعلن نفسه «الملك العظيم، الملك الجبار، ملك الكون، ملك آشور، وملك أركان العالم الأربع» في عاصمته نينوى. وسرعان ما مزقت إثنان من حملاته الخاطفة سلام الأهوا، فحروبه اجتاحت الشرق الأدنى والأوسط من مصر إلى جنوب الدولة الفارسية. وهو القائل في حملته الأولى في عام 703 قبل الميلاد: « أنقض مثل الأسد، وأثور مثل العاصفة». احتل بابل وزحفت جيوشه نحو الجنوب بمطاردة حامية لملكها ميروداكبالادان، لكن الملك الهارب كان محظوظا عندما لجأ إلى الأهوار واختبأ في أجمات القصب فهرع المعدان لنجدته فكان في مكان آمن. برغم شعور سنحاريب بالاستياء، لكنه سجل في مذكراته: « لاحقته ـ أي الملك ـ وأرسلت جنودي إلى وسط مستنقعات الأهوار فبحثوا عنه لمدة خمسة أيام لكنهم لم يعثروا على محل اختفاءه». مع ذلك لم يرجع سنحاريب إلى نينوى خالي اليدين، بل أخذ معه 208000 سجينا فضلا عن الخيول والماشية والأغنام. «الكلدانيون والآراميون الذين لم يستسلموا لإرادتي، انتزعتهم بعيدا عن أراضيهم، وجعلتهم يحملون السلال وقوالب الآجر. حصدت قصب الأهوار في بلاد الكلدان وجعلت رجال الأعداء الذين هزمتهم يداي يجرون قصبهم الجبار إلى (بلاد آشور )». وفي حملة لاحقة في عام 694 قبل الميلاد هاجم سنحاريب عيلام، أي جنوب بلاد فارس على الخليج «البحر المر». وتهيأ لتلك الحملة ببناء السفن على دجلة في نينوى. وعندما أصبحت جاهزة تحركت بها كتائبه جنوبا نحو باب سالميت عند ثغر الفرات. سجل سنحاريب: «جنودي الشجعان، اللذين لا يعرفون الراحة، حملتهم في السفن، وجهزتهم بمؤنة الرحلة، وبالعلف للخيل التي أبحرت معهم، ذهب جنودي أسفل النهر بينما بقيت إلى جانبهم على اليابسة»، ولكن فيضان الأهوار أوقف سفنه وجنوده خمسة أيام، فكتب «سفن جنودي بلغت المستنقعات في ثغر النهر، حيث يصب الفرات مياهه في البحر الرهيب». بعد الآشوريين جاء الكلدانيون ثم الميديون الذين حطموا الإمبراطورية الآشورية. ثم جاء البابليون الجدد، الذين هزم ملكهم نبوخذ نصر الجيش المصري المعتدي في العام 605 قبل الميلاد، ولكن بابل كانت قد انهارت تقريبا بحلول 539 قبل الميلاد، فاحتلها عظيم فارس كورش، ثم اليونانيون من بعده. كما مر الاسكندر المقدوني في جنوب بلاد مابين النهرين، عند عودته من الهند إلى المدائن، حيث توفي هناك على نهر دجلة، ربما بسبب الحمى التي أصيب بها في المستنقعات. وكان قائده البحري «نيركوس» قد أنشأ ميناءً قرب مدينة البصرة ( التي لم تكن موجودة آنذاك ) بالقرب من مدينة «خرم شهر» اليوم، وقد سمي في بعض الفترات بـ «الأسكندرية» و «أنتطيوق» و «سبازيناوكاراكس»، ومرت عبره الكثير من البضائع من الهند إلى المنطقة العربية، ولكن اليوم لم يتبق منه أي أثر. كان مجيء الإسلام هو الحدث الأبرز ليس في تاريخ الأهوار فحسب بل وفي تاريخ الشرقين الأدنى والأوسط. فحتى ذلك الحين كانت هجرة القبائل مستمرة من الصحراء العربية، بغض النظر عن دياناتهم سواء كانت مسيحية بيزنطية أم وثنية، فجنوب العراق هو جزء من العراق العربي. في عام 634، أي بعد سنتين من وفاة النبي محمد في المدينة، ظهر القائد الإسلامي الجريء خالد بن الوليد الملقب ( سيف الإسلام ) على ضفاف دلتا الفرات بقوة تعدادها 18000 من رجال القبائل العربية. لقد كان نابليون عصره. عصف بواحات العراق بعد حملات ناجحة في شمال و وسط الجزيرة العربية. فحتى تلك اللحظة لم ير جنود خالد الداخلين تواً في الإسلام سوى الجبال والصحارى، لقد وقعت عيون عرب الصحراء الدهشى على نوع من أنواع الفردوس، وقد كانت كذلك بالفعل، فهم لم يشاهدوا من قبل مثل هذه القنوات والحقول الخضراء وحقول القمح المتموجة أو هذه المياه، ففي نهاية المطاف ها هم اليوم على وشك النزول في مهد جديد للحضارة والفنون، فهذه المنطقة كانت آنذاك مقاطعة فارسية يحكمها الدهاقنة ـ حكام المقاطعات الفرس ـ. طغت الحضارة الجديدة على المجد القديم، فلم يبق آنذاك من أور وبابل ونمرود ونينوى الآشورية شيئا سوى رواب مندرسة. واليوم حتى تلك القوة والتي بدت راسخة ـ إمبراطورية الساسانيين الفارسية ـ جردت من امتازاتها بشكل سريع ومفاجئ. في البداية شتت المقاتلون العرب جيشا للفرس مبهرجا بالأمراء والنبلاء عند آبار «حافر» على حافة الصحراء. ويذكر أن جنود الفرس كانوا موثقين إلى بعضهم البعض بسلاسل لمنعهم من الهرب، ولذلك عرفت المعركة بـ «ذات السلاسل». ثم ما لبث جنود خالد بن الوليد أن اندفعوا بخيولهم نحو الفرات الذي سرعان ما اجتازوه إلى حافات آجام القصب. وكان إنذار خالد لسكان المنطقة كالآتي: « أسلموا تسلموا و إلا فعليكم الجزية، فإذا رفضتم فلا تلوموا إلا أنفسكم، فقد جئتكم بأناس يحبون الموت كما تحبون الحياة». نجحت تهديدات خالد، فلم يتم التعرض لسكان الأهوار وحرفييهم، وظلوا محتفظين بأرضهم. أما القبائل المسيحية في المنطقة فقد وافقت على دفع الجزية وسمح لهم بالبقاء على دينهم من دون أي تدخل. لكن جيش المسلمين تعرض لاحقا إلى نكسة، ففي تشرين الثاني من عام 634 حشد البطل الفارسي والقائد الشجاع للإمبراطورية الفارسية المفككة، قواه وتقدم عبر الغراف بجيش معزز بالفيلة، التي كانت هوادجها المحملة بالجنود كأنها قلاع متحركة. فقد نشر راياته الإمبراطورية المصنوعة من جلد النمور، وهزم الجيش العربي ـ بل قضى عليه تقريبا ـ بالقرب من الحيرة غربي الفرات. لكن الفرس هزموا أيضاً، فقد حشد المسلمون جيوشهم وهزموهم في معركة بويب عام 635 للميلاد، وقتل رستم في معركة القادسية ودمر جيشه بالكامل. وفي ذلك الوقت أمر الخليفة عمر بإنشاء مدينتين في جنوب العراق هما الكوفة والبصرة، وكلاهما كان عبارة عن قاعدة عسكرية. في البداية بنيت بيوت المدينتين من القصب، وكانت المساجد تبنى من القصب والطين ثم بعد ذلك من اللبن، ما لبثت المدينتان أن توسعتا لتصبحا مركزين مهمين من مراكز العالم الإسلامي، فقد جعل عمر من الكوفة عاصمة للبلد الذي تم فتحه حديثا، أما البصرة فقد أصبحت الميناء التجاري المزدحم بين العالمين الشرقي والغربي. رحب السكان المحليون بالجنود العرب. كانت معظم قبائل بلاد ما بين النهرين في ذلك الوقت مسيحية، وكان غالبا ما تساء معاملتهم من قبل الفرس الزرادشتيين، وكانوا يشعرون بأن الفرس غرباء عنهم. أما الآن فإن علاقاتهم مع عرب الصحراء القوية أساسا قد تعززت أكثر. وعلى أثر النصر انتقلت الكثير من القبائل العربية الصحراوية للعيش في سهول بلاد ما بين النهرين الخصبة. اختلط هؤلاء العرب الخلص من مربي الجمال القادمين من صحراء الجزيرة العربية مع سكان الأهوار في الأسواق وفي الحقول المجاورة لمناطق الأهوار والمستنقعات، فتعلموا تقاليدهم وتزوجوا منهم وأعطوهم في المقابل عقيدتهم الجديدة وهي الإسلام. في زمن الخليفة الرابع علي أصبحت البصرة والكوفة والمناطق المحيطة بهما مسرحا للصراع. فبعد تسلمه الخلافة نقل علي عاصمته من المدينة إلى الكوفة. كان علي ابن عم النبي محمد وزوج ابنته إلا أن العديد من الناس رفضوا الاعتراف بخلافته بما فيهم زوجة الرسول المفضلة ذات المزاج الحاد عائشة، والزبير بن العوام وطلحة بن عبدالله، وهما من صحابة النبي محمد. قام هؤلاء الثلاثة بتشكيل جيش قبلي في البصرة لمحاربته، وبرغم الجهود الكبيرة التي بذلها علي، ذلك الرجل المتسامح، لتجنب هذه الحرب إلا أنه أجبر على خوض هذه المعركة. فكانت «معركة الجمل» التي وقعت بين جيش علي وجيش مناوئيه في كانون الأول من عام 656 للميلاد. كانت عائشة تمثل عامل حشد رهيب، حيث جلست في هودجها بشكل جلي على ظهر جمل ـ ومن هنا جاء اسم المعركة ـ الذي سرعان ما أصبح أشبه بوسادة لجمع الدبابيس لكثرة ما غرز فيه من السهام. لقد كان أمرا مأساوياً. فقد كان القتال عنيفا يقتل فيه الأخ أخيه، حيث قاتل بنو ربيعة الكوفة بني ربيعة البصرة، وانقسمت القبائل الأخرى على نفس الوتيرة. كان ضجيج الجيشين يشبه ذلك الذي تسببه ارتطام الأمواج بالشاطئ، وعند حلول المساء كان كل من طلحة والزبير قد قتلا، وأنزل علي عائشة وهي تصرخ بغضب من على جملها المصاب، وأرسلها إلى بيتها في المدينة بكل احترام. كان علي رجلا شهما، حيث بقي عدة أيام بعد المعركة في البصرة، وحفر خندقا كبيرا ودفن العدد الكبير من القتلى. وسميت إحدى المدن الصغيرة هناك على اسم الزبير وهي ما تزال قائمة لهذا اليوم بين بساتين السنط خارج البصرة. بعد ذلك القتال الدامي الأول الذي وقع بين المسلمين لابد وأن يكون سكان الأهوار قد عادوا إلى أهوارهم وهم أكثر وعيا. استمر صراع علي مع مناوئيه الأمويين المتمركزين في سوريا على الخلافة (يمكن تشبيه ذلك بالصدع الذي حدث بين البروتستانت والكاثوليك) حتى عام 661 للميلاد. حيث اغتيل ذلك الرجل النبيل والباسل وهو في طريقه إلى مسجد الكوفة، ودفن في النجف القريبة من الكوفة فأصبح مقدسا لدى المسلمين الشيعة. علي يمثل بالنسبة للمسلمين، بل وللعرب جميعا، قيم الفروسية والشهامة، فهو النموذج الذي كتبت عنه دواوين الشعر والقصص والحكم. والشيء نفسه ينطبق على الحسين ولكن بدرجة أقل، الذي سار إلى الكوفة بمجموعة تتألف من 200 نفر من أصحابه ليطالب بخلافة أبيه القتيل من الحاكم الأموي في العراق. ولكنه حوصر في كربلاء بقوة تفوق قوته بكثير فهزم وقتل الحسين في اليوم العاشر من المحرم سنة 61 للهجرة ( 10 اكتوبر 680 للميلاد). العباس هو أحد أبناء علي، فقد كلتا ذراعيه ثم قتل وهو يحاول جلب الماء لأنصار أخيه المحاصرين. والقسم بالعباس يعد أكبر قسم ملزم لدى سكان الأهوار اليوم. لقد برهنت تلك الأحداث التاريخية الحاسمة والمثيرة على أنها ذات تأثير مدمر على الاقتصاد الزراعي الذي يعتمد عليه العراق، فقصة بلاد الرافدين باختصار هي قصة الري، فالمهارات المبكرة للسومريين في استصلاح الأراضي كانت محط إعجاب خبراء الري منذ القدم. سدودهم التي طوقت مساحات شاسعة مكنتهم من بناء خمس مدن وقرى مزدهرة تحت مستوى سطح البحر. كانت المساحات المطوقة المستصلحة تروى عن طريق فتحات في جدران السدود، لكن هذه الاعمال خربت فيما بعد. في القرن الخامس كانت هناك فترات عديدة ساد فيها الاضطراب السياسي والإهمال الإداري، فغرقت المدن والحقول بسبب انهيار السدود المهملة، ثم أن سوء الإدارة أحبطت محاولات الاستصلاح اللاحقة. إن انهيار أكثر أنظمة السيطرة المائية براعة عرفها الإنسان، تعزز بعد فشل محاولات الملك الساساني غير المحظوظ في القرن السابع الميلادي. فقد حشد طاقات القادرين على العمل في محاولة إنقاذ يائسة، بل نفذ حكم الإعدام بشكل علني ـ صلبا- بأربعين من خبراء بناء السدود الذين فشلوا في رأب صدع مهلك في إحداها، غير أن جهوده باءت بالفشل. كان العهد الذهبي للخليفة العباسي هارون الرشيد في بغداد ( 786- 809 م ) يمثل فسحة للتنفس في خضم هذا الانحدار الكئيب. فهذا الحاكم العربي الرائع الذي كان أكثر تألقا من نظيره شارليمان، أشرف على برنامج حيوي لإعادة إصلاح السدود والقنوات أسفل نهري دجلة والفرات. وبعد ألف و مائة عام اضطر السير وليم ول كوكس إلى الاتفاق مع هارون الرشيد على أن أفضل طريقة لإعادة إرواء تلك المساحات هي بإعادة حفر وفتح القنوات التي أنشأها البابليون، وهذا ما حاول ولاة هارون الرشيد عمله بدلاً من المباشرة بتنفيذ برنامج جديد، وقد كانت النتائج طيبة فجاءت فترة أخرى من الثراء الزراعي، حيث ازدهرت زراعة الشعير والقمح والرز والتمر والسمسم والسكر على امتداد الأراضي لكنها لم تعمر طويلاً. فبعد هارون الرشيد وولده المأمون بدأ الانحدار على طول الخط. وبحلول عام 1000 ميلادي كان جبروت وعظمة إمبراطورية هارون الرشيد قد اختصر إلى مجرد ولاية ذات حكم ضعيف وفاسد. فقد خمدت الخلافة في بغداد وإلى الأبد في عام 1258 م باجتياح هولاكو، حفيد جنكيزخان، وجماعته من الجنود المغوليين بخيولهم الخشنة، ودمر: «المدينة المقدسة التي لا تضاهى». لقد صنع هولاكو هرما مروعا من جماجم علماء بغداد وشعرائها وفقهائها، وحولها إلى ولاية خاضعة لسيطرة الحاكم المغولي في إيران. ودمر هولاكو نظام الري المتقن ـ شبكة السدود المثالية التي استطاع بواسطتها هارون الرشيد استصلاح أراضي الأهوار- واستكملت جيوش تيمورلنك تدميرها في عام 1401 ميلادية. تفسخت الولاية ذات الجنائن، أغنى الولايات في زمن الخلافة العباسية، إلى منطقة غارقة بالمياه لقبائل رعوية ذات عدد متضائل من السكان في عدة مدن. فردوس مفقود لكنه يجب أن يسترد. أخذت مياه دجلة منذ ذلك التاريخ تفيض دون عوائق في الجانبين الشرقي والغربي جنوب مدينة الكوت وعلى جانبي مدينة العمارة. أما الفرات فيسفح مياهه جنوبا باتجاه البحر بدأً من سوق الشيوخ، وقد خلقت مياه الفيضانات تلك أهواراً دائمة جديدة. ارتفع عدد سكان الأهوار أثناء ذلك بسبب موجات اللاجئين العرب الهاربين من مذابح المغول. وقد انظم إلى المعدان، من دون شك، من بقي على قيد الحياة بعد انتفاضة العبيد الكبرى في منطقة البصرة، ضد خليفة بغداد في القرن التاسع الميلادي. فقائدها علي بن محمد جعل مقره في الأهوار، وقاد حرب العصابات على شكل كمائن وغارات ليلية من ملجأه هناك. وتمكن من فرض سيطرته على البصرة بشكل حقيقي قبل أن يلقى عليه القبض ويقتل بعد ذلك بأربعة عشر عاما. وقد أرسل قائد الخليفة رأسه إلى بغداد، وتم تشتيت جيشه الثوري كليا. فكم من هارب وجد له في الأهوار ملتجأ آمنا؟ البعض منهم بالتأكيد. بعد كارثة الاجتياح المغولي الشهيرة أصبح تاريخ العراق أسيرا للصراع الفارسي التركي. تفاصيل ذلك الصراع لم تقلق عرب الأهوار بشكل مباشر. من المعروف أن الحاكم العربي في البصرة كان يدفع ضرائب سنوية للشاه أبان السيطرة الفارسية. وعندما سقطت بغداد بيد السلطان التركي سليمان الكبير في عام 1533 م، خضعت له عشائر أهوار البصرة والحويزة والأهوار الوسطى بسرعة. لكن ذلك لا يعني أنها أذعنت ذليلة للباشا التركي في بغداد بعد ذلك التاريخ، بل على العكس بقيت تلك العشائر معادية له بشكل كبير. فمثلا،في عام 1546م، اضطرت تركيا لتجهيز حملة عسكرية كبيرة ( ساهمت فيها 300 باخرة) لمواجهة تلك العشائر في البصرة. وقد لوحقت العشائر بعد معركة وقعت قرب الجبايش حتى حافات البردي. ومع ذلك أعادوا الكرة في العام 1549م. حينذاك هزمهم علي باشا تمارود قائد الإنكشاريين، وهم أفضل جنود السلطان، عند نهر الفرات. لكن المعدان الذين لا يعرفون الهزيمة استمروا بتهديد أطراف البصرة. بحلول عام 1500م أصبحت التقاليد العربية هي السائدة في العراق. فقد سادت اللغة والثقافة العربيتان المتأصلتان في الإسلام، من الموصل حتى البصرة. ففي الجنوب كان إلى جانب البصرة، كانت هناك نواحي مثل «الدير» ( على شط العرب )، «نهر عنتر»، «المنصورية»، و«كوت المعامر». أما المدن الحديثة كالعمارة والكوت والناصرية فلم تكن موجودة قبل القرن التاسع عشر. أصدر السلطان التركي مرسوما بجعل البصرة ولاية تابعة للباشا في بغداد. أما والي الحويزة فقد حكم القبائل العربية في عربستان ـ وأبرزها قبيلة بني كعب ـ التي امتهنت زراعة الرز وتربية الجاموس في الأهوار والبراري الممتدة عبر الحدود الحالية بين العراق وإيران، من القرنة وشط العرب حتى الأهواز. في الثلاثمائة سنة أو أكثر اللاحقة، كانت هناك فترات أقل ما يقال عنها أنها مضطربة. فالبصرة ظلت مركزا للمتاعب بالنسبة إلى الحكام العثمانيين على الرغم من الحملات العسكرية التأديبية المتعاقبة المرسلة من بغداد، فلم تنفع كافة الوسائل التي اتبعها الباشوات للقضاء على المشاغبين العرب ـ فلا ضربات كتائب الانكشاريين ولا الغرامات ولا السجون ـ فلا الجيوش ولا العقوبات القاسية لها تأثير دائم. في الواقع أصبح العداء العربي ـ في القرن السابع عشر ـ من الكثافة بحيث أن الباشا التركي في البصرة لم يستطع الاستمرار في المقاومة، ففر متنازلا عن السلطة (لقاء مبلغ من