شارع يطالب بدولة كردستانية وقيادات تتمسك بوحدة العراق نقاش | زانكو احمد
السليمانية | 14.12.2011
سيارة مرسيدس بيضاء اللون لا تختلف عن بقية السيارات الموجودة في المدينة إلا عند التمعن في لوحتها، حيث الرقم والمدينة وإلى جانبهما علم كردستان بدلا من اسم العراق.
هذه سيارة سامال نوري، شاب في الرابعة والعشرين من عمره، قام بلصق العلم الكردي على لوحة سيارته لإخفاء اسم العراق، معلنا السليمانية إحدى مدن "دولة كردستان المستقلة" التي طالما حلم بها مع مجموعة من أصدقائه.
يقول سامال لـ"نقاش": "عشت كل عمري في إطار الدولة العراقية ولم أر فيها سوى الحروب والمشاكل. لقد حان الوقت للمطالبة بدولتنا الكردية التي لصقت بالعراق عنوة".
ومع اندلاع ما يسمى بـ"الربيع العربي" والمظاهرات المصاحبة لها في مدينة السليمانية ومدن أخرى في إقليم كردستان بداية شباط (فبراير) الماضي، برز موضوع إقامة دولة كردية إلى السطح مجددا وبدأ الحديث والنقاش بشأنها يأخذ مجرى أكثر حرارة في الشارع وبين النخب الكردية.
ومع استمرار التغيرات التي طرأت على الخارطة السياسية للعالم العربي، صار البعض يتحدث عن "ضرورة" إجراء تغييرات على الخارطة الجغرافية للمنطقة أيضا، خصوصا في إقليم شمالي العراق شبه المستقل.
تاريخيا، فإن جزء كبير من الشارع الكردي العراقي، سعى وطالب استنادا إلى البنود (62 و 63 و 64) من معاهدة "سيفر"، بإعلان الدولة الكردية.
وحسب تلك المعاهدة التي تم توقيعها يوم 10 آب (أغسطس) 1920 بين العثمانيين وقوات التحالف بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، كان للأكراد حق تأسيس دولة خاصة بهم، حالهم حال بقية الدول التي جرى تقطيع أوصالها والإعلان عنها بعد الحرب.
لكن بعد ثلاث سنوت فقط من معاهدة سيفر، وبالتحديد يوم 24 من تموز (يوليو) 1923، جاءت معاهدة "لوزان" لتلغي معاهدة سيفر وتنهي أحلام الأكراد بالحصول على دولة حينذاك.
أما الآن، فمازاد من هذه الرغبة وفي هذا التوقيت بالتحديد، كما يشير اليه المتابعون، هي التغييرات المفاجئة داخل العراق، خصوصا بعد تعالي الأصوات في بعض المحافظات العراقية المطالبة بإقامة أقاليم فيدرالية، هذا إضافة إلى الانسحاب الأمريكي الكامل من العراق والذي دفع بالبعض بالتعجل لطرح هذا الموضوع، لانه بعد انسحاب تلك القوات "لن تبقى هناك أية ضمانات وقد يعود الأكراد الى زمن القمع والظلم".
هاولاتي، إحدى الصحف الكردية الأهلية واسعة الانتشار، فتحت ملفا خاصا حول إمكانيات اقامة دولة كردية منذ 6 شهور.
قامت الصحيفة في الفترة الماضية بنشر العديد من البحوث والمقالات التحليلية حول كيفية استفادة أكراد العراق من الأحداث الراهنة في سبيل إقامة الدولة الكردية.
وقبل عدة أسابيع فقط، مكملا للحملة المذكورة، أسس عدد من الشخصيات السياسية وأساتذة الجامعات وصحفيون ونشطاء مدنيين "المؤسسة الاستراتيجية لبحث الدولة الكردية في كردستان الجنوبية". هذا في إشارة الى كردستان الكبرى الموزعة على كل من تركيا (كردستان الشمالية)، إيران (كردستان الشرقية)، سوريا (كردستان الغربية) والعراق (كردستان الجنوبية).
حسب مسودة أهداف هذه المؤسسة والتي حصلت "نقاش" على نسخة منها، فهي تعمل على "توعية الشارع حول حق تقرير المصير والحق القومي في إعلان دولة مستقلة ونشر القوانين الدولية بهذا الخصوص".
باعتقاد كمال رؤوف، رئيس تحرير صحيفة هاولاتي وأحد مؤسسي المؤسسة، فإن إقليم كردستان غارق في فراغ سياسي كبير وإن التغييرات السياسية في المنطقة "تستوجب التعجل في العمل لإعلان الدولة الكردية".
وحسب القائمين على المؤسسة، فان الدولة المطلوبة تشمل كمرحلة أولى، محافظات الإقليم الثلاث (أربيل، السليمانية ودهوك) على شرط أن يجري استفتاء من قبل الأمم المتحدة على مصير كل من مدينة كركوك وباقي المناطق المتنازع عليها بين حكومة الإقليم والحكومة المركزية في بغداد ليقرر سكانها بقاءهم ضمن حدود دولة العراق أو التحاقهم بـ"الدولة الكردستانية".