المال ) إلى قائد عربي لا يعرف عنه الشيء الكثير ويدعى «أفراسياب». لكن ابنه الشجاع علي باشا تمكن وبمساعد البحرية البرتغالية، من صد الهجوم الفارسي على القرنة في عام 1624 م. عموما كان علي باشا رجلا بمنتهى التهذيب ومثالا للنبل العشائري. البعض قارن محكمته في البصرة بمحكمة هارون الرشيد نفسه. وازدهرت الفنون وأصبحت الحكومة أكثر إنسانية وليبرالية في هذه الدولة التي تقع ضمن الدولة التركية. وحتى عرب الأهوار تمت ترضيتهم لبعض الوقت، لكن لبعض الوقت فقط. فحسين باشا الذي أعقب عليا كان رجل تعوزه اللياقة، فهو لم يكن متسامحا مع المعدان كما كان متوقعا، وفرض ضريبة على الجاموس، لهذا عندما حاصره جيش السلطان في القرنة عند نهاية المطاف لم يجد من يسانده من أبناء العشائر الذين تلاشوا في غابات البردي. أصبحت قبائل جنوب العراق الموحدة قوة يحسب لها حساب. فقد تشكلت أحلاف قبلية قوية. فقد شكل «حفاظ» ـ وهو حفيد أحد أفخاذ بني لام ـ حلف بني لام الكبير، وذلك في المساحة التي تقع وسط وأسفل دجلة، نتيجة للنزاع مع الحاكم الأعلى لمنطقة الحويزة. كما تشكلت في القرن السابع عشر أيضا تجمعات البو محمد إلى الجنوب الشرقي والجنوب الغربي من مدينة العمارة الحالية، والتي دخلت في نزاع مع بني لام امتد لقرون. في القرن الثامن عشر كتب الرحالة الشهير «كارستن نيبور» عن بني لام قائلا: «هي قبيلة كبيرة.... يأخذون رسوما على البضائع التي تنقل من بغداد إلى البصرة، وهؤلاء العرب يسلبون القوافل في بعض الأحيان، فيرسل باشا بغداد آنذاك قواته لمطاردتهم، وأحيانا يعاقبهم بقطع رؤوس شيوخهم، ولكن ورثة الشيوخ المقتولين دائما يكونون أشد عداءً للأتراك وأكثر تحمسا للحفاظ على حريتهم كما كان أسلافهم». أكثر الأحلاف قوة كانت تلك التي أنشأت في الفرات الأدنى. فبعد مدة طويلة من القتال والثأر، اتحدت القبائل الرئيسية ـ بني مالك و آل جواد وبني سعيد ـ في المنطقة بين السماوة وهور الحمار- وكان ذلك تحت قيادة آل شبيب. وأصبحت تلك الأحلاف مشهورة حتى خارج العراق، كما هو الحال مع «المنتفج» في العام 1770م. يشير نيبور إلى أن شيخهم الكبير كان مقيم في «نهرعنتر» بالقرب من القرنة، ويقال أنهم فرضوا سيطرتهم على عدد كبير من القبائل التابعة لهم وبضمنها «مربي الجاموس» ولاحظ أن «الأراضي الواقعة بين دجلة والفرات تتشابك فيها أعداد كبيرة من القنوات وتسكنها قبائل تمتهن الزراعة، أو المعدان». وعن الناس العاديين يقول نيبور: «إنهم فقراء كما يجب أن يكون عليه أتباع أولئك الشيوخ الذين يعيشون في بحبوحة، ولكنهم لا يميلون إلى تعذيب فلاحيهم ليصبحوا أكثر غنى» (الرجل الذي كتب هذا لم يكن لبراليا سابقا لأوانه، بل هو ضابط دانيماركي صغير). ومع ذلك، وبالرغم من كونهم فقراء لكنهم كانوا قادرين على القتال. ففي عام 1775م، وبعد ثلاث سنوات من نشر كتاب نيبور،تصدى مزيج من المدافعين إلى هجوم فارسي واسع على البصرة. فقد جلب شيخ المنتفج ثامر السعدون مقاتليه إلى البصرة المحاصرة، فيما احتل أخوه عبدالله، الزبير. وبعد ثلاث سنوات أوقعت عشائره هزيمة قاسية بقوة فارسية غازية مؤلفة من 12000 رجل من المشاة والفرسان. فقد استدرج ثامر، شيخ المنتفج، الفرس إلى مكيدة قرب السماوة، وحينما توغلوا في الأهوار هجم عليهم برجاله وقتل منهم المئات. يقال أن ثلاثة فقط من الفرس نجو بحياتهم ووصلوا البصرة. فيما بقيت عظام القتلى شاهدة على مكان المعركة لجيل كامل. يضيف نيبور: «تستقي القبائل أسماءها من شخص منتفجي جاء من الحجاز، وينتمي لعائلة شريفة يعود تاريخها إلى ما قبل الرسول محمد، والشيء الوحيد المؤكد هو أن المنحدرين من هذا المنتفجي كانوا غرباء ( مقيمين ) في هذا البلد منذ القدم». هناك على أية حال شك معتبر حول مصدر كلمة المنتفج ـ برغم آراء نيبور المثيرة للإعجاب ـ ويعتقد البعض أنها مشتقة من الكلمة العربية «اتفاق». يعلق نيبور كذلك على قبيلتين واقعتين شرقي الفرات، شيخ إحداهما يدعى «فونتل» (Fontil) وشيخ الأخرى يدعى «حمود»: «كان بإمكانهما تحشيد 2000 فارس وعدد مناسب من المشاة، وكان والي بغداد قد حارب هؤلاء الناس بنجاح متعثر مؤخرا، تلك القبائل المنحدرة من أصل عربي خالص، تعيش على لحوم المواشي والجاموس وزراعة الأراضي.... ويدعون معدان». في ضوء معرفتنا للتطور السياسي في العراق، سيكون من الممتع قراءة ما كتبه نيبور عام 1770م وجاء فيه: « أن الحروب العديدة التي جرت بين القبائل من جهة وبين باشا بغداد من جهة أخرى كانت دلالة على استقلال العرب، على الرغم من أن الضباط العثمانيين اعتبروها تمردا». إن أبناء القصب المعزولين قد كبروا. ألم يكونوا سوى صيادي أسماك مسالمين من سومر، ثم أصبحوا حماة للاجئين من «ملك الكون» الآشوري، وخيالة المغول؟ فيما وجدهم بعد ذلك شاهات وخانات الفرس أناس من نوع آخر. مرت عليهم قرون طويلة من التعامل مع وافدين مكروهين ـ جنود أجانب، جباة ضرائب، سارقي ماشية، ومعاوني حكام قساة- كل ذلك ولّد لديهم شكوكا حول القادمين، وجعلهم بارعين في إخفاء مشاعرهم الحقيقية، كما اكتشفت ذلك لا حقا، فقد لاحظتهم وهم يتكلمون مع موظفي الحكومة بأدب شديد ووجوه جامدة ويقظة كوجوه لاعبي البوكر. لكن هناك تغييراً آخر قد طرأ عليهم، فقد تغير المعدان بسبب الغرس المستمر لدماء القبائل العربية الحارة منذ أيام خالد بن الوليد والخليفة علي بن أبي طالب فنازلا. وبالرغم من أنهم استمروا بصيد السمك وتربية الجاموس وزراعة الرز، إلا أنهم أصبحوا مقاتلين أيضاً، وتعلم الباشاوات أيضا أن عليهم أن يفكروا مليا قبل أن يرسلوا الجيوش لأجل ترويضهم. وأصبح سكان الأهوار عرب الأهوار بنفس الروحية المتوثبة لأقاربهم من عرب الصحراء. فهم يسمون الرجل الشجاع «سبع» أي أسد، ويسمون الناس الماكرين بأنهم «مثل الفيران» يعيشون على دهائهم تحت الأرض بهدوء وحذر. لهذا فأن الرجل المثالي عند المعدان هو الذي يعيش نصف أسد ونصف فأر، مخلوق غريب ولكن لا يمكن الإيقاع به بسهولة في بيئته الخاصة. |
| | |
| | #4 (permalink) |
| عضو متميز تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,233
|
(3) الاختام الاسطوانية السومرية وتشكيلاتها التكوينية حسين الهلالي(*) إن كل المعلومات الآثارية عن تاريخ العراق في تغيير دائم لوجود أشياء مبهمة وأشياء لحد الآن لم تكتشف في بطون التلال الأثرية. واختراع الأختام الأسطوانية هو اختراع متفرد في بلاد الرافدين ولم يسبقه أي بلد في العالم القديم في الوصول الى هذ ا الاختراع. وبعد ذلك امتد هذا الفن الخاص بالعراق إلى البلدان الأخرى في مصر واليونان غرباً وأفغانستان شرقاً. وأصبحت أهميته توازي أهمية اختراع الكتابة المسمارية، لما لهذه الأختام من مكانه كبيرة في تاريخ الفن العراقي القديم، كونها المجس الحقيقي لتطور هذه الفنون ومعرفة فتراتها خلال العصور التاريخية في العراق كذلك معرفة أسماء الملوك والمدن وأسماء شخصيات سومرية تمتلك هذه الأختام عندما أقترنت بالكتابة التي تزامنت مع ظهورها.. لقد كشفت لنا هذه الأختام فناً دقيقاً يمتلك الأصالة والتعبيرعن المرحلة التي مر بها بأساليب متعددة وبتكوينات مكتملة، وفي فترات متعاقبة من تاريخ العراق القديم أصبح الختم الأسطواني في مقتنيات الشخص السومري، لما له من أهمية كبيرة في حياة الفرد والجماعة في المراسلات والمقاولات وحتى الأختام التي يتذرع بها الفرد الى الأله هم يحرصون عليها كل الحرص. ![]() اما «شكل الختم فهو عبارة عن قطعة من الحجر ذات شكل اسطواني غالباً ما يكون مثقوباً من الوسط ليسهل حمله او تعليقه بواسطة خيط أو سلك معدني»(1) وينقش على الختم الاسطواني بواسطة الحفر بصورة معكوسة رسوم ومشاهد تختلف في مواضيعها وطرازها الفني من فترة الى أخرى، ان التكوينات لا تظهر إلا عند دحرجتها على الطين الطري فهي بارزة وبشكلها الاصلي الذي قام بعمله الفنان، ولم يعرف الختم الاسطواني سابقاً كون علماء الآثار لم يكتشفوه ولكن تنقيبات الوركاء هي التي دلت على هذه الأختام وحددت تاريخه «النصف الثاني من عصر الوركاء المعروف بدور الطبقة الرابعة، أي حدود 3000 سنة قبل الميلاد»(2) وهو مزامن لظهور الكتابة. وقد عرفت المواضيع وطرزها الفنية من خلال الرقم الطينية أو الالواح الطينية المكتوبة وسدادات الطين التي كانت تستعمل لسد فوهات الجرار وغيرها. وذكرالدكتور صبحي أنور رشيد ( هناك أختام صغيرة مقصره، وأختام محدبة وأختام منتظمة, أي أن الختم ذو سمك واحد من أعلى الى الاسفل.. أما من حيث الحجم: فهناك أختام اسطوانية يقل ارتفاعها عن السنتمتر الواحد وقطرها 0.6 سم، وبالعكس اختام كبيرة ذات قطر يتجاوز ال5 سم،أو بعضها في حدود السنتمتر الواحد من حيث القطر و8 سم من حيث الارتفاع) وتستخدم في طمغة السدادات الطينية وطمغة الرقم أي الألواح الطينية المكتوبة وطمغة سطح كرات طينية مجوفة تخفي في داخلها دلاله معمولة على الغالب من الحجر. أما الأدوات المستعملة في نقش الختم الأسطواني فهي:-الازميل، المزرف، المقشط، القرص الحاد، الأنبوب ذو الطرف الحاد والمزرف ذو الرأس المحدب. كما ظهرت الكتابة لأول مرة على الأختام الأسطوانية حوالي 260-2500 ق م وتتضمن اسم مالك الختم ومهنته، وكذلك اسم الوالد والاله والملك والصلوات وتعاويذ وأدعية (وخاصة أختام العهد الكيشي) إن قواعد نفس الختم التي يتبعها الفنانون تمثل العصر الذي يعيشون فيه. فهم يختلفون من عصر فجر السلالات وعصور أكدية اخرى أو عصور الانبعاث السومري. لكننا نرى أن التطور الحاصل في فن الأختام الاسطوانية وصل إلى مرحلة متقدمة فهي بالرغم مما تتناوله من مواضيع سائدة آنذاك مثل: المشاهد الدينية والمعارك والحيوانات المفترسة والحيوانات الأسطورية ورمز الالهه (أينانا) إلا إننا نجد التجريد المحض في تكوينات دور فجر السلاسلات الثاني (2600-2500).وهي في كل انماطها جاءت متوازنة ولم يترك الفنان فراغاً في مساحة الختم الاسطواني ويعالج ذلك بذكاء بحيث يملأه بتكوينات زخرفية دقيقة الصنع تنسجم مع المشهد المطروح. ومن صفات هذه المشاهد والموضوعات التناظر في حركة الطيور والحيوانات وكذلك صفة التكرار أيضاً. لقد استخدم فنانو أكد صفة التناظر من حيث تركيب المشهد والتقابل. ![]() ومن خصائص ختم فجر السلاسلات الثاني أن يتبع الفنان القواعد الخاصة بالعمل وذلك بجعل جميع ما هو منقوش على الختم في ارتفاع واحد، لقد وصلت المواضيع التي تجسد المعارك مع الحيوانات المفترسة إلى منتهى الواقعية في التكوين للموضوع الخاص بكلكامش البطل الأسطوري الذي يصارع الثيران تارة ويصارع الأسود تارة أخرى، إن مواضيع الدفاع عن غلات الماشية يساهم فيها الرجال بشكل مستمر لأن الحيوانات الشرسة هي في صراع دائم مع الرجال وكثرة المداهمات لحيواناتهم، ولكن لا بد من رجل قوي يقهر هذه الحيوانات القوية ولا يوجد أمامهم غير البطل كلكامش يستنجدون به، فقد صور في الختم عارياً، أن هذا البطل القوي الذي أرتسمت على وجهه علامات الغضب ذو الشعر الكثيف واللحية العريضة، أنه مصمم بأن يصرع الاسد ويخلص القطيع من شرورة، لقد جسد فئات بلاد الرافدين الحركة بشكل فريد وملأ سطح الختم بالتكوينات وأدرك معنى التوازن فيه، ثم جسد تفاصيل جسم كلكامش وعضلاته المفتولة في ساعديه ورجليه. وكذلك أكد الفنان على كف الاسد ومخالبه البارزة والمهيئة للأنقضاض على كلكامش، لكن كلكامش ممسكاً بالأسد من ظهره مسكه مميته بحيث يستطيع لي جسده وكسر عمودة الفقري. ![]() إن فن صناعة الأختام الاسطوانية وصل الى أوج تقدمه في العصور السومرية والأكدية، ما يعكس أن هذا الفن المطروح للاستهلاك كحاجة ماسة للأفراد هو رافد كبير من روافد الفن السومري ويقول (أدوار كبيرا) في كتابه (كتبوا على الطين): «وقد أبدى فنانو هذه الأزمان القديمة مزيداً من البراعة والتفنن في حفر تلك الأختام الأسطوانية، ونجد في بعضها أعمالاً فنية دقيقة وصفية لأنواع المناظر كافة». إن المعلومات القيمة التي حصل عليها علماء الآثار من الأختام الأسطوانية هي بلا شك فتح كبير لهم لمعرفة اسماء الملوك واسماء المدن والمعابد والوثائق التجارية، وتبقى سومر مصدر إشعاع للعالم القديم الذي تعلم من شعب بلاد الرافدين كل شيء. ![]() ![]() ![]() ![]() الهوامش: ـــــــــــــــــــ (*) باحث من العراق. 1- تاريخ الفن في العراق القديم الجزء الأول – فن الأختام الأسطوانية / الدكتور صبحي أنور رشيد. 2- كتبوا على الطين – ادوار كبيرا – ترجمة محمود حسين أمين. 3- فن الشرق الأدنى القديم – ستين لويد – ترجمة محمود درويش. 4- سومر فنونها وحضارتها – تأليف اندري باور – ترجمة د. عيسى سلمان وسليم طه التكريتي. المصدر: موسوعة الفن العراقي (نقلاً عن الحضارية). |
| | |
| | #5 (permalink) |
| عضو متميز تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,233
| (4) أبرز الشعراء والأدباء في العراق القديم (بلاد ما بين النهرين) د. صلاح سلمان رميض الجبوري(*) الملاحظ أن معظم التأليفات الشعرية والأدبية، السومرية والبابلية، جاءت خلواً من أسماء مؤلفيها باستثناء بعض الحالات النادرة جداً والتي لا تتجاوز أصابع اليد، وقد شمل هذا الإغفال مظاهر حضارية أخرى شغلت مكانة متميزة في الحضارة العراقية الأصيلة ذات الجذور الموغلة في القدم. وقد عبّر الأستاذ جورج كونتنيو بقوله: (قد نجد الأمر صعباً عندما نواجه بأعمال فنية كالنقوش قليلة البروز(النحت البارز) وسبب ذلك هو أننا قد لا نعرف يد أي فنان أسهمت في صنع مثل هذه الأعمال ويصدق نفس القول بصورة متساوية على الوثائق المكتوبة). فالمدونات الأدبية الرافدينية برغم التنوع الذي أصابها طيلة ثلاثين قرناً من الازدهار، احتفظت بأسلوب نمط معين ضمن تشكيلة عظيمة مقدمة من خلالها معلومات خصبة وكافية للأفكار الدينية والأخلاقية. وكما قال أحد الباحثين: (ان الشعب الآشوري ـ البابلي هو الشعب الوحيد في العالم الذي لا نعرف اسم أديب واحد لديه، برغم تاريخه الطويل جداً، ورغم نشاطه الأدبي الرحب، ويبدو أن هذا يدل على انهم لم يكتبوا لهدف فني، ويعبّروا بأشكال جديدة عن الأفكار الجديدة، بل ان هدفهم الأساس انصب من أجل الحفاظ على ذكريات السلف). فالأعمال المتنوعة بمختلف ضروبها الفنية المتعددة جاءت خلواً من الأسماء الحقيقية لأولئك الفنانين المبدعين، لربما قد تكون هناك بعض التبريرات لهذه الأعمال مثلاً خاصة عندما تكون التقنية دقيقة ولا يوجد مجال لتدوين اسم الفنان خاصة على الأختام، لكن الأمر ينطبق أيضاً على الأعمال الفنية الكبيرة كالتماثيل والمدونات المسمارية على الألواح، فهي الأخرى قد أغفلت ذكر اسم الفنان أو المعمار أو الأديب، على الرغم أن بحوزتنا العديد من القوائم المدونة بأسماء أصحاب الحرف والمهنيين. ويبدوا أن سجل الحفائر الأثرية لم يعرف اسم فنان قام بانجاز عمل معين، وقد أشار الأستاذ لمبرت إلى وجود بعض العوائل المتخصصة بالكتابة شخصت من خلال توثيقها الجيد. وبقدر ما، يتعلق الأمر بأبرز الشعراء والأدباء، فقد أجمع الباحثون على ان الأدب الرافديني كان يتداول شفاهاً عبر أجيال سبقت اختراع الكتابة. وبعد ان قطعت الكتابة شوطاً من التطور وأصبحت أداة طيعة للاستخدام بدأت أولى المحاولات لتدوين النتاج الأدبي، وذلك في حدود منتصف الألف الثالث قبل الميلاد. وقد نشطت عملية تدوين الأدب السومري وجمعه واستنساخه من وثائقه القديمة بشكل لافت للنظر، وذلك نتيجة للضمور الذي أصاب اللغة السومرية في نهاية الألف الثالث ق ـ م وبروز اللغة الأكدية والبابلية لغة رسمية في البلاد، وقد جذبت أصالة الأدب السومري وغزارة التأليف السومرية اهتمام رجال الأدب الجزريين من شعراء وأدباء ونسّاخ، فظهرت حركة واسعة لاحياء التراث الأدبي السومري عن طريق استنساخ المؤلفات الأدبية السومرية من وثائقها القديمة أو عن طريق تدوين ما كان متداولاً منها شفوياً. وفي هذا المجال لعبت المدارس في العصر البابلي القديم دوراً بارزاً في استنساخ المدونات، بوصفها المراكز الثقافية المسؤولة عن حفظ التراث وصيانته، أما بخصوص أسماء المؤلفين. فكما أشرنا في موضع سابق فان الكتـّاب الجامعيين والنسّاخ كانوا يجهلون حقيقة الأسماء الأصلية لمؤلفي تلك النتاجات الأدبية وانها أصبحت نتاجات قومية لأجيال كثيرة من الشعراء، فباتت تراكمات موروثة تتداول من جيل إلى آخر عبر العصور. جدير بالذكر ان وجود فهارس تحوي عناوين تأليف متعددة، استوضحت منها فهرسين لعناوين أعمال أدبية، إنما يعبّر عن وعي أدبي في فهرسة القطع الأدبية، فهناك لوحان، احدهما في متحف اللوفر ويحتوي على 68 عنواناً، والآخر في متحف جامعة فيلادليفيا ويحوي 62 عنواناً. وقد أوضح الاستاذ لمبرت من خلال دراسته لاحد تلك الفهارس بأن المصطلح البابلي المستخدم للتعبير عن كلمة مؤلف أو من تأليف هو (Sapi) حرفياً من فم فلان، أي من كلامه أو نسخه، وقد أوضح ان هناك بعض الدلائل المتعددة تشير إلى اعمال عديدة قيل انها من فم الإله آيا of the mouth Ea مستخلصاً من ذلك المصطلح معنى من تأليف آيا، المعروف عن هذا الإله انه رب الحكمة والمعرفة. ويلاحظ ان المؤلفين الذين نسبت اليهم أعمال أدبية معينة في ذلك الفهرس هم من الآلهة (مثل إله الحكمة آيا) أو شخصيات أسطورية عاشوا في عصور قديمة ووصفوا بكونهم حكماء (مثل آدبا ـ انميركار ـ ولوننا) أو أشخاص ذكروا بأسمائهم المجردة فقط أو أسمائهم مع أسماء آبائهم متبوعة بسلسلة النسب. من ابرز الأدباء والشعراء: 1 ـ الشاعرة انخيدوانا: ابنة الملك سرجون الأكدي مؤسس الامبراطورية الأكدية، تولت هذه الشاعرة منصب الكاهنة العظمى مسترشدة بسيرة جدتها ام سرجون في أور مدة من الزمن، ويدخل في تركيب اسمها إله السماء (آنو) والذي كانت مدينة الوركاء مركزاً لعبادته، إذ تولت هذه الشاعرة بصفتها كاهنة عظمى أيضاً العمل في الوركاء فضلاً عن مدينة أور، وقد يكون هذا التقليد الجديد في منصب الكاهنة ضمن سياق توحيد البلاد في إطار الوحدة الوطنية التي حققها سرجون الأكدي، ولربما قد تمخض عنها أو كان منن جرائها توحيد مفردات الطقوس الدينية التي كانت سائدة في المدن الرئيسية، ولربما يكون التجاوز المزعوم الذي حصل على معبد الايكور في (نفـّر) كان من جملة تلك الاجراءات. من مخلفات هذه الشاعرة ترتيلة في مديح إلهة الحب والحرب انانا (عشتار)، وهي ترتيلة طويلة قسّمها الباحثون إلى قسمين، الأول أطول من الثاني، حيث يحتوي على أدعية ومدائح موجهة إلى الإلهة مستعرضة قدراتها الكبيرة على إنزال العقاب والدمار، فهي العاصفة المدمرة التي يرتعش لهولها البشر وهي إلهة الحرب الغاضبة التي لا يعرف قلبها الرحمة والتي ينهزم أمامها الآله مثل الخفافيش، ونقتبس في أدناه فقرات من ترتيلة الشاعرة انخيدوانا التي نظمتها في مديح إلهة الحب والحرب انانا (عشتار): انخيدوانا تؤكد انها حظيت بقبول الإلهة انانا. ـ يا سيدة النواميس الإلهية كلها، النور الساطع. ـ المرأة واهبة الحياة التي تكتسي بالإجلال، محبوبة السماء والأرض. ـ كاهنة الإله آنو، ذات الحلي العظيمة. ـ التي تمسك بيدها النواميس الإلهية السبعة. ـ يا سيدتي: أنت حارسة النواميس الإلهية العظيمة. ـ أنت التي رفعت النواميس الإلهية وأنت علقت النواميس الإلهية في يدك. ـ لقد ملأت البلاد بالسم الزعاف كالتنين. ـ وأنت عندما تزأرين على الأرض يختفي كل ذي حضرة من سطحها. ـ يا صاحبة المقام الأول، أنت (انانا) السماء والأرض. ـ تمطرين البلاد بالنار الملتهبة. ـ يا مدمرة البلدان الأجنبية لقد أعطيت أجنحة للعاصفة. ـ يا سيدتي ان البلدان الأجنبية تنحني خوفاً من صرختك. ـ وعندما يمثل الناس أمامك، خائفين مرتعشين من نورك الوهاج فانهم ينالون منك جزاءهم العادل. ـ يا سيدتي، ان انونا الآلهة العظام، ينهزمون أمامك إلى الكهوف مثل خفافيش مرفرفة. ـ أيتها الرحيمة، المرأة واهبة الحياة، صاحبة القلب النير ها قد أنشدتها أمامك بموجب النواميس الإلهية. ـ ودخلت أمامك في الكيبار المقدس. أنا الكاهنة العظمى انخيدوانا. ـ حملت سلة الطقوس وأنا أشدو ـ ولكني الآن لم أعد أسكن في المكان المريح الذي أقمته لي. ـ فإذا ما حل النهار، حرقتني الشمس، وإذا ما حلَّ ظلام الليل حدقت بي ريح الجنوب. لقد أضحى صوتي العذب مضطرباً ـ وتحول كل ما يسعدني إلى تراب. ـ أنا انخيدوانا، سوف أتلو الصلوات لها ـ وأقدم دموعي كالشراب العذب إلى انانا المقدسة وأسلـّم عليها. ـ يا سيدتي، يا محبوبة الإله آنو، عسى أن يرق عليّ قلبك.. أنت معروفة، أنت معروفة (بعظمتك)، وما أنشدته لم يكن من أجل آنو، بل من أجلك أنت، لقد كومت الفحم (في المبخرة) وأقمت الشعائر. ـ وان ما تلوته عليك في منتصف الليل ـ عسى ان يعيده عليك الكاهن ـ المنشد في منتصف النهار. ـ السيدة الأولى، يا عماد قاعة العرش، تقبلت صلواتها ـ واستعاد قلب انانا راحته. ـ كان يومها سعيد، وهي تكتسي بالحسن وتزخر بفتنة الأنوثة. ـ المجد إلى سيدتي انانا، التي تكتسي بالحسن. وقبل أن ننهي الحديث عن هذه الشاعرة نود أن نشير إلى قطعة فنية قرصية الشكل من الحجر احتوت في أحد أوجهها نحتاً بارزاً يمثل الكاهنة العظمى وهي ترتدي ثوباً طويلاً ذا أهداب له عدة طيات وقد تدلت ظفائرها على كتفيها يتقدمها كاهن يسكب الماء المقدس في إناء بالقرب منه بناء مدرج شبيه بالزقورة، ومن ضمن المشهد مجموعة من الكاهنات، أما الوجه الآخر من هذه المنحوتة فانها تحوي كتابة مضمونها: (انخيدوانا كاهنة الإله ننار، زوجة الإله ننار، ابنة سرجون). 2 ـ الشاعر كبتي ـ ايلاني ـ مردوخ بن دابيبي: والذي اشتهر من خلال أسطورة ايرا، وهي عبارة عن قصيدة شعرية بأسلوب بليغ مدونة على خمسة ألواح، تدور حول إله الطاعون ايرا ومستشاره ايشوم، ويظهر اهتمام الشاعر في هذه الأسطورة منصباً على توضيح بعض الأوصاف المتناقضة كويلات الحروب وما تفرزه من دمار وتخريب، على نقيض ذلك ما يتركه السلام من رخاء وأمان. ان هذه الموضوعات كانت ذات أهمية في تقاليد بلاد ما بين النهرين، إذ يتوضح ذلك جلياً في أسطورة ايرا، ضرب من هذا الاستخدام فيما يتعلق بهذه التناقضات، ولقد كان داء الطاعون والحروب من أهم ما يشغل ايرا، في خاتمة الأسطورة زعم مؤلفها الشاعر بأن الإله مردوخ نفسه قد ظهر له في الحلم وأملى عليه، متن الأسطورة ولما استيقظ دونها بدون أن يضيف إليها أو ينقص منها شيء، ويذكر ان الإله ايرا استمع إليها واستحسنها. مقتبسات من الأسطورة: أقوال الآلهة السبعة إلى ايرا.... ــ قالوا لايرا هيا انهض لماذا تبقى في المدينة مثل شيخ هرم.. هل علينا ان نأكل من خبز امرأة كمَنْ لم يخرج أبداً للمعركة، هل علينا أن نكون خائفين مضطربين كما لو كنا لا نمتلك خبرة في الحرب، فذهابنا إلى المعركة كأنه العيد للشباب، ومن يبقى في المدينة، وإن كان أميراً، لن يشبع بالخبز وحده، وسوف تفضحه أفواه شعبه ويحتقر، كيف يجرأ على رفع يده في وجه من ذهب إلى المعركة؟ ومهما عظمت قوة من يبقى في المدينة، كيف يمكنه التغلب على من كان في المعركة، ان طعام المدينة، مهما كان مزخرفاً، لا يقارن بما يطبخ على الحجر... بعد ذلك يبدأ ايرا بشن الحرب:: (افتح لي الطريق لأسير على الدرب.. أعاهدكم على ان احطم شعاع الشمس... وأحجب وجه القمر في منتصف الليل، وسأقول لادد: أوقف ينابيع ـ بئرك ـ واطرد الغيوم، وأوقف الجليد والمطر واذكر كلاً من مردوخ وايا بأن من شبَّ في السراء سوف يدفن في الضراء... وسوف أضع نهاية للبلاد واجعلها في عداد الأطلال... سأصرع الناس ولا أترك نفساً واحدة. ــ أيها المحارب ايرا، لم تخش اسم مردوخ... لقد غادرت طبيعتك الإلهية وأصبحت مثل البشر... وحملت أسلحتك ودخلت المدينة، ثم ان أبناء بابل، الذين ليس لديهم من يتولى أمرهم، التفوا من حولك مثل القصب في الأدغال، فمن كان جاهلاً بالسلاح استل خنجره... ومن كان جاهلاً بالحرب شن حرباً، ومن لا جناح له طار كالعصفور... وقد سدوا بأيديهم بوابة بابل، شريان رخائهم.... أنت الذي كنت تسير في المقدمة وكنت تقودهم... أوقعتهم في شبكتك وأمسكتهم وأبدتهم أيها المحارب ايرا ـ وجعلت دماءهم تسيل كالماء في الميادين العامة ـ فلما رأى مردوخ ذلك صاح (وا أسفاه) وأمسك قلبه، وحلت في فمه لعنة لا تبديل لها، و (يقول): أسفي على بابل التي جعلتها شامخة مثل تاج النخلة لكن الريح أيبستها، وبعد ان استطاع ايشوم مستشار ايرا من ان يقنعه بالتوقف عن تخريب بابل من خلال القسم الأخير من الملحمة كما نقتبس أدناه: أيها المحارب: اهدأ واستمع إلى كلماتي، ما عليك الآن الا ان تستريح ونقوم نحن بخدمتك، نحن نعرف جميعاً ان لا أحد يقدر على مجابهتك في يوم غضبك. فلما سمعه ايرا ضاء وجهه، وشعت نسماته مثل فجر يوم جديد.... وعندئذ صاح ايشوم عالياً ونطق بكلام مهم... عسى ان يتكاثر من جديد شعب البلاد المباد،.... وان يصرع الأكدي الضعيف السوتي القوي،... وان يسوق رجل واحد سبعة منهم مثل الغنم،.... وتنزل في البلاد من جديد الماشية والغلال،... وعسى ان يأتي دجلة والفرات بمياه الفيض، وان يأتي كل واحد من حكام المدن بهبته إلى خازن معبد أي ـ ساكيلا وبابل، وعسى ان ينشد الإله العظيم نرجال والمحارب ايشوم لسنين لا تحصى... وفي ختمام القصيدة يذكر (نظمها كبتي ـ ايلاتي مردوخ بن دابيبي، فقد جاءه الإلهام في منتصف الليل وانه عندما تلاها بعد ان استفاق لم ينقص منها شيء ولم يضف كلمة واحدة، وان ايرا استمع إليها وأقرها، كما سرّبها أيضاً ايشوم الذي يسير أمامه وأثنى عليها كل الآلهة الأخرى). 3 ـ الأديب والمعزم الآشوري ورد كولا: إذ تولى منصب نائب كبير الأطباء في البلاط الآشوري في زمن الملك سنحاريب، وتدرج بمنصبه إلى ان أصبح معزماً في البلاد في زمن الملك اسرحدون، وبقي محافظاً على منصبه بداية عهد الملك آشور بانيبال، حيث أعفي من مهام منصبه لأسباب، ربما وجود خلاف شخصي بين هذا الأديب والملك آشور بانيبال عندما كان ولياً للعهد، لذا فقد قام والد الأديب ادد ـ شومو ـ اوصر بكتابة رسالتين إلى الملك آشوربانيبال يتشفع لابنه ورد كولا، لكنها لم تسفر عن نتيجة وكانت عديمة الفائدة لعدم استجابة الملك إليها، الأمر الذي حدا بهذا الأديب بتوجيه رسالة إلى الملك آشور بانيبال مؤرخة في اليوم الثلاثين من شهر كانون الأول من عام 667 ق.م. وبعد أن فشلت جميع محاولاته للعودة إلى منصبه، فقد أصبح متشائماً، بحيث لجأ في النهاية إلى توجيهه هذه الرسالة متوسلاً عند سيدة الملك لأن يمنحه ثوباً ليتسنى له تغيير ثوبه الوحيد ويمنحه دابتين للركوب والعمل في الحقل، وقد استنتج الأستاذ پرپولا (simoparpola) من دراسته المستفيضة لهذه الرسالة بوجود حالة غير مرضية وغير مناسبة للمثقفين، إذ يستطرد قائلاً: (ان العلم وحياة الترف لا يتماشيان حقاً بشكل جيد، وان هذه القضية تبدو حقيقة في الأزمان القديمة، كما هي اليوم أيضاً مثال ذلك: كبير النسّاخ الذي كان يعمل في البلاط الآشوري، فهذا الرجل كان بالتأكيد واحداً ضمن أكثر الأشخاص ثقافة في عصره، ففضلاً عن انه مستشار شخصي للملك وموظفاً مرموقاً في البلاط يمكن مقارنته بالحكماء الأسطوريين (الافكل) في عصور ما قبل الطوفان، كما ورد في المثل الآشوري المعروف (ان بيت كبير النساخ حقير حتى ان الحمار لا يرتضي لنفسه دخوله). نتقبس مقتطفات من هذه الرسالة: ــ إلى سيدي الملك، من خادمك ورد كولا: أتمنى لسيدي الملك موفور الصحة وعسى مردوخ وصربانيتم، نبو وتشميتم، عشتار ـ نينوى وعشتار ـ اربيل، ننورتا وكولا، ونرجال ولاص (las) أن ينعموا ببركاتهم الوافرة على سيدي الملك العادل.... وان تبارك الآلهة العظام في السماء والأرض ملوكيتك على الدوام،.... وعسى ان تجعل ملوكيتك نافعة للناس قاطبة مثلما ينفع الزيت الخالص النقي.... وان يلتفت سيدي الملك إلى قضية خادمه وان ينظر إلى الموضوع برمته، أقول ابتداء انني كنت في أيام ابيك الملك رجلاً فقيراً وابن رجل فقير كنت كلباً ميتاً وشخصاً وضيعاً محاصراً فانتشلني أبوك من المزبلة وأصبحت اتسلم منه الهدايات وصار اسمي يذكر بين أسماء الرجال المحظوظين، وأخذت استمتع بأكل (الفضالة) الدسمة واعتاد ان يعطيني من وقت لآخر بغلاً أو ثوراً، وفي كل عام كنت أحصل على (مَن) أو (مَنّين) من الفضة وفي أيام سيدي عندما كان ولياً للعهد كنت أتسلم (الفضالة) مع العرافين، كنت أقف عند فتحات النوافذ وأراقب... ولم أدخل بيت خصمي أو بيت احد من رجال الحاشية،.... والآن وقد خلف أباه، فان سيدي الملك عزز السمعة الطيبة التي حققها، أما أنا فلم أكافأ على ما حققته من أعمال، لقد عانيت بشكل لم يسبق له مثيل حتى كدت أن أسلـّم (الروح)، ان سوء السلوك والنميمة وإفشاء السر أشياء مقرفة، أما أنا فقد صنت امتيازات سيدي الملك وحميتها، غير ان أحداً، لم يمد لي يد الإحسان... فإذا كان من اللائق ان يتسلـّم العلماء من الصنف الأول ومساعدوهم، بغالاً، يكون من المناسب حقاً أن، يعطى لي حمار، وبالمثل، فطالما ان الثيران توزع في شهر كانون الأول يكون من المناسب أيضاً ان يعطى لي ثور،... لقد بعثت برسالة إلى سيدي الملك بواسطة ـ شرو ـ نوري ـ الخصي، حملتها كل ما ينتاب قلبي من أحزان.... سيدي الملك انني لا أقدر على شراء نعل، أو أجرة خياط ولا أملك ثوباً بديلاً، وقد تراكم بذمتي دين لمبلغ (6) مَنّ من الفضة، فضلاً عن الفائدة، كما اني بلغت من العمر خمسين عاماً، وهم يقولون لي: عندما تتقدم في السن... مَنْ الذي يعينك؟ ... الملك غير راضٍ عني واذهب إلى القصر دون جدوى، فاتجهت إلى العراف لكنني لم أجد أي أمل... لقد كان متشائماً ولم ير شيئاً كبيراً، يا سيدي الملك ان رؤياك لسعادة وان عطفك لحظ عظيم، فعسى أن يرق قلبك سيدي الملك وان تبعث لي دابتين على الأقل. 4 ـ الشاعر والعراف ساكيل ـ كينم ـ اوبيب: تعرفنا عليه مؤلفاً لقصيدة العدل الإلهي، المدونة على مجموعة من ألواح الطين معظم نسخها وجدت في مكتبة آشوربانيبال في نينوى من القرن السابع نظمت على شكل حوار بين شخص معذب متشكك وبين صديقه. امتازت بأسلوب فني من التأليف الشعرية اللفظية، استوجبت من الشاعر الالتزام بحرف معين في بداية كل بيت من أبيات القصيدة وهي صناعة شعرية صعبة تتطلب مهارة عالية ومهارة شعرية ولغوية واسعة، وهو ما يُعرف بالمصطلح (الاكروستك Acrostic) والذي يطلق على تلك القصيدة التي لو جمعت أوائل أبياتها لكونت جملة مفيدة (أنا ساكيل ـ كينم ـ اوبيب كاهن الرقى عابد الإله والملك)، فالقصيدة تتكون من سبعة وعشرين دوراً قوام كل دور أحد عشر بيتاً شعرياً، هذه الصياغة الشعرية الفنية تذكرنا بنماذج مشابهة في القصيدة العربية، وفحوى القصيدة يدور حول التشكك والسخرية من جانب المعذب الذي يدفعه تشككه في بعض المواقف إلى درجة التجديف والكفر، وتعتبر القصيدة من الناحية الفنية الأدبية أمتع وأروع من بقية القصائد ذات العلاقة بالعدل الإلهي، والتي سوف سنتناولها بشيء من التفصيل في مبحث لاحق. وندون في أدناه تلخيص مضمون القصيدة: المعذب: أنا طفل يتيم المولد، ماتت أمي أثناء الولادة وتركتني يتيماً. الصديق: الموت نصيب جميع الناس. المعذب: أنا في صحة رديئة، كئيب ومعسر. الصديق: تكافئ الآلهة بالتالي المتقين. المعذب: هناك أناس في رفاهية بدون تقوى، ولكني كنت تقياً بدون رفاهية. الصديق: اننا لا نفهم طرق الآلهة، فغير الصالح الذي يترف مؤقتاً يُهجر في النهاية. المعذب: حسب ملاحظاتي لم تكن الحالة كذلك. الصديق: ان من الكفر ان تجادل قرارات الآلهة. المعذب: هناك ميزات للحياة كمتسول دون مسؤوليات نحو الجميع. الصديق: هذا جنون. ويستمر الحوار ويضع نظرية العقاب المقدس على الممارسات المتشعبة للحياة العقلية، ويتفق المتحاوران أخيراً على الاقتناع بأن البشر غير عادلين، وأنهم كذلك لان الآلهة خلقتهم كذلك. 5 ـ الناسخ كوَ ـ ايا. الذي قام باستنساخ ثلاثة رقم طينية تضم ما مجموعه (1245)سطراً لقصة الطوفان اتراخاسيس من زمن حكم العاهل آمي صدوقيا ملك بابل (1702م ـ 1682 ق ـ م). كما أشير إلى اسم الناسخ بصيغة (Ellet-ku) من قبل بعض المختصين في دراسات سابقة، وبأنه عمل في مدينة سبار في زمن الملك نفسه، لكن إيضاحات أحد المختصين حول الألفاظ الأساسية للعلامة (ku)، وخاصة عند استعمالها في التركيبات اللغوية السومرية. إذ أوضح ملابسات تعدد الاسم بصيغ مختلفة، ومهما يكن فقد أوضحت الدراسات الحديثة كون اسم الناسخ (نور، ايا) بدلاً من القراءات السابقة، إذ لم تكن هذه التعديلات الجديدة غريبة، فقد سبق ان لاحظنا تبديل اسم المصطلح اوركاجينا وأصبح اوروانمكينا، واسم الجبل الذي رست عليه سفينة الطوفان بجبل نيموش بدل جبل تيسير. 6 ـ رئيس الكتـّاب سين ـ لقي ـ اونني من الحقبة الكاشية: عُرف من خلال الانتشار الواسع لملحمة كلكامش ذائعة الصيت بمعالجتها بالعبارة (طبق سين ـ لقي ـ اونني) الكاهن من صنف مشمشو، ويرجح ان هذه الصيغة النهائية للملحمة قد دونت على يد هذا الكاتب بحدود 1250 ق.م. ................. المصدر: الدكتور صلاح سلمان رميض الجبوري، أدب الحكمة في وادي الرافدين، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2000م. نقلاً عن الحضارية |