واقعيا وكما يشير المراقبون السياسيون، فان إقليم كردستان العراق (حوالي 6 مليون نسمة أو 20% من سكان العراق) يمتلك كل المقومات الضرورية لإعلان دولة كردية مستقلة مستقبلا، مثل مطارات دولية، جيش منظم، لغة، علم، تاريخ، نفط ...إلخ.
وفي وقت أن المحاولات الشعبية والنخبوية في طريق إعلان الدولة الكردية تصل الى مستويات غير مسبوقة، فإن السياسيين والقادة الكرد الكبار، بضمنهم الموجودين في قوى المعارضة، لم يلتحقوا بهذه الحملة، بل على العكس من ذلك يستغلون أية مناسبة كانت للتأكيد على تبنيهم للدستور العراقي ووحدة الأراضي العراقية.
في هذا الصدد يأتون بنسبة التصويت على الدستور العراقي في 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2005 كمثال، حيث كانت نسبة التصويت في المحافظات الكردية عالية جدا مقارنة ببقية محافظات العراق.
وحسب نتائج ذلك الاستفتاء، كانت نسبة التصويت في محافظة اربيل عاصمة اقليم كردستان 90% وافقوا فيها على الدستور العراقي الذي يحرص على وحدة الأراضي العراقية.
الشاب سامال نوري الذي أعلن عن دولة كردستان دون أن ينتظر سماع رأي القيادات الكردية عن طريق لوحة سيارته، يقول "ماتقوله القيادات الكردية ماهو إلا مجاملة سياسية للحفاظ على المبالغ الكبيرة التي يحصلون عليها سنويا من ميزانية الحكومة العراقية".
تاتي ميزانية الإقليم التي وصلت هذا العام الى أكثر من 9 مليارات دولار ومن المتوقع ان تزيد أكثر من الحكومة المركزية في بغداد، وهي ميزانية تعتبر أكبر من ميزانيات العديد من دول العالم بما فيها بعض دول المنطقة.
فتاح زاخويي، وزير ثقافة سابق في حكومة إقليم كردستان، تم ابعاده عن منصبه في الحقيبة الوزارية سنة 2005 لأنه "لم يصوت بنعم للدستور العراقي" كما ذكر وكما أكدته صحف السلطة آنذاك.
زاخويي الذي أظهر في أكثر من مناسبة تأييده إقامة الدولة الكردية، قال لـ"نقاش": "نتائج التصويت على الدستور غير صحيحة وتم التلاعب بها في مصلحة الأحزاب الحاكمة".
بعد أشهر قليلة من سقوط نظام صدام حسين، قام زاخويي مع مجموعة من أصدقائه السياسيين بتأسيس حركة شعبية باسم "نحو الاستفتاء".
في إحدى انشطتهم قاموا بنصب مراكز استفتاء أمام جميع مراكز الإقتراع الرسمية في أولى انتاخابات نيابية بعد سقوط النظام السابق في 15 كانون الثاني (يناير) 2005 وكانت النتيجة مشاركة مايقارب 3 مليون مواطن كردي في الإقليم وبعض المناطق المتنازع عليها صوتوا لصالح انفصال كردستان عن العراق بنسبة 96% بعد أن كان السؤال الموجه اليهم: "هل تود البقاء ضمن حدود العراق ام تود الانفصال؟".
يوضح زاخويي أنهم أعطوا نسخة من النتائج لكوفي عنان الأمين العام للامم المتحدة آنذاك ومسؤلين دوليين ومحليين آخرين، إلا انهم لم يجدوا آذانا صاغية ولم يعر أحد أهمية لتلك النتائج.
الآن زاخويي مصر على تكملة مشواره "عن طريق الحوار مع القوى العربية والكردية".
مايجعل من زاخويي وزملائه متفائلين، هو تأييد بعض الشخصيات السياسة والثقافية العربية لقضيتهم كما يحصل مع الكاتب والنائب عن كتلة "العراقية البيضاء" في مجلس النواب العراقي، حسن علوي الذي ذكر خلال محاضرة له في مدينة السليمانية يوم 17 تشرين الاول (أكتوبر) أن على الحزبين الرئيسيين (الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني) العمل مع بعضهما البعض للتمهيد لإعلان الدولة الكردية.
هنا يقول كمال رؤوف، رئيس تحرير صحيفة هاولاتي، إن حصول التأييد من النخب العربية أمر مهم جدا فبالنتيجة "هم من سيكونون جيراننا ويجب أن نحظى بعلاقة قوية معهم". هذا إضافة الى أن "الدولة المرجوة لن تكون دولة الكرد، بل ستكون دولة كردستان، تعيش فيها كل القوميات والأطياف والأديان بما فيهم العرب".
وفي الوقت الذي يؤكد فيه رؤوف على أن الوقت مناسب اليوم لهذا الإعلان، إلا أن هناك أطرافا أخرى ترى عكس ذلك وتطالب بالتروّي.
في هذا الصدد قال النائب عن التحالف الكردستاني في مجلس النواب العراقي، خالد شواني، في برنامج تلفزيوني الأسبوع الفائت "لن يتحمل العراق البقاء موحدا خلال السنوات الخمس القادمة بسبب تكوينه الديموغرافي ومشاكله السياسية، لذلك ليس من الضروري المطالبة بدولة كردستان الآن. الوقت هو من سيحسم هذا الموضوع".