| | |
| | #6 (permalink) |
| عضو متميز تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,233
| (5) فن العمارة الآشورية (العهد الفرثي)(*) إعداد: إسراء أسد (خاص لمعهد الأبحاث والتنمية الحضارية) آشور، مركز الحضارة العراقية القديمة الواقعة على الضفة الغربية لنهر دجلة، في مدينة الموصل الحالية. الاسم(آشور) يطلق على المدينة المركزية، وعلى الدولة كلها، وعلى الإله الرئيس للآشوريين القدامى. تعرضت هذه المدينة العملاقة أواخر القرن السابع قبل الميلاد إلى التدهور، ما جعلها عرضة لسلسلة من الاحتلالات التي دمرت معالمها الحضارية وجعلتها نهباً للغزاة. لكن عاودت هذه المدينة ازدهارها في عهد الاحتلال الفرثي، الهلنستي، الذي عمد على إنشاء مبانيه الجديدة على أنقاض المباني الآشورية القديمة، واحدة واحدة ففي عهد الاحتلال الفرثي شهدت آشور ثلاث مراحل بنائية، تختلف الواحدة عن الأخرى، بواسطة استخدام مواد إنشائية مختلفة، وأطول تلك المراحل هي المرحلة الفرثية الأولى أو القديمة التي شيدت فيها المباني المهمة كالقصر في القسم السفلي من المدينة، والمعبد على الهضبة الشرقية، وشيد «الايوان» فوق معبد آشور.. المنظر العام للمدينة: يحيط بالمدينة سور دفاعي ما زالت معالمه قائمة، ومما يلفت الانتباه هو قيام المعبد الفرثي الجديد على الموضع القديم لمعبد آشور، وعلى أنقاض بيت الاحتفالات الآشوري أقيم بيت الاحتفالات الفرثي، وان (الاكروبول) الفرثي موجود في النهاية الشرقية للاكروبول الآشوري، وهو يتحد بهضبة معبد آشور وبأنقاض زقورة آشور ـ انليل الكبيرة، أما هضبة المعبد فقد ضمت مقر الحكم والاغورا (الساحة العامة) ببناياتها. وعند النظر إلى صورة المدينة الفرثية من الشمال كان تل الزقورة، التي لم يكن لها مثيل في أي من المدن القديمة المعروفة. والقادم إلى آشور من جهة الجنوب يشاهد القاعات المرتفعة للقصر أو أواوين الأبنية المجاورة، وفي منتصف المنظر كان يرى المنخفض لخندق المدينة القديم والى اليسار على الأراضي المرتفعة قبور العشيرة ذات الأشكال المكعبة أو الشبيهة بالأبراج. ولابد ان المنظر العام للمدينة لم يكن يومئذٍ يختلف كثيراً عن منظر مدينة الموصل حالياً.. أبنية المدينة: أما الترتيب الكلي الكبير للأبنية فنكاد لا نلمس شيئاً من المباني الفرثية الأولى في آشور ذا صلة بالأسلوب البنائي الأصيل، ما عدا الإيوان فهو ليس ببابلي أو إغريقي، لان في المساكن الآشورية المتأخرة تظهر إحدى الغرف بجانب مفتوح كلياً يطل على الفناء الداخلي، ويضم المبنى المسمى بالقصر.. في آشور أربعة أواوين تحيط بفناء واسع.. ان الآشوريون القدماء كانوا يفضلون الإقامة في غرف مقفلة. وان السكان الذين اعتادوا العيش في خيم مفتوحة يألفون بالتأكيد عند انتقالهم إلى المدينة الإقامة في أماكن مفتوحة كهذه ويفضلونها على الغرف القابضة للصدر، وتبرهن على ذلك الأواوين الضخمة الواسعة لمدينة الحضر، فسكانها كانوا ـ على ما يبدوا ـ عرباً استقروا فيها قبل ذلك العصر بفترة قصيرة. الجناح الشرقي للقصر: يوجد فوق الجناح الشرقي للقصر أبنية وغرف لا يمكن اعتبارها مسكناً واحداًً نظراً لوجود بابين اثنين يفتحان على الزقاق وأطلق عليهما اسم (المسكن المشترك) كي يسهل وصفه.. تقع في النصف الغربي من المسكن المشترك غرفة المدخل مشيدة على أنقاض الدهليز الشمالي للإيوان الشرقي القديم، وعمق الفناء حوالي (9 أمتار) يحتوي على درج يبدأ من الغرب نحو الشرق وعلى مقربة منه تمر قناة تصريف مياه الدار باتجاه الزقاق مغطاة بآجر. ويقع الإيوان الجنوبي في الجهة الجنوبية من الفناء أركانه على هيئة دعامات ضخمة، مبنية بأسلوب ركم كسر الحجر بمونة الجص. وعلى ناحيته الجنوبية والغربية غرف متعددة، وفي وسط إحدى الغرف يوجد موضع للنار في الأرضية محاط بآجر ومكسو من الداخل بملاط الجص. وفي إحدى الغرف التي تمثل المطبخ يوجد تجويف مدور الشكل يمكن اعتباره موقداً وهو عبارة عن خمس دكاك من الآجر وملاط الجص تفصل بينهما أربع فتحات، وتوجد في (المطبخ) أجزاء من جرة كبيرة واسعة الفوهة من النوع الذي يستعمل في حفظ الأغذية. الجناح الشمالي للقصر: وجد في إحدى الغرف هناك إبريق مطلي باللون الأزرق منتفخ البدن وطويل العنق، وعثر بجانبه على قطعة نقدية ذات العلامة (Sc) المطبوعة على احد وجهيها. ووجد تحت الإيوان طبقة أفقية من الردم، ومنها طبقات عديدة رمادية اللون، ووجدت على القوس الطيني قشرة خشنة من ملاط الجص بحيث بدا القوس وكأنه في داخل إطار مستطيل، ووجدت بالقرب منه حلة كبير قاعدتها المدببة تلامس أرضية الحمام، وعثر تحت إيوان المسكن جرتان كبيرتان ويستدل على انهما كانتا محفوظتين داخل الأرض، وكانت إحداهما مملوءة إلى نصفها بتراب نظيف عثر في داخله على قطعة من قرن الإيل. الجناح الغربي: أدى إنشاء المساكن الشمالية للجناح الغربي إلى توسيع بناية القصر باتجاه الغرب فقط، وبني الجدار الغربي للفناء بلبن اصفر مقام على أساس من حجر الجبس، يتصل به مرفق جديد. البوابة الغربية للقصر القديم أحيطت مجدداً بالبناء من كلا الجانبين قائمة في زقاق مغلق النهاية حيث شكلت هناك في داخل الزقاق نفسه باباً للحارة. المسكن الكبير: في المنطقة التي تسمى بالوادي الغربي الذي يشقه نهر صغير وقصر يقع مسكن كبير مدخله في الجانب الشمالي، يختلف عمق حفر الأسس تبعاً لطبيعة الأرض، فهي تظهر بأعماق مختلفة، والحفر مملوءة بمداميك من اللبن حسب الأسلوب الآشوري القديم، فهو يتكون من لبن يشبه بحجمه وجودته الآجر الذي استعمله العاهل الآشوري (شلمنصر الثالث) في أسواره، طين اصفر يكاد يكون نقياً. يحتوي المسكن على باب كبير بمصراع واحد، ويحتوي المسكن على باب آخر للمدخل والمجاز يؤديان إلى فناء يحتوي على عدة غرف من جميع الجوانب وغرفة بثلاثة أبواب مجهولة السبب ويمر من الفناء مجرى صغير متجهاً نحو الوادي في الشرق. أما الإيوان فتظهر عليه العناية الكاملة في البناء، فهو يحتوي على فتحة واسعة ومحاط بجوانبه المسدودة ممر ضيق شبيه بالدهليز له مدخلان يؤديان إليه من الفناء، ويظهر بوضوح آثار حريق مما يدل على ان تدمير المسكن حدث بفعل النار. ويقع غرب هذا المسكن الكبير بقايا مسكن مشابه له وجدت فيه لقى أثرية نجملها بالنقاط التالية: 1 ـ كسرة لتاج عمودي من الجص ، ودمى من الفخار. 2 ـ تمثال امرأة تدق على طبل تمسك الطبل بقدميها وعلى رأسها طاقية مما يؤكد انتمائها إلى العهد الفرثي. 3 ـ رأس رجل، ورأس امرأة معمول بواسطة قالب. 4 ـ سلطانية من الفخار مزججة ومزخرفة، مسامير، وخاتم من النحاس وغيرها من اللقى الأثرية. القصر الفرثي: ![]() يبدو ان نشوء القصر كان على عدة مراحل، فقد تم ترميم المبنى الفرثي القديم بمنى فرثي حديث ثم مبنى فرثي متأخر، ويلاحظ ان المواضع المهمة من البناء شيدت بكامل أجزاءها (بما فيها الأسس) بآجر متين مثل واجهات الفناء الأربع والإيوان الشمالي بكامله وقاعدة الأعمدة مع غرفتين متاخمتين لها من جهة الجنوب. أما بقية مرافق القصر فمبنية بلبن جفف في الهواء. ان الشيء الذي يؤيد ارتباط أقسام المبنى بعضها ببعض بالرغم من ظهورها مختلفة بشكل غريب في تفاصيلها البنائية هو مادة البناء الواحدة والحجم الواحد للبن المستعمل، ويتكون من طين رمادي اللون غير نظيف تماماً بل غالباً ما يكون ممزوجاً بتراب ردئ الخواص. ولا يضم المبنى أقبية كبيرة فجميع سقوف القاعات تقريباً مزودة بعوارض مستقيمة من الخشب، لكنها تحمل بواسطة عقود مستعرضة ضخمة. وعند إمعان النظر في بناية القصر نجدها تنقسم إلى أربعة أجنحة مستقلة ترتبط ببعضها البعض بواسطة الفناء فقط الذي يشغل مكاناً مركزياً بينها. ان أواوين الأجنحة الأربعة ودهاليزها تفتح جميعاً على الفناء. وهي تضفي عليه طابعاً خاصاً من خلال تشكيلها العماري. وتزين جدران القصر وواجهات الاواوين زخارف صنعت من الجص وبعض هذه الزخارف يحمل الرمز البابلي للإله مردوخ، وبعضها يظهر على هيئة صليب معقوف أو أشكال سداسية أو دوائر وغيرها... وان لجميع أعمدة القصر تاج من طراز واحد هو الطراز الايوني، والتيجان الصغيرة مصنوعة من الجص فقط اما الكبيرة فهي متكونة من الآجر واللوحات الجصية كذلك مزينة بإشكال جميلة كما يظهر في الصور. وتدل آثار الألوان التي ما زالت باقية على بعض القطع الأثرية فان من المحتمل أن جميع الزخارف والنقوش كانت محلاة بالألوان كالأحمر الغامق والوردي الفاتح والأزرق والأصفر.. ويتكون القصر من أربعة أجنحة: الجناح الشمالي والجنوبي والشرقي والغربي ويعتبر الجناح الشمالي أوسع أجنحة القصر وكل جناح يضم عدة دهاليز تؤدي إلى المشتملات ويضم أيضاً إيوان كبير وفناء وعدة غرف موزعة على كل الاتجاهات ويبلغ عدد الغرف في كل جانب تقريباً على ست أو سبع غرف، وتقريباً كل الدهاليز والممرات والغرف تحتوي على أقواس قائمة على أبوابها مصنوعة من الآجر والجص. الحمام: أما الحمام فإنه يحتوي على موقع بنائي على شكل موقد مكون من أربعة عقود مستعرضة صغيرة الحجم تظهر بينها فتحتان لتمرير الهواء اللازم للنار، تعبئة الموقد كانت تتم من الخارج بواسطة باب ضيق. والتعبئة كانت تجري بواسطة وعاء كبير مملوء بالفحم كان يقوم بتسخين حوض موضوع فوقه. وتدل الآثار انه يحتوي على خزان أو حوض مصنوع من حجر الجير، وتبليط الأرضية يتكون من آجر مكسو بغطاء من القير. وفي وقت مبكر جداً تهدم قسم القصر الواقع جنوب الزقاق وفي فترة فرثية متأخرة شهد هذا المكان قيام مسكن متواضع. وعلى الجدار الغربي من إحدى غرف الجناح الشمالي وجد مقعد صغير مشيد بآجر ومكسو بملاط الجص. وعلى بعد 1.18م إلى الجنوب من المقعد تمر ساقيه مكونة من آجر وضع بشكل عمودي. وكانت تصرف المياه في جرّة كبيرة مدفونة في الأرض، سعة فوهة الجرة 11 سم. المبطخ: وتوجد غرفة محصورة عند المدخل المؤدي إلى فناء القصر ربما كانت هذه الغرفة مخصصة لإقامة خدم القصر. لها دهليز يؤدي إلى المطبخ يحتوي على مواقد على هيئة دكاك واطئة عرضها تتراوح بين آجرة ونصف، وتبرز عن الحائط الذي بنيت أمامه بمقدار آجرة أو أكثر.. هذه الدكاك مكسوة بالجص من جميع جوانبها، امام الموقد عثر على إناء من الفخار كان مدفوناً في الأرضية. ![]() البهو المعمد: هو بناء ملحق يمثل توسيعاً للقصر يقع شرق الإيوان الشرقي للقصر، وفناء البهو مربع الشكل تقريباً تحيط بالفناء أربعة أروقة ضمت ستة عشر عموداً يتصل الواحد بالآخر بواسطة الأقواس تحمل فوقها تيجاناً ذات أشكال غريبة ومختلفة. شبكة الشوارع: هناك شبكة من الشوارع تحيط بالقصر، ان مسافة مقدارها (150م) تفصل بين شارعين رئيسيين يتجهان من الشمال إلى الجنوب وإن مع كل شارع مجموعة تتألف من ثلاثة شوارع فرعية. ويتراوح عرض كل من الشارعين الرئيسيين 3 ـ 5 م، وهما مستقيمان في امتدادهما وتقع على جانبيهما عدة مساكن فرثية. وان الشارع الشمالي هو الشارع الرئيسي الذي له صلة بالشارع الرئيسي الآشوري الذي كان يؤدي من بوابة گورگوري إلى البوابة الجنوبية للسور الداخلي. سور الهضبة والبوابات والجدار الفاصل: بقيت الهضبة الشمالية الشرقية المرتفعة أيام الفرثيين تحتل مكانتها الممتازة كما كان شأنها في العهود الآشورية وذلك بسبب الحياة الدينية والعامة، يحيط بها سور محصن سمكه (1.50 م) يحتوي على عدة بوابات يبلغ عرض احدها (7.60 م). يحد الهضبة من جهة الغرب أنقاض الزقورة الكبيرة، ومن الشمال الأرض المنحدرة انحداراً قائماً، ومن الشرق نهر دجلة، ومن الجنوب الوادي المسمى بوادي المعبد. اما جدار سور الهضبة فهو يعتبر إضافة بنائية تحققت في فترة لاحقة متكون من الآجر اختفت معالمه تقريباً. ويشتمل القسم الغربي من الهضبة الشمالية الشرقية الذي يتحدد في الشرق والجنوب بالرواقين المعمدين وغرباً بالزقورة الكبيرة، يشتمل على المعبد المعمد و(قاعة المحكمة). المعبد المعمد (Der Peripteros): ![]() يبلغ طول البناية 28 م وعرضها 20.5 م، وكان المعبد على هيئة أروقة ذات اعمدة منفردة يضم واجهة تشبه إلى الاروقة ويحوي المعبد على مذابح صغيرة وبأعداد وفيرة، وتدل الآثار على أن تدمير المعبد حد ما واجهة القصر الفرثي وتحوي الواجهة فتحة كبيرة يقوم على جانبها بابان يفضيان إلى حدث بواسطة النيران، ان المعبد كان مكرساً لهرقل، فقد عثر في غرفة العبادة على مسلة صغيرة من حجر الحلان (وهو حالياً في اسطنبول) نحت عليها تمثال للجبار هرقل هنا يظهر العملاق العاري متكئاً على هراوته (فالمعبد اذن يرجع إلى عهد القياصرة الرومان). قاعة المحكمة بناية الدرج المكسوف: بالقرب من المعبد المعمد توجد بناية كبيرة متكونة من ثلاثة مشتملات واسعة يقوم امام المبنى درج مكشوف، يحتوي على قاعة كبيرة تشبه إلى حد ما مدخل المعبد. ان طريقة البناء مطابقة تماماً لطريقة بناء الواجهة الغربية للقصر الفرثي.. تحوي القاعة على عدة أعمدة تزينها تيجان عليها زخارف جصية منوعة. القطع العمارية المكتشفة: ![]() تنقسم الأجزاء العمارية التي عثر عليها في مبنى الاواوين إلى الأنواع التالية: 1 ـ أحجار مربعة بسيطة الشكل ذات العلامة الخاصة بالنحات أو بدونها، وفيها من العلامات مثلث متساوي الأضلاع، زاوية متساوية الضلعين، صليب، علامة على شكل كلاب معقوف بثلاث رؤوس، شجيرة بأربعة أفرع تقف على خط أفقي، شوكة ذات رأسين. 2 ـ قطع من أفاريز الإكليل، مصنوعة من حجر الحلان، السطوح الأمامية ملساء الصنع التشكيل الزخرفي منقول عن النموذج الكلاسيكي القديم. 3 ـ قواعد أعمدة: ان البقايا من هذا النوع قليلة، مكونة من أحجار الحلان، وهي تمثل تحويرات من الطراز الايواني. 4 ـ تيجان أعمدة: يمكن للتيجان المصنوعة من حجر الحلان ان تنتمي بموجب حجمها وأسلوب تشكيلها إلى قواعد الأعمدة التي ذكرت أعلاه. 5 ـ قطع اسطوانية من الأعمدة، جميعها من حجر الحلان مثلها في ذلك مثل بقية الأجزاء العمارية المكتشفة في القصر الفرثي، الأعمدة هنا ملساء السطح بدون تضليع. 6 ـ قطع أثرية أخرى مختلفة. وقد أمكن العثور على زخارف مماثلة أيضاً في المعبد وفي قاعة المحكمة وفي أماكن عديدة من المدينة. بيت الاحتفالات الفرثي: يقع بيت الاحتفالات الآشوري الذي أنشأه سنحاريب في أرض منبسطة يقطعها وادي صغير وذلك في الشمال الغربي خارج المدينة، وفي العهد الفرثي أقيم على أنقاضه هيكلهم الجديد. وشهد بيت الاحتفالات في العهد الآشوري مرحلتين بنائيتين، في الحقبة المتأخرة تظهر الدار مزاحة بعض الشيء نحو الجنوب الشرقي بالنسبة إلى مبنى الحقبة الأولى. ثم شهد المبنى إزاحة أخرى بنفس الاتجاه وذلك في فترة الاحتلال الفرثي. ومن خلال مجاز يصل المرء إلى الفناء الذي يقع أمام غرفة العبادة الكبيرة، توجد فيها قاعدة تمثال من حجر الكلس.. وتدل الآثار على ان عبادة الإله آشور قد استمرت في آشور وانبعثت مجدداً هناك إبان الاحتلال الفرثي. ويمثل ذلك التزاماً بالتقاليد يمتد عبر حوادث لأكثر من خمسة قرون من الزمن. القبور والمدافن: تحت سطح التل الأثري مباشرة وجدت القبور الفرثية منتشرة في كل مكان من المدينة، ان اغلب حالات الدفن كانت تجري بعيداً عن مساكن الأحياء في مناطق غير مأهولة بالسكان أو نسبة السكان فيها قليلة جداً. ان المكان الرئيسي للدفن كان منطقة معبد الإله نابو للفترة الآشورية المتأخرة. ان المدافن الفرثية بمدافن الحضر تحتل مكانة خاصة في نظام الدفن. ان لمواضع الدفن لطبقة الحكام الفرثيين قواعد أخرى غير التي اتبعت من قبل عامة سكان المدينة، يدفن الموتى في قبور على شكل أوعية مقلوبة وفي قبور وعائية، وقبور التوابيت المصنوعة من التراكوتا وفي قبور كبيرة تحت سطح الأرض وفي مدافن فوق سطح الأرض، ومن خلال الآثار نستنتج ان الموتى كانت تدفن وهي مرتدية الملابس الكثيرة والحلي، وكذلك تتكون مخلفات القبور من قناني وقدور وطباق اغلبها مصنوع من فخار مزجج، وكذلك آنية زجاجية وغيرها مصنوع من المرمر استعملت في حفظ مواد الزينة والمراهم كذلك تظم اقلام وصحاف وملاعق واسلحة وغيرها. أما وضعية الجثث فتأخذ وضعية القرفصاء أو راقدة على الظهر. وأما أشكال التوابيت اما على هيئة حوض من الطين النضيج (التراكوتا) مزخرف أو على هيئة حوض شبيه بالحذاء. اما الدفن في التوابيت فكان هو الأعم الأغلب. ويمكن التفريق بين نوعين من حالات الدفن: 1 ـ دفن في التوابيت الفرثية التي تكون على شكل حوض كبير مصنوع من التراكوتا. 2 ـ دفن في التوابيت الحوضية الآشورية القديمة. ان التوابيت الفرثية كانت تطلى بطلاء لامع محلاة بالزخارف أغلبها من الأخضر الداكن المائل إلى الزرقة، واغلب الزخارف كان عبارة عن تمثال امرأة عارية تقف داخل معبد صغير. القبور الكبيرة المقامة تحت سطح الأرض: ينتسب هذا النوع من القبور إلى نهاية القرن الثاني بعد الميلاد وذلك حسب اللقط الأثرية المسكوكات، ان القبر عبارة عن غرفة مستطيلة من الآجر تعلوها عقادة على هيئة قبو. وفيما يخص النفق الذي يؤدي إلى داخل القبر الكائن تحت الأرض والذي اعتاد الآشوريون على إقامته في الضلع القصير من غرفة القبر. وجدت فيه عدة توابيت كذلك كانت مزخرفة ومطلية بطلاء لماع تحتوي بعضها على مخلفات من الحلي والقناني والأقداح وبعضها مسكوكات برونزية باسم اولغاش الثالث، وبعض التماثيل، إضافة إلى ان هناك مدافن مشيدة فوق سطح الأرض خارج المدينة. سراي القوافل (جنوب المدينة): خارج منطقة المدينة والى الجنوب من الوادي الكبير وجدت بقايا أسس تنتمي إلى بناء يرجع تاريخه إلى فترة تلت العهود الآشورية. المبنى مكون من فنائين ومشتملات ورواق، يمكن ان ينسب سراي القوافل هذا إلى الفترة الساسانية. لان المكان هنا عبارة عن قاعة ذات أعمدة مستطيلة وهذه القاعة غير معروفة بالنسبة إلى العهود الآشورية ام إلى العهد الفرثي.. ان المشتملات وكذلك غرف الأعمدة المستطيلة والأفنية الكبيرة تحملنا على ان ننظر إلى هذه البناية باعتبارها سرايا للقوافل. وعلى مقربة من البناية توجد أبنية مشابهة لها. عثر في سراي القوافل على عدة لقى أثرية منها: ـ أقواس ولوحات زخارف على هيئة ذيل الكلب المرفوع. ـ كسرة من حجر البازلت عليها باقايا كتابة وجدت مبنية في أحد الجدران. ـ عدة آنية فخارية مزخرفة. ـ مجموعة قدور، آنية زجاجية وقناني وأقداح. ـ حلقة من البرونز قطرها 3 سم. مبنى الأواوين: هو عبارة عن ثلاثة مشتملات واسعة (أواوين) مفتوحة باتجاه الفناء ومرتبة الواحد بجانب الآخر. وبكل واحد منها ألحقت غرفة خلفية بقياسات تختلف عن قياسات بقية الغرف. ولوجود سلـّم مكشوف يتألف من خمس درجات فإن مستوى أرضية الإيوان الأوسط أعلى من الإيوانين الآخرين. ان عرض واجهة الإيوان حوالي (36 م). اُقيم هذا الإيوان فوق بقايا المعبد القديم للإله آشور وهو آخر الأبنية الكبيرة التي بقيت شاخصة في الهضبة الشرقية على العهد الفرثي. هامش ــــــــــــــــــــــــــــ (*) مقتبس من كتاب (آشور ـ المدينة الهلنستية)، تأليف: فالتر أندريه، وهاينس لينتس، ترجمة عبد الرزاق كامل الحسن، المنشورات العلمية لجمعية الشرق الالمانية. ![]() ![]() ![]() |
| | |
| | #7 (permalink) |
| عضو متميز تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,233
| (6)أقوام بلاد الرافدين(*) 24 /06 /2007 م 10:28 مساء الأكاديون هم من أقدم الاقوام السامية التي استقرت في دلتا الرافدين (2350-2159 ق.م) بمدينة أكاد (تأسست عام 2370ق.م) شمال بلاد بابل علي الجانب الأيسر من نهر الفرات. عاشوا منذ أقدم العهود مع السومريين. وآلت اليــهم السلطــة في نحو (2350 ق.م) بقيادة زعيمهم سرجون الأول وجعل أكد عاصمته عام 2800ق.م استطاع سرجون الاكدي أن يفرض سيادته على جميع مدن العراق. ثم بسط نفوذه على بلاد بابل وشمال بلاد مابين النهرين وعيلام وسوريا وفلسطين والاناضول وامتد إلى الخليج العربي، حتى دانت له كل المنطقة. وبذلك أسس أول امبراطورية معروفة في التاريخ وجعل اللغة الأكادية تحل محل السومرية وهي لغة خليط من السامية والسومرية. وظلت اللغة الأكادية سائدة في الشرق الأدني طوال سنة 2000ق.م وكان يطلق عليه (شروكين) أي الملك الصادق. ويقال أن أمه كانت من نساء المعبد ولما ولدته وضعته في سلة وألقت به في مياه الفرات حيث عثر عليه بستاني ورباه. إستهوت الطفل الإلهة عشتار فشملته بعطفها وحبها. شهدت البلاد في عصره انتعاشاً اقتصادياً كبيراً بسبب توسع العلاقات التجاريـة خاصة مع منطقة الخليج العربي. كما انتظمت طرق القوافل وكان أهمها طريق مدينة أكد العاصمة بوسط العراق الذي يصلها بمناجم النحاس في بلاد الأناضول، وكان النحاس له أهميته في صناعة الأدوات والمعدات الحربية. السومريون جلجامش (گلگامش أو كلكامش وباللاتينية: Gilgamesh) يعتبر خامس ملوك أورك حسب قائمة الملوك السومريين كان گلگامش لزمن بعيد يعتبر شخصية اسطورية ولكن الأعتقاد السائد الآن انه كان بالفعل موجودا وذلك بعد اكتشاف الواح طينية ذكرت فيها اسم ملك كيش انمين باركاسي الذي ذكر ايضا في ملحمة گلگامش ولكن الاساطير تشكل جزءا مهما من المعلومات المتوفرة عن گلگامش. استنادا على الأساطير السومرية كانت والدة گلگامش من الألهة واسمها نينسون وكان والده بشرا عاديا واسمه لوگالباندا وكان لوگالباندا ثالث ملوك أورك وحسب ملحمة گلگامش فان گلگامش هو الملك الذي امر ببناء سور حول مدينة أورك الذي دمر فيما بعد من قبل سرگون الأكادي. بالرغم من عدم توفر ادلة مباشرة على كون گلگامش شخصية حقيقية الا ان معظم خبراء الأثار والباحثين في مجال الدراسات الشرقية القديمة لا يعارضون احتمالية كون گلگامش شخصية تاريخية حقيقية, في حال كونه ملكا حقيقيا فان اغلب الظن انه عاش في القرن 26 قبل الميلاد وبعض الألواح الطينية السومرية ذكرت اسمه على صيغة بلكامش وليس گلگامش. ملحمة جلجامش (أو ملحمة كلكامش) هي ملحمة سومرية مكتوبة بخط مسماري على 11 لوحا طينيا اكتشفت لأول مرة عام 1853 م في موقع أثري اكتشف بالصدفة وعرف فيما بعد أنه كان المكتبة الشخصية للملك الآشوري آشوربانيبال في نينوى في العراق ويحتفظ بالالواح الطينية التي كتبت عليها الملحمة في المتحف البريطاني. الألواح مكتوبة باللغة الأكادية ويحمل في نهايته توقيعا لشخص اسمه شين ئيقي ئونيني الذي يتصور البعض أنه كاتب الملحمة التي يعتبرها البعض أقدم قصة كتبها الإنسان. بداية الملحمة تبدأ الملحمة بالحديث عن جلجامش ملك أورك الذي كان والدته بشرا فانيا ووالده إله خالدو لهذا كان الكهنة يدعونة بانة ثلثة الهة و الباقى بشر وبسبب الجزء الفاني من دمه يبدأ بادراك حقيقة أنه لن يكون خالدا. في الملحمة نرى أن جلجامش لم يكن ملكا محبوبا من قبل سكنة أورك حيث كانت له عادة سيئة وهو ممارسة الجنس مع كل عروسة جديدة في ليلة دخلتها قبل أن يدخل بها العريس وكان يجبر الناس على بناء سور ضخم حول أورك. قام الناس بالدعاء من الآلهة بأن يجد لهم مخرجا من ظلم جلجامش فاستجاب الآلهة وقامت احدى الالهات واسمها أرورو بخلق رجل وحشي كان الشعر الكثيف يغطي جسده ويعيش في البرية ياكل الاعشاب ويشرب الماء مع الحيوانات أي أنه كان على النقيض تماما من شخصية جلجامش ويرى بعض المحللين أن هناك رموزا إلى الصراع بين المدنية وحياة المدن الذي بدأ السومريون بالتعود عليه تدريجيا بعد أن غادروا حياة البساطة والزراعة المتمثلة في شخصية أنكيدو. كان أنكيدو يخلص الحيوانات من مصيدة الصيادين الذي كانوا يقتاتون على الصيد فقام الصيادون برفع شكواهم إلى الملك جلجامش الذي أمر إحدى خادمات المعبد بالذهاب ومحاولة إغراء أنكيدو ليمارس الجنس معها وبهذه الطريقة سوف يبتعد الحيوانات عن مصاحبة أنكيدو ويصبح أنكيدو مروضا ومدنيا. حالف النجاح خطة الملك جلجامش وبدات خادمة المعبد وكان اسمها شامات وتعمل خادمة في معبد الآلهة عشتار بتعليم أنكيدو الحياة المدنية من كيفية الأكل واللبس وشرب النبيذ ثم تبدأ باخبار أنكيدو عن قوة جلجامش وكيف أنه يدخل بالعروسات قبل أن يدخل بهن أزواجهن وعندما يسمع أنكيدو هذا الشيئ يستشيط غضبا ويقرر أن يتحدى جلجامش في مصارعة كي يجبره على ترك تلك العادة. يتصارع الإثنان بشراسة حيث أن الإثنان متقاربان في القوة ولكن في النهاية تكون الغلبة لجلجامش ويعترف أنكيدو بقوة جلجامش وبعد هذه الحادثة يصبح الأثنان صديقين حميمين. يحاول جلجامش دائما القيام بأعمال عظيمة لكي يبقى اسمه خالدا فيقرر في يوم من الأيام الذهاب إلى غابة من أشجار الأرز ويقطع جميع أشجارها ولكي يحقق هذا يجب عليه القضاء على حارس الغابة الذي هو مخلوق ضخم وقبيح واسمه هومبابا. ومن الجدير بالذكر أن غابة الأرز كان المكان الذي يعيش فيه الألهة ويعتقد أن المكان المقصود يقع الآن في منطقة بين إيران والبحرين. الصراع في غابة الأرز حارس الغابة هومبابا يبدأ جلجامش وأنكيدو رحلتهما نحو غابات أشجار الأرز بعد حصولهما على مباركة شمش إله الشمس الذي كان أيضا إله الحكمة عند البابليين والسومريين وهو نفس الإله الذي نشاهده في مسلة حمورابي المشهورة وهو يناول الشرائع إلى الملك حمورابي وأثناء الرحلة يرى جلجامش سلسلة من الكوابيس والأحلام لكن أنكيدو الذي كان في قرارة نفسه متخوفا من فكرة قتل حارس الغابة يطمأن جلجامش بصورة مستمرة على أن أحلامه تحمل معاني النصر والغلبة. عند وصولهما الغابة يبدآن بقطع أشجارها فيقترب منهما حارس الغابة هومبابا ويبدأ قتال عنيف ولكن الغلبة تكون لجلجامش وأنكيدو حيث يقع هومبابا على الأرض ويبدأ بالتوسل منهما كي لا يقتلاه ولكن توسله لم يكن مجديا حيث أجهز الإثنان على هومبابا وأردياه قتيلا. أثار قتل حارس الغابة غضب آلهة الماء أنليل حيث كانت أنليل هي الآلهة التي أناطت مسؤولية حراسة الغابة بهومبابا. بعد مصرع حارس الغابة الذي كان يعتبر وحشا مخيفا يبدأ اسم جلجامش بالانتشار ويطبق شهرته الآفاق فتحاول الآلهة عشتار التقرب منه بغرض الزواج من جلجامش ولكن جلجامش يرفض العرض فتشعر عشتار بالإهانة وتغضب غضبا شديدا فتطلب من والدها آنو، إله السماء، أن ينتقم لكبرياءها فيقوم آنو بإرسال ثور مقدس من السماء لكن أنكيدو يتمكن من الامساك بقرن الثور ويقوم جلجامش بالإجهاز عليه وقتله. بعد مقتل الثور المقدس يعقد الآلهة اجتماعا للنظر في كيفية معاقبة جلجامش وأنكيدو لقتلهما مخلوقا مقدسا فيقرر الآلهة على قتل أنكيدو لأنه كان من البشر أما جلجامش فكان يسري في عروقه دم الآلهة من جانب والدته التي كانت آلهة فيبدأ المرض المنزل من الآلهة بإصابة أنكيدو الصديق الحميم لجلجامش فيموت بعد فترة. رحلة جلجامش في بحثه عن الخلود بعد موت أنكيدو يصاب جلجامش بحزن شديد على صديقه الحميم حيث لا يريد أن يصدق حقيقة موته فيرفض أن يقوم أحد بدفن الجثة لمدة أسبوع إلى أن بدأت الديدان تخرج من جثة أنكيدو فيقوم جلجامش بدفن أنكيدو بنفسه وينطلق شاردا في البرية خارج أورك وقد تخلى عن ثيابه الفاخرة وارتدى جلود الحيوانات. بالإضافة إلى حزن جلجامش على موت صديقه الحميم أنكيدو كان جلجامش في قرارة نفسه خائفا من حقيقة أنه لابد من أن يموت يوما لأنه بشر والبشر فانٍ ولا خلود إلا للآلهة. بدأ جلجامش في رحلته للبحث عن الخلود والحياة الأبدية. لكي يجد جلجامش سر الخلود عليه أن يجد الانسان الوحيد الذي وصل إلى تحقيق الخلود وكان اسمه أوتنابشتم والذي يعتبره البعض مشابها جدا أن لم يكن مطابقا لشخصية نوح في الأديان اليهودية والمسيحية والإسلام. وأثناء بحث جلجامش عن أوتنابشتم يلتقي بإحدى الآلهات واسمها سيدوري التي كانت آلهة النبيذ وتقوم سيدوري بتقديم مجموعة من النصائح إلى جلجامش والتي تتلخص بأن يستمتع جلجامش بما تبقى له من الحياة بدل أن يقضيها في البحث عن الخلود وأن عليه أن يشبع بطنه بأحسن المؤكولات ويلبس أاحسن الثياب ويحاول أن يكون سعيدا بما يملك لكن جلجامش كان مصرا على سعيه في الوصول إلى أوتنابشتم لمعرفة سر الخلود فتقوم سيدوري بإرسال جلجامش إلى المعداوي، أورشنبي، ليساعده في عبور بحر الأموات ليصل إلى أوتنابشتم الإنسان الوحيد الذي استطاع بلوغ الخلود. عندما يجد جلجامش أوتنابشتم يبدأ الأخير بسرد قصة الطوفان العظيم الذي حدث بامر الآلهة وقصة الطوفان هنا شبيهة جدا بقصة طوفان نوح, وقد نجى من الطوفان أوتنابشتم وزوجته فقط وقررت الآلهة منحهم الخلود. بعد أن لاحظ أوتنابشتم إصرار جلجامش في سعيه نحو الخلود قام بعرض فرصة على جلجامش ليصبح خالدا, إذا تمكن جلجامش من البقاء متيقظا دون أن يغلبه النوم لمدة 6 أيام و 9 ليالي فإنه سيصل إلى الحياة الأبدية ولكن جلجامش يفشل في هذا الاختبار إلا أنه ظل يلح على أوتنابشتم وزوجته في إبجاد طريقة أخرى له كي يحصل على الخلود. تشعر زوجة أوتنابشتم بالشفقة على جلجامش فتدله على عشب سحري تحت البحر بإمكانه إرجاع الشباب إلى جلجامش بعد أن فشل مسعاه في الخلود, يغوص جلجامش في أعماق البحر ويتمكن من اقتلاع العشب السحري. عودة جلجامش إلى أورك بعد حصول جلجامش على العشب السحري الذي يعيد نضارة الشباب يقرر أن يأخذه إلى أورك ليجربه هناك على رجل طاعن في السن قبل أن يقوم هو بتناوله ولكن في طريق عودته وعندما كان يغتسل في النهر سرقت العشب إحدى الأفاعي وتناولته فرجع جلجامش إلى أورك خالي اليدين وفي طريق العودة يشاهد السور العظيم الذي بناه حول أورك فيفكر في قرارة نفسه أن عملا ضخما كهذا السور هو افضل طريقة ليخلد اسمه. في النهاية تتحدث الملحمة عن موت جلجامش وحزن أورك على وفاته. مدن سومر كيش : وتسمى ايضا بتل الأحيمر هي منطقة اثرية في العراق كانت في السابق احد المدن الرئيسية للسومريين وحسب الأساطير السومرية تعتبر كيش أول مدينة يتربع عليها ملك بعد الطوفان الكبير الذي ذكر في الأساطير السومرية والديانات اليهودية و المسيحية والإسلام. قام فريق فرنسي مختص في علم الآثار بقيادة هنري ديجينويلاك Henri de Genouillac بالتنقيب لأول مرة عن مدينة كيش بين عامي 1912 و 1914 . قبل 5000 سنة ظهر مايعتبره البعض أول الأمبراطوريات في تاريخ الأنسان من مدينة كيش على يد السومريين واستمرت إلى ان اطاح بها الأكاديون وقد ذكرت مدينة كيش في ملحمة گلگامش ايضا. لارسا : أو كما يسمسها السكان المحليون تل السنكرة أو سنكرة مدينة سومرية أثرية هامة تقع جنوب العراق. في منطقة القطيعة حاليا في جهة الجزيرة. التي تقع ضمن حدود محافظة ذي قار الادراية . تبعد هذه المدينة حوالي 25 كيلومترا جنوب شرق مدينة الوركاء أو أوروك الأثرية.و قد جاء ذكرها في نقوش سومرية قديمة تعود لحوالي 2700-2800 عام قبل الميلاد.أصبحت لارسا قوة عسكرية مسيطرة في منطقة بلاد ما بين النهرين بين عامي 2000-1600 قبل الميلاد بسبب انهيار السلالة الثالثة الحاكمة في أور. حكام لارسا 1) رم سن الاول 1763ـ 1822 ق.م 2) رم سن الثاني 1750 ق.م 3) وردا سن 1822ـ 1834 ق.م 4) سلي ادد 1834 ـ 1835 ق.م 5) سن يكيشام 1835 ـ 1840 ق.م 6) سن ايريبام 1840 ـ 1842 ق.م 7) ذر ادد 1849 ـ 1865 ق.م 8) سمويل 1865 ـ 1894 ق.م 9) ابيسير 1894 ـ 1905 ق.م 10) غنغنم 1904 ـ 1932 ق.م 11) زبايا 1932 ـ 1941 ق .م 12) ساميوم 1941 ـ 1976 ق . م 13) ساميوم 1941 ـ 1976 ق.م 14) ايميسم 1976 ـ 2004 ق.م 15) نابلانوم 2004 ـ 2025 ق.م المصدر: الموسوعة الحرة (نقلاً عن الحضارية). |
| | |
| | #8 (permalink) |
| عضو متميز تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,233
| (7) فجر الحضارة في العراق د. عبد العزيز حميد صالح(*) بدأ فجر الحضارة في العراق بحدود سنة 5000 قبل الميلاد وانتهى بالحقبة الزمنية التي ابتدع فيها الإنسان العراقي الكتابة لأول مرة في تاريخ الإنسانية في الربع الأخير من الألف الرابع قبل الميلاد. وإن نشوء الحضارة الناضجة في بلاد الرافدين قد سار بخطوات ثابتة وعلى مراحل وبأطوار متعاقبة. عرفت تلك الأطوار في العراق للمختصين المحدثين بأسماء المدن والقرى والمواقع التي ظهرت فيها لأول مرة, ومدن الطور الأقدم هي: (حسونة) ثم (سامراء) و (حلف) و (العبيد) و (الوركاء) و أخيرا (جمدة نصر). لقد شهد العراق خلال هذه الأطوار اتساع الزراعة و بداية الحياة الحضرية و نشوء أولى المدن. وعرف بناة الحضارة أيضا فن التعدين وابتدعوا دولاب الخزاف وصنعوا الآجر المفخور والعربة ذات العجلة وكذلك المحراث فضلا عن السفن الشراعية. وعرف في أوائل تلك الأطوار أيضا فن النحت, وظهرت كذلك المباني العامة كالمعابد حيث كثرت وازدادت أهميتها منذ طور (العبيد). وعرف طور الوركاء (3500 ق.م.) بالعهد الشبيه بالكتابي, ومن المعروف أن الكتابة قد أرسيت قواعدها تماما خلال الطور الذي أعقبه وهو (جمدة نصر) في حدود سنة 3000 ق.م. أولاً: عصر فجر السلالات ثم بدأ عصر فجر السلالات في العراق في حوالي سنة 2800 ق .م. واستمر لمدة ستة قرون والذي يعرف أيضا بالعصر السومري القديم أو بعصر دويلات المدن حيث لم تتوحد البلاد بعد تحت مملكة كبيرة واحدة. ويقسم العلماء هذه الحقبة الزمنية من تاريخ العراق إلى ثلاثة عصور هي على التوالي: فجر السلالات الأول (2800 – 2700 ق.م.). فجر السلالات الثاني (2700 – 2600 ق.م.). فجر السلالات الثالث (2600 – 2400 ق.م.). من الأمور المتفق عليها بين غالبية العلماء المختصين في العصر الحاضر أن السومريين هم سكان العراق الأصليون، وأنهم الذين كانوا يعرفون بأصحاب حضارة العبيد في وسط وجنوب العراق وكانت أراضيهم تمتد جنوبا إلى جزيرة دلمون (البحرين) في العصر الحاضر قبل أن ترتفع مناسيب الخليج العربي ليصل إلى حدوده الحالية. ولغة السومريين, وهم أصحاب أقدم حضارة أصيلة متطوّرة في العالم, من اللغات التي تعرف بالملتصقة Agglutinative. من خصائص الإلصاق فيها أنه كثيرا ما يدمج مفردتينن لتصبحا كلمة واحدة يستند معناها إلى معاني الكلمات الداخلة في تركيبها, مثل (لوكال) أي الملك المكونة من (لو) أي الرجل و (كال) أي العظيم, و (إي-كال) تعني القصر أو الهيكل مكونة من كلمة (إي) وهي البيت و(كال) العظيم. ثم أن الجمل فيها تتألف أيضا بطريقة إلصاق الضمائر والأدوات إلى جذر الفعل بحيث يصير الجميع كلمة واحدة. لقد قسم علماء الآثار عصر فجر السلالات إلى ثلاثة أطوار: الأول ( 2800 – 2700 ق.م.) والثاني (2700 – 2600 ق.م.) والثالث (2600 – 2400 ق.م.). إن لكل من هذه الأطوار الثلاثة خصائصها المميزة. ومع ذلك يمكن القول عموما بأن فن العمارة قد قطع شأوا بعيدا في هذا العصر وبخاصة في بناء القصور والمعابد فظهرت العقود لأول مرة في البناء وكذلك القبوات كوسيلة في التسقيف. وتقدم فن التعدين وسبك المعادن, وقطع فن النحت شأوا بعيدا من التقدم. لقد نضجت الكتابة وانتشر استعمالها في العصر السومري فدونت بها في عصر فجر السلالات السجلات الرسمية وأعمال الملوك والأمراء وعلاقتهم بغيرهم من الحكام. وكذلك شؤون الناس العامة كالمعاملات التجارية والأحوال الشخصية والمراسلات والآداب والأساطير فضلا عن الشؤون الدينية والعبادات. ثانياً: الحكم الأكدي انتهى عهد فجر السلالات بقيام سرجون الأكدي (2371 - 2316 ق.م.) بتوحيد العراق في مملكة واحدة. كان سرجون من الأكديين وهم فرع من الأقوام التي نزحت من الوطن الأم شبه جزيرة العرب إلى العراق ربما في أوائل الألف الثالث قبل الميلاد أو قبل ذلك بقليل. وليس من المستبعد أن الأكديين قد عاشوا جنبا إلى جنب مع السومريين منذ أقدم العصور وعرف القسم الأوسط والجنوبي من العراق منذ ذلك الزمن باسم بلاد (سومر وأكد). حكم مؤسس السلالة الأكدية سرجون خمسة وخمسين عاما أدخل خلالها الكثير من الإصلاحات على نظام الحكم والجيش بما في ذلك تطوير أساليب الحرب والسلاح. وكذلك حصل تقدم عظيم في العمارة والفنون بعامة التي تميزت في العصر الأكدي بالقوة والحيوية والحركة. ويعد (نرام - سين) أقوى ملوك السلالة لأاكدية الذي حكم زهاء أربعين عاما. عّم الاضطراب في المملكة أواخر العهد الأكدي, فقد حكم بعد نرام - سين ملوك ضعاف مما شجع الأقوام الجبلية وهم الكوتيون, الذين عرفوا في النصوص المسمارية القديمة بأعداء الآلهة, على غزو بلاد (سومر وأكد). إن حكمهم الذي دام حوالي مائة سنة كان عهدا مظلما كادت أن تنقطع فيه عنا أخبار العراق القديم. وقد عوض عن ذلك ازدهار الحضارة في جنوبي العراق وبخاصة في مدينة (لكش) وما يجاورها. وقد اشتهر من بين الأمراء السومريين في أواخر هذا العهد أمير أو ملك اسمه (جودية) الذي عرف بتماثيله الكثيرة التي وصلتنا والذي عمل على إحياء الآداب السومرية وتشييد العديد من المعابد الفخمة. ثالثاً: الحكم السومري ثارت على الكوتيين مدينة (الوركاء) بقيادة أميرها السومري (أوتو –حيكال) الذي لقّب نفسه بملك (سومر وأكد) وأهاب بأهل البلاد لحرب الطغاة الأجانب, فالتّفت حوله المدن وتمكن من القضاء على جموع الكوتيين الكبيرة وخلص البلاد منهم. انتقل الحكم السومري بعد ذلك إلى مدينة (أور) وتكونت فيها سلالة عرفت بسلالة (أور الثالثة) أسسها الملك (أور– نمو) الذي تعد أيامه من عهود العراق المجيدة وآخر عهد في حياة السومريين السياسية (2113 -2006 ق.م.). لقد استطاع ملوك هذه السلالة الخمسة أن يعيدوا إنشاء إمبراطورية واسعة على غرار الإمبراطورية الأكدية شملت جزءا كبيرا من أقاليم الشرق الأدنى. وانتشرت مع التجارة والفتوح حضارة العراق القديم تماما كما كان عليه الحال في العصر الأكدي. لقد اشتهر ملوك هذه السلالة بأعمالهم العمرانية الفذّة وامتازت دولتهم بالتنظيم وحسن الإدارة في الداخل والخارج وأصبحت العاصمة (أور) في زمنهم قبلة الشرق القديم ليس من النواحي العمرانية والفنية والاقتصادية فحسب بل إنهم سنّوا الشرائع بحسب العرف الاجتماعي و وحّدوا الشؤون القضائية في البلاد. رابعاً: العصر البابلي القديم وفي أوائل الألف الثاني قبل الميلاد قامت في العراق أسرة حاكمة جديدة عرفت بسلالة بابل الأولى (1894 – 1595ق.م.) اشتهرت بملكها السادس حمورابي (1728 – 1686ق.م.) الذي جمعت في شخصه خصالا فذة جعلت منه القائد والسياسي والمصلح والمشرع فاستطاع بهذه الخصال أن يوحّد البلاد. ثم وقعت حرب ضروس بينه وبين الدخلاء العيلاميين أظهر خلالها حمورابي من حسن التدبير والحزم ما مكّنه من تمزيق جموعهم شر ممزق. ومدّ فتوحه بعد ذلك إلى شمالي بلاد الرافدين وإلى جهات الهلال الخصيب الأخرى. ومن أعماله المهمة سنّ شريعة واحدة تسري أحكامها في جميع أنحاء المملكة عرفت بقانون حمورابي التي تعد من أولى الشرائع المتكاملة في العالم حيث تجمع بين القانونين المدني والعقوبات فضلا عن الأحوال الشخصية. إن أهم ما تمّيز به العصر البابلي القديم اتساع المدن وكثرتها, كما حدث تطوّر مهم في العلوم والمعارف البشرية حيث انتقلت من أطوارها العملية إلى طور التدوين والبحث بحيث يصح أن نعد بداية ظهور العلوم البشرية الحقة كانت في هذا العصر. ليس هذا فحسب بل إن الحضارة من بلاد الرافدين قد أخذت طريقها في العصر البابلي القديم إلى جميع أنحاء المشرق وإلى أطراف العالم القصية. خامساً: العصر البابلي الوسيط ولقد غزت العراق في أواخر العصر البابلي القديم أقوام جاءت من الشرق أو من الشمال الشرقي عرفوا بالكشيين. أسسوا سلالة حاكمة جديدة دام حكمها زهاء خمسة قرون. وقد عرف هذا العهد بالعصر البابلي الوسيط الذي يعد من العصور المظلمة في العراق. لم يخلف لنا الكشيون وثائق أو سجلات تاريخية بلغتهم الأصلية وإنما استعملوا لغة بلاد بابل. ويبدو أنهم قد تخلّوا عن ديانتهم التي كانوا عليها ليعتنقوا الديانة البابلية. وقد أسسوا في منتصف عهدهم عاصمة جديدة قرب بغداد الحالية عرفت باسم (دور- كوريكالزو) أي مدينة الملك الكشي كوريكالزو. الأشوريون وصادف قيام السلالة الكشّية نمو المملكة الآشورية في القسم الشمالي من العراق. فبدؤوا ينازعون الكشيين زعامة البلاد السياسية. والآشوريون فرع من الأقوام الجزرية التي هاجرت في الأصل من شبه جزيرة العرب. وهناك نظرية أخرى مفادها أنهم جاؤا من جنوب العراق من أرض بابل وحلّوا في شمالي بلاد الرافدين في زمن لعله في العهد الأكدي ومما يدعم ذلك أنهم يتكلمون بلهجة من اللهجات البابلية. ويرى غالبية المختصين أن اسمهم مشتق من اسم معبودهم الإله (آشور). يمكن وضع تاريخ الآشوريين في ثلاثة عهود: القديم والوسيط والحديث. العهد الآشوري القديم وتدخل فيه حقب طويلة لاسيما إذا أدمجنا فيه عصور ما قبل التاريخ. لقد بدأ الآشوريون في هذا العهد ببناء مملكة قوية موحدة مستقلة, ظهر منهم ملوك أقوياء مثل (إيلو – شوما) الذي عاصر مؤسس سلالة بابل الأولى وكذلك شمشي أدد الأول (1814 – 1782 ق.م.) الذي بلغت المملكة في زمنه من القوة ما مكّنها من فرض سلطانها على القسم الشمالي من بلاد بابل. ودأب الآشوريون على تنمية كيانهم السياسي, تعرضوا فيه إلى سلسلة من الامتحانات والمصاعب بسبب ضغط الدول والأقوام التي كانت تجاورهم, خرجوا من كل ذلك أشداء أقوياء إذ خلقت منهم قوة عسكرية رهيبة فرضت سلطانها على شعوب العالم القديم لعدة قرون تلت. ويعد شلمنصر الأول (1266 – 1243ق.م.) من أعظم ملوك هذا العهد سيما في حقل التوسع والفتوح الخارجية بعد أن توطدت شؤون المملكة الداخلية في عهده. ولقد تدهورت الأوضاع الآشورية في أواسط القرن الثامن قبل الميلاد انتهت بثورة قامت بها مدينة (كالح) الآشورية على الملك (أشور – نراري) الخامس, فقتل وتولى زمام الأمور تيجلاتبليزر الثالث (745-727ق.م.) الذي بدأ عهدا جديدا في تاريخ الآشوريين تكونت فيه آخر وأعظم إمبراطورية آشورية حيث صارت فيه مجددا سيدة الشرق القديم, وكان من أعظم إنجازاتها توحيد بلاد بابل وآشور في مملكة واحدة. الملك سرجون الثاني يعد الملك سرجون الثاني (727 – 705 ق.م.) واحدا من أعظم ملوك هذه الحقبة ليس فقط بسبب إنجازاته الفنية والمعمارية العظيمة والتي كان منها تشييد عاصمة جديدة قرب نينوى أطلق عليها اسم (دور شروكين) أي مدينة سرجون والتي تعرف خرائبها بـ (خرساباد) في الوقت الحاضر. كما عرف بفتوحاته الخارجية العظيمة منها القضاء على المملكة اليهودية الشمالية (السامرة) بسنة 721 قبل الميلاد وترحيل الكثير من سكانها إلى أماكن أخرى داخل حدود الإمبراطورية الآشورية. وكذلك قضاؤه على التحالف بين الفراعنة والدويلات الصغيرة في فلسطين وسوريا, وكان المصريون قد أرسلوا جيشا قويا لمساعدة قوات التحالف. فتصادم الجيشان قرب مدينة رفح تمخّضت عن اندحار قوات التحالف وفرار القائد الفرعوني. آشوربانيبال آشوربانيبال (668-626ق.م.) فيعدّ من أكثر ملوك هذا العهد ثقافة فقد أغرم بالأدب والمعرفة فجمع الكتب من أنحاء البلاد وخزنها في دار كتب وطنية خاصة شيّدها في عاصمته نينوى جمع فيها مختلف أصناف العلوم والمعارف التي بلغتها حضارة العراق والتي عّرفتنا بنواحي الحضارة العراقية القديمة المختلفة. سادساً: العهد البابلي الحديث آخر العهود العراقية الزاهرة في العصور القديمة (626-539ق.م.). ويعد حكم نبوخذنصر الثاني (604-562ق.م.) بحق من العهود المجيدة في التاريخ البشري عموما وفترة انتعاش قوية عاشتها الحضارة البابلية, فلم تسجل الكتابات التي خلفها هذا الملك إلا أخبار البناء والتعمير في جميع مدن العراق المهمة. من أعماله العمرانية الرئيسة كان بناء الزقورة وتشييد عدد كبير من المعابد الفخمة في بابل. وكان من جملة إنجازاته في هذا الميدان أيضا إقامة شارع رائع عرف بشارع الموكب ومدخل مهيب ضخم يدعى بباب عشتار, يقع وراء هذا الباب قصره الفخم بجنائنه المعلّقة الذي عرف في المصادر اليونانية بإحدى عجائب الدنيا السبع. وفي زمنه أعلنت دولة (يهودا) الصغيرة العصيان مع عدد من الدويلات الشامية الصغيرة الأخرى بتحريض من الفراعنة التي لم تكترث لنصائح النبي (ارميا) وتحذير ملكها (يوهوياقين) بوخامة العاقبة. فجرد نبوختنصر حملة تأديبية لم تقو (يهودا) على مقاومتها فسقطت العاصمة (أورشليم) في عام 596 ق.م. فرحّل قسم من سكانها ومعهم ملكهم عن فلسطين. ونصّب نبختنصر بدلا عنه عمه (صدقيا). وبعد بضع سنوات اشتركت (يهودا) في عصيان جديد وبتحريض من الفراعنة أيضا الذين حاولوا استرجاع مكانتهم في سوريا وفلسطين. لقد كان غضب الملك البابلي في هذه المرة عظيما فدمّر المدينة وأحرق الهيكل ورحّل من سكانها عددا كبيرا جدا إلى العراق واضعا بذلك حدا لمملكة يهودا. لقد وقع ذلك الحدث بسنة 594 ق.م. خلف هذا الملك العظيم عدد من الملوك الضعاف وبخاصة آخرهم نبونائيد (555-539 ق.م.) فتدهورت الأوضاع في البلاد خلال عهودهم وانتهت تلك الإمبراطورية العظيمة بسقوط بابل على يد (كورش) ملك الإخمينيين بسنة 539 ق.م. وليعفى على حضارة العراق وتطمر علومه وأمجاده لقرون طويلة تلت. سابعاً: إنجازات العراق القديمة إذا انتقلنا إلى نشوء أولى الحضارات في العراق القديم يمكن القول إنها كانت بجهود العراقيين الأوائل في تفاعلهم مع البيئة الطبيعية في وسط وجنوبي العراق. فمن المعروف أن الزراعة تعتمد في هذا الإقليم دوما على الإرواء الصناعي الذي كان لا يتم إلا بالسيطرة على الأنهار وإقامة السدود وتجفيف الأهوار. إن الري -كما هو معروف- كان الدعامة الأساس في الحياة الاقتصادية لهذا الإقليم وعلى ذلك فقد تجلّت عبقرية الإنسان هنا بأجلى مظاهرها في الإرواء الصناعي وإن نشوء أول حضارة في بلاد الرافدين قد تحقق بلا أدنى ريب بعد أن سيطر سكان هذا الإقليم على الأنهار فيها وذلك عن طريق إقامة السدود وحفر الأنهار والجداول وتجفيف الأهوار, فذللوا البيئة الطبيعية واستغلوا إمكاناتها العظمى. ليس هذا فقط بل استغل العراقيون الأقدمون ارتفاع مناسيب نهر الفرات قياسا إلى دجلة فشقوا أنهارا عظيمة من الفرات إلى دجلة لتروي أراضي واسعة كانت بأحوج ما تكون إلى الماء. لقد طغت أخبار شق الأنهار والجداول على غيرها من أخبار الملوك وأعمالهم. إن حفر أو شق نهر جديد كان يعد بحد ذاته حدثا هاما يؤرخ به الكتبة الرسميون للدولة الأحداث الجسام. نتيجة لكل هذا نلاحظ أن أول شيء يلفت النظر في العراق شهرة البلاد الزراعية إلى الأزمان المتأخرة, حتى أن الكتاب اليونان -مثل هيرودوتس- قد تحدثوا عن وفرة المحاصيل الزراعية في هذا الإقليم, وهو ما يذكرنا بتسمية المؤرخين والبلدانيين العرب لأرض العراق بـ (السواد) لكثرة زرعها وخضرتها. ومن الأمور المتفق عليها إن فن زراعة البساتين نشأ في العراق مما ساعد الإنسان كثيرا على الاستقرار ومن ثمّ نشوء الحضارات المتقدمة وتطوّرها. والنخلة -على ما يرجح- كانت أقدم وأهم شجرة في تاريخ العراق الزراعي القديم حيث اختص العراق بزراعة النخيل منذ فجر التاريخ. وكانت العادة أن تزرع الفراغات بين النخليل بالأشجار المثمرة الأخرى مثل التين والرمان والتفاح والكروم وغير ذلك. ومايزال يعد أعظم وأوسع مركز لزراعة النخيل في العالم لاسيما المنطقتين الوسطى والجنوبية منه. وفي سبيل تحقيق الاستقرار والأمن في البلاد, وللحفاظ على هذه المنجزات والمكاسب العظيمة كان من الضروري وجود حكومات قوية مستقرة. وكان الملك في العراق القديم على رأس السلطة حيث عدت سلطته التنفيذية والتشريعية مستمدة بشكل مباشر من الآلهة لحكم البلاد, فهو الذي كان يتولى قيادة الجيش وقت الحرب حيث أن من أولى واجباته المحافظة على حدود الوطن, وكذلك توفير الوسائل الكفيلة التي تساعد البلاد على الرخاء الاقتصادي عن طريق تنفيذ المشاريع الحيوية العامة مثل حفر القنوات والأنهار وبناء المعابد تقرّبا إلى الآلهة. لقد خلّف الكثير من الملوك العراقيين القدماء مآثر كتابية أكدوا فيها ما ذكرناه حتى أن بعضهم قد صوّر نفسه وهو يحمل سلال التراب والآجر رمز قيامه بتنفيذ المشاريع العمرانية الكبرى وبخاصة بناء المعابد تقربا للآلهة. والكثير منهم قنّنوا الشرائع والقوانين في سبيل تنظيم الحياة العامة ونشر العدل بين الرعية. ومن الأمور المعروفة للجميع أن أولى الشرائع المدّونة في العالم قد ظهرت في العراق القديم, وهناك من الإشارات ما يدل بشكل قاطع على ظهور القوانين المدونة في عصور فجر السلالات. إن الشرائع في العراق القديم لم تكن أولى الجهود البشرية في تنظيم الحياة الاجتماعية فحسب بل إنها دوّنت بأسلوب علمي وبلغة قانونية دقيقة. إنها قوانين بهيئة مواد متسلسلة مقتصرة على الشؤون المدنية لا تتعرض للعبادات في شيء. وكان من تمسّك سكان العراق الأقدمين باحترام القانون والنظام أن تصوروا الكون كله على هيئة مملكة تحكمها الآلهة يتجلى فيها مبدأ الطاعة وبخاصة طاعة القوانين والسير بموجب أنظمة المجتمع وأعرافه الشفهية والمدونة. وبلغ من تقديرهم لفضيلة الطاعة أنهم تخيّلوا ظهور عهد ذهبي بين البشر في يوم ما تسود فيه الطاعة والنظام وسيادة القانون. ومن ثمرات الحضارة الناضجة نشوء الصناعات الأولى وكذلك التجارة وبخاصة التجارة الخارجية لجلب المواد الخام التي اعتمدت عليها تلك الصناعات. ومن البديهي أن يصاحب كل ذلك تقدم العلوم والآداب والفلسفة. وفي العراق القديم بدأت أولى المحاولات الفلسفية الجريئة الخاصة بأصل الكون والوجود والأساس في مكونات المادة. ومن المؤكد أن السومريين قد سبقوا الفلاسفة الإغريق بقولهم بمبدأ العناصر الأربعة الأولية التي عدت أصل جميع الأشياء. ومن البديهي أن يولي العراقيون القدماء أيضا الأدب الكثير من اهتمامهم. لقد كان شأنه شأن الآداب العالمية القديمة الأخرى يشرك الآلهة في الملاحم والقصص أو الأساطير. أما الشعر السومري والبابلي فقد كان يخضع لفن خاص من النظم والتأليف فهو موزون ولكنه غير مقفى. إنه من النوع المعروف في الوقت الحاضر بالشعر المرسل. وما خلفه لنا العراقيون القدماء من الروائع الأدبية أكثر من أن تحصى, ربما أهمها (ملحمة جلجامش) و (قصة الخليقة) و (قصة الطوفان) وعدد كبير جدا من الأساطير. وفي باب العلوم الصرفة كالرياضيات مثلا عرف البابليون أسسا مهمة في خواص الأعداد وكذلك في العمليات والطرق والمعادلات الجبرية الأساسية. من ذلك مثلا معادلات الدرجة الأولى بأنواعها المختلفة فضلا عن معادلات الدرجة الثانية والثالثة. لقد اتبعوا في طرق حلها عمليات مدهشة لا تكاد تصدق لتطابقها مع الطرق العلمية الحديثة. ومما يقال اليوم بوجه عام إن الفضل في تقدم الجبر الحديث يعود إلى البابليين والعرب أكثر مما يعود إلى اليونان. ومن الأمور المتفق عليها أيضا في تاريخ المعارف البشرية أن البابليين هم الذين أسسوا علم الفلك الرياضي، وبدؤوا يدونون ملاحظاتهم وإرصاداتهم أو حساباتهم الفلكية منذ العهد الأكدي، وتقدم هذا العلم إلى درجة كبيرة مذهلة في العهد البابلي القديم. أما معرفتهم بالعلوم الطبيعية مثل علم الكيمياء, على سبيل المثال وبخاصة ما يتعلق منها بخواص المواد وتأثير الحرارة فيها أو العوامل الطبيعية الأخرى فقد بدأت عندهم في وقت مبكر جدا والتي لا سبيل في هذا الملخص من الدخول في تفاصيلها الدقيقة. الهامش: ـــــــــــــــــ (*) أستاذ التاريخ بكلية الآداب ـ جامعة بغداد. |
| | |
| | #9 (permalink) |
| عضو متميز تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,233
| (8) نشوء المدن الأولى في العراق د. علي ثويني(*) شهدت أرض العراق أول تجارب التجمع البشري بما يدعى «المدينة» أو «الحضارة»، ووردت أسماء أقدمها في رُقُم سومر الطينية عندما صنفتها إلى قبل وبعد الطوفان. فقد كانت خمس مدن قبل الطوفان هي أريدو(أبو شهرين)، وبادتبيرا (لكش)، وأرك (الحسينية في الكوت)، وسبار ثم شروباك. وليس مصادفة، على ما يبدو، أن تظهر كل المدن السومرية الرئيسية في مكان مستوطنات الحضارة العبيدية السابقة لها، واحتفظت بأسمائها. وبذلك نعتبر أن السومريين كانوا ربما مؤسسي الثقافة العبيدية في جنوب العراق، في أواخر الألف الخامس ومستهل الألف الرابع ق.م، أو ربما وارثين لهم، ومقتفين أثرهم في عمران المدن وممارسة العمارة. وكان لظهور المدن المبكرة ولأشكالها ووجودها مبررات؛ كأن تكون (حول المعابد، على الطرق التجارية، مخافر أمامية عسكرية، ملاجئ.. الخ). ويمكن إدراج كذلك النظرية (الهيدروليكية) أو نظرية (الري)، التي تعود إلى (ويترفوغيل) فهو يؤكد أن ظهور النظام المتشعب للأراضي المروية أعطى دفعا لتطور (ثورة المدن) في (بلاد ما بين النهرين)، وأن أنظمة الري كان لابد وأن تولد المدن والدولة (الاستبدادية) حتماً من حيث الشكل والحضارة. وقد أطلق (غودنغ تشايلد) في حينه على هذه الخطوة الحاسمة في التاريخ القديم اسم (ثورة المدن)، بالرغم من أن هذه (الثورة) استمرت أقل من خمسة قرون بقليل. وهكذا نجد وصفاً لمدينة نيبور السومرية في القصائد والأساطير والأناشيد المكتوبة تعكس وظيفتها القديمة: دفاعية أي (المدينة حصن وملجأ). ويعزي الروسي (دياكونوف) تطور المدن إلى الحركة التجارية بين المدينة والقرية من خلال المجاري المائية وتصريف البضائع الزائدة عن الحاجة. واعتقد كذلك أن تدفق الثروات المستولى عليها في الحروب إلى هناك، وسبي الصنّاع المهرة ممن يقيمون بلا كلل المزيد والمزيد من المعابد والقصور والتماثيل أدى إلى توسع المدن. وكان هيئة المدينة حينئذ ما ندعوه اليوم (المدن - الدول) أو ما يسمونها (النومات) عند تخوم الألفين الرابع والثالث ق.م. حيث يوجد مركز الأديان المشتركة وإدارة المنطقة بأسرها، وكان قد استعمل هذا المصطلح في علم الآثار المصرية (نوم)، ولكنه يسمى بالسومرية (كي) وهكذا ظهرت المدن المستقلة بسومر. ويأتي في إحدى الرُقُم الطينية النص الشعري التالي (أي سومر أيتها الأرض العظيمة بين كل أراضي الكون.. أنت الذي يغمرك ضوء لا يخبو يا من تسنين القوانين الإلهية لكل الشعوب.. من المشرق إلى المغرب). كل ذلك المجد الذي أحيط بسومر بالرغم من أنها بلاد صغيرة نسبياً، حيث مساحتها أصغر بعضٍ الشيء من مساحة بلجيكا المعاصرة. ومناخها جاف وحار. ولذا، فإن (مهد الحضارة) هو عمليا، شريط من الأرض يمتد من خط عرض بغداد إلى الأهوار وتخوم الخليج. وكان كل (نوم) يضم عدة مدن إقليمية كبيرة خاضعة لبعضها. ويبدو أن كل (نوم) وقبل تركز السكان في مدائنه وشق نهر بينها، كان يشكل وحدة اقتصادية وسياسية طالما بقي هذا النهر قائماً. وهكذا وجد على تخوم الألفين الرابع، والثالث ق.م. مجموعة من المدائن أهمها: 1 - وادي ديالى ومركزه في اشنوناك (أطلال تل أسمر). 2 - سيبار(أبو حبة المعاصرة)، اله أتو. 3 - كيش (تل الأحيمر المعاصرة)، اله زباباة. 4 - نيبور (نفر المعاصرة)، اله أنليل. 5 - شورباك (فارة المعاصرة)، اله شورباك. 6 - ارك (الوركاء المعاصرة) ،اله آنا (آنو) وانين أو أنانا (عشتار)، وقد تكون من اندماج عدة مستوطنات. 7 - أور(تل المقير المعاصرة)، اله نانا. 8 - ادب (بسمايا المعاصرة)، الهة دينكيرماخ. 9 - آما (جوخه المعاصرة)، اله شارا. 10 - لاراك. 11 - لكش، ويضم مدن نكرسو، لكش، نينا اوسيراران، وميناء كوابا على ضفة الهور، وغيرها. وبناء على المعطيات الأثرية المتوفرة كان يوجد في مستهل الألف الثالث ق.م. في أرض سومر، من بغداد إلى البصرة، ما يقرب من خمس عشرة مدينة (دولة صغيرة) ذات حكم ذاتي، وكانت لكل منها سلالتها من الحكام. في فترة السلالة المبكرة (منذ عام 2750 ق.م.). وتذكر النصوص المسمارية أسماء 13 (مدينة – دولة) كهذه مثبتة الآن في الخرائط الجغرافية المعاصرة، وهي: سيبار، بهيش، وأكشاك، ولاراك، ونيبور، وادب، وآما، ولكش، وباد - تيبا، وارك، ولارسا، وأور، وأريدو. لقد ورد في الأساطير الأولى للعراقيين، بأن المدينة تستمد بقاءها من جريان النهر، وادعت البابلية منها أن المدينة جاءت من اتحاد الماء والفوضى. فهم يقولون أن ثمة وجود فوضى في البدء رافقه نوعان من المياه؛ العذبة منها (أبسو) والمالحة (تايمات). وفي هذا الوسط ولد (لاهمو) و(لاهامو) وأصبح لهما أبناء سيطروا على السماوات والأرض، إله السماء (أنو)، وإله الأرض والهواء (انليل)، وإله المياه (آيا)، وربما لأن آيا صاغت فكرة النظام، فقد أثارت بذلك عدواة أبسو وتايمات، وتنتهي العداوة بحرب حطم فيها مردوخ (ابن آيا) غريمه تايمات. وبذلك يستنتج أن المدينة هي حافظة السلطة ومصدر النظام المادي والنفوذ، وبأن النظام لن يكف عن محاربة الفوضى والسيطرة عليها(1). إذا انطلقنا من الأساطير والحكايات السومرية، فإن آلهة السماء كانوا مؤسسي المدن الأولى. وليس مما يدعو إلى العجب أبداً أن تسمى المدن الخمس الأولى من هذه المراكز التي ظهرت بمثل تلك الطريقة الخارقة (مقدسات) تمارس فيها عبادة أهم الآلهة السومرية. ويرد بنص لتلك القدسية: (حينما.. هبطت السلطة الملكية من السماوات، حينما هبط التاج الرفيع والتاج الملكي من السماوات، وضع (الاله ف.غ.) الشعائر والقوانين الإلهية العليا.. وأسس خمس مدن في أماكن مقدسة ، ومنحها أسماء وجعلها المقدسات الرئيسية). تلكم هي أسماء هذه المدن: أريدو، وباد - تيبيرا، ولاراك، وسيبار، وشورباك.. وقد اقترن تأسيس المدن بأسماء الملوك، ونجد أشهرهم الملك (اورنمو)، حيث شكل مع غيره رعيلا، كانوا دوما يعزون إلى أنفسهم شرف هذا البناء. نقرأ على مخروط آجري، إهداء بالكتابة المسمارية على شرف الشروع في بناء معبد جديد: (كي بار) الرائع هذا شيده اورنمو، حيث يصفه: (الرجل الجبار، ملك اور، ملك سومر وأكد، تمجيداً لربته ننكال). وعلى الرغم من انعدام وحدة الدولة الثقافية الكاملة (وجود عبادات الآلهة المحلية، والأساطير المحلية، والخصائص الإقليمية في النحت والحفر على الأحجار الكريمة والفن التشكيلي، ولهجات اللغة)، فأن طوائف سومر كانت متقاربة عموماً من الناحية الثقافية. وهنا نعزو إلى ملامح هذا التقارب من خلال تسميتهم بالسومرية (سود الرؤوس، لاسانغنغيغا). وكانت عبادة الإله الأعلى المشتركة عند السومريين اله الهواء انليل في نيبور، إضافة إلى التقاليد المشتركة للعمارة والرموز الدينية، ونظام الكتابة الموحد لكل الأرض السومرية. أوروك وأور: ومن أكثر المدن أهمية هي أوروك أو الوركاء (معربة)، (أرخ لها في الكتاب المقدس وكان اليونانيون القدماء يعرفونها بأسم (أرخ) أو (اورخى) ولا نعلم تداخلها مع إصطلاح «التاريخ» العربي. ولقد أدرك العلماء، أخيرا أنها كانت أعظم مدن الدنيا، ولا توجد في العالم مدينة عاشت أمداً كهذا أكثر من 3000 سنة. حتى بابل وروما لا تستطيعان منافسة أوروك في هذا المضمار. وفي أواسط الألف الثالث ق.م. كانت أوروك من أقوى العواصم في سومر. كانت أراضيها تشغل من 450 هكتاراً إلى 500 هكتار، وكان عدد سكانها يصل إلى 75000 نسمة. وكانت المدينة محاطة بأسوار آجرية تمتد قرابة 10 كم. وتعزو الأسطورة بناء الأسوار الجبارة حول أوروك إلى البطل الأسطوري الحاكم كلكامش. وهناك ما مجموعه 800 برج للحراسة. إذ إن هجوم القوات الساسانية (ربما في المئة الثالثة ق.م.) واحتلال أوروك ونهبها أرغم من بقي سالماً من سكنتها على مغادرتها على عجل والنجاة بأرواحهم. إنّ أور، شأن أوروك، وجدت زمناً طويلاً جدا،ً من الملوك السومريين الأوائل إلى أزمنة داريوس والاسكندر المقدوني، ولم تستطع الغزوات المعادية الكثيرة ولا النكبات الطبيعية أن ترغم سكانها على مغادرة ذلك المكان الذي بقي عامراً، على امتداد القرون. ولكن ما لم تستطع أن تفعله جحافل الغزاة فعلته الطبيعة. لقد غير الفرات مجراه فجأة وابتعد قرابة 16 كم إلى الشرق من أسوار المدينة . كان يستحيل في ذلك الوادي المحرق العيش بلا ماء ولو ليوم واحد. وما لبثت أور أن تحولت إلى مجموعة من التلال لا شكل لها ولا مظهر يغلب عليها لون الصحراء المكفهر، حتى حلول العام 1854، حيث تثبت من موقعها (تيلور) القنصل الإنكليزي في البصرة على نحو دقيق لأول مرة ووجدها أنقاضاً وركاماً يعرفها العراقيون باسم (تل المقيّر). وهذا ما أكدته بكل جلاء الألواح الاجرية المسمارية التي عثر عليها في الموقع. بيد أن علماء الآثار لم يباشروا الحفريات الواسعة في أراض أور إلا بعد عدة عقود. حيث حدث في عام 1922م أن بدأ الأنكليزي (ليونار وولي) عملا استمر اثني عشرة سنة في المنطقة الوسطى من الأطلال العملاقة. ويرد في إحدى الرُقُم الطينية نشيد سومري يصور أسطوريا حلول الكارثة وبوادر درس أور: (العاصفة التي أثارها انليل الغاضب، العاصفة التي دمرت البلاد غطت أور كمنديل، لفتها ككفن.. أيها الأب نانا، هذه المدينة تحولت إلى أطلال). ففي العراق العتيق كانت كل المستوطنات، من المدينة المتروبول العملاقة إلى القرية المكونة من عدة أكواخ، تقابل على ما يبدو مفهوم التجمعات الريفية. وفي هذا الصدد يقترح (دياكونوف) الاقتصار على الفرز التصنيفي للمستوطنات التي كانت توجد حولها مجموعة من البلدات الأخرى الخاضعة لها، والأقل أهمية والأقل حجما (Alu,Uru)، باللغة الأكدية (Karu) وباللغة السومرية (Kar). لاحظ قربها من كلمة قرية! وثمة منطقة تشكل الجزء الثالث من المدينة هي منطقة الحرس، وهو مركز النشاط التجاري ولاسيما المرتبط بالتجارة الخارجية. وهكذا فإن (الكارو) لا يطابق ميناء القرون الوسطى المبكرة من حيث الوظيفة فحسب، بل من حيث التسمية أيضاً. كان (الكارو) مستقلاً من الناحية الإدارية، وكانت له صفة قانونية خاصة، الأمر الذي انطوى على أهمية بالنسبة إلى سكان المدينة الذين يسيرون شؤونهم هناك. كان يعيش في (الكارو) التجار الغرباء، وكانت عندهم دكاكينهم. إن التجارة النهرية لأور أوصلت سفن السومريين إلى (دلمون) التي هي اليوم البحرين، وكانت تعتبر قديما الجنة المفترضة للخلود السومري. وكانت لأور أيضاً معاملات مع (مكان) بالكاف الفارسية، التي هي اليوم سلطنة عمان، ومع بلاد الهند، و (موهانجو جارو) المدينة المحاكية لأور في الباكستان اليوم. ثمة حركة تجارية نشطة نجد أثرها في نفائس الفن السومري اليوم، حيث الأحجار الكريمة التي جلبت من مناجم (باداكشان) في أفغانستان، والفخار المميّز من كرمان وسط إيران. ويقال إن تجارة أور امتدت شمالاً حتى أرمينيا. غير أن أهم ما يميز المدينة ارتباطها بالرؤى التوراتية الأولى عندما اعتقد منقبها الأول والذي اكتشف أغلب تراث المدينة و أهمها كنوز مقبرتها الملكية التي تعود إلى ملوك و أمراء سلالة أور الثلاثة، العلامة البريطاني (ليوناردو وولي)، وكما جاء في مذكرات مرافقه في رحلة التنقيب، العالم الأثاري (ماكس مالوان - زوج الروائية الانجليزية آجاثا كرستي)، قوله: كانت المغريات التي اجتذبت وولي للعودة إلى أور في ذلك هائلة، لأنها كانت مدينة مبجلة ارتبطت ارتباطا وثيقا بالعهد القديم، وكان ما يزال هناك عدد كبير من قراء الكتاب المقدس. لقد امتزجت الأساطير بوقائع المدن ونشوئها، وأشهر ملوكها وهو (أور- نمو) أمير العمران، كما تثبت تماثيله وصوره حامل المجن (طاسة البناء) على رأسه وهو يشيد الزقورة الشامخة في ذات المكان وهي أول بناء صرحي اختيالي في تأريخ الحضارات لنوازع روحية و مقاصد إيمانية ونفسية يراد منها تكريس الرهبة من الحجوم وسامق البناء الذي يكرس الإيمان، وهي غاية بحد ذاتها استمرت حتى يومنا في إظهار السطوة الدينية أو السياسية من خلال الصرحية المعمارية المفرطة. وطبيعة بناء الزقورة نصبي ورمزي، أي كان الشكل فيها يأخذ السبق، مع قدرة المعمار في إضفاء الصفة الوظيفية على فضاءاتها. فمثلاً سلمها وفعل الارتقاء كان مقصداً يراد منه الإرتقاء والسمو إلى الآلهة الساكنة في العلى. ويرجع تأريخ تلك الزقورة إلى أكثر من 5000 عام، وكان ارتفاعها الأصلي يبلغ 70 قدماً، ولها ثلاث سلالم كل سلم من 100 درجة، و كانت كل آجرة قد ختمت بختم واسم الملك السومري (أور- نمو). وكانت الطبقات تبنى من مداميك الطوب مع طبقات من الحصر العراقية (البواري) لتشكل حالة من التسليح الذي يعتمد الالتصاق مع خامة الطين، ولدرء الانزلاق في أجزائها. وهكذا اكتسبت أور القدسية حينما تراكبت فيها الحضارة والعمارة والعقائد، بما يؤكد الآصرة بين التمدن والعقائد. لهذا يحق لنا أن نقول عن أور أنها واحدة من مدن بدايات الدعوات الروحية الكبرى، وما زال الأمر نافذاً إلى يومنا بما يمثله ولادة ونشوء إبراهيم الخليل(عليه السلام) للدنيا، الذي يمكن أن يعاد له الاعتبار والحظوة في عراق الغد. ويبدو أن السير الحضاري لوجود المدينة كان مرهونا بالإرادة السياسية لملوكها الذين عاشوا صراعات لا تنتهي مع السلالات المجاورة والممالك الإقليمية، حتى دفعت ثمن نهاية ملكها إلى الأبد في معركتها الأخيرة مع الحياة عندما غزتها مملكة عيلام الجارة وأدى ذلك إلى إحراق المدينة عن بكرة أبيها وانتحار ملكها المسمى (أبي – سين) ونقل إلهها (سين) اله القمر ليعبد هناك. ارتبطت مدينة أور بهاجس حضاري متقدم هو هاجس الموسيقى والشعر، فقد كشفت تنقيبات وولي في مقبرة أور أقدم الآلات الموسيقية وأهمها، قيثارة الملكة السومرية (بو - آبي) والتي تسمى خطأ الملكة (شبعاد) وهي جزء من مقتنيات كثيرة عثر عليها في الأقبية الملكية التي كان يمارس فيها نمطاً خاصاَ من الشعائر الجنائزية في اعتقاد أهل أور خاصة والسومريين عامة، بأن الملك عندما يموت فأن حياة مرفهة تنتظره، وكان عليه أن يصحب معه إلى قبو موته خدمه وحشمه والكثير من المقربين إليه وهم أحياء، وكانوا يصطحبون معهم القيثارات لتسلية الملك في عالمه الآخر، وكان وولي قد وجد هذه القيثارات في تلك الأقبية وهي مطعمة باللازورد والأحجار الكريمة الأخرى، وقد سماها خطأ الراية الملكية ولم تكن سوى صندوق موسيقي للقيثارة. ويمثل هذا الوصف المهيب الذي ذكره مالوان في مذكراته روعة هذا الكشف الأثري عندما ذكر: (كان مشهد المقبرة الملكية رائعاً عندما كنا نعمل جميعاً، وأذكر أن أحد القبور الملكية، الذي ضم ما لا يقال عن 74 شخصا دفنوا أحياء في قاع المهوى الملكي العميق، بدأ عندما كشفنا سجادة ذهبية اللون Harps and lyres مزينة بأغطية الرأس لسيدات البلاط، متخذة شكل أوراق الزان وعليها آلات القيثار والقيثارات التي عزفت الترنيمة الجنائزية إلى النهاية. لكن أهم علاقة تربط أور بالموسيقى هو أنها حكمت لـ 48 عاماً من قبل الملك شولكي ابن الملك (أور- نمو)، وكان هذا الملك الموسيقار يعزف على ثماني آلات، من بينها القيثارة ذات الثلاثين وتراً، وتحمل أسم يرتبط بالمدينة، وهو (أور- زبابا). واهتمت أور بتأسيس أول معاهد الموسيقى في الدنيا وكانت تسمى في ذلك الحين (بيوت الموسيقى) وما ذكرته (الدكتورة دشس جيلمن Duchesne Gailemin) من جامعة ليييج في بلجيكا يؤيد ذلك عندما ذكرت: (كان الموسيقيون فئة حرفية هامة في وادي الرافدين، وكان التلميذ غير الموسيقي موضع ازدراء زملائه). لهذا في رأينا لا نستغرب أن تولد الأجيال تلو الأجيال من الشعراء والغنائيين والفنانين من نفس البيئة الأورية حتى اليوم. وبمعرفة مساحة مدينة مثل أور يمكن إجراء حساب تقريبي لعدد الناس الذين كانوا يقطنون فيها يوما (وذلك بضرب كل هكتار من أرض المدينة في 400 فرد). عندئذ يعتقد أن أور، التي كانت مساحتها في أواخر الألف الثالث ق.م. تعادل 89 هكتاراً، كان يسكنها 34000 نسمة (مع العلم أن هذا العدد يتراوح لدى مختلف الباحثين بين 34000 و 10000 نسمة). وكان عدد سكان لكش 19000 نسمة، واوما 16000 نسمة، واشنونا 9000 نسمة. ويبدو أن أوروك بأراضيها المحاطة بالأسوار والبالغة 440 هكتاراً كانت أكبر مدن سومر في فترة السلالة المبكرة. مع العلم أن عدد سكانها يتباين في أعمال مختلف المؤلفين من 75000 إلى 200000 نسمة. إن فرضية هذه الحسابات لا يمكن أخذها في الاعتبار جديا، فبدون حفريات واسعة لأرض المدن القديمة وبدون معرفة طابع البناء السكني والتخطيط العام لكل مدينة، يستحيل الحصول على أية أرقام موضوعية. واكتسبت المدن الأولى صفة البيت الواحد كما جاء في ملحمة كلكامش عندما ينعت بعض المدن مثل (كيش) بالبيت أو (أوروك) التي شيدتها الآلهة، وجاء في الملحمة نصاً: على بنّائي البلاد أن يحفروا أسسا متينة وحين هبطت الملوكية من السماء من بعد أن أنزل تاج الملوكية السامي من السماء.. أسست المدن بعد أن عينت مواضعها وسميت بأسمائها. الهوامش: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (*) معماري وباحث أكاديمي / استكهولم ـ السويد. (1) المدينة في الأدب ـ ريتشارد ليهان ـ 1988م. |
| | |
| | #10 (permalink) |
| عضو متميز تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 9,233
| (9)قصة اكتشاف درة تاج حضارة وادي الرافدين «ملحمة جلجامش» د. أكرم محمد عبد كسار(*) تشكل ملحمة جلجامش أقدم وأجمل وأكبر نص شعري تمّ اكتشافه في العالم القديم، والتي تعتبر درة تاج حضارة وادي الرافدين، وهي تمثل أولى الملاحم البطولية التي تركت بصماتها الواضحة على الملاحم التي جاءت من بعدها بآلاف السنين، علماً بأنه لا نظير لها بأي لغة قديمة عرفتها منطقة الشرق الاوسط، وقد أثارت اهتماماً كبيراً في العالم الغربي منذ اكتشافها، ومع أنها دونت قبل 4000 عام وترجع حقبة حوادثها إلى أزمان أخرى أبعد، فإنها في مجالها ومداها وأغراضها والمشكلة التي عالجتها وقوة شاعريتها كل ذلك يجعلها من الآداب العالمية الشهيرة، ذات جاذبية إنسانية خالدة في جميع الأزمان والأمكنة، لأنّ القضايا التي أثارتها وعالجتها لا تزال تشغل الإنسان وتفكيره وتؤثر في حياته العاطفية والفكرية، وأنها عالجت قضايا إنسانية عامة مثل مشكلة الحياة والموت، وما بعد الموت، والخلود، ومثلت تمثيلا ً بارعاً مؤثراً ذلك الصراع الأزلي بين الموت والفناء المقدرين وبين إرادة الإنسان المغلوبة المقهورة في محاولتها التشبث بالوجود والبقاء والسعي وراء وسيلة للخلود ولكنها برهنت بأسلوب مؤثر على حتمية الموت على البشر . اكتشفت معظم مواد الملحمة التي تتكون من اثنتي عشرة لوحة تشتمل كل منها على ما يقرب من ثلاث مائة سطر باستثناء اللوحة الثانية عشرة التي تصل الى أقل من نصف هذا العدد من قبل أوستن Layard .Austan H وهرمز رسام Hormuzd Rassam وجورج سميثGeorge Smith بحدود منتصف القرن التاسع عشر الميلادي من خلال الحفريات التي تمت في آخر العواصم الآشورية نينوى في مكتبة معبد الإله نابو ومكتبة قصر الملك الآشوري آشور بانيبال (668 ـ 627 ق.م)، ومنذ ذلك التاريخ اكتشفت عدّة نصوص مسمارية تتصل بهذه الملحمة، وفي مطلع القرن العشرين اشترى برونو مايسنر Bruno Meissner كسر كثيرة من تاجر في بغداد تتصل بالملحمة تم العثور عليها في سبار (أبو حبة الآن) وهي تشتمل على جزء كبير من اللوحة العاشرة. وفي عام 1914م اشترت جامعة بنسلفانيا من تاجر عاديات مجموعة كبيرة من الكسر، وهي تكوّن ستة ألواح تشتمل على اللوحة الثانية البابلية. وفي نفس الوقت اقتنت جامعة ييل Yale شراء لوحة تكمل ما حصلت عليه جامعة بنسلفانيا، وتكمل اللوحة الثالثة. وفي نفس العام (1914م) وجدت البعثة الألمانية في آشور إحدى العواصم الآشورية كمية من الكسر للنسخة الآشورية، تشتمل على اللوحة السادسة، وفي عام 1928 ـ 1929م اكتشف الأثريون الألمان في اوروك (الوركاء الآن) قطعتين صغيرتين تنتميان للوحة الرابعة، كما اكتشفت عدة كسر صغيرة باللغة السومرية لها في ركام مدينة نيبور(نفر الآن) ومدينة كيش ومدينة اُور، وتوالت الاكتشافات وهذه المرة خارج بلاد وادي الرافدين وتحديداً في تركيا وفي مدينة خاتوساس الحيثية (بوغاز كوى الآن) عاصمة الحيثيين القديمة والتي أسفرت عن كسر لقطع بابلية صغيرة تشتمل على ترجمة مختصرة للوحة الخامسة والسادسة وبعض القطع باللغة الحورية. وأول دراسة قدمت كانت من قبل جورج سميث بعد ترتيب وترجمة لما تمّ اكتشافه في نينوى وقرأها في 3/12/1872م أمام جمعية آثار الكتاب المقدس وتحت عنوان التفسير الكلداني للطوفان وقدم ترجمة ومناقشة لعدد من الكسر الصغيرة الخاصة بملحمة جلجامش وبخاصة الجزء المتعلق بالفيضان مما خلق اهتماماً شديداً بالدراسات المسمارية في أوربا، وقد أشار سير هنري رولنصون Henry Rawlinson إلى احتمال أن يكون ما وجد في سفر التكوين يرجع إلى أصول بابلية. وقام بالترجمة والنشر أيضاً فوكس تالبوت Fox Talbot وبسكوف Chod Boscowen.St ولينورمنت Francois Lenormant . وفي عام 1875م نشر هنري رولنصون وجورج سميث الالواح من السادسة إلى الحادية عشرة ثم أعيد نشرها عام 1891م وحل بنش Pinches.G .T محل جورج سميث. وفي عام 1885م نشر Delizch في النصوص الآشورية نص اللوح الحادي عشر ثم طبعة كاملة من باول هاوبت Paul Hauptعام 1884-1891م تحت عنوان ملحمة النمرود البابلية (وكان يطلق على جلجامش اسم النمرود اعتماداً على سفر التكوين 10/8-10 دون ما يثبت ذلك)، ونشر ياسترو Jastrow ترجمة في "ديانة بابل وآشور" عام 1905 - 1912م وكذلك ارنولت Arnolt .Muss عام 1901م في مجلة الأدب البابلي والآشوري، ثم ظهر بعد ذلك ترجمة بيتر ينسن Peter Jensen التي قدمها مع الكتابة بالحروف اللاتينية لنصوص الملحمة المعروفة آنذاك مع شرح تفصيلي وتعليق عليها في مجلة أساطير وملاحم آشورية وبابلية ويعد هذا العمل خطوة واسعة بالنسبة لكل الأعمال السابقة، وما زال يشتمل على معلومات يعتد بها حتى الآن. ثم ظهرت بعد ذلك ترجمة بيتر ينسن Jensen Peter التي قدمها مع الكتابة بالحروف اللاتينية لنصوص الملحمة المعروفة آنذاك مع شرح تفصيلي وتعليق عليها في مجلة أساطير وملاحم آشورية وبابلية ويعد هذا العمل خطوة واسعة بالنسبة لكل الأعمال السابقة، وما زال يشتمل على معلومات يعتد بها حتى الآن، وظهر عام 1902م النص الذي قدمه مايسنر Meissner للملحمة وترجمة Dhorme عام 1907م، وظهرت كسرة جديدة من النص الآشوري نشرها كنج King عام 1914م، ومن الأعمال الهامة في هذه الأيام المبكرة التي تترجم ملحمة جلجامش ما قدمه العالمان آرثر اونجناد ngnadU Arthur و هوجو Hugo عام 1911م بعنوان ملحمة جلجامش وهي تشتمل على ترجمة للملحمة ومناقشة تفصيلية لمحتوياتها، وظهر لوحان آخران (الثاني والثالث) الثاني بملحوظات بويبل وأعاد ياسترو Jastrow layC طبعه، ثم ظهرت نسخة من الملحمة باللغة السومرية بواسطة زمرن Zimmern تشتمل على أسماء Poebel جلجامش وعشتار وانكيدو وذلك في عام 1913م ، وثمة كسر اخرى مشابهة عن الطوفان تحكي قصة الطوفان في البابلية القديمة لا تتصل بالطوفان وتذكر بطله باسم اتراحاسيس (في الكتب السماوية تحت اسم نوح)، وفي عام 1930م قدم كامبل تومبسونThompson Campbell. R مثل في وقتها أحدث طبعة بالخط المسماري للنص وتحت عنوان ملحمة جلجامش والمنشورة في اكسفورد، وهو لا يقدم النص المسماري للنسخة الآشورية فحسب، بل يقدم أيضا النص مكتوباً بالحروف اللاتينية لكل ما عثر عليه من نصوص عن جلجامش والمعروفة في وقته، وكل ما قدم بعد ذلك من ترجمات للنص اعتمدت على هذا النص الذي قدمه تومبسون مالم ينص المترجم خلاف ذلك، وتتوالى بعد ذلك الترجمات. وفي عام 1928م وجد المنقبون الألمان في الوركاء قطعتين كبيرتين تعودان إلى نص اللوح الرابع، ويرجع زمنها الى القرن السادس قبل الميلاد، ووجدت كسرتان من تنقيبات مديرية الآثار العامة في تل حرمل (1945- 1960م) تعودان الى الملحمة، ووجد عام 1951م نصوص من الملحمة في الموضع المسمى سلطان تبه في جنوب تركيا قرب حران، وفي عام1958م نشرت نصوص من الملحمة تعود للعهد البابلي الحديث، كما عثر لأول مرة على كسر تعود للملحمة في مجدو بفلسطين، وتعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، كما وردت رواية قصيرة عن الطوفان وردت في النصوص المسمارية المكتشفة في اوغاريت القديمة (راس شمرا بالقرب من اللاذقية)، وعثرت البعثة الألمانية للتنقيب في الوركاء موسم عام 1973 - 1974م على كسر من نصوص الملحمة، ومن الترجمات التي ترجمت لها الملحمة وبلغات مختلفة والتي تشير الى قيمتها ومكانتها في الفكر العالمي ومن هذه الترجمات التي تم تقديمها بعد أن استكملت الألواح لتصل الى اثنتي عشر لوحاً: اللغةالالمانية: Erich Ebeling in Gressnam’s Alt Orientalische Texte zum Alten Testament(1926) Tseretheli:Gilgameshiani(1924). Erich Ebeling in Gressnam’s Alt Orientalische Texte zum Alten Testament(1926). اللغة الإنكليزية: . C.Thompson:The Epic of Gilgamesh(London,1928) اللغة الإنكليزية: C.Thompson:The Epic of Gilgamesh(1930). اللغة الالمانية: Schott: Das Gilgamesh Epos(Leiozig,1934). اللغة الفرنسية: G.Gontenau:L’Epopee de Gilgamesh(1939). اللغة الدنمركية: Salonen:Gilgamesh-Epos(Helsinki,1943). Alexander Heidel:The Gilgamesh Epic and Old Testament Parallels(1949). Speiser in James B.Pritchard:The Ancient Near Eastern Texts(1950). اللغة الهولندية: H.Kriuningen:Zondvloed en Levenskruid(Amsterdam,1955). اللغة البلجيكية: L.Matoush:Epos Gilgameshovi(Praha,1958). Furlan اللغة الايطالية: G.Furlani:Miti babilonesi e assiri(Florence,1958). اللغة الانكليزية: N.K.Sandars:The Epic of Gilgamesh(Penguin Book,1960). اللغة الروسية: J.M.Djakanoff:Epic of Gilgamesh(1962). ومن الترجمات العربية 1 ـ طه باقر: ملحمة جلجامش وقصص أخرى عن جلجامش والطوفان (ستة طبعات منذ عام 1961 وحتى عام2001 بين بغداد ودمشق). 2 ـ م.م. دياكونوف و ب،س. ترافيموف:جماليات ملحمة جلجامش، ترجمة عزيز حداد (بغداد،1973). 3 ـ حازم سعيد أحمد: جلجامش. في مجلة الكتاب البغدادية وبأعداد مختلفة (بغداد عامي 1974 و 1975). 4 ـ يوسف أمين القصير: جلجامش في العالم السفلي. مسرحية شعرية (بغداد 1973). 5 ـ عبد الحق فاضل: هو الذي رأى. منظومة شعرية (بغداد1975). 6 ـ د. سامي سعيد الأحمد: ملحمة جلجامش (بيروت1984). 7 ـ فراس السواح: جلجامش ملحمة الرافدين الخالدة (دمشق 1996). الهامش: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (*) رئيس الجامعة الحرة في هولندا، أستاذ الآثار والتاريخ والحضارة. |
| | |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags - تاق ) |
| لا شيء |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